الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 38

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

عَلَيْهِ، وَعَلَى كُل حَالٍ يَبْرَأُ الْمُحَال عَلَيْهِ، بِالدَّفْعِ إِلَى الْمُحَال، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ مُحَالًا، فَذَاكَ حَقُّهُ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا، فَقَدْ دَفَعَ إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْوَكَالَةِ.

٥١ - تَنْبِيهٌ:

عَدَمُ تَضْمِينِ الْمُحَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الأَْخِيرَةِ عِنْدَمَا يَتْلَفُ الْمَال بِيَدِهِ دُونَ تَفْرِيطٍ - وَلَهَا نَظَائِرُ - مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْتَفَتِ الْحَوَالَةُ فِي هَذَا التَّنَازُعِ الْمَشْرُوعِ ثَبَتَتِ الْوَكَالَةُ، وَقَدْ عَبَّرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُهَذَّبِ بِذَلِكَ فِعْلًا: فَهُوَ يَقُول فِي هَذَا الشِّقِّ مِنَ الْقَضِيَّةِ (وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْل الْمُزَنِيِّ، وَحَلَفَ الْمُحَال ثَبَتَ أَنَّهُ وَكِيلٌ)، كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْبَغَوِيُّ فِي خِلاَفِيَّتِهِ الآْنِفَةِ الذِّكْرِ (ر: ف ٤٢) .

وَلَكِنَّ الْجُوَيْنِيَّ يَحْكِي وَجْهًا آخَرَ بِتَضْمِينِ الْمُحَال، وَيُعَلِّلُهُ بِأَنَّ الأَْصْل فِيمَا يَتْلَفُ فِي يَدِ إِنْسَانٍ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ هُوَ الضَّمَانُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ تَصْدِيقِهِ فِي نَفْيِ الْحَوَالَةِ، لِيَبْقَى حَقُّهُ، تَصْدِيقُهُ فِي إِثْبَاتِ الْوَكَالَةِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الضَّمَانُ. كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قِدَمِ الْعَيْبِ وَحُدُوثِهِ، وَصَدَّقْنَا الْبَائِعَ بِيَمِينِهِ فِي مَنْعِ الرَّدِّ بِذَا الْعَيْبِ، ثُمَّ وَقَعَ الْفَسْخُ، بِتَحَالُفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُمَكَّنُ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِأَرْشِ ذَلِكَ الْعَيْبِ، ذَهَابًا إِلَى أَنَّهُ حَادِثٌ بِمُقْتَضَى يَمِينِهِ (١) .

وَلَعَل مِثْل هَذَا الْمَلْحَظِ هُوَ الَّذِي حَدَا

_________

(١) المهذب ١ / ٣٣٩ ونهاية المحتاج ٤ / ٤١٧ ومغني المحتاج ٢ / ١٩٧ - ١٩٨ والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٥ و٦٦.

بِالْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى الْعُدُول عَنْ عِبَارَتَيْ الشِّيرَازِيِّ وَالْبَغَوِيِّ إِلَى مِثْل قَوْلِهِمْ: (وَبِالْحَلِفِ تَنْدَفِعُ الْحَوَالَةُ)، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُعَوِّلُوا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، بَل وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الإِْشَارَةِ - إِنْ صَحَّ - أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ وَمَضَوْا فِي التَّفْرِيعِ عَلَى أَسَاسِ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ.

مَجْلِسُ الْعَقْدِ:

٥١ م - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَنْعَقِدُ بِالإِْيجَابِ مِنَ الْمُحِيل، وَالْقَبُول مِنَ الْمُحَال.

وَلاَ يَكُونُ قَبُولًا بِمَعْنَاهُ الْمُتَبَادِرِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، بِلاَ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ إِلاَّ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَهُوَ مَجْلِسُ عِلْمِ الْمُحَال بِالإِْيجَابِ غَيْرِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.

وَيُجْبَرُ الْمُحَال عَلَى الْقَبُول عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِذَا أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ. أَمَّا الْمُحَال عَلَيْهِ فَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَاهُ، لاَ فِي الْعَقْدِ وَلاَ خَارِجَهُ، لأَِنَّهُ مَدِينٌ لِلْمُحِيل، فَلاَ شَأْنَ لَهُ بِمَنْ هُوَ مُكَلَّفٌ بِالتَّأْدِيَةِ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى مَنْ يَخْتَارُهُ. لَكِنَّ الإِْيجَابَ مِنَ الْمُحِيل كَافٍ وَحْدَهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَهُمْ يَكْتَفُونَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ بِإِيجَابِ الْمُحِيل فَقَطْ.

وَيَشْتَرِطُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ حُضُورَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَإِقْرَارَهُ، أَوْ حُضُورَهُ وَعِلْمَهُ (١) .

_________

(١) الخرشي على خليل ٤ / ٢٣٢ والمنتقى على الموطأ ٥ / ٦٩ ومغني المحتاج ٢ / ٥ وشرح ابن سودة للتحفة ٢ / ٣٣ ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٢٧. نص مرشد الحيران في المادة ٨٨٢ على عدم اشتراط حضور المحال عليه مع اشتراط رضاه. كما قررت المجلة في المادة ٦٨٢ صحة الحوالة المنعقدة بين المحيل والمحال دون حضور المحال عليه إذا أخبر بها وقبلها.

وَاشْتَرَطَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ حُضُورَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَإِقْرَارَهُ أَوْ حُضُورَهُ وَعِلْمَهُ، وَوَافَقَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ كَابْنِ يُونُسَ وَابْنِ عَرَفَةَ وَأَبِي الْحَسَنِ، حَتَّى لَقَدِ اسْتَنْبَطَ ابْنُ سَوْدَةَ فِي شَرْحِ التُّحْفَةِ مِنَ اجْتِمَاعِ كُل هَؤُلاَءِ أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ تُفْسَخُ الْحَوَالَةُ عَلَى الْغَائِبِ. وَبِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَالَّذِي جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَالْقَرَافِيُّ وَابْنُ سَلْمُونَ - وَاشْتُهِرَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - عَدَمُ اشْتِرَاطِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ وَهُوَ فِي الأَْصْل قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيُنْسَبُ إِلَى مَالِكٍ نَفْسِهِ (١)، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُوَثَّقِينَ وَالأَْنْدَلُسِيِّينَ (٢) . وَهُوَ قَوْل مَنْ عَدَا الْمَالِكِيَّةَ مِنَ الْفُقَهَاءِ (٣) .

٥٢ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ شَرِيطَةَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول أَنْ يَكُونَا بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ هُوَ مَجْلِسُ

_________

(١) هذا صحيح استنباطا من نصوصه. فقد قال فيمن أحيل عليه بأكثر من الدين الذي عليه: " تكون حوالة في مقداره، حمالة في الباقي " فإنه صريح في أنه لا يشترط إقراره، وإذا كان لا يشترط إقراره ولا الكشف عن ذمته فلا معنى لاشتراط حضوره.

(٢) الخرشي على خليل ٤ / ٢٣٥ وحواشي التحفة للعراقي ٢ / ٣٣ - ٣٤.

(٣) ابن عابدين ٤ / ٢٩٠ ومغني المحتاج ٢ / ١٩٧ - ١٩٨ ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٢٧.

الْعَقْدِ، وَقَدْ يُسَمَّى: مَحَل الإِْيجَابِ، وَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الاِبْتِدَاءِ وَالتَّعْقِيبِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْطْرَافِ الثَّلاَثَةِ لِكُل حَوَالَةٍ، وَبِذَلِكَ تَنْعَقِدُ الْحَوَالَةُ إِلاَّ أَنَّهَا تَكُونُ نَاجِزَةً أَوْ مَوْقُوفَةً، نَحْوَ مَا أَسْلَفْنَاهُ (ر: ف ٢٩) .

وَقَدْ لَخَّصَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - بِقَوْلِهِ: (الشَّرْطُ قَبُول الْمُحْتَال فِي الْمَجْلِسِ، وَرِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ وَلَوْ غَائِبًا) . (١)

الشُّرُوطُ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا الأَْطْرَافُ:

٥٣ - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ كَمَا سَبَقَ (ر: ف ٢٤) فِي صِيغَةِ الْحَوَالَةِ عَدَمَ وُجُودِ شَرْطٍ غَيْرِ جَائِزٍ، مِنْ مُبْطِلٍ، كَالتَّعْلِيقِ وَالتَّأْقِيتِ، أَوْ مُفْسِدٍ كَالتَّأْجِيل إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةً فَاحِشَةً.

فَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: (إِنَّ تَعْلِيقَ التَّمْلِيكَاتِ وَالتَّقْيِيدَاتِ لاَ يَجُوزُ، فَالتَّمْلِيكُ، كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِجَارَةٍ، وَأَمَّا التَّقْيِيدُ فَكَعَزْل الْوَكِيل وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ) . (٢)

_________

(١) ابن عابدين على الدر المختار ٤ / ٢٩٠. وعلى وزانه يقال - على طريقة أبي يوسف التي آثرناها: - " الشريطة قبول أحدهما في المجلس، ورضا الآخر ولو غائبا " وواضح أنه عندما يقال: قبول في مجلس العقد يكون المفروض سبق الإيجاب فيه نفسه.

(٢) جامع الفضولين ٢ / ٢ والبحر ٦ / ٢٤١، وستأتي قريبا أمثلة هذه الأنواع من الشروط.

وَهَذَا النَّصُّ يَنْطَبِقُ عَلَى الْحَوَالَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَالتَّقْيِيدِ أَيْضًا، إِذْ كُلٌّ مِنَ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ بِهَا الْتِزَامَاتٍ جَدِيدَةً.

٥٤ - أَمَّا التَّأْقِيتِ، وَالتَّأْجِيل إِلَى الأَْجَل الْمَجْهُول جَهَالَةً فَاحِشَةً: فَلأَِنَّ التَّأْقِيتَ يُنَافِي طَبِيعَةَ الْحَوَالَةِ - أَعْنِي نَقْل الدَّيْنِ - فَلَوْ قِيل الْحَوَالَةُ قَابِلٌ لِمُدَّةِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، مَثَلًا، فَلاَ حَوَالَةَ أَصْلًا، وَلأَِنَّ التَّأْجِيل بِالأَْجَل الْمَجْهُول جَهَالَةً فَاحِشَةً يُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ الْمُشْكِل، مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَقُول الْمُلْتَزِمُ: قَبِلْتُ حَوَالَةَ الدَّيْنِ الَّذِي لَكَ عَلَى فُلاَنٍ، عَلَى أَنْ أُؤَدِيَهُ إِلَيْكَ عِنْدَ هُطُول الْمَطَرِ، أَوْ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ، وَهَذَا شَرْطٌ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ فَيَلْغُو، وَتَكُونُ الْحَوَالَةُ حَالَّةً بِخِلاَفِ التَّأْجِيل بِالأَْجَل الْمَعْلُومِ كَغَايَةِ شَهْرِ كَذَا، أَوِ الْمَجْهُول جَهَالَةً مُحْتَمَلَةً كَمَوْسِمِ حَصَادِ الْقَمْحِ هَذَا الْعَامَ، فَإِنَّهُ تَأْجِيلٌ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ، وَلاَ غَرَرَ فِيهِ أَصْلًا، أَوْ لاَ غَرَرَ يُذْكَرُ.

وَصَرَّحَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْحَوَالَةِ بِأَنَّ تَأْجِيل عَقْدِهَا لاَ يَصِحُّ، وَلَكِنَّ تَأْجِيل الدَّيْنِ فِيهَا يَصِحُّ، فَلَوْ قَال لآِخَرَ: ضَمِنْتُ بِمَا لَكَ عَلَى فُلاَنٍ عَلَى أَنْ أُحِيلَكَ بِهِ عَلَى فُلاَنٍ إِلَى شَهْرٍ، انْصَرَفَ التَّأْجِيل إِلَى الدَّيْنِ لأَِنَّ تَأْجِيل عَقْدِهَا لاَ يَصِحُّ (١) .

٥٥ - وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَالِكِيَّةِ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ أَنْ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٦٦، ٢٩٥ والبحر ٦ / ٢٤١.

يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيل عَلَيْهِ دَائِنُهُ، وَهَذَا عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونِسِيُّ الْمَالِكِيُّ مِنَ الاِكْتِفَاءِ بِأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ فِي الْحَوَالَةِ مُقَارِنًا لِثُبُوتِهَا وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهَا.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْعَاقِدُ فِي الْحَوَالَةِ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَقَالُوا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ: أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ فِي عَقْدِهَا لأَِنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى الْمُغَابَنَةِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْحَوَالَةَ لاَ يَدْخُلُهَا خِيَارٌ وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَيَرَوْنَ كَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ عَلَى الْمُحْتَال أَنْ يُؤَخِّرَ حَقَّهُ أَوْ يُؤَخِّرَ بَعْضَهُ إِلَى أَجَلٍ وَلَوْ مَعْلُومًا لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ، لأَِنَّ الْحَال لاَ يَتَأَجَّل بِالتَّأْجِيل (١) .

أَطْرَافُ الْحَوَالَةِ:

أَوَّلًا - الْمُحِيل وَشَرَائِطُهُ:

٥٦ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُحِيل عِدَّةُ شَرَائِطَ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَشَرِيطَةٌ وَاحِدَةٌ لِنَفَاذِهِ (ر: ف ٩٤) .

فَشَرَائِطُ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ فِي الْمُحِيل نَوْعَانِ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: شَرَائِطُ تَتَعَلَّقُ بِأَهْلِيَّةِ الْمُحِيل:

٥٧ - أ - الْعَقْل: يُشْتَرَطُ فِي الْمُحِيل أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، فَلاَ تَنْعَقِدُ حَوَالَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ اللَّذَيْنِ لاَ تَمْيِيزَ لَدَيْهِمَا. إِذِ الْعَقْل مِنْ شَرَائِطِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفَاتِ كُلِّهَا

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ١٩٥ وكشاف القناع ٣ / ٣٨٣ - ٣٨٥ وبداية المجتهد ٢ / ١٦٠.

ب - نَفَاذُ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ: ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَصِحُّ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ بِشَرِيطَتَيْنِ: إِذْنُ الْقَاضِي، وَعَدَمُ ظُهُورِ دَائِنٍ آخَرَ. وَعَلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.

وَلَكِنَّهُمْ ضَعَّفُوهُ، لأَِنَّ الْحَجْرَ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ بِعَامَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ ثَمَّ دَائِنٌ آخَرُ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الأَْمْرِ.

وَالرَّأْيَانِ يَرِدَانِ فِي حَوَالَةِ السَّفِيهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، إِلاَّ أَنَّ الْقَوْل بِالْجَوَازِ هُنَا فِي حَالَةِ الْحَجْرِ لِلسَّفَهِ أَقْوَى، حَتَّى لَقَدْ قَطَعَ بِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْجَازَةَ اللاَّحِقَةَ لِتَصَرُّفِ السَّفِيهِ كَالإِْذْنِ السَّابِقِ. وَمِنْ هَؤُلاَءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ. فَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَى اثْنَيْنِ فَأَحَالاَ بِهِ، وَأَحَدُهُمَا نَافِذُ التَّصَرُّفِ وَالآْخَرُ بِخِلاَفِهِ - أَوْ كَانَا هُمَا الْمُحَال عَلَيْهِمَا مَعًا، وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ نَافِذِ التَّصَرُّفِ - فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلاَفُ الْمَعْرُوفُ فِي نَتِيجَةِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (١) .

النَّوْعُ الثَّانِي: مَدْيُونِيَّةُ الْمُحِيل لِلْمُحَال:

٥٨ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْحَوَالَةِ، أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل مَدِينًا لِلْمُحَال وَلَوْ بِدَيْنِ حَوَالَةٍ سَابِقَةٍ، أَوْ دَيْنِ كَفَالَةٍ، أَوْ بِدَيْنٍ مُرَكَّبٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ. وَعَلَّلُوهُ بِأَنْ لَيْسَ مِنَ الْمُتَصَوَّرِ حَوَالَةُ دَيْنٍ لاَ وُجُودَ لَهُ. وَيَثْبُتُ الدَّيْنُ بِطُرُقِ الإِْثْبَاتِ الْمُقَرَّرَةِ فِقْهًا، وَيَنُصُّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِإِقْرَارِ الْمُحَال بِثُبُوتِهِ.

_________

(١) مجمع الأنهر ٢ / ٤٢٢، ٤٢٣، ٤٢٦، والخرشي على خليل ٤ / ٢٠٤ ومغني المحتاج على المنهاج ٢ / ١٤٨، ١٧٢.

وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل مَدِينًا لِلْمُحَال. وَإِلاَّ كَانَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى مَدِينٍ وَكَالَةً بِالْقَبْضِ، أَوْ هِبَةَ دَيْنٍ، أَوْ بَيْعَ دَيْنٍ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْهِبَةُ وَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلاَنِ عِنْدَهُمْ (١) .

ثَانِيًا: الْمُحَال وَشَرَائِطُهُ:

٥٩ - يَشْتَرِطُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) فِي الْمُحَال لاِنْعِقَادِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، لأَِنَّ قَبُولَهُ الْحَوَالَةَ شَرِيطَةٌ أَوْ رُكْنٌ فِيهَا، وَغَيْرُ الْعَاقِل لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقَبُول، فَلاَ يَصِحُّ احْتِيَال مَجْنُونٍ وَلاَ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ.

وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَابِلَةُ لِهَذَا الشَّرْطِ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَشْتَرِطُونَ رِضَا الْمُحَال - إِلاَّ عَلَى احْتِمَالٍ ضَعِيفٍ لَهُمْ - بَل الْمُحَال عِنْدَهُمْ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُول إِذَا أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ (٢) .

ثَالِثًا: الْمُحَال عَلَيْهِ وَشَرَائِطُهُ:

٦٠ - أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ عَلَى الأَْصَحِّ - عَنْ

_________

(١) ابن عابدين على الدر المختار ٤ / ٤٨١ ومغني المحتاج ٢ / ١٩٨ والمغني لابن قدامة ٥ / ٥٦، ٦١ و٦٩ والخرشي على خليل ٤ / ٢٣٣ ونهاية المحتاج على المنهاج ٤ / ٤١٠، ونيل المآرب ١ / ٣٨٢.

(٢) الخرشي على خليل ٤ / ٢٣٢، ٢٣٣ والمهذب ١ / ٣٣٧، ٣٣٨، وقد أخذ بهذه الشريطة مرشد الحيران في المادة ٨٨٠ والمجلة في المادة ٦٨٤، والفروع ٢ / ٦٢٦ والإنصاف ٥ / ٢٢٨ وقواعد ابن رجب ٣٢.

عَقْدِ الْحَوَالَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مُنْكِرِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ - وَإِذَنْ فَلَيْسَ يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشَّرَائِطِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْحَنَفِيَّةُ سِوَى مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ، لأَِنَّهُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ إِلاَّ مَحَل اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ كَالدَّارِ يَكُونُ فِيهَا الْمَتَاعُ، أَوِ الْكِيسِ تَكُونُ فِيهِ النُّقُودُ.

وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا بِأَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ الْكَامِلَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَتَوَافَرَ فِيهِ الصِّفَتَانِ التَّالِيَتَانِ:

الأُْولَى: الأَْهْلِيَّةُ:

٦١ - أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمُحَال، فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى مَجْنُونٍ أَوْ صَبِيٍّ لاَ تَمْيِيزَ لَهُ. كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، فَلاَ يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ قَبُولُهَا بِحَالٍ، قِيَاسًا عَلَى الْكَفَالَةِ، وَمَا دَامَ لَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ وَلاَ عِنْدَهُ لِلْمُحِيل مَا يَفِي بِالدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ، لأَِنَّ قَبُول هَذِهِ الْحَوَالَةِ حِينَئِذٍ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً، إِنْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِ الْمُحِيل، وَتَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً إِنْ لَمْ تَكُنْ بِأَمْرِهِ، إِذْ لاَ يَمْلِكُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الأَْخِيرَةِ، سَوَاءٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَكَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ أَمْ غَيْرَ مَأْذُونٍ، بَل وَسَوَاءٌ قَبُولُهُ بِنَفْسِهِ وَقَبُول وَلِيِّهِ لَهُ، لأَِنَّهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ، فَلاَ يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ. وَالتَّقْيِيدُ - بِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ وَلاَ عِنْدَهُ لِلْمُحِيل مَا يَكْفِي - لَيْسَ فِي كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ. وَلَكِنَّ ابْنَ عَابِدِينَ اسْتَظْهَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ

عَلَى الْبَحْرِ فَإِذَا اخْتَل هَذَا الْقَيْدُ - بِأَنْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ عِنْدَهُ لِلْمُحِيل مَا يَكْفِي سَدَادَ دَيْنِهِ - فَيَنْبَغِي أَلاَّ يُشْتَرَطَ بُلُوغُهُ لأَِصْل انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ، بَل لِنَفَاذِهَا، فَتَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ وَلِيِّهِ إِنْ كَانَ دُونَ الْبُلُوغِ.

وَعِنْدَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ شَرِيطَةُ الْبُلُوغِ هَذِهِ شَرِيطَةَ نَفَاذٍ مَطْلُوبَةً فِي الْمُحَال عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، لأَِنَّ فِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ انْتِهَاءً، حَيْثُ يُقْضَى فِيهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ بِطَرِيقِ التَّقَاصِّ، فَتَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ إِجَازَتِهِ.

أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُطْلَقَةً فَإِنَّ بُلُوغَ الْمُحَال عَلَيْهِ عِنْدَئِذٍ شَرِيطَةُ انْعِقَادٍ لاَ بُدَّ مِنْهَا، لأَِنَّهَا كَمَا قَال صَاحِبُ الْبَحْرِ هُنَا: إِنْ كَانَتْ بِأَمْرِ الْمُحِيل كَانَتْ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً، مُعَاوَضَةً انْتِهَاءً، وَإِنْ كَانَتْ بِدُونِ أَمْرِهِ كَانَتْ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَهِيَ مِنَ الْمَضَارِّ الَّتِي لاَ يَمْلِكُهَا عَلَى الصَّغِيرِ وَلِيُّهُ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، فَلاَ تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْبَالِغِ وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ إِجَازَتِهِ.

وَكَوْنُ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدِينًا لِلْمُحِيل أَوْ عِنْدَهُ مَالٌ لَهُ لاَ يَمْنَعُ إِطْلاَقَ الْحَوَالَةِ دُونَ ارْتِبَاطِهَا بِالدَّيْنِ أَوِ الْمَال الَّذِي لِلْمُحِيل عِنْدَهُ، إِلاَّ أَنْ يُقَال: إِنَّهَا عِنْدَئِذٍ تُعْقَدُ مُقَيَّدَةً حُكْمًا بِهَذَا الْمَال أَوِ الدَّيْنِ وَلَوْ صَدَرَتْ بِصِيغَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً