الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
عَادَتُهُنَّ سَتْرَ جَمِيعِ الْجَسَدِ، وَغَيْرُ جَائِزَةٍ إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُنَّ عَدَمَ السَّتْرِ، وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُنَّ الدُّخُول بِالْمَآزِرِ. (١)
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ إِجَارَةَ الْحَمَّامِ وَبَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ مَكْرُوهٌ. قَال أَبُو دَاوُدَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ كَرْيِ الْحَمَّامِ؟ قَال: أَخْشَى، كَأَنَّهُ كَرِهَهُ. وَقِيل لَهُ: فَإِنِ اشْتُرِطَ عَلَى الْمُكْتَرِي أَنْ لاَ يَدْخُلَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إِزَارٍ، فَقَال: وَيُضْبَطُ هَذَا؟ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ فِعْل الْمُنْكَرَاتِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَدُخُول النِّسَاءِ إِلَيْهِ.
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ قَال: قَدِمْتُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَسَأَلَنِي عَنْ مَالِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ لِي غِلْمَانًا وَحَمَّامًا لَهُ غَلَّةٌ: فَكَرِهَ لَهُ غَلَّةَ الْحَجَّامِينَ، وَغَلَّةَ الْحَمَّامِ، وَقَال: إِنَّهُ بَيْتُ الشَّيَاطِينِ، وَسَمَّاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ شَرَّ بَيْتٍ. (٢)
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٢ ط دار إحياء التراث العربي، والاختيار لتعليل المختار ٢ / ٦٠ ط دار المعرفة، وفتح القدير٧ / ١٧٨، ١٧٩ ط دار صادر، والعناية على هامش فتح القدير ٧ / ١٧٨، ١٧٩، وجواهر الإكليل ٢ / ١٩٥ ط مطبعة ابن شقرون، وحاشية البناني على هامش الزرقاني ٧ / ٤٥ ط دار الفكر، والمدونة ٤ / ٥٠٩ ط دار صادر، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٧٩، ٢٨٠ ط مصطفى البابي الحلبي، والقليوبي ٣ / ٧٢، ٣ / ٨٤ ط دار إحياء الكتب العربية.
(٢) حديث: ابن عباس مرفوعا: " شر البيت الحمام ". أورده الهيثمي في المجمع (١ / ٢٧٨ - ط القدسي) وقال: " رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن عثمان السمتي، ضعفه البخاري والنسائي ووثقه أبو حاتم وابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
وَكَسْبُ الْحَمَّامِيِّ مَكْرُوهٌ، وَحَمَّامِيَّةُ النِّسَاءِ أَشَدُّ كَرَاهَةً. (١)
قَال أَحْمَدُ فِي الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ: لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَحَمَلَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى غَيْرِ الْبِلاَدِ الْبَارِدَةِ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الزَّيْلَعِيِّ: أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَصَّل بَيْنَ حَمَّامِ الرَّجُل وَحَمَّامِ النِّسَاءِ. (٢)
الشُّفْعَةُ فِي الْحَمَّامِ:
٣ - لاَ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي الْحَمَّامِ الَّذِي لاَ يَقْبَل الْقِسْمَةَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ مِنْ أَصْلِهِمْ: أَنَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا لاَ يَتَحَقَّقُ فِيمَا لاَ يَحْتَمِلُهَا وَتَثْبُتُ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي يَقْبَل الْقِسْمَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَتَأَتَّى الاِنْتِفَاعُ بِالْمَأْخُوذِ بِالشُّفْعَةِ. (٣)
قَال الْمَحَلِّيُّ: كُل مَا لَوْ قُسِمَ بِطَلَبِ مَنْفَعَتِهِ الْمَقْصُودَةِ كَحَمَّامٍ وَرَحًى صَغِيرَيْنِ لاَ شُفْعَةَ فِيهِ فِي الأَْصَحِّ. وَمُقَابِلُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ دَفْعُ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٢، والمغني ١ / ٢٣٠ وما بعدها ط الرياض، وكشاف القناع ١ / ١٥٨ ط عالم الكتب، والآداب الشرعية ٣ / ٣٣٦.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٢، وكشاف القناع ١ / ١٥٨.
(٣) حاشية الدسوقي ٣ / ٤٧٦ ط دار الفكر، والشرقاوي ٢ / ١٤٦، وحاشية الجمل ٣ / ٥٠٠، ٥٠١، ونيل المآرب ١ / ٤٥٣.
ضَرَرِ الشَّرِكَةِ فِيمَا يَدُومُ، وَكُلٌّ مِنَ الضَّرَرَيْنِ حَاصِلٌ قَبْل الْبَيْعِ، وَمِنْ حَقِّ الرَّاغِبِ فِيهِ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُخَلِّصَ صَاحِبَهُ بِالْبَيْعِ لَهُ، فَإِذَا بَاعَ لِغَيْرِهِ سَلَّطَهُ الشَّرْعُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِي الْحَمَّامِ فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقَدْرِهِ، لأَِنَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَهُمْ لِدَفْعِ ضَرَرِ التَّأَذِّي بِسُوءِ الْمُجَاوَرَةِ عَلَى الدَّوَامِ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " شُفْعَةٌ ".
قِسْمَةُ الْحَمَّامِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْقِسْمَةِ جَبْرًا عَدَمَ فَوْتِ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ بِالْقِسْمَةِ، وَلِذَا لاَ يُقَسَّمُ حَمَّامٌ وَنَحْوُهُ عِنْدَ عَدَمِ الرِّضَا، أَمَّا عِنْدَ رِضَا الْجَمِيعِ فَتَجُوزُ قِسْمَتُهُ، لِوُجُودِ التَّرَاضِي مِنْهُمْ بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ، فَكُل وَاحِدٍ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ فِيمَا شَاءَ كَأَنْ يَجْعَلَهُ بَيْتًا.
وَقَيَّدَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَدَمَ جَوَازِ قِسْمَةِ الْحَمَّامِ بِأَنْ يَكُونَ صَغِيرًا. (٣) وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ " قِسْمَةٌ ".
_________
(١) المحلي على المنهاج وشرح القليوبي ٣ / ٤٣.
(٢) ابن عابدين ٥ / ١٥٠، والمدونة الكبرى ٥ / ٤٣٢ طبع دار صادر.
(٣) ابن عابدين ٥ / ١٦١، ١٦٦، والفتاوى الهندية ٥ / ٢٠٧، والمدونة ٥ / ٥١٥، والقوانين الفقهية ٢٨٢، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٨٥، ونيل المآرب ٢ / ٤٦٠.
دُخُول الْحَمَّامِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ دُخُول الْحَمَّامِ مَشْرُوعٌ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ.
وَقَدْ دَخَل خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَمَّامَ حِمْصَ، وَدَخَل ابْنُ عَبَّاسٍ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ. وَكَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَدْخُلاَنِ الْحَمَّامَ. وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ، مَعَ مُرَاعَاةِ مَا يَلِي:
٦ - إِذَا كَانَ الدَّاخِل رَجُلًا فَيُبَاحُ لَهُ دُخُولُهُ إِذَا أَمِنَ وُقُوعَ مُحَرَّمٍ: بِأَنْ يَسْلَمَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ وَمَسِّهَا، وَيَسْلَمَ مِنْ نَظَرِهِمْ إِلَى عَوْرَتِهِ وَمَسِّهَا، وَإِنْ خَشِيَ أَنْ لاَ يَسْلَمَ مِنْ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِي الْمَحْظُورِ، فَإِنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ وَمُشَاهَدَتَهَا حَرَامٌ، لِمَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَال: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. (١) قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَال: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلاَ يَرَيَنَّهَا. قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ. إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا. قَال: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ.
_________
(١) حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: " احفظ عورتك. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٠٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٥ / ٩٧ - ٩٨ - ط الحلبي) . واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: " حديث حسن ".
وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُل مَنْ فِي الْحَمَّامِ عَلَيْهِ إِزَارٌ، قَال أَحْمَدُ: إِنْ عَلِمْتَ أَنَّ كُل مَنْ فِي الْحَمَّامِ عَلَيْهِ إِزَارٌ فَادْخُلْهُ، وَإِلاَّ فَلاَ تَدْخُل.
وَقَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: دُخُول الْحَمَّامِ بِغَيْرِ إِزَارٍ حَرَامٌ. لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يَدْخُل الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يُدْخِل حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ. (١)
وَأَيْضًا رُوِيَ مَنْ دَخَل الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ لَعَنَهُ الْمَلَكَانِ (٢)
قَال ابْنُ نَاجِي مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: دُخُول الرَّجُل الْحَمَّامَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: الأَْوَّل: دُخُولُهُ مَعَ زَوْجَتِهِ، أَوْ وَحْدَهُ فَمُبَاحٌ، الثَّانِي: دُخُولُهُ مَعَ قَوْمٍ لاَ يَسْتَتِرُونَ فَمَمْنُوعٌ، الثَّالِثُ: دُخُولُهُ مَعَ قَوْمٍ مُسْتَتِرِينَ فَمَكْرُوهٌ، إِذْ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَنْكَشِفَ
_________
(١) حديث: " من كان يؤمن بالله واليوم. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ١١٣ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله، وحسنه.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٢، والفتاوى الهندية ١ / ١٣، والقوانين الفقهية / ٤٤٣، ٤٤٤، وحاشية البناني على هامش الزرقاني ٧ / ٤٥، وأسنى المطالب ١ / ٧٢ ط المكتبة الإسلامية والمغني ١ / ٢٣٠، ٢٣١، والآداب الشرعية ٣ / ٣٣٧. وحديث: " من دخل الحمام بغير مئزر لعنه الملكان " أخرجه الشيرازي من حديث أنس كما في فيض القدير للمناوي (٦ / ١٢٤ - ط المكتبة التجارية) وأشار السيوطي إليه بالضعف.
بَعْضُهُمْ فَيَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَا لاَ يَحِل. وَقِيل فِي هَذَا الْوَجْهِ: إِنَّهُ جَائِزٌ. (١)
٧ - إِذَا كَانَ الدَّاخِل امْرَأَةً فَيُبَاحُ لَهَا دُخُولُهُ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا سَبَقَ، وَبِوُجُودِ عُذْرٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ حَاجَةٍ إِلَى الْغُسْل، وَأَنْ لاَ يُمْكِنَهَا أَنْ تَغْتَسِل فِي بَيْتِهَا لِخَوْفِهَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ ضَرَرٍ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَال لَهَا الْحَمَّامَاتُ، فَلاَ يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَال إِلاَّ بِالأُْزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلاَّ مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ (٢) وَلِخَبَرِ مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَضَعُ أَثْيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلاَّ هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا. (٣)
وَلأَِنَّ أَمْرَ النِّسَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي السِّتْرِ، وَلِمَا فِي خُرُوجِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِنَّ مِنَ الْفِتْنَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ كُرِهَ لَهَا دُخُول الْحَمَّامِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ إِحْكَامَاتِ
_________
(١) حاشية البناني على هامش الزرقاني ٧ / ٤٥.
(٢) حديث: " إنها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٠٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وأورده المنذري في مختصره (٦ / ١٥ - نشر دار المعرفة) وقال: " في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وقد تكلم فيه غير واحد ".
(٣) حديث: " ما من امرأة تضع أثيابها في غير بيت زوجها. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ١١٤ - ط الحلبي) من حديث عائشة وحسنه.
الأَْشْبَاهِ: أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنْ لاَ كَرَاهَةَ مُطْلَقًا، ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَفِي زَمَانِنَا لاَ شَكَّ فِي الْكَرَاهَةِ لِتَحَقُّقِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّمَا مُنِعَ دُخُولُهُنَّ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ حَمَّامَاتٌ مُنْفَرِدَةٌ، فَأَمَّا مَعَ انْفِرَادِهِنَّ عَنِ الرِّجَال فَلاَ بَأْسَ، وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اعْتَادَتِ الْحَمَّامَ وَشَقَّ عَلَيْهَا تَرَكَتْ دُخُولَهُ إِلاَّ لِعُذْرٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا دُخُولُهُ. (١)
دُخُول الذِّمِّيَّةِ الْحَمَّامَ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ:
٨ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ إِذَا كَانَتْ فِي الْحَمَّامِ مَعَ النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ أَنْ تَكْشِفَ عَنْ بَدَنِهَا مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ، وَهُوَ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
وَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ يَجِبُ عَلَيْهَا فِي الْحَمَّامِ أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهَا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا هَتَكَتْ سِتْرَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ. (٢)
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٢، والقوانين الفقهية / ٤٤٣، ٤٤٤، وحاشية البناني على الزرقاني ٧ / ٤٥، وأسنى المطالب ١ / ٧٢، وكشاف القناع ١ / ١٥٨، ١٥٩.
(٢) حديث: " أيما امرأة وضعت ثيابها ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٢٣٤ - ط الحلبي) من حديث عائشة والحاكم (٤ / ٢٨٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
أَمَّا الذِّمِّيَّةُ فَلَيْسَ لَهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الْمُسْلِمَةِ إِلاَّ مَا يَرَاهُ الرَّجُل الأَْجْنَبِيُّ مِنْهَا، وَلِهَذَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الذِّمِّيَّةَ تُمْنَعُ مِنْ دُخُول الْحَمَّامِ مَعَ النِّسَاءِ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ ﵁ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَ أَهْل الذِّمَّةِ يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ مَعَ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَامْنَعْ مِنْ ذَلِكَ. وَحُل دُونَهُ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَرَى الذِّمِّيَّةُ عَرِيَّةَ الْمُسْلِمَةِ. وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لاَ يَحِل لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَرَاهَا يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ لِئَلاَّ تَصِفَهَا لِزَوْجِهَا. (١)
آدَابُ الدُّخُول إِلَى الْحَمَّامِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ:
٩ - مِنْ آدَابِهِ:
- أَنْ يُسَلِّمَ الأُْجْرَةَ أَوَّلًا أَيْ قَبْل دُخُولِهِ، ذَكَرَ هَذَا الشَّافِعِيَّةُ.
- وَأَنْ يَقْصِدَ بِدُخُولِهِ التَّنْظِيفَ وَالتَّطْهِيرَ لاَ التَّرَفُّهَ وَالتَّنَعُّمَ.
- وَأَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي دُخُولِهِ، وَالْيُمْنَى فِي خُرُوجِهِ.
- وَيَقْصِدَ مَوْضِعًا خَالِيًا، لأَِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ.
- وَيُقَلِّل الاِلْتِفَاتَ تَجَنُّبًا لِرُؤْيَةِ عَوْرَةٍ.
_________
(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٣ / ٢١١، والقوانين الفقهية ص ٤٣١، والزرقاني ١ / ١٧٦، وتفسير القرطبي ١٢ / ٢٣٣ في تفسير سورة النور آية ٣١، والمغني ٦ / ٥٦٢.
- وَلاَ يُكْثِرَ الْكَلاَمَ، وَيَتَحَيَّنَ بِدُخُولِهِ وَقْتَ الْفَرَاغِ أَوِ الْخَلْوَةِ إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ.
- وَلاَ يُطِيل الْمَقَامَ، وَيَمْكُثَ فِيهِ مُكْثًا مُتَعَارَفًا، وَأَنْ يَصُبَّ صَبًّا مُتَعَارَفًا مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ. (١)
طَهَارَةُ مَاءِ الْحَمَّامِ
١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الْغُسْل وَالْوُضُوءُ بِمَاءِ الْحَمَّامِ، وَيُجْعَل بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي، لأَِنَّ الأَْصْل الطَّهَارَةُ فَلاَ تَزُول بِالشَّكِّ. (٢)
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ أَدْخَل يَدَهُ فِي حَوْضِ الْحَمَّامِ وَعَلَيْهَا نَجَاسَةٌ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ سَاكِنًا لاَ يَدْخُل فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأُْنْبُوبِ، وَلاَ يَغْتَرِفُ النَّاسُ بِالْقَصْعَةِ، يَتَنَجَّسُ مَاءُ الْحَوْضِ، وَإِنْ كَانُوا يَغْتَرِفُونَ مِنَ الْحَوْضِ بِقِصَاعِهِمْ، وَلاَ يَدْخُل مِنَ الأُْنْبُوبِ مَاءٌ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُنَجِّسُ مَاءَ الْحَوْضِ.
وَإِنْ كَانَ النَّاسُ يَغْتَرِفُونَ بِقِصَاعِهِمْ،
_________
(١) ابن عابدين، والفتاوى الهندية ١ / ١٣، والقوانين الفقهية / ٤٤٣، ٤٤٤، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٧٩، وأسنى المطالب ١ / ٧٢، والشرقاوي ١ / ٩٢، ٩٣ ط دار إحياء الكتب العربية، وكشاف القناع ١ / ١٥٨ - ١٥٩ والآداب الشرعية ٣ / ٣٣٩، ٣٤٠.
(٢) الفتاوى الخانية على هامش الفتاوى الهندية ١ / ١٣، ١٤، ونيل المآرب ١ / ٤١، والمغني ١ / ٢٣٢.
وَيَدْخُل الْمَاءُ مِنَ الأُْنْبُوبِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ: وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَنْجُسُ. وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي صُبَّ عَلَى وَجْهِ الْحَمَّامِ (أَيْ أَرْضِهِ) فَالأَْصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ طَاهِرٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ فِيهِ خَبَثًا، حَتَّى لَوْ خَرَجَ إِنْسَانٌ مِنَ الْحَمَّامِ وَقَدْ أَدْخَل رِجْلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُمَا بَعْدَ الْخُرُوجِ وَصَلَّى جَازَ.
وَإِذَا تَنَجَّسَ حَوْضُ الْحَمَّامِ فَدَخَل فِيهِ الْمَاءُ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَطْهُرُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ مِثْل مَا كَانَ فِيهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا خَرَجَ مِنْهُ مِثْل مَا كَانَ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً يَطْهُرُ، لِغَلَبَةِ الْمَاءِ الْجَارِي عَلَيْهِ، وَالأَْوَّل أَحْوَطُ. (١)
السَّلاَمُ فِي الْحَمَّامِ:
١١ - لاَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ فِي الْحَمَّامِ لأَِنَّ أَحْوَالَهُ لاَ تُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلاَ يَجِبُ الرَّدُّ، وَقِيل: لاَ يَرُدُّ.
وَقَال أَحْمَدُ: لاَ أَعْلَمُ أَنَّنِي سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا، وَيَرَى بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الأَْوْلَى جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ (٢) وَلأَِنَّهُ لَمْ يَرِدُ فِيهِ نَصٌّ، وَالأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ. (٣)
_________
(١) الفتاوى الخانية على هامش الفتاوى الهندية ١ / ١٣، ١٤.
(٢) حديث: " أفشوا السلام بينكم ". أخرجه مسلم (١ / ٧٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٢٦، والقوانين الفقهية / ٤٤٨، وحاشية الجمل ٥ / ١٨٩، القليوبي ٤ / ٢١٦، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٣٢، وكشاف القناع ١ / ١٦٠، والمغني ١ / ٢٣٣.