الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَإِقَامَةِ الْحَقِّ، هَذَا بَاقٍ لَمْ يُنْسَخْ " قَال وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فِي هَذِهِ الأَْحَادِيثِ: وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِْسْلاَمُ إِلاَّ شِدَّةً وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: لاَ حِلْفَ فِي الإِْسْلاَمِ فَالْمُرَادُ بِهِ حِلْفُ التَّوَارُثِ وَالْحِلْفُ عَلَى مَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهُ (١) .
أَطْوَارُ التَّوَارُثِ بِالْحَلِفِ فِي الإِْسْلاَمِ:
١١ - لاَ تَخْتَلِفُ كَلِمَةُ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ التَّوَارُثَ بِالْحِلْفِ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ أَوَّلًا فِي الإِْسْلاَمِ، وَقَدْ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَْنْصَارِ فَكَانَ لِكُل رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَخٌ مِنَ الأَْنْصَارِ (٢)، وَتَوَارَثُوا بِذَلِكَ، فَكَانَ الأَْنْصَارِيُّ إِذَا مَاتَ يَرِثُهُ أَخُوهُ الْمُهَاجِرِيُّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مِنْهَا:
١ - مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَالطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٣) قَال: وَرَثَةً ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤) .
_________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي ١٦ / ٨٢ القاهرة، المطبعة المصرية.
(٢) فآخي بين أبي بكر وخارجة بن زيد، وبين عمر وعتبان بن مالك، وبين عثمان وأوس بن مالك (شرح الأبي على مسلم ٦ / ٣٥٥) وبين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وكعب بن مالك (أحكام القرآن لابن العربي ٣ / ١٤٩٧) .
(٣) سورة النساء / ٣٣.
(٤) سورة النساء / ٣٣.
قَال: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَرِثَ الْمُهَاجِرُ الأَْنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلأُْخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ. ثُمَّ قَال ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِلاَّ النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ (١) .
وَنَقَل الطَّبَرِيُّ عَنِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ " كَانَ الرَّجُل يُحَالِفُ الرَّجُل لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ، فَنُسِخَ ذَلِكَ " (٢) وَعَاقَدَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَوْلًى فَوَرِثَهُ (٣) .
وَلاَ تَخْتَلِفُ كَلِمَةُ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ التَّوَارُثَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مَنْسُوخٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي النَّاسِخِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: النَّاسِخُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٤) وَقِيل: بَل الَّتِي فِي آخِرِ الأَْنْفَال (٥) .
وَقِيل: بَل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ﴾ أَيْ يَرِثُونَ كُل الْمَال، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ
_________
(١) الطبري ٨ / ٢٧٨، وفتح الباري ٤ / ٤٧٢، ٨ / ٢٤٧ نشر المكتبة السلفية.
(٢) الطبري ٨ / ٢٧٤ نشر دار المعارف بمصر، فتح الباري ٨ / ٢٤٩.
(٣) الطبري ٨ / ٢٧٥، وفتح الباري ٨ / ٢٤٩، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ١٨٥.
(٤) سورة الأحزاب / ٦.
(٥) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ١٨٦، تفسير القرطبي ٥ / ١٦٦ نشر دار الكتب المصرية.
نَصِيبَهُمْ﴾ أَيْ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالنَّصْرِ، دُونَ الْمِيرَاثِ، وَهَذَا قَوْل الطَّبَرِيِّ.
وَقِيل: حَصَل النَّسْخُ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ، فَنُسِخَ الأَْوَّل بِقَوْلِهِ ﵎: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أَيْ وَرَثَةً يَرِثُونَ، وَالْمَوْلَى هُنَا هُوَ الْقَرِيبُ كَالأَْخِ وَابْنِ الْعَمِّ، مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ، وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ.
وَقُرِئَ: (عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ شَهِيدًا) فَقَدْ نَسَخَتِ انْفِرَادَ الْحَلِيفِ لِكُل الْمَال، وَجَمَعَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الْمَال لِلأَْقَارِبِ، وَأَمَرَتْ بِإِعْطَاءِ الْحَلِيفِ نَصِيبًا، فَكَانُوا يُعْطُونَهُ السُّدُسَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أَيْ قَدْ شَهِدَ مُعَاقَدَتَكُمْ إِيَّاهُمْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْوَفَاءَ. قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
قَال قَتَادَةُ: " كَانَ الرَّجُل يُعَاقِدُ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِْسْلاَمُ أُمِرُوا أَنْ يُؤْتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ وَهُوَ السُّدُسُ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْمِيرَاثِ، فَقَال: ﴿وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ .
قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِثْل ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَال: وَيُنَزَّل حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى هَذَا. ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِآيَةِ سُورَةِ الأَْحْزَابِ. وَخُصَّ الْمِيرَاثُ بِالْعَصَبَةِ، وَبَقِيَ لِلْمُعَاقِدِ النَّصْرُ وَالإِْرْفَادُ
وَغَيْرُهُمَا. قَال وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّل بَقِيَّةُ الآْثَارِ، لَكِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ النَّاسِخِ الثَّانِي (١) .
التَّوَارُثُ بِالْحِلْفِ:
١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِرْثِ الْحَلِيفِ مِنْ حَلِيفِهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ مِيرَاثَ الْحَلِيفِ مَنْسُوخٌ أَصْلًا، فَلاَ تَوَارُثَ بِالْحِلْفِ، وَإِنَّمَا الْمِيرَاثُ بِرَحِمٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ وَلاَءٍ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلاَءِ فَتَرِكَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْ فَتَكُونُ لِبَيْتِ الْمَال.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِلَى أَنَّ إِرْثَ الْحَلِيفِ بَاقٍ، قَالُوا: يَرِثُ الْحَلِيفُ كُل الْمَال، لَكِنْ بَعْدَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ وَلاَ وَارِثٌ بِنِكَاحٍ وَلاَ مَوْلَى عَتَاقَةٍ فَمِيرَاثُهُ لِحَلِيفِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِبَيْتِ الْمَال. وَنَقَل الْجَصَّاصُ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمِ وَالزُّهْرِيِّ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنْهَا:
أ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فَإِنَّ " أَوْلَى " صِيغَةُ تَفْضِيلٍ تُثْبِتُ أَصْل الْمِيرَاثِ لِلْحَلِيفِ، لَكِنْ تَجْعَل الْقَرِيبَ أَوْلَى مِنْهُ. قَال الْجَصَّاصُ: جَعَلَتِ الآْيَةُ ذَوِي
_________
(١) فتح الباري ٨ / ٢٤٨، ٢٤٩، وتفسير القرطبي ٥ / ١٦٦، والطبري ٨ / ٢٦٩، ٢٧٥، ٢٧٦، وابن كثير ١ / ٤٨٩.
الأَْرْحَامِ أَوْلَى مِنْ مَوَالِي الْمُعَاقَدَةِ، فَنُسِخَ مِيرَاثُهُمْ فِي حَال وُجُودِ الْقَرَابَاتِ، وَهُوَ بَاقٍ لَهُمْ إِذَا فُقِدَ الأَْقْرِبَاءُ، عَلَى الأَْصْل الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، فَمَتَى فُقِدُوا وَجَبَ مِيرَاثُ الْحَلِيفِ بِقَضِيَّةِ الآْيَةِ، إِذْ كَانَتْ إِنَّمَا نَقَلَتْ مَا كَانَ لِلْحُلَفَاءِ إِلَى ذَوِي الأَْرْحَامِ إِذَا وُجِدُوا، فَإِذَا لَمْ يُوجَدُوا فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلاَ فِي السُّنَّةِ مَا يُوجِبُ نَسْخَهَا (١) اهـ.
ب - رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَال: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كُل بَطْنٍ عُقُولَهُ. ثُمَّ كَتَبَ: أَنَّهُ لاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (٢) .
فَأَجَازَتْ أَنْ يَتَحَوَّل الرَّجُل عَنْ مُوَالاَةِ قَوْمٍ إِلَى مُوَالاَةِ غَيْرِهِمْ بِإِذْنِهِمْ، فَهَذَا فِي مَوْلَى التَّعَاقُدِ، لأَِنَّ وَلاَءَ الْعَتَاقَةِ لاَ يَتَحَوَّل (٣)، لِمَا فِي الْحَدِيثِ: الْوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ (٤) .
ج - مَا رَوَى تَمِيمٌ الدَّارِيُّ أَنَّهُ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُل مِنْ أَهْل
_________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ١٨٦، والمغني لابن قدامة ٦ / ٣٨١ ط ثالثة، وأحكام القرآن لابن العربي ٣ / ١٤٩٧ و١ / ٤١٤ ط عيسى الحلبي، وتفسير ابن كثير١ / ٤١٤ و٤٩٠ ط عيسى الحلبي، وفتاوى ابن تيمية ١١ / ٩٩ - ١٠١ طبع الرياض.
(٢) حديث جابر بن عبد الله: كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله. ثم كتب: أنه لا يحل لمسلم أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه. أخرجه مسلم (٢ / ١١٤٦ - ط الحلبي) .
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ١٨٦.
(٤) حديث: " الولاء لحمة كلحمة النسب. . . " أخرجه الحاكم (٤ / ٣٤١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عمر، وأعله الذهبي، ولكن له شاهد من حديث علي بن أبي طالب عند البيهقي (١٠ / ٢٩٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) يتقوى به
الشِّرْكِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ (١) يَعْنِي مَحْيَاهُ فِي تَحَمُّل الْعَقْل عَنْهُ وَمَمَاتَهُ فِي الإِْرْثِ عَنْهُ (٢) وَلِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ التَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِرْثٌ) .
د - مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ كَانَ قَدْ عَاقَدَ رَجُلًا يُسَمَّى زَيْدَ بْنَ الْحَتَّاتِ، فَمَاتَ فَحَازَ مُعَاوِيَةُ ﵁ مِيرَاثَهُ.
هـ - وَاسْتَدَلُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ وَارِثٍ، قَالُوا: إِنْ وَصَّى لِغَيْرِ وَارِثٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ، فَمَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، جَازَتِ الْوَصِيَّةُ، فَكَذَا هَذَا.
وَانْظُرْ لِتَمَامِ الْقَوْل فِي حُكْمِ التَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ مُصْطَلَحَ (إِرْثٌ - ٥٢) .
أَحْكَامُ الْحَلِيفِ فِي غَيْرِ التَّوَارُثِ:
١٣ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ لِلْحَلِيفِ تَزْوِيجَ
_________
(١) حديث تميم الداري أنه قال: سألت رسول الله ﷺ ما السنة في الرجل من أهل الشرك يسلم على يدي رجل من المسلمين؟ فقال رسول الله ﷺ: هو أولى الناس بمحياه ومماته " أخرجه الترمذي (٤ / ٤٢٧ - ط الحلبي) وقال: " ليس بمتصل ". وكذا أطال ابن حجر في إعلاله في الفتح (١٢ / ٤٦ - ط السلفية) .
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ١٨٧، والمغني ٦ / ٣٨١، والمبسوط للسرخسي ٨ / ٨١٠، وشرح السراجية للجرجاني بحاشية الفناري ص٥٤.
الْمَرْأَةِ فَهُوَ أَحَدُ أَوْلِيَائِهَا. لَكِنَّ تَرْتِيبَهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ وَذَوِي الأَْرْحَامِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْقَاضِي وَالسُّلْطَانِ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لاَ وِلاَيَةَ فِي التَّزْوِيجِ لِذَوِي الأَْرْحَامِ وَلاَ لِمَوْلَى الْمُوَالاَةِ وَهُوَ الْحَلِيفُ. وَاخْتَلَفَ النَّقْل عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَقِيل: قَوْلُهُ كَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيل: كَقَوْل مُحَمَّدٍ (١) .
وَلَيْسَ لِلْحَلِيفِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ فِي وِلاَيَةِ التَّزْوِيجِ مَدْخَلٌ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي أَوْلَوِيَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمَيِّتِ: إِنَّ الأَْوْلِيَاءَ فِيهَا عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فِي النِّكَاحِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحَلِيفِ وِلاَيَةً فِيهَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي النِّكَاحِ مِنَ التَّرْتِيبِ (٢) .
وَقَال الْجُمْهُورُ: لاَ عَقْل بِالْحِلْفِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الرَّجُل وَعَشِيرَتَهُ يَعْقِلُونَ عَنْ مَوْلاَهُ بِالْوَلاَءِ، وَإِذَا عَقَل عَنْهُ لَزِمَهُ الْوَلاَءُ فَلاَ يَنْتَقِل عَنْهُ بَعْدُ إِلاَّ بِرِضَاهُ (٣) . وَلُزُومُ الْعَقْل عَنْ مَوْلَى الْمُوَالاَةِ مَنْقُولٌ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ (٤) . (وَانْظُرْ: عَاقِلَةٌ) .
ثَانِيًا: التَّحَالُفُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ:
١٤ - يَرِدُ هُنَا الْخِلاَفُ الْمُتَقَدِّمُ فِي مُحَالَفَةِ الْفَرْدِ
_________
(١) فتح القدير على الهداية ٣ / ١٨١ - ١٨٢ والعناية بهامشه ط دار إحياء التراث العربي.
(٢) فتح القدير على الهداية ٢ / ٨٢ - ٨٣ والعناية بهامشه ط دار إحياء التراث العربي.
(٣) الدر المختار ٥ / ٧٩، ٤١٢ بهامش حاشية ابن عابدين.
(٤) الطبري ٨ / ٢٧٨، والمغني ٦ / ٣٨١.
لِلْفَرْدِ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَوَارُثَ هُنَا وَلاَ تَعَاقُل، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْحِلْفِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَهُ مُجَرَّدُ التَّنَاصُرِ عَلَى الْحَقِّ وَدَفْعِ الظُّلْمِ.
وَيَسْتَدِل الْمُجِيزُونَ لِمِثْل هَذَا التَّحَالُفِ بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَْنْصَارِ فِي دَارِي مَرَّتَيْنِ.
وَقَالُوا: إِنَّ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاَ حِلْفَ فِي الإِْسْلاَمِ الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الإِْعَانَةِ بِالْحِلْفِ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِل.
قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: " أَصْل الْحِلْفِ الْمُعَاقَدَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ عَلَى التَّسَاعُدِ وَالتَّعَاضُدِ وَالاِتِّفَاقِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِتَنِ وَالْقِتَال وَالْغَارَاتِ، فَذَلِكَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الإِْسْلاَمِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَصِلَةِ الأَْرْحَامِ، كَحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ فَذَلِكَ الَّذِي قَال فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِْسْلاَمُ إِلاَّ شِدَّةً يُرِيدُ: مِنَ الْمُعَاقَدَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَنُصْرَةِ الْحَقِّ. وَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ الْحَدِيثَانِ. وَهَذَا هُوَ الْحِلْفُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الإِْسْلاَمُ (١) .
وَتَقَدَّمَ النَّقْل عَنِ النَّوَوِيِّ بِمِثْل ذَلِكَ (ف ١٠) .
وَأَمَّا الَّذِينَ خَالَفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَهُمُ الأَْكْثَرُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ لاَ حِلْفَ
_________
(١) النهاية لابن الأثير - حلف، ولسان العرب - حلف.
فِي الإِْسْلاَمِ وَبِأَنَّ الإِْسْلاَمَ جَعَل الْمُسْلِمِينَ يَدًا وَاحِدَةً وَأَوْجَبَ عَلَى كُل مُسْلِمٍ نُصْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَالْقِيَامَ عَلَى الْبَاغِي حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (ف ٩) .
حَلْقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَلْقُ فِي اللُّغَةِ إِزَالَةُ الشَّعْرِ. يُقَال حَلَقَ رَأْسَهُ، أَيْ: أَزَال شَعْرَهُ. وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا: الْحُلْقُومُ وَهُوَ مَسَاغُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْمَرِّيءِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ الْحَلْقِ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِحْدَادُ:
٢ - الاِسْتِحْدَادُ حَلْقُ الْعَانَةِ. وَسُمِّيَ اسْتِحْدَادًا لاِسْتِعْمَال الْحَدِيدَةِ وَهِيَ الْمُوسَى (٢) . فَالاِسْتِحْدَادُ نَوْعٌ مِنَ الْحَلْقِ.
ب - النَّتْفُ:
٣ - النَّتْفُ لُغَةً نَزْعُ الشَّعْرِ وَالرِّيشِ وَنَحْوِهِ (٣) .
_________
(١) لسان العرب مادة " حلق ".
(٢) الصحاح في اللغة والعلوم، ولسان العرب المحيط مادة " حدد ". ونيل الأوطار ١ / ١٣٣ط دار الجيل.
(٣) المصباح المنير ولسان العرب مادة " نتف ".