الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
أَشْكَالِهَا (١) . وَذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: أُحِل الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي وَحَرُمَ عَلَى ذُكُورِهَا (٢) .
وَيُسْتَثْنَى مِنَ التَّحْرِيمِ حَالَتَانِ:
الْحَالَةُ الأُْولَى: اتِّخَاذُهُ لِلْحَاجَةِ. ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ أَنْفٍ أَوْ سِنٍّ مِنَ الذَّهَبِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
لِحَدِيثِ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ الَّذِي قُلِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلاَبِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ (٣) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلٌ لأَِبِي يُوسُفَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اتِّخَاذِ السِّنِّ أَوْ شَدِّهِ بِالذَّهَبِ لِلرِّجَال دُونَ الْفِضَّةِ، لأَِنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الأَْنْفِ دُونَ غَيْرِهِ وَلِضَرُورَةِ النَّتْنِ بِالْفِضَّةِ (٤) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْلِيَةُ آلاَتِ الْقِتَال بِالذَّهَبِ. ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَحْلِيَةِ آلاَتِ الْقِتَال بِالذَّهَبِ، لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّ التَّحَلِّيَ
_________
(١) البناية ٩ / ٢٢٨، ٢٣٦، جواهر الإكليل ١ / ١٠، المجموع ٦ / ٣٨، كشاف القناع ٢ / ٢٣٨.
(٢) حديث: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم. . . ". أخرجه النسائي (٨ / ١٦١ - ط المكتبة التجارية) من حديث أبي موسى. وحسنه ابن المديني كما في التلخيص لابن حجر (١ / ٥٣ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٣) حديث: " عرفجة بن أسعد. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٤٣٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤ / ٢٤٠ - ط الحلبي) وحسنه الترمذي.
(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣١.
بِالذَّهَبِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَال إِلاَّ مَا خَصَّهُ الدَّلِيل وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يَدُل عَلَى الْجَوَازِ. وَلأَِنَّ فِيهِ زِيَادَةَ إِسْرَافٍ وَخُيَلاَءَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ السَّيْفِ بِالذَّهَبِ سَوَاءٌ مَا اتَّصَل بِهِ كَالْقَبِيعَةِ (١) وَالْمِقْبَضِ، أَوْ مَا انْفَصَل عَنْهُ كَالْغِمْدِ، وَقَصَرَ الْحَنَابِلَةُ الْجَوَازَ عَلَى الْقَبِيعَةِ لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ لَهُ سَيْفٌ فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ. وَكَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ فِضَّةٍ (٢) .
ب - حِلْيَةُ الْفِضَّةِ لِلرِّجَال:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الرَّجُل خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَعَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ سِنٍّ أَوْ أَنْفٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَعَلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ (٣) .
وَلِلْمَذَاهِبِ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " تَخَتُّمٌ " مِنَ الْمَوْسُوعَةِ (ج ١١) .
_________
(١) قبيعة السيف: ما على طرف مقبضه من فضة أو حديد (القاموس، والمعجم الوسيط) .
(٢) حديث: " كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢٠١ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك. . . وحسنه الترمذي.
(٣) البناية ٩ / ٢٢٨، حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٩، الشرح الصغير ١ / ٦١، حاشية الدسوقي ١ / ٦٣، المجموع ٦ / ٣٨، تحفة المحتاج ٣ / ٢٧٦، كشاف القناع ٢ / ٢٣٨، الإنصاف ٣ / ١٤٤ - ١٤٥.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الْخَاتَمَ بِأَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى دِرْهَمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ.
وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنْ لاَ يَبْلُغَ بِهِ حَدَّ الإِْسْرَافِ فَلاَ يَتَجَاوَزَ بِهِ عَادَةً أَمْثَال اللاَّبِسِ.
وَلِلْحَنَابِلَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي تَحَلِّي الرِّجَال بِالْفِضَّةِ فِيمَا عَدَا الْخَاتَمَ وَحِلْيَةَ السِّلاَحِ أَحَدُهَا: الْحُرْمَةُ. وَالثَّانِي: الْكَرَاهَةُ، وَالثَّالِثُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: لاَ أَعْرِفُ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْفِضَّةِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ وَكَلاَمُ شَيْخِنَا (يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ) يَدُل عَلَى إِبَاحَةِ لُبْسِهَا لِلرِّجَال إِلاَّ مَا دَل الشَّرْعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، أَيْ مِمَّا فِيهِ تَشَبُّهٌ أَوْ إِسْرَافٌ أَوْ مَا كَانَ عَلَى شَكْل صَلِيبٍ وَنَحْوِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى خَاتَمِ الْفِضَّةِ فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى إِبَاحَةِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، وَالتَّحْرِيمُ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ وَالأَْصْل عَدَمُهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ حُلِيِّ الْفِضَّةِ لِلرِّجَال عَدَا الْخَاتَمَ وَحِلْيَةَ السَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ (١) وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ تَصْرِيحًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى إبَاحَةِ يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَال شَرِيطَةَ أَنْ يَقِل الذَّهَبُ عَنِ الْفِضَّةِ وَأَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْفِضَّةِ، وَذَلِكَ كَالْمِسْمَارِ يُجْعَل فِي حَجَرِ الْفَصِّ.
_________
(١) الإنصاف ٣ / ١٤٩، والشرح الصغير ١ / ٥٩ - ٦٠.
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ (١) .
أَمَّا فِيمَا عَدَا خَاتَمَ الْفِضَّةِ مِنَ الْحُلِيِّ لِلرِّجَال كَالدُّمْلُجِ، وَالسِّوَارِ، وَالطَّوْقِ، وَالتَّاجِ، فَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ: الأَْوَّل التَّحْرِيمُ، وَالثَّانِي الْجَوَازُ مَا لَمْ يَتَشَبَّهْ بِالنِّسَاءِ. لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْفِضَّةِ إِلاَّ تَحْرِيمُ الأَْوَانِي، وَتَحْرِيمُ الْحُلِيِّ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ أَنْفٍ أَوْ سِنٍّ مِنْ فِضَّةٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ عَدَا السَّرْجَ وَاللِّجَامَ وَالثَّغْرَ لِلدَّابَّةِ فَهُوَ حَرَامٌ، لأَِنَّهُ حِلْيَةٌ لِلدَّابَّةِ لاَ لِلرَّجُل. وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ الْجَوَازَ عَلَى حِلْيَةِ السَّيْفِ فَقَطْ (٢) .
حِلْيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلنِّسَاءِ:
٦ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْمَرْأَةِ أَنْوَاعَ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَمِيعًا كَالطَّوْقِ، وَالْعَقْدِ، وَالْخَاتَمِ، وَالسِّوَارِ، وَالْخَلْخَال، وَالتَّعَاوِيذِ، وَالدُّمْلُجِ، وَالْقَلاَئِدِ، وَالْمُخَانِقِ، وَكُل مَا يُتَّخَذُ فِي الْعُنُقِ، وَكُل مَا يَعْتَدْنَ لُبْسَهُ وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٢٩، والبناية ٢ / ٢٢٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٢٣٨، والإنصاف ٣ / ١٤٤، ١٤٥.
(٢) المراجع السابقة.
الإِْسْرَافِ أَوِ التَّشَبُّهَ بِالرِّجَال (١) . وَفِي لُبْسِ الْمَرْأَةِ نِعَال الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَحَدُهُمَا التَّحْرِيمُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ الظَّاهِرِ، وَأَصَحُّهُمَا الإِْبَاحَةُ كَسَائِرِ الْمَلْبُوسَاتِ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَحْلِيَةِ الْمَرْأَةِ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَال. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَال (٣) .
وَخَالَفَ فِي هَذَا الشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالاَ: بِجَوَازِ التَّحْلِيَةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ لُبْسِ آلَةِ الْحَرْبِ وَاسْتِعْمَالِهَا لِلنِّسَاءِ غَيْرَ مُحَلاَّةٍ فَتَجُوزُ مَعَ التَّحْلِيَةِ، لأَِنَّ التَّحْلِيَةَ لِلنِّسَاءِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنَ الرِّجَال (٤) .
وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
_________
(١) الشرح الصغير ١ / ٦٢، ٦٣، والمجموع ٦ / ٣٩ - ٤٠، كشاف القناع ٢ / ٢٣٩، المغني ٣ / ١٤ - ١٥، حواشي تحفة المحتاج ٣ / ٢٧٨.
(٢) تحفة المحتاج ٣ / ٢٧٨، وكشاف القناع ٢ / ٢٣٩، والمغني ٣ / ١٤، ١٥.
(٣) حديث: " لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٣٢ - ط السلفية) .
(٤) المراجع السابقة.
حُكْمُ الْمُمَوَّهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى جَوَازِ اسْتِعْمَال الرَّجُل مَا مُوِّهَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ مِنَ الْحُلِيِّ كَالْخَاتَمِ، إِذَا لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالإِْذَابَةِ وَالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، لأَِنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مُسْتَهْلَكٌ فَصَارَ كَالْعَدَمِ وَهُوَ تَابِعٌ لِلْمُمَوَّهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِعْمَال الأَْوَانِي الْمُمَوَّهَةِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَإِلَى حُرْمَةِ التَّمْوِيهِ بِهِمَا. وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَمْوِيهُ غَيْرِ الأَْوَانِي بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ بِحَيْثُ يَتَغَيَّرُ اللَّوْنُ وَلاَ يَحْصُل مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ شَيْءٌ إِنْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ (١) .
الْحُلِيُّ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَحَلِّي الْمَرْأَةِ بِأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ كَالْيَاقُوتِ وَالْعَقِيقِ وَاللُّؤْلُؤِ.
كَمَا ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ إِلَى جَوَازِهِ لِلرِّجَال.
وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنْ جِهَة الأَْدَبِ، لأَِنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ أَوْ مِنْ جِهَةِ السَّرَفِ.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي حُكْمِ تَحَلِّي الرَّجُل بِالأَْحْجَارِ الْكَرِيمَةِ.
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٤ - ٣٣٥، الشرح الصغير ١ / ٦١، نهاية المحتاج ١ / ٩١، تحفة المحتاج ٣ / ٢٧٨، فتح العزيز ١ / ٩٤، كشاف القناع ٢ / ٢٣٨ و٢٨٢.
وَاخْتَارَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ وَقَاضِي خَانَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْحِل قِيَاسًا عَلَى الْعَقِيقِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ وَالشَّبَهِ (وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ النُّحَاسِ) وَالْقَصْدِيرِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ (١) . وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ قَال: إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ، فَقَال لَهُ: مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الأَْصْنَامِ؟ فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَال: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْل النَّارِ. فَطَرَحَهُ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَال: اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلاَ تُتِمَّهُ مِثْقَالًا (٢) .
وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ الرَّسُول ﷺ قَال لِلَّذِي خَطَبَ الْوَاهِبَةَ نَفْسَهَا اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ (٣) وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ. كَمَا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٩، ٢٦٩، البناية ٩ / ٢٣١، كشاف القناع ٢ / ٢٣٧ - ٢٣٨، المجموع ٤ / ٤٦٥ - ٤٦٦، روضة الطالبين ٢ / ٢٦٣، حاشية الدسوقي ١ / ٦٣، مواهب الجليل ١ / ١٢٩، الشرح الصغير ١ / ٦٢.
(٢) حديث بريدة: " مالي أجد منك ريح الأصنام " أخرجه أبو داود (٤ / ٤٢٨ - ٤٢٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والترمذي (٤ / ٢٤٨ - ط الحلبي) وضعفه النووي في المجموع (٤ / ٤٦٥ - ط المنيرية) .
(٣) حديث: " اذهب فالتمس ولو خاتما من حديد ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٧٥ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠٤١ - ط الحلبي) من حديث سهل بن سعد الساعدي، واللفظ للبخاري.
اسْتَدَل بِحَدِيثِ مُعَيْقِيبٍ ﵁ وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ (١) .
ثُمَّ قَال النَّوَوِيُّ: " وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ". (٢)
زَكَاةُ الْحُلِيِّ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْمُسْتَعْمَل اسْتِعْمَالًا مُحَرَّمًا، كَأَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُل حَلْيَ الذَّهَبِ لِلاِسْتِعْمَال، لأَِنَّهُ عَدَل بِهِ عَنْ أَصْلِهِ بِفِعْلٍ غَيْرِ مُبَاحٍ فَسَقَطَ حُكْمُ فِعْلِهِ وَهُوَ صِيَاغَتُهُ صِيَاغَةً مُحَرَّمَةً، وَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الأَْصْل مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ.
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْحَلْيِ الْمَكْنُوزِ الْمُقْتَنَى الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُقْتَنِيهِ اسْتِعْمَالًا مُحَرَّمًا وَلاَ مَكْرُوهًا وَلاَ مُبَاحًا، لأَِنَّهُ مَرْصَدٌ لِلنَّمَاءِ فَصَارَ كَغَيْرِ الْمَصُوغِ، وَلاَ يَخْرُجُ عَنِ التَّنْمِيَةِ إِلاَّ بِالصِّيَاغَةِ الْمُبَاحَةِ وَنِيَّةِ اللُّبْسِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَلْيِ الْمُسْتَعْمَل اسْتِعْمَالًا مُبَاحًا كَحَلْيِ الذَّهَبِ لِلْمَرْأَةِ وَخَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُل.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي الْمَذْهَبِ
_________
(١) حديث معيقيب. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٤٢٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وجوده النووي في المجموع (٤ / ٤٦٥ - ط المنيرية) .
(٢) المجموع ٤ / ٤٦٦.
إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْمُبَاحِ الْمُسْتَعْمَل.
وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَسْمَاءَ ﵃ وَالْقَاسِمِ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَمْرَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ مِنْ آثَارٍ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَأَسْمَاءَ وَجَابِرٍ ﵃، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَلِي بَنَاتِ أَخِيهَا فِي حِجْرِهَا لَهُنَّ الْحُلِيَّ فَلاَ تُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتِهِ وَجَوَارِيَهُ الذَّهَبَ ثُمَّ لاَ يُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا كَانَتْ تُحَلِّي ثِيَابَهَا الذَّهَبَ، وَلاَ تُزَكِّيهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَل جَابِرًا ﵁ عَنِ الْحُلِيِّ أَفِيه زَكَاةٌ؟ فَقَال جَابِرٌ لاَ، فَقَال: وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَال جَابِرٌ كَثِيرٌ.
وَالْمَأْثُورُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ يُخَالِفُ
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٧، البحر الرائق ١ / ٢٤٣، حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٠، البناية ٣ / ١٠٦، حاشية الدسوقي ١ / ٤٦٠، الشرح الصغير ١ / ٦٢٤، الباجي على الموطأ٢ / ١٠٧، المجموع ٦ / ٣٥، ٣٦، كشاف القناع ٢ / ٢٣٥، المغني ٣ / ١٣.
مَا رَوَتْهُ عَنِ الرَّسُول ﷺ فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُخَالِفْهُ إِلاَّ فِيمَا عَلِمْتُهُ مَنْسُوخًا، فَإِنَّهَا زَوْجُهُ وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فَإِنَّ أُخْتَهُ حَفْصَةَ كَانَتْ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ وَحُكْمُ حُلِيِّهَا لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ وَلاَ يَخْفَى عَنْهَا حُكْمُهُ فِيهِ. كَمَا اسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ عَلَى ثِيَابِ الْبَدَنِ وَالأَْثَاثِ وَعَوَامِل الْبَقَرِ فِي أَنَّهَا مُرْصَدَةٌ فِي اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ فَسَقَطَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْل الآْخَرِ فِي الْجَدِيدِ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْمُبَاحِ الْمُسْتَعْمَل، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَابْنِ مِهْرَانَ وَمُجَاهِدٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ حَبِيبٍ.
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَقَال لَهَا: أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لاَ. قَال: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ قَال: فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (١) .
_________
(١) حديث عبد الله بن عمرو: " أن امرأة أتت النبي ﷺ. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٢١٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وصححه ابن القطان كما في نصب الراية (٢ / ٣٧٠ - ط المجلس العلمي بالهند) .