الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

هَذَا وَلِلتَّفْصِيل فِي آدَابِ الْحَلْقِ لِلتَّحَلُّل وَزَمَانِهِ وَمَكَانِهِ، وَحُكْمِ تَأْخِيرِهِ عَنْ زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ، تُنْظَرُ أَبْوَابُ الْحَجِّ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَمُصْطَلَحَاتُ (إِحْرَامٌ، إِحْصَارٌ، تَحَلُّلٌ، وَتَحْلِيقٌ) .

حَلْقُ الْعَانَةِ وَالإِْبْطِ:

١١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حَلْقُ الْعَانَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل، لأَِنَّهُ مِنَ الْفِطْرَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ (١)،، وَذَكَرَ مِنْهَا الاِسْتِحْدَادَ وَهُوَ حَلْقُ الْعَانَةِ.

وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا النُّتَفُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِحْدَادٌ) .

وَأَمَّا حَلْقُ شَعْرِ الإِْبْطِ فَجَائِزٌ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ النَّتْفُ، وَالأَْفْضَل فِيهِ النَّتْفُ (٢) .

حَلْقُ شَعْرِ سَائِرِ الْجَسَدِ:

١٢ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَوْ نَبَتَتْ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ أَوْ شَارِبٌ أَوْ عَنْفَقَةٌ كَانَ لَهَا إِزَالَتُهَا بِالْحَلْقِ (٣) .

_________

(١) حديث: " الفطرة خمس " أخرجه مسلم (١ / ٢٢٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٢) المراجع السابقة، ونيل الأوطار ١ / ١٣٤.

(٣) المجموع ١ / ٢٩٠، ٣٧٨ وابن عابدين ٥ / ٢٣٩ والآداب الشرعية ٣ / ٣٥٥، والمغني ١ / ٩٤ وكشاف القناع ١ / ٨٢ والروض المربع ١ / ١٦٥.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا إِزَالَتُهَا (١) . وَقَال ابْنُ جَرِيرٍ: لاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ حَلْقُ لِحْيَتِهَا وَلاَ عَنْفَقَتِهَا وَلاَ شَارِبِهَا، وَلاَ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْ خِلْقَتِهَا بِزِيَادَةٍ وَلاَ نَقْصٍ مِنْهُ، قَصَدَتْ بِهِ التَّزَيُّنَ لِزَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ، لأَِنَّهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مُغَيِّرَةٌ خَلْقَ اللَّهِ وَمُتَعَدِّيَةٌ عَلَى مَا نَهَى عَنْهُ (٢) .

وَأَمَّا حَلْقُ شَعْرِ سَائِرِ الْجَسَدِ كَشَعْرِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِوُجُوبِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَقَالُوا: يَجِبُ عَلَيْهَا إِزَالَةُ مَا فِي إِزَالَتِهِ جَمَالٌ لَهَا وَلَوْ شَعْرَ اللِّحْيَةِ إِنْ نَبَتَتْ لَهَا لِحْيَةٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ إِبْقَاءُ مَا فِي إِبْقَائِهِ جَمَالٌ لَهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا حَلْقُ شَعْرِهَا (٣) .

وَأَمَّا حَلْقُ شَعْرِ الْجَسَدِ فِي حَقِّ الرِّجَال فَمُبَاحٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقِيل: سُنَّةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْجَسَدِ مَا عَدَا الرَّأْسَ (٤) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحْلِقُ الرَّجُل شَعْرَ حَلْقِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ. وَفِي حَلْقِ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالظَّهْرِ تَرْكُ الأَْدَبِ (٥) .

_________

(١) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٤٠٩ نشر دار المعرفة.

(٢) صحيح مسلم بشرح الأبي ٥ / ٤٠٧ نشر دار الكتب العلمية.

(٣) العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٤٠٩ والثمر الداني ص ٥٠٠.

(٤) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٤٠٩.

(٥) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٨.

وَلَمْ يُسْتَدَل عَلَى نَصٍّ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ.

هَذَا وَلِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي حَلْقِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ يُنْظَرُ فِي (تَنَمُّصٌ) .

حَلْقُ شَعْرِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ:

١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ يُسَنُّ حَلْقُ رَأْسِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ (١) .

قَال الرَّمْلِيُّ: وَظَاهِرُ إِطْلاَقِهِمْ أَيِ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ الْفَرْقِ هُنَا فِي اسْتِحْبَابِ الْحَلْقِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ. وَيُحْتَمَل أَنَّ مَحَل نَدْبِهِ الذَّكَرُ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى التَّقْصِيرُ كَمَا فِي التَّحَلُّل فِي الْحَجِّ (٢) .

وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الأَْمْرَ بِحَلْقِ شَعْرِ مَنْ أَسْلَمَ بِمَا إِذَا كَانَ شَعْرُهُ عَلَى غَيْرِ زِيِّ الْعَرَبِ (أَيِ الْمُسْلِمِينَ) كَالْقَزَعَةِ وَشَبَهِهَا، لِمَا رُوِيَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى

_________

(١) حديث: " ألق عنك شعر الكفر " أخرجه أبو داود (١ / ٢٥٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) . كما في التلخيص لابن حجر (٤ / ٨٢ ط شركة الطباعة الفنية) . وفي إسناده جهالة ولكن له طرق يقوي بعضها بعضا كما في المصدر المتقدم.

(٢) عمدة القاري ٢ / ٤٢٧ ط دار الطباعة العامرة، مواهب الجليل ١ / ٣١١، ٣١٢، ونهاية المحتاج ٢ / ٣٣١، ٣٣٢، وكشاف القناع ١ / ١٥٣، والمغني ١ / ٢٠٨.

النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: قَدْ أَسْلَمْتُ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ يَقُول: احْلِقْ قَال: وَأَخْبَرَنِي آخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لآِخَرَ مَعَهُ: أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ (١) .

وَقَوْلُهُ ﷺ شَعْرَ الْكُفْرِ أَيِ الشَّعْرَ الَّذِي مِنْ زِيِّ الْكُفْرِ.

وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَدْخُل فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَلَمْ يَرَوْا فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْلِقُونَ.

وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يَحْلِقَ عَلَى عُمُومِ الأَْحْوَال (٢) .

وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَأَطْلَقُوا فِي حَلْقِ الْعَانَةِ وَالإِْبْطَيْنِ (٣) .

حَلْقُ شَعْرِ الْمَيِّتِ:

١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ حَلْقُ شَعْرِ رَأْسِ الْمَيِّتِ، لأَِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ لِزِينَةٍ أَوْ نُسُكٍ، وَالْمَيِّتُ لاَ نُسُكَ عَلَيْهِ وَلاَ يُزَيَّنُ.

وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ حَلْقُ عَانَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ لَمْسِ عَوْرَتِهِ، وَرُبَّمَا احْتَاجَ إِلَى نَظَرِهَا وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَلاَ يُرْتَكَبُ مِنْ أَجْل مَنْدُوبٍ أَيْ فِي حَال الْحَيَاةِ (٤) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ حَلْقُ شَعْرِ الْمَيِّتِ الَّذِي لاَ يَحْرُمُ عَلَى الْحَيِّ حَلْقُهُ

_________

(١) حديث: " ألق عنك شعر الكفر واختتن ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٥٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .

(٢) مواهب الجليل ١ / ٣١١، ٣١٢.

(٣) كشاف القناع ١ / ١٥٣، والمغني ١ / ٢٠٨.

(٤) ابن عابدين ١ / ٥٧٥، وكشاف القناع ٢ / ٩٧.

وَإِلاَّ حَرُمَ حَلْقُهُ مِنْ مَيِّتٍ (١) .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَحْلِقُ شَعْرَ رَأْسِ الْمَيِّتِ، وَقِيل: إِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ بِحَلْقِهِ فَفِيهِ الْخِلاَفُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَحْلِقُ شَعْرَ عَانَتِهِ وَإِبْطَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَهُوَ الأَْصَحُّ وَالْمُخْتَارُ، لأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ ﵃ فِيهِ شَيْءٌ مُعْتَمَدٌ، وَأَجْزَاءُ الْمَيِّتِ مُحْتَرَمَةٌ، فَلاَ تُنْتَهَكُ بِذَلِكَ.

ثُمَّ مَحَل كَرَاهَةِ إِزَالَةِ شَعْرِهِ مَا لَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إِلَيْهِ، وَإِلاَّ كَأَنْ لَبَّدَ شَعْرَ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ بِصَبْغٍ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ كَانَ بِهِ قُرُوحٌ وَجَمَدَ دَمُهَا، بِحَيْثُ لاَ يَصِل الْمَاءُ إِلَى أُصُولِهِ إِلاَّ بِإِزَالَتِهِ وَجَبَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الأَْذْرَعِيُّ (٢) .

أَحْكَامُ الْحَلْقِ (بِمَعْنَى مَسَاغِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ):

١٥ - يَتَعَلَّقُ بِالْحَلْقِ أَحْكَامٌ كَذَهَابِ بَعْضِ حُرُوفِ الْحَلْقِ لِجِنَايَةٍ (٣) وَوُصُول اللَّبَنِ إِلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ مِنَ الْحَلْقِ (٤)، وَوُصُول شَيْءٍ لِحَلْقِ الصَّائِمِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ أُذُنٍ (٥) وَوُصُول غَيْرِ مُتَحَلِّلٍ

_________

(١) حاشية الزرقاني ٢ / ١٠٥ ط دار الفكر.

(٢) روضة الطالبين ٢ / ١٠٧، ١٠٨.

(٣) كشاف القناع ٦ / ٤١.

(٤) كشاف القناع ٥ / ٤٤٥.

(٥) مواهب الجليل ٢ / ٤٢٤.

لِلْحَلْقِ فِي الصِّيَامِ (١)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مَوَاطِنِهَا، وَفِي مُصْطَلَحِ " بُلْعُومٌ ".

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٥٢٤.

حِلٌّ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحِل لُغَةً وَصْفٌ، أَوْ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ مِنْ قَوْلِكَ: الْحِل مَا عَدَا الْحَرَمِ، وَالْحِل أَيْضًا الرَّجُل الْحَلاَل الَّذِي خَرَجَ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَالْحِل مُقَابِل الْحَرَامِ. وَوَرَدَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا حَفَرَ زَمْزَمَ قَال: لاَ أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ وَهِيَ لِشَارِبٍ حِلٌّ وَبِلٌّ، وَرُوِيَ مِنْ كَلاَمِ الْعَبَّاسِ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: وَمَعْنَى بِلٍّ: مُبَاحٌ فِي لُغَةِ حِمْيَرَ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أ - الْحِل ضِدُّ الْحُرْمَةِ:

٢ - الْحِل بِمَعْنَى الْحَلاَل، وَهُوَ مَا أَطْلَقَ الشَّرْعُ فِعْلَهُ، وَكُل شَيْءٍ لاَ يُعَاقِبُ عَلَيْهِ بِاسْتِعْمَالِهِ.

وَالأَْصْل هُوَ الْحِل، وَقَدِ اشْتُهِرَ قَوْل الأُْصُولِيِّينَ الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ، وَهَذَا قَبْل وُرُودِ الشَّرْعِ، أَمَّا بَعْدَ وُرُودِهِ فَالْحَلاَل

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير.

مَا أَحَلَّهُ الشَّرْعُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ الشَّرْعُ فَهُوَ عَفْوٌ، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (حَلاَلٌ) .

ب - الْحِل الْمُقَابِل لِلْحَرَمِ الْمَكِّيِّ:

٣ - هُوَ مَا وَرَاءُ أَعْلاَمِ الْحَرَمِ، فَمَا كَانَ دُونَ الأَْعْلاَمِ فَهُوَ حَرَمٌ لاَ يَحِل صَيْدُهُ وَلاَ يُقْطَعُ شَجَرُهُ وَمَا كَانَ وَرَاءَ الْمَنَارِ (الأَْعْلاَمِ) فَهُوَ مِنَ الْحِل يَحِل صَيْدُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَائِدُهُ مُحْرِمًا. فَكُل الدُّنْيَا حِلٌّ مَا عَدَا الْحَرَمَ.

وَأَعْلاَمُ الْحَرَمِ وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمَنَارُ هِيَ الَّتِي ضَرَبَهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيل عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلاَة وَالسَّلاَمُ عَلَى أَقْطَارِ الْحَرَمِ وَنَوَاحِيهِ وَبِهَا تُعْرَفُ حُدُودُ الْحَرَمِ مِنَ الْحِل. (ر: أَعْلاَمُ الْحَرَمِ) .

ج - أَفْضَل بِقَاعِ الْحِل لِلإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ:

٤ - مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ مِنْ مَكِّيٍّ وَغَيْرِهِ وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ خَرَجَ إِلَى الْحِل فَيُحْرِمُ مِنْ أَدْنَاهُ، وَإِحْرَامُهُ مِنَ التَّنْعِيمِ أَفْضَل، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ (١) وَقَال ابْنُ سِيرِينَ: وَقَّتَ

_________

(١) حديث: " أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٨٦ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٨٨١ - ط الحلبي) .

رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَِهْل مَكَّةَ التَّنْعِيمَ (١)، وَإِنَّمَا لَزِمَ الإِْحْرَامُ مِنَ الْحِل لِيَجْمَعَ فِي النُّسُكِ بَيْنَ الْحِل وَالْحَرَمِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمَكِّيِّ وَالْمُتَمَتِّعِ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِل لأَِجْل الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ، لأَِنَّهُ سَيَذْهَبُ إِلَى عَرَفَةَ، وَهِيَ مِنَ الْحِل.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَفْضَل الْبِقَاعِ لِلْحِل عَلَى قَوْلَيْنِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى تَفْضِيل التَّنْعِيمِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي عِنْدَهُ الْمَسْجِدُ الْمَعْرُوفُ الآْنَ بِمَسْجِدِ عَائِشَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَرْسَخٌ، فَهُوَ أَقْرَبُ الْحِل إِلَى مَكَّةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّ عَلَى يَمِينِهِ جَبَلًا يُقَال لَهُ نُعَيْمٌ، وَعَلَى شِمَالِهِ جَبَلًا يُقَال لَهُ نَاعِمٌ، وَالْوَادِي نُعْمَانُ (٢) .

ثُمَّ الْجِعْرَانَةُ (بِكَسْرِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ - وَقَدْ تُكْسَرُ الْعَيْنُ وَتُشَدَّدُ الرَّاءُ) .

وَقَال الشَّافِعِيُّ: التَّشْدِيدُ خَطَأٌ.

وَهِيَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ.

ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ (مُصَغَّرَةٌ وَقَدْ تُشَدَّدُ)، وَهِيَ بِئْرٌ قُرْبَ مَكَّةَ، بَيْنَ مَكَّةَ وَجَدَّةَ، حَدَثَ عِنْدَهَا صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ الْمَشْهُورُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، إِلَى تَفْضِيل الْجِعْرَانَةِ، ثُمَّ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةِ لاِعْتِمَارِهِ ﷺ

_________

(١) مقالة ابن سيرين: " وقت رسول الله ﷺ لأهل مكة التنعيم ". أخرجها أبو داود في " المراسيل " (ص ١٤٥)، ثم أسند عن سفيان الثوري أنه قال: " هذا لا يكاد يعرف " يعني حديث التنعيم.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٥٥، وكشاف القناع ٢ / ٥١٩.

مِنْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَامَ الْفَتْحِ حِينَ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ (١) .

وَأَصْل الْخِلاَفِ فِي التَّفْضِيل كَمَا وَضَّحَهُ ابْنُ عَابِدِينَ بِقَوْلِهِ: " التَّنْعِيمُ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ عِنْدَ مَسْجِدِ عَائِشَةَ وَهُوَ أَقْرَبُ مَوْضِعٍ مِنَ الْحِل، الإِْحْرَامُ مِنْهُ لِلْعُمْرَةِ أَفْضَل مِنَ الإِْحْرَامِ لَهَا مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحِل عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ ﷺ لَمْ يُحْرِمْ مِنْهَا لأَِمْرِهِ ﵊ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِأَنْ يَذْهَبَ بِأُخْتِهِ عَائِشَةَ إِلَى التَّنْعِيمِ لِتُحْرِمَ مِنْهُ وَالدَّلِيل الْقَوْلِيُّ مُقَدَّمٌ عِنْدَنَا عَلَى الْفِعْلِيِّ ". (٢)

قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكِنْ لاَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ - أَيْ إِذْنِهِ لِعَائِشَةَ بِالاِعْتِمَارِ مِنَ التَّنْعِيمِ - تَعَيُّنُ التَّنْعِيمِ لِلْفَضْل لِمَا دَل عَلَيْهِ حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَْسْوَدِ قَالاَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُول اللَّهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأُصْدِرُ بِنُسُكٍ فَقِيل لَهَا: انْتَظِرِي: فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ. (٣)

أَيْ أَنَّ الْفَضْل فِي زِيَادَةِ التَّعَبِ وَالنَّفَقَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّنْعِيمُ أَفْضَل مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تُسَاوِيهِ إِلَى الْحِل لاَ مِنْ جِهَةٍ أَبْعَدَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمَ (٤) .

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ١٦٩، ومغني المحتاج ١ / ٤٧٦.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٥٥.

(٣) حديث: " انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٦١٠ - ط السلفية) .

(٤) فتح الباري ٣ / ٦١١.