الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 23

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرَأَى فِي يَدِيَّ فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ، فَقَال: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: أَتُؤْتِينَ زَكَاتَهُنَّ؟ قُلْتُ: لاَ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَال: هَذَا حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ (١) .

وَالْحُلِيُّ مَالٌ نَامٍ وَدَلِيل النَّمَاءِ الإِْعْدَادُ لِلتِّجَارَةِ خِلْقَةً.

حُكْمُ انْكِسَارِ الْحَلْيِ:

١٠ - فَصَّل الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ مَا إِذَا انْكَسَرَ الْحَلْيُ، فَلَهُ حِينَئِذٍ أَحْوَالٌ:

الأَْوَّل: أَنْ لاَ يَمْنَعَ الاِنْكِسَارُ اسْتِعْمَالَهُ وَلُبْسَهُ فَلاَ أَثَرَ لِلاِنْكِسَارِ وَلاَ زَكَاةَ فِيهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَيَّدَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنْ لاَ يَنْوِيَ تَرْكَ لُبْسِهِ.

الثَّانِي: أَنْ يَمْنَعَ الاِنْكِسَارُ اسْتِعْمَالَهُ فَيَحْتَاجَ إِلَى سَبْكٍ وَصَوْغٍ.

فَتَجِبُ زَكَاتُهُ، وَأَوَّل الْحَوْل وَقْتُ الاِنْكِسَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَمْنَعَ الاِنْكِسَارُ الاِسْتِعْمَال وَلَكِنْ

_________

(١) حديث: " عائشة: " دخل علي رسول الله ﷺ. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٢١٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٣٨٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

لاَ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْكٍ وَصَوْغٍ وَيَقْبَل الإِْصْلاَحَ بِالإِْلْحَامِ وَهَذَا عَلَى أَحْوَالٍ:

أ - إِنْ قَصَدَ جَعْلَهُ تِبْرًا أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ كَنَزَهُ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ وَانْعَقَدَ حَوْلُهُ مِنْ يَوْمِ الاِنْكِسَارِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.

ب - أَنْ يَقْصِدَ إِصْلاَحَهُ فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

ج - إِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا وَجَبَتْ زَكَاتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَلاَ تَجِبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الاِنْكِسَارَ إِذَا مَنَعَ الاِسْتِعْمَال مُطْلَقًا فَلاَ زَكَاةَ فِي الْحَلْيِ (١) .

إِجَارَةُ الْحَلْيِ:

١١ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ إِجَارَةِ الْحَلْيِ بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. لأَِنَّهُ عَيْنٌ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَقْصُودَةً مَعَ بَقَائِهَا فَجَازَتْ إِجَارَتُهَا كَالأَْرَاضِيِ.

وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ إِجَارَةَ الْحَلْيِ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَالأَْوْلَى إِعَارَتُهُ لأَِنَّهَا مِنَ الْمَعْرُوفِ (٢) .

وَلَمْ نَقِفْ عَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ.

وَقْفُ الْحَلْيِ:

١٢ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ وَقْفِ الْحُلِيِّ

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٦٠، المجموع ٦ / ٣٦، المغني ٣ / ١٣، كشاف القناع ٢ / ٢٣٥.

(٢) نهاية المحتاج ٥ / ٢٦٨، مطالب أولي النهى ٣ / ٥٨٨، الشرح الصغير ٤ / ٣٣.

لِمَا رَوَى نَافِعٌ أَنَّ حَفْصَةَ ابْتَاعَتْ حُلِيًّا بِعَشْرَيْنِ أَلْفًا حَبَسَتْهُ عَلَى نِسَاءِ آل الْخَطَّابِ فَكَانَتْ لاَ تُخْرِجُ زَكَاتَهُ.

وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ الْجَوَازُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ وَقْفِ الْمَمْلُوكِ مُطْلَقًا: الْعَقَارِ وَالْمُقَوَّمِ وَالْمِثْلِيِّ وَالْحَيَوَانِ.

وَلاَ يَجُوزُ وَقْفُ الْحُلِيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الأَْصْل عِنْدَهُمْ عَدَمُ جَوَازِ الْوَقْفِ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ لأَِنَّ حُكْمَ الْوَقْفِ الشَّرْعِيِّ التَّأْبِيدُ، وَلاَ يَتَأَبَّدُ غَيْرُ الْعَقَارِ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ " وَقْفٌ "

_________

(١) روضة الطالبين ٥ / ٣١٥، مطالب أولي النهى ٤ / ٢٧٧، الخرشي ٧ / ٨٠، فتح القدير ٥ / ٤٣١.

حِمًى

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحِمَى فِي اللُّغَةِ: الْمَوْضِعُ فِيهِ كَلأٌَ يُحْمَى مِنَ النَّاسِ أَنْ يَرْعَى، وَالشَّيْءُ الْمَحْمِيُّ، وَحِمَى اللَّهِ: مَحَارِمُهُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ يُرَادُ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُول، وَيُثَنَّى فَيُقَال حِمَيَانِ، وَسُمِعَ حِمَوَانِ.

يُقَال: حَمَيْتُ الْمَكَانَ مِنَ النَّاسِ حِمًى وَحَمْيًا مِثْل رَمْيًا، وَحِمْيَةً بِالْكَسْرِ وَحِمَايَةً، أَيْ جَعَلْتُهُ مَمْنُوعًا مِنَ النَّاسِ لاَ يَقْرَبُونَهُ، وَلاَ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ (١) .

وَاصْطِلاَحًا: مَوْضِعٌ مِنَ الْمَوَاتِ يَحْمِيهِ الإِْمَامُ لِمَوَاشِيَ مَخْصُوصَةٍ (٢) .

قَال الشَّافِعِيُّ: وَأَصْل الْحِمَى أَنَّهُ كَانَ الرَّجُل الْعَزِيزُ مِنَ الْعَرَبِ إِذَا اسْتَنْجَعَ بَلَدًا مُخَصَّبًا أَوْفَى بِكَلْبٍ عَلَى حَبْلٍ إِنْ كَانَ، أَوْ عَلَى نَشَزٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ جَبَلٌ ثُمَّ اسْتَعْوَاهُ، وَوَقَفَ لَهُ مَنْ يَسْمَعُ

_________

(١) المغرب، تاج العروس، لسان العرب، المصباح، المعجم الوسيط.

(٢) وفاء الوفاء ٣ / ١٠٨٢، عمدة القاري ١٢ / ٢١٣، مطالب أولي النهى ٢ / ٣٨٨.

مُنْتَهَى صَوْتِهِ، فَحَيْثُ بَلَغَ صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُل نَاحِيَةٍ، وَيَرْعَى مَعَ الْعَامَّةِ فِيمَا سِوَاهُ، وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي حِمَاهُ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:

٢ - إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ هُوَ عِمَارَةُ أَرْضٍ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا مِلْكٌ لأَِحَدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا أَثَرُ عِمَارَةٍ (٢) . وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْحِمَى وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ كِلَيْهِمَا تَخْصِيصُ أَرْضٍ لِمَصْلَحَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَيَكُونُ الْحِمَى تَخْصِيصُ الأَْرْضِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، فِي حِينٍ يَحْصُل بِالإِْحْيَاءِ اخْتِصَاصُ إِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ، هُوَ مُحْيِي الأَْرْضِ.

ب - الإِْقْطَاعُ:

٣ - الإِْقْطَاعُ لُغَةً التَّمْلِيكُ.

وَاصْطِلاَحًا: مَا يُعْطِيهِ الإِْمَامُ مِنَ الأَْرَاضِيِ رَقَبَةً أَوْ مَنْفَعَةً لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ فَهَذَا تَمْلِيكٌ، وَالْحِمَى لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكٌ، كَمَا أَنَّ الْحِمَى يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، بِخِلاَفِ الإِْقْطَاعِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ (٣) .

ج - الإِْرْفَاقُ:

٤ - الإِْرْفَاقُ: مَنْحُ الْمَنْفَعَةِ، وَجَعْل مَوْضِعٍ

_________

(١) وفاء الوفا ٣ / ١٠٨٧، عمدة القاري ١٢ / ٢١٣.

(٢) المغني ٥ / ٥٦٣، والموسوعة الفقهية مصطلح (إحياء الموات) .

(٣) الموسوعة الفقهية مصطلح (إقطاع) .

مَا مَرْفَقًا (مَحَلًّا لِخِدْمَاتِ النَّاسِ) كَمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ، وَأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ، وَحَرِيمِ الأَْمْصَارِ، وَمَنَازِل الأَْسْفَارِ (الاِسْتِرَاحَاتِ) .

فَالإِْرْفَاقُ يَكُونُ فِي كُل مَا فِيهِ نَفْعٌ عَامٌ، أَمَّا الْحِمَى فَهُوَ فِي الْمُرَاعِي (١) .

د - الإِْرْصَادُ:

٥ - الإِْرْصَادُ لُغَةً: التَّخْصِيصُ وَالإِْعْدَادُ وَالتَّهْيِئَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَخْصِيصُ الإِْمَامِ غَلَّةَ بَعْضِ أَرَاضِيِ بَيْتِ الْمَال لِبَعْضِ مَصَارِفِهِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحِمَى، أَنَّ الإِْرْصَادَ تَخْصِيصُ الْغَلَّةِ، أَمَّا الْحِمَى فَهُوَ تَخْصِيصُ الْعَيْنِ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٦ - الأَْصْل فِي الْحِمَى الْمَنْعُ، لأَِنَّ فِيهِ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ، وَمَنْعًا لَهُمْ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِشَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ مُشَاعٌ (٣)، لِمَا رَوَاهُ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (٤) .

_________

(١) الموسوعة الفقهية مصطلح (إرفاق) .

(٢) الموسوعة الفقهية مصطلح (إرصاد) .

(٣) المغني ٥ / ٥٨٠، عمدة القاري ١٢ / ٢١٣.

(٤) حديث: " لا حمى إلا لله ولرسوله ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٤٤ - ط السلفية) من حديث الصعب بن جثامة.

وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلأَِ (١) .

وَلَكِنْ أَبَاحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِلإِْمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِخَيْل الْمُجَاهِدِينَ، وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ وَإِبِل الصَّدَقَةِ وَالْمَاشِيَةِ الضَّعِيفَةِ، وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ (٢)، لِمَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ (٣) لِخَيْل الْمُسْلِمِينَ.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: حَمَى النَّبِيُّ ﷺ الرَّبَذَةَ (٤) لإِبِل الصَّدَقَةِ. (٥)

وَحَمَى عُمَرُ ﵁ بَعْدَهُ ﷺ الشَّرَفَ (٦)، قِيل: وَالرَّبَذَةُ.

وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَ حِمَى

_________

(١) حديث: " المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ ". أخرجه أبو داود (٣ / ٧٥١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث رجل من المهاجرين، وإسناده صحيح.

(٢) حمى النقيع: على عشرين فرسخا من المدينة، وهو صدر وادي العقيق، وهو أخصب موضع هناك، وهو ميل في بريد، فيه شجر كثير (وفاء الوفاء ٣ / ١٠٨٣) .

(٣) حديث أن رسول الله ﷺ " حمى النقيع لخيل المسلمين ". أخرجه البيهقي (٦ / ١٤٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عمر وضعفه ابن حجر في الفتح (٥ / ٤٥ - ط السلفية) .

(٤) الربذة: قرية بنجد من عمل المدينة، على ثلاث أيام منها. (وفاء الوفاء ٣ / ١٠٩١) .

(٥) حديث ابن عمر: " حمى النبي ﷺ الربذة لإبل الصدقة " أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤ / ١٥٨ - ط القدسي) وقال: " رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح ".

(٦) الشرف: كبد نجد، وكانت منازل بني آكل المرار، وفيها حمى ضرية وفي أول الشرف الربذة، والشريف إلى جنبه يفصل بينهما السرير، فما كان مشرقا فهو الشريف، وما كان مغربا فهو الشرف (وفاء الوفا ٣ / ١٠٩٠) .

عُمَرَ ﵁ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَعْمَل مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هَنِيًّا عَلَى الْحِمَى، فَقَال: يَا هَنِيُّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ (وَفِي رِوَايَةٍ: الْمَظْلُومِ)، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَأَدْخِل رَبَّ الصُّرَيْمَةِ (١) وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ (٢)، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ، وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِي بِبَنِيهِ، فَيَقُول يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لاَ أَبَا لَكَ، فَالْمَاءُ وَالْكَلأَُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ. وَايْمُ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ، إِنَّهَا لَبِلاَدُهُمْ، فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِْسْلاَمِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ الْمَال الَّذِي أَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلاَدِهِمْ شِبْرًا (٣) .

_________

(١) الصريمة - بضم الصاد المهملة وفتح الراء - مصغر الصرمة، وهي القطيعة من الإبل بقدر الثلاثين.

(٢) الغنيمة مصغر الغنم، والمعنى صاحب القطيعة القليلة من الإبل والغنم، ولذا صغر اللفظ (عمدة القاري ١٤ / ٣٠٥) .

(٣) حديث أسلم: " أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٧٥ - ط السلفية) .

وَكَذَلِكَ حَمَى عُثْمَانُ ﵁ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي قَوْلٍ - إِلَى أَنَّ الْحِمَى كَانَ خَاصًّا بِالرَّسُول ﷺ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَحْمِيَ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ: لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.

وَالأَْظْهَرُ عِنْدَهُمُ الْقَوْل الأَْوَّل الْمُوَافِقُ لِلْجُمْهُورِ (٢) .

شُرُوطُ الْحِمَى: (٣)

٧ - أ - أَنْ تَقَعَ الْحِمَايَةُ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَلِنَائِبِ الإِْمَامِ الْحِمَايَةُ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنِ الإِْمَامَ، لأَِنَّ الْحِمَايَةَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيل التَّمْلِيكِ أَوِ الإِْقْطَاعِ، فَلاَ تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُهُمَا، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ غَيْرِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ الْحَقُّ فِي الْحِمَايَةِ.

ب - أَنْ يَكُونَ الْحِمَى لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، بِأَنْ يَكُونَ لِخَيْل الْمُجَاهِدِينَ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ، وَالإِْبِل الَّتِي يُحْمَل عَلَيْهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، وَإِبِل الزَّكَاةِ، وَضَوَال النَّاسِ الَّتِي يَقُومُ الإِْمَامُ بِحِفْظِهَا، وَمَاشِيَةِ ضِعَافِ الْمُسْلِمِينَ.

_________

(١) وفاء الوفا ٣ / ١٠٨٧، المغني ٥ / ٥٨١.

(٢) شرح السنة ٨ / ٢٧٣، وفاء الوفا ٣ / ١٠٨٦، المغني ٥ / ٥٨٠، عمدة القاري ٢ / ٢١٣، مواهب الجليل ٦ / ٣.

(٣) المغني ٥ / ٥٨١، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٢٢، الأحكام السلطانية للماوردي ١٨٥، مواهب الجليل ٦ / ٤، الأموال لأبي عبيد ١٢٤، الأموال لابن زنجويه ٢ / ٦٥٩، الدسوقي ٤ / ٩٦، الشرح الصغير ٤ / ٩٢، الرتاج ١ / ٦٩٦ - ٦٩٩، عمدة القاري ١٤ / ٣٠٤، ١٢ / ٢١٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٣٧.

وَخَصَّهُ الشَّافِعِيَّةُ لِلضُّعَفَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ الأَْغْنِيَاءِ.

وَقَال الْحَطَّابُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَبِنَا. وَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالْحِمَى، لأَِنَّ فِي تَخْصِيصِ نَفْسِهِ بِالْحِمَى تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ وَإِضْرَارًا بِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ إِدْخَالُهُ مَوَاشِيهِ مَا حَمَاهُ لِلْمُسْلِمِينَ، إِنْ كَانَ غَنِيًّا وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ أَغْنِيَاءَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ.

ج - أَنْ لاَ يَكُونَ الْحِمَى مِلْكًا لأَِحَدٍ، مِثْل بُطُونِ الأَْوْدِيَةِ وَالْجِبَال وَالْمَوَاتِ، وَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ الْمُسْلِمُونَ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ، فَمَنْفَعَتُهُمْ فِي حِمَايَةِ الإِْمَامِ أَكْثَرُ.

قَال سَحْنُونُ: الأَْحْمِيَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي بِلاَدِ الأَْعْرَابِ الْعَفَاءِ، الَّتِي لاَ عِمَارَةَ فِيهَا بِغَرْسٍ وَلاَ بِنَاءٍ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الأَْحْمِيَةُ فِيهَا فِي الأَْطْرَافِ، حَتَّى لاَ تَضِيقَ عَلَى سَاكِنٍ، وَكَذَلِكَ الأَْوْدِيَةُ الْعَفَاءُ، الَّتِي لاَ مَسَاكِنَ بِهَا، إِلاَّ مَا فَضَل عَنْ مَنَافِعِ أَهْلِهَا مِنَ الْمَسَارِحِ وَالْمَرْعَى (١) .

وَلاَ يَجُوزُ حِمَايَةُ الْمَاءِ الْعِدِّ - وَهُوَ الَّذِي لَهُ مَادَّةٌ لاَ تَنْقَطِعُ - كَمَاءِ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ.

د - أَنْ يَكُونَ الْحِمَى قَلِيلًا، لاَ يُضَيِّقُ عَلَى

_________

(١) الحطاب ٦ / ٤.