الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ النَّتْفِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالْوَجْهُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالنَّتْفِ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِزَالَةٌ لِلشَّعْرِ إِلاَّ أَنَّ الْحَلْقَ بِالْمُوسَى وَنَحْوِهِ، وَالنَّتْفَ بِنَزْعِهِ مِنْ جُذُورِهِ.

أَحْكَامُ الْحَلْقِ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل (حَلْقِ الشَّعْرِ): حَلْقُ الرَّأْسِ:

٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل إِمَّا الْفَرْقُ أَوِ الْحَلْقُ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْحَلْقَ سُنَّةٌ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ كَمَا جَاءَ فِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي إِلَى أَنَّ حَلْقَ شَعْرِ الرَّأْسِ بِدْعَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ إِلاَّ فِي التَّحَلُّل مِنَ الْحَجِّ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ حَلْقَ الرَّأْسِ لِغَيْرِ الْمُتَحَلِّل مِنَ الإِْحْرَامِ، وَقَال الأَُجْهُورِيُّ: إِنَّ الْقَوْل بِجَوَازِ حَلْقِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّمِ أَوْلَى بِالاِتِّبَاعِ فَهُوَ مِنَ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ حَيْثُ لَمْ يَفْعَلْهُ لِهَوَى نَفْسِهِ وَإِلاَّ كُرِهَ أَوْ حَرُمَ (٢) .

وَصَرَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الشَّعْرَ عَلَى الرَّأْسِ زِينَةٌ، وَحَلْقُهُ بِدْعَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ جُمَّةً وَهِيَ مَا أَحَاطَ بِمَنَابِتِ الشَّعْرِ، وَوَفْرَةً وَهُوَ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢٦١ ط دار إحياء التراث العربي.

(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٤٠١.

مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى شَحْمَةِ الأُْذُنَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ أَطْوَل مِنْ ذَلِكَ (١) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِحَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِمَنْ أَرَادَ التَّنْظِيفَ (٢) .

وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ: فَعَنْهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال فِي الْخَوَارِجِ: سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ (٣) فَجَعَلَهُ عَلاَمَةً لَهُمْ.

وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ، لَكِنْ تَرْكُهُ أَفْضَل، قَال حَنْبَلٌ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي نَحْلِقُ رُءُوسَنَا فِي حَيَاةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَيَرَانَا وَنَحْنُ نَحْلِقُ فَلاَ يَنْهَانَا (٤) .

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الْقَزَعُ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِقَ بَعْضَ الرَّأْسِ دُونَ بَعْضٍ. وَقِيل: أَنْ يَحْلِقَ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةً مِنْهُ (٥) .

لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأَى غُلاَمًا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ،

_________

(١) القوانين الفقهية / ٤٣٥ ط دار الكتاب العربي.

(٢) أسنى المطالب ١ / ٥٥١ ط المكتبة الإسلامية.

(٣) حديث: " سيماهم التحليق " يعني الخوارج. أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٥٣٥ - ٥٣٦ - ط السلفية) من حديث أبي سعيد الخدري.

(٤) المغني ١ / ٨٩، ٩٠ ط الرياض، ونيل الأوطار ١ / ١٥٣، ١٥٤، ١٥٥، ط دار الجيل.

(٥) ابن عابدين ٥ / ٢٦١، والقوانين الفقهية / ٤٣٥، والجمل ٥ / ٢٦٧ ط دار إحياء التراث العربي، وأسنى المطالب ١ / ٥٥١، والمغني ١ / ٨٩، ٩٠.

وَتَرَكَ بَعْضَهُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ. وَفِي لَفْظٍ قَال: احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ (١) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ (٢) .

هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلاَ يَجُوزُ لَهَا حَلْقُ رَأْسِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لِقَوْل أَبِي مُوسَى: بَرِئَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّالِقَةِ (٣)، وَالْحَالِقَةِ (٤) وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا (٥)، قَال الْحَسَنُ: هِيَ مُثْلَةٌ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ حَلْقُ الْمَرْأَةِ شَعْرَ رَأْسِهَا لِعُذْرٍ أَوْ وَجَعٍ فَلاَ بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْكَرَاهَةَ (٦) . قَال الأَْثْرَمُ:

_________

(١) حديث ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ رأى غلاما قد حلق بعض. . . " رواه مسلم: (٣ / ١٦٧٥ - ط الحلبي)، إلا أنه لم يذكر لفظه، وذكره النسائي (٦ / ١٣٠ - ط المكتبة التجارية بمصر) .

(٢) حديث: أن النبي ﷺ " نهى عن القزع. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٦٤ ط السلفية) . ومسلم (٣ / ١٦٧٥ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.

(٣) الصالقة: من صلقت المرآة إذا صاحت مولولة (المعجم الوسيط) .

(٤) حديث أبي موسى: " برئ رسول الله ﷺ من الصالقة والحالقة " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٦٥ - السلفية) .

(٥) حديث أن النبي ﷺ " نهى أن تحلق المرأة رأسها ". أخرجه الترمذي (٣ / ٢٤٨ - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب ثم حكم عليه بالاضطراب.

(٦) ابن عابدين ٢ / ١٨٢ و٥ / ٢٦١، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٣٨٤ ط دار الفكر بدمشق، والقوانين الفقهية / ٤٣٥، والفواكه الدواني ٢ / ٤٠١، والجمل ٥ / ٢٦٦، والمغني ١ / ٩٠.

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَل عَنِ الْمَرْأَةِ تَعْجِزُ عَنْ شَعْرِهَا وَعَنْ مُعَالَجَتِهِ، وَتَقَعُ فِيهِ الدَّوَابُّ، قَال: إِذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ فَأَرْجُو أَنْ لاَ يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ (١) .

وَأَمَّا حَلْقُ الْقَفَا - وَهُوَ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ - فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ لِحِجَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.

قَال الْمَرْوَزِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَلْقِ الْقَفَا فَقَال: هُوَ مِنْ فِعْل الْمَجُوسِ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَقَال: لاَ بَأْسَ أَنْ يَحْلِقَ قَفَاهُ وَقْتَ الْحِجَامَةِ (٢) .

حَلْقُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ:

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حَلْقُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِ الشَّعْرِ وَرِقًا (فِضَّةً) ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ شَعْرِ الْمَوْلُودِ الأُْنْثَى، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، لِمَا رُوِيَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَزَنَتْ شَعْرَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَزَيْنَبِ وَأُمِّ كُلْثُومٍ، وَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةً (٣) .

_________

(١) الفتاوى الخانية بهامش الهندية ٣ / ٤٠٩، والمغني ١ / ٩٠، وكشاف القناع ١ / ٧٨.

(٢) المغني ١ / ٨٠، ٩٠.

(٣) حديث أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ " وزنت شعر الحسن والحسين ". أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٥٠١ - ط الحلبي) وعنه أبو داود في المراسيل (ص٢٧٩ - ط مؤسسة الرسالة) من حديث محمد بن علي بن الحسين مرسلا.

وَلأَِنَّ هَذَا حَلْقٌ فِيهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ حَيْثُ التَّصَدُّقُ، وَمِنْ حَيْثُ حُسْنُ الشَّعْرِ بَعْدَهُ، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ مِنْ تَشْوِيهِ الْخَلْقِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ هُنَا.

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ عَدَمَ حَلْقِ شَعْرِ الْمَوْلُودِ الأُْنْثَى لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا: كُل غُلاَمٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ (١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ.

وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ لَمَّا وَلَدَتِ الْحَسَنَ: احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالأَْوْفَاضِ (٢) يَعْنِي أَهْل الصُّفَّةِ (٣) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ حَلْقَ شَعْرِ الْمَوْلُودِ فِي سَابِعِ الْوِلاَدَةِ مُبَاحٌ لاَ سُنَّةٌ وَلاَ وَاجِبٌ (٤) .

حَلْقُ الشَّارِبِ:

٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَلْقَ الشَّارِبِ سُنَّةٌ وَقَصُّهُ أَحْسَنُ، وَقَال الطَّحَاوِيُّ: حَلْقُهُ أَحْسَنُ

_________

(١) حديث: " كل غلام رهينة بعقيقته " أخرجه أبو داود (٣ / ٢٥٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٣ / ١٠١ - ط الحلبي) وقال: " حسن صحيح ".

(٢) حديث: " احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة على. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٣٩٠، ٣٩٢ - ط الميمنية) من حديث ابن رافع بإسنادين يقوي أحدهما الآخر.

(٣) مواهب الجليل ٣ / ٢٥٦، ٢٥٧ ط دار الفكر، والقوانين الفقهية / ١٩٢ ط دار الكتاب العربي، والجمل ٥ / ٢٦٦، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٨٩، ٤٩٠.

(٤) الفتاوى البزازية على هامش الفتاوى الهندية ٦ / ٣٧١ ط المطبعة الأميرية ببولاق.

مِنَ الْقَصِّ، لِقَوْلِهِ ﷺ: أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى (١) . وَالإِْحْفَاءُ: الاِسْتِئْصَال، وَهُوَ قَوْلٌ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ.

وَيَرَى الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا (٢) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الشَّارِبَ لاَ يُحْلَقُ، بَل يُقَصُّ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ حَلْقِ الشَّارِبِ وَاسْتِحْبَابِ قَصِّهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ حَتَّى يَبِينَ طَرَفُ الشَّفَةِ بَيَانًا ظَاهِرًا.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُسَنُّ حَفُّ الشَّارِبِ أَوْ قَصُّ طَرَفِهِ، وَالْحَفُّ أَوْلَى نَصًّا، (وَفَسَّرُوا الْحَفَّ بِالاِسْتِقْصَاءِ أَيِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْقَصِّ.) (٤) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (شَارِبٌ) وَأَمَّا حَلْقُ اللِّحْيَةِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَفِيهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (لِحْيَةٌ) .

حَلْقُ شَعْرِ الْمُحْرِمِ:

٧ - يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ حَلْقُ رَأْسِهِ أَوْ رَأْسِ مُحْرِمٍ

_________

(١) حديث: " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى ". أخرجه مسلم (١ / ٢٢٢ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٦١، والاختيار ٤ / ١٦٧ ط دار المعرفة، وأسنى المطالب ١ / ٥٥٠، ٥٥١، والجمل ٥ / ٢٦٧.

(٣) القوانين الفقهية / ٤٣٥.

(٤) الاختيار ٤ / ١٦٧، والقوانين الفقهية / ٤٣٥ والجمل ٥ / ٢٦٧، والأنصاري على هامش أسنى المطالب ١ / ٥٥١، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤١.

غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَفْرُغِ الْحَالِقُ وَالْمَحْلُوقُ لَهُ مِنْ أَدَاءِ نُسُكِهِمَا. وَكَذَا لَوْ حَلَقَ لَهُ غَيْرُهُ حَلاَلًا أَوْ مُحْرِمًا يُحْظَرُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ (١) .

وَفِي الْمَوْضُوعِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " إِحْرَامٌ ".

الْحَلْقُ لِلتَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ:

٨ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَلاَ يَحْصُل التَّحَلُّل فِي الْعُمْرَةِ وَالتَّحَلُّل الأَْكْبَرُ فِي الْحَجِّ إِلاَّ مَعَ الْحَلْقِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ - وَهُوَ خِلاَفُ الأَْظْهَرِ - وَأَحْمَدُ فِي قَوْلٍ: إِنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ لَيْسَ بِنُسُكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِطْلاَقٌ مِنْ مَحْظُورٍ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ بِالإِْحْرَامِ فَأُطْلِقَ فِيهِ عِنْدَ الْحِل، كَاللِّبَاسِ وَالطِيبِ وَسَائِرِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، وَهَذَا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا.

فَعَلَى هَذَا الاِتِّجَاهِ لاَ شَيْءَ عَلَى تَارِكِ الْحَلْقِ وَيَحْصُل التَّحَلُّل بِدُونِهِ (٣) .

هَذَا وَلاَ تُؤْمَرُ الْمَرْأَةُ بِالْحَلْقِ بَل تُقَصِّرُ لِمَا وَرَدَ

_________

(١) الموسوعة الفقهية مصطلح " إحرام ".

(٢) المغني ٣ / ٤٣٥ وروضة الطالبين ٣ / ١٠١ وبدائع الصنائع ٢ / ١٤٠ والشرح الصغير ٤ / ٥٩.

(٣) المغني ٣ / ٤٣٥، والمجموع ٨ / ٢٠٨ وروضة الطالبين ٣ / ١٠١، ١٠٢.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ (١) . وَرَوَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى الْمَرْأَةَ أَنْ تَحْلِقَ رَأْسَهَا (٢) وَلأَِنَّ الْحَلْقَ لِلتَّحَلُّل فِي حَقِّ النِّسَاءِ بِدْعَةٌ وَفِيهِ مُثْلَةٌ، وَلِهَذَا لَمْ تَفْعَلْهُ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٣) .

مِقْدَارُ الْوَاجِبِ حَلْقُهُ لِلتَّحَلُّل:

٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَفْضَلِيَّةِ حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ عَلَى التَّقْصِيرِ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٤) وَالرَّأْسُ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ، وَكَذَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ (٥) .

وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَقَل مَا يُجْزِئُ مِنَ الْحَلْقِ:

_________

(١) حديث: " ليس على النساء حلق وإنما عليهن التقصير " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٠٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وحسنه ابن حجر في التلخيص (٢ / ٢٦١ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٢) حديث علي ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها " أخرجه الترمذي (٣ / ٢٤٨ - ط الحلبي) وقال حديث علي فيه اضطراب.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٤١ وروضة الطالبين ٣ / ١٠١ والمجموع ٨ / ٢١٠ والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٣٩ والشرح الصغير ٢ / ٦٠.

(٤) سورة الفتح / ٢٧.

(٥) بدائع الصنائع ٢ / ١٤١ وروضة الطالبين ٣ / ١٠١، والمجموع ٨ / ١٩٣، ١٩٩ والمغني٣ / ٤٣٥ وحديث " أن رسول الله ﷺ حلق جميع رأسه " أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٧ - ط الحلبي) من حديث أنس.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ فَكَانَ تَفْسِيرًا لِمُطْلَقِ الأَْمْرِ بِالْحَلْقِ. فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ (١) .

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مَنْ حَلَقَ أَقَل مِنْ رُبْعِ الرَّأْسِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ حَلَقَ رُبْعَ الرَّأْسِ أَجْزَأَهُ وَيُكْرَهُ. أَمَّا الْجَوَازُ فَلأَِنَّ رُبْعَ الرَّأْسِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ فِي الْقُرَبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرَّأْسِ كَمَسْحِ رُبْعِ الرَّأْسِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ.

وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلأَِنَّ الْمَسْنُونَ هُوَ حَلْقُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَتَرْكُ الْمَسْنُونِ مَكْرُوهٌ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَقَل مَا يُجْزِئُ ثَلاَثُ شَعَرَاتٍ حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ.

وَقَال النَّوَوِيُّ: فَتُجْزِئُ الثَّلاَثُ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَنَا وَلاَ يُجْزِئُ أَقَل مِنْهَا. وَحَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَابَعَهُ وَجْهًا أَنَّهُ يُجْزِئُ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ. قَال النَّوَوِيُّ وَهُوَ غَلَطٌ (٣) .

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ لِلتَّحَلُّل:

١٠ - قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَعْنًى

_________

(١) الشرح الصغير ٢ / ٦٠ وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٤٧٩ نشر دار المعرفة ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٢٥.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ١٤١ ومراقي الفلاح ص ٤٠١.

(٣) المجموع ٨ / ١٩٩ - ٢٠٠ وروضة الطالبين ٣ / ١٠١.

يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَلْقِ عَلَيْهِ (١) . كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَل مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ الرَّجُل، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ (٢) .

فَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاَثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مُرَّةً، وَلأَِنَّ ذِكْرَ الْمُحَلِّقِينَ فِي الْقُرْآنِ قَبْل الْمُقَصِّرِينَ، وَلأَِنَّ الْحَلْقَ أَكْمَل فِي قَضَاءِ التَّفَثِ، وَفِي التَّقْصِيرِ بَعْضُ تَقْصِيرٍ فَأَشْبَهَ الاِغْتِسَال مَعَ الْوُضُوءِ (٣) .

وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ الْحَلْقُ بِالإِْجْمَاعِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ (٤) كَمَا تَقَدَّمَ.

_________

(١) المغني ٣ / ٣٣٤ وحلق متعذر التقصير لقلته أو ذي تلبيد أو ضفر أو عقص متعين. بهذا قال المالكية وأحمد وعزاه ابن قدامة أيضا إلى النخعي والشافعي وإسحاق. (حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٤٧٩ والشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه ٢ / ٥٩ والمغني ٣ / ٤٣٥) .

(٢) حديث: " اللهم ارحم المحلقين. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٦١ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.

(٣) المغني ٣ / ٤٣٥، والمجموع ٨ / ١٩٩، ٢٠٩، وروضة الطالبين ٣ / ١٠١ وبدائع الصنائع ٢ / ١٤٠، والجوهر النيرة ١ / ١٩٥ وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٤٧٩.

(٤) المجموع ٨ / ٢١٠، وبدائع الصنائع ٢ / ١٤١ والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٣٩ والشرح الصغير ٢ / ٦٠.