الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرُ فِي الْحَمَّامِ:
١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الْحَمَّامِ تُكْرَهُ، لأَِنَّهُ مَحَلٌّ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَيُفْعَل فِيهِ مَا لاَ يَحْسُنُ فِي غَيْرِهِ، فَيُصَانُ الْقُرْآنُ عَنْهُ.
إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوا الْكَرَاهَةَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ لاَ يُكْرَهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ، وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ الْكَرَاهَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَبِهِ قَال أَبُو وَائِلٍ، وَالشَّعْبِيُّ وَمَكْحُولٌ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، وَأَمَّا إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ خَارِجَ الْحَمَّامِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ غُسَالَةُ النَّاسِ نَحْوِ مَجْلِسِ الْحَمَّامِيِّ وَالثِّيَابِيِّ فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُكْرَهُ. وَيُكْرَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ كَرَاهِيَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْحَمَّامِ وَبِهِ قَال النَّخَعِيُّ. (١)
١٣ - وَأَمَّا الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ فِي الْحَمَّامِ فَلاَ بَأْسَ لِلْمُسْتَتِرِ فِيهِ، فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ حَسَنٌ فِي كُل مَكَان مَا لَمْ يَرِدِ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ دَخَل الْحَمَّامَ فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. (٢) وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ كَانَ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣١٦، والقليوبي ١ / ١٢٠، وكشاف القناع ١ / ١٥٩، ١٦٠، والمغني ١ / ٢٣٢، ٢٣٣.
(٢) المراجع السابقة.
يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُل أَحْيَانِهِ. (١)
الصَّلاَةُ فِي الْحَمَّامِ وَعَلَيْهِ وَإِلَيْهِ
١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ فِي الْحَمَّامِ صَحِيحَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ نَجَسًا، لِقَوْلِهِ ﵊: جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا (٢) وَفِي لَفْظٍ: أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ فَصَل فَهُوَ مَسْجِدٌ. (٣) وَلأَِنَّهُ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ فَصَحَّتِ الصَّلاَةُ فِيهِ كَالصَّحْرَاءِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَهِيَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الصَّلاَةَ فِي الْحَمَّامِ لاَ تَصِحُّ بِحَالٍ، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: الأَْرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ، (٤) وَلأَِنَّهُ مَظِنَّةُ النَّجَاسَاتِ، فَعَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ دُونَ حَقِيقَتِهِ. وَيُصَلَّى فِيهِ لِعُذْرٍ، كَأَنْ حُبِسَ فِيهِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ، ثُمَّ
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه ". أخرجه مسلم (١ / ٢٨٢ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٢) حديث: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. . . " أخرجه مسلم (١ / ٣٧١ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) حديث: " أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد ". أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٤٥٨ - السلفية) ومسلم (١ / ٣٧٠ - ط الحلبي) من حديث أبي ذر، واللفظ لمسلم.
(٤) حديث: " الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة ". أخرجه أبو داود (١ / ٣٣٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٢٥١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي سعيد الخدري وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
لاَ يُعِيدُ صَلاَتَهُ وَلَوْ زَال الْعُذْرُ فِي الْوَقْتِ وَخَرَجَ مِنْهَا، لِصِحَّةِ صَلاَتِهِ. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي الْحَمَّامِ بَيْنَ مَكَانِ الْغُسْل وَصَبِّ الْمَاءِ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُنْزَعُ فِيهِ الثِّيَابُ وَالأَْتُونُ، وَكُل مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُ الْحَمَّامِ، لِتَنَاوُل الاِسْمِ لَهُ. (١)
وَعَلَى هَذَا الْخِلاَفِ الصَّلاَةُ عَلَى سَطْحِ الْحَمَّامِ، لأَِنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ.
١٥ - وَفِي الصَّلاَةِ إِلَى الْحَمَّامِ قَال مُحَمَّدٌ: أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ إِلَى الْحَمَّامِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْل مُحَمَّدٍ هَذَا فَقَال بَعْضُهُمْ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَائِطَ الْحَمَّامِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْمَحَمُّ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُصَبُّ فِيهِ الْحَمِيمُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ، لأَِنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ الأَْنْجَاسِ. وَاسْتِقْبَال الأَْنْجَاسِ فِي الصَّلاَةِ مَكْرُوهٌ. وَأَمَّا إِنِ اسْتَقْبَل حَائِطَ الْحَمَّامِ فَلَمْ يَسْتَقْبِل الأَْنْجَاسَ وَإِنَّمَا اسْتَقْبَل الْحَجَرَ وَالْمَدَرَ، فَلاَ يُكْرَهُ. (٢)
قَطْعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ حَمَّامٍ:
١٦ - فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ: فَإِذَا سَرَقَ مِنَ الْحَمَّامِ لَيْلًا قُطِعَ، لأَِنَّهُ بُنِيَ لِلْحِرْزِ، وَإِذَا
_________
(١» ابن عابدين ١ / ٢٤٠، ٢٥٢، ٢٥٤، والفتاوى الخانية على هامش الفتاوى الهندية ١ / ٢٩، والمدونة الكبرى ١ / ٩٠، والشرح الصغير ١ / ٢٦٧، والقوانين الفقهية / ٥٤، والقليوبي ١ / ١٢٠، والمجموع ٤ / ١٨١، والمغني ٢ / ٦٧، وكشاف القناع ١ / ٢٩٤، ٢٩٥.
(٢) فتح القدير ١ / ٢٩٧ ط دار صادر، والفتاوى الهندية ٥ / ٣١٩.
سَرَقَ مِنْهُ نَهَارًا لاَ يُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ عِنْدَهُ، لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ بِالدُّخُول فِيهِ نَهَارًا، فَاخْتَل الْحِرْزُ، وَمَا اعْتَادَ النَّاسُ مِنْ دُخُول الْحَمَّامِ بَعْضَ اللَّيْل فَهُوَ كَالنَّهَارِ. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ حَمَّامٍ نِصَابًا مِنْ آلاَتِهِ أَوْ مِنْ ثِيَابِ الدَّاخِلِينَ يُقْطَعُ: إِنْ كَانَ دَخَلَهُ لِلسَّرِقَةِ لاَ لِلاِسْتِحْمَامِ، أَوْ نَقَبَ حَائِطَهُ وَدَخَل مِنَ النَّقْبِ أَوْ تَسَوَّرَ وَسَرَقَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ لِلْحَمَّامِ حَارِسٌ أَمْ لاَ. أَمَّا إِنْ سَرَقَ الْحَمَّامَ مِنْ بَابِهِ أَوْ دَخَلَهُ مُغْتَسِلًا فَسَرَقَ لَمْ يُقْطَعْ لأَِنَّهُ خَائِنٌ. (٢) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُقْطَعُ سَارِقُ الْحَمَّامِ إِنْ كَانَ لِلْمَتَاعِ حَافِظٌ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ الثِّيَابِ الْمَسْرُوقَةِ أَوْ غَيْرَهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَافِظٌ فَلاَ يُقْطَعُ، لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ، فَجَرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيْفِ مِنَ الْبَيْتِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي دُخُولِهِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لأَِنَّهُ مَتَاعٌ لَهُ حَافِظٌ. (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " سَرِقَةٌ ".
_________
(١) الاختيار لتعليل المختار ٣ / ١٠٤ ط دار المعرفة.
(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٢٩٢، وحاشية البناني على هامش الزرقانى ٨ / ١٠٢ - ط دار الفكر، وروضة الطالبين ١٠ / ١٤١ ط المكتب الإسلامي.
(٣) المغني ٨ / ٢٥١.
حَمْوٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - حَمْوُ الْمَرْأَةِ وَحَمُوهَا وَحَمُهَا وَحَمَاهَا، أَبُو زَوْجِهَا أَوْ أَخُو زَوْجِهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَل الزَّوْجِ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ فَهُمْ أَحْمَاءُ الْمَرْأَةِ، وَحَمَاةُ الْمَرْأَةِ أُمُّ زَوْجِهَا، وَحَكَى النَّوَوِيُّ إِجْمَاعَ أَهْل اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ. (١)
وَقَال ابْنُ فَارِسٍ: الْحَمْءُ: أَبُو الزَّوْجِ، وَأَبُو امْرَأَةِ الرَّجُل.
وَقَال الْمُحْكَمُ: وَحَمْءُ الرَّجُل أَبُو زَوْجَتِهِ أَوْ أَخُوهَا أَوْ عَمُّهَا. فَحَصَل مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَمْءَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ كَالصِّهْرِ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْخَلِيل عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ. (٢) وَقَالُوا كُل شَيْءٍ مِنْ قِبَل الْمَرْأَةِ فَهُمُ الأَْخْتَانُ وَقَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: الْحَمَاةُ أُمُّ الزَّوْجِ، وَالْخَتَنَةُ أُمُّ الْمَرْأَةِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُبَدِّل مَكَانَ الأَْخْتَانِ الأَْصْهَارَ - وَالْعَكْسُ - وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُهُمْ كُلَّهُمْ أَصْهَارًا، (٣) وَهَذَا عَلَى سَبِيل الْغَلَبَةِ.
_________
(١) طرح التثريب في شرح التقريب ٧ / ٤١.
(٢) المصباح المنير.
(٣) لسان العرب - المصباح المنير - مادة: " حمو ".
وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَعْدُو الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - النَّظَرُ وَالْخَلْوَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَمْوِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ أَحْوَال الْحَمْوِ.
فَالْحَمْوُ الْمَحْرَمُ: كَأَبِي الزَّوْجِ وَإِنْ عَلاَ، وَابْنُ الزَّوْجِ وَإِنْ نَزَل، يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَكَذَلِكَ أُمُّ الزَّوْجَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّوْجِ وَابْنَتُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ إِلَى آخِرِ الآْيَةِ. (١)
وَلِقَوْلِهِ ﷺ أَلاَ لاَ يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ (٢) وَإِنَّمَا خَصَّ فِيهِ الثَّيِّبَ بِالذِّكْرِ لأَِنَّهَا يُدْخَل عَلَيْهَا غَالِبًا، وَأَمَّا الْبِكْرُ فَمَصُونَةٌ فِي الْعَادَةِ، فَهِيَ أَوْلَى بِذَلِكَ.
وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِالأَْجْنَبِيَّةِ، وَإِبَاحَةِ الْخَلْوَةِ بِالْمَحَارِمِ.
وَالْمَحْرَمُ: هِيَ كُل مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ. (٣) انْظُرْ (مَحْرَمٌ) .
٣ - الْحَمْوُ غَيْرُ الْمَحْرَمِ كَأَخِي الزَّوْجِ وَكُل مَنْ
_________
(١) سورة النور / ٣١.
(٢) حديث: " ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧١٠ - ط الحلبي) . من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) طرح التثريب ٧ / ٤١.
يَمُتُّ بِقَرَابَةٍ إِلَى الزَّوْجِ، مَا عَدَا الْمَذْكُورِينَ فِي السَّابِقِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الأَْجْنَبِيِّ فِي النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ، وَالسَّكَنِ، وَاسْتِمَاعِ الصَّوْتِ، وَقَال فِي الإِْنْصَافِ: وَحَرُمَ نَظَرٌ بِشَهْوَةٍ أَوْ مَعَ خَوْفِ ثَوَرَانِهَا لأَِحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا. (١)
وَأَمَّا الْمَسُّ فَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ الْمَسُّ، لأَِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي اللَّذَّةِ وَإِثَارَةِ الشَّهْوَةِ.
وَلاَ يَلْزَمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ حِل النَّظَرِ حِل الْمَسِّ وَالْخَلْوَةِ كَالشَّاهِدِ وَنَحْوِهِ. (٢)
خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَمَسُّ الْمَحْرَمِ لِمَا يَحِل لَهُ نَظَرُهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ جَائِزٌ كَالنَّظَرِ. (٣)
وَالْخَلْوَةُ كَذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الدُّخُول عَلَى النِّسَاءِ أَوِ السُّكْنَى لِحَدِيثِ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُول عَلَى النِّسَاءِ. فَقَال رَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ: يَا رَسُول اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَال: الْحَمْوُ الْمَوْتُ. (٤)
وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مِنَ الأَْحْمَاءِ، وَقَدْ خَرَجَ هَذَا الْكَلاَمُ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ،
_________
(١) مطالب أولي النهى (٥ / ٢٠) والبدائع ٥ / ١٢٠، وشرح الروض ٣ / ١١٠، وبلغة السالك ١ / ١٠٦.
(٢) المصادر السابقة.
(٣) البدائع ٥ / ١٢٠ و١٢٣، وابن عابدين ٥ / ٢٣٥.
(٤) حديث: " إياكم والدخول على النساء. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٣٣٠ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٧١١ - ط الحلبي) من حديث عقبة بن عامر.
لأَِنَّهُ ﷺ فَهِمَ مِنَ السَّائِل طَلَبَ التَّرْخِيصِ بِدُخُول مِثْل هَؤُلاَءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِمَحَارِمَ. (١) وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ رَاجِعْ بَحْثَ: (أَجْنَبِيٌّ، قَرَابَةٌ، اسْتِمْتَاعٌ، اشْتِهَاءٌ - وَمَحْرَمٌ) .
حَمِيلٌ
ر: حَمَالَةٌ، كَفَالَةٌ
_________
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٥١٢ شرح روض الطالب ٣ / ٤٢٨ - ٤٣٢، الشرقاوي على التحرير ٢ / ٣٤٦.
حِمْيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِمْيَةُ - وَالْحَمْوَةُ أَيْضًا - فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، وَحَمَى الْمَرِيضَ مَا يَضُرُّهُ: أَيْ مَنَعَهُ إِيَّاهُ فَاحْتَمَى هُوَ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - الْحِمْيَةُ نَوْعٌ مِنَ التَّدَاوِي وَهُوَ مَشْرُوعٌ.
لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ: قَالَتِ الأَْعْرَابُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَلاَ نَتَدَاوَى؟ قَال: نَعَمْ عِبَادَ اللَّهِ، تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً إِلاَّ دَاءً وَاحِدًا. (٢) قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَال: الْهَرَمُ.
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الأَْصْل فِي الْحِمْيَةِ: قَوْله تَعَالَى
_________
(١) لسان العرب.
(٢) حديث أسامة بن شريك: " قالت الأعراب: يا رسول الله. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ٣٨٣ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن صحيح ".
: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١)، فَحَمَى الْمَرِيضَ مِنَ اسْتِعْمَال الْمَاءِ لأَِنَّهُ يَضُرُّهُ. (٢)
وَعَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ سَلْمَى بِنْتِ قَيْسٍ الأَْنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: دَخَل عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلِيٌّ نَاقِهٌ مِنْ مَرَضٍ، وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلَّقَةٌ، فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَأْكُل مِنْهَا وَقَامَ عَلِيٌّ يَأْكُل مِنْهَا فَطَفِقَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول لِعَلِيٍّ: إِنَّكَ نَاقِهٌ حَتَّى كَفَّ، قَالَتْ وَصَنَعْتُ شَعِيرًا وَسَلْقًا فَجِئْتُ بِهِ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: مِنْ هَذَا أَصِبْ، فَإِنَّهُ أَوْفَقُ لَكَ. (٣)
وَقَال زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: حَمَى عُمَرُ ﵁ مَرِيضًا حَتَّى أَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ مَا حَمَاهُ كَانَ يَمْتَصُّ النَّوَى. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: " وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْحِمْيَةُ مِنْ أَنْفَعِ الأَْدْوِيَةِ قَبْل الدَّاءِ فَتَمْنَعُ حُصُولَهُ، وَإِذَا حَصَل فَتَمْنَعُ تَزَايُدَهُ، وَانْتِشَارَهُ. (٤)
_________
(١) سورة النساء / ٤٣، والمائدة / ٦.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٧٦، مطالب أولي النهى ١ / ٨٣٦، وروض الطالب ١ / ٢٩٥، وحاشية البجيرمي ١ / ٤٤٨، والطب النبوي لابن القيم ص ١٠٣.
(٣) حديث أم المنذر: " دخل علينا رسول الله ﷺ. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ١١٣٩ - ط الحلبي) والترمذي (٤ / ٣٨٢ - ط الحلبي) وحسنه الترمذي.
(٤) الطب النبوي لابن قيم الجوزية ص ١٠٥.