الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (١) .
هَذَا وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الْحُكُومَةِ مَا عُرِفَتْ نِسْبَةُ أَرْشِهِ إِلَى أَرْشٍ مُقَدَّرٍ فِي الشَّرْعِ كَأَنْ كَانَ بِقُرْبِهِ مُوضِحَةٌ (٢)، أَوْ جَائِفَةٌ (٣) فَعِنْدَئِذٍ وَجَبَ الأَْكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِ وَالْحُكُومَةِ. (٤)
وَيَخْرُجُ مِنَ الْحُكُومَةِ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْجُرْحِ الَّذِي فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مَقِيسًا عَلَيْهِ كَالأَْلْيَتَيْنِ وَالثَّدْيَيْنِ وَالْحَاجِبَيْنِ (٥) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ الْعَدْل (ر: جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ) .
شُرُوطُ حُكُومَةِ الْعَدْل:
٥ - لَمْ يَذْكُرِ الْفُقَهَاءُ شُرُوطًا مَحْدُودَةً لِوُجُوبِ حُكُومَةِ الْعَدْل إِلاَّ أَنَّهُ أَمْكَنَ بِتَتَبُّعِ عِبَارَاتِهِمُ اسْتِخْلاَصُ الشُّرُوطِ الآْتِيَةِ:
أ - أَلاَّ يَكُونَ لِلْجِنَايَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ:
٦ - يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَكُونَ لِلْجِنَايَةِ الْمُرَادُ تَقْدِيرُهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مِنْ قِبَل الشَّارِعِ (٦) بِنَاءً عَلَيْهِ لاَ يَجُوزُ
_________
(١) تبيين الحقائق ٦ / ١٣٣ وانظر تكملة البحر الرائق ٨ / ٣٨٢.
(٢) الموضحة هي الشجة التي تبدي بياض العظم (ر: شجة) .
(٣) الجائفة هي الطعنة التي تبلغ الجوف (ر: جائفة) .
(٤) مغني المحتاج ٤ / ٧٧ نشر دار إحياء التراث العربي، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٢٥.
(٥) المغني لابن قدامة ٨ / ٥٦.
(٦) بدائع الصنائع ٧ / ٣٢٣، ومغني المحتاج ٤ / ٧٧، والمغني ٨ / ٥٦، والشرح الصغير ٤ / ٣٨١.
الاِجْتِهَادُ فِي تَقْدِيرِ أَرْشِ شَجَّةٍ، أَوْ جِرَاحَةٍ، أَوْ إِزَالَةِ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فِي الشَّرْعِ.
ب - أَلاَّ تَبْلُغَ الْحُكُومَةُ أَرْشَ الْعُضْوِ:
٧ - الْحُكُومَةُ الَّتِي تَجِبُ فِي جُرْحٍ أَصَابَ عُضْوًا لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَالْيَدِ وَالرِّجْل لاَ يَبْلُغُ بِهَا ذَلِكَ الأَْرْشَ الْمُقَدَّرَ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ. (١)
وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَلاَّ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعُضْوِ مَعَ بَقَائِهِ مَضْمُونَةً بِمَا يُضْمَنُ بِهِ الْعُضْوُ نَفْسُهُ. (٢)
قَال النَّوَوِيُّ: إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ نَظَرَ: إِنْ لَمْ تَبْلُغِ الْحُكُومَةُ أَرْشَ ذَلِكَ الْعُضْوِ وَجَبَتْ بِكَمَالِهَا، وَإِنْ بَلَغَتْهُ نَقَصَ الْحَاكِمُ شَيْئًا مِنْهُ بِالاِجْتِهَادِ. وَبِهَذَا يَقُول الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٣) . بِنَاءً عَلَى هَذَا أَنَّ حُكُومَةَ الأُْنْمُلَةِ الْعُلْيَا يَجْرَحُهَا، أَوْ يَقْلَعُ ظُفُرَهَا يَنْقُصُ عَنْ أَرْشِ الأُْنْمُلَةِ.
وَالْجِنَايَةُ عَلَى الأُْصْبُعِ وَعَلَى الرَّأْسِ لاَ تَبْلُغُ حُكُومَتُهَا أَرْشَ الْمُوضِحَةِ، وَعَلَى الْبَطْنِ لاَ تَبْلُغُ أَرْشَ الْجَائِفَةِ، وَحُكُومَةُ جُرْحِ الْكَفِّ لاَ تَبْلُغُ دِيَةَ الأَْصَابِعِ الْخَمْسِ، وَكَذَا حُكُومَةُ قَطْعِ الْكَفِّ الَّتِي لاَ أُصْبُعَ عَلَيْهَا
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ٧٧ وروضة الطالبين ٩ / ٣٠٨، والأنوار لأعمال الأبرار ٢ / ٤٢٦، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٧ - ٥٨، والكافي لابن قدامة ٤ / ٩٤، والدسوقي ٤ / ٢٧١.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٧٧.
(٣) روضة الطالبين ٩ / ٣٠٨، ومغني المحتاج ٤ / ٧٨، والمغني ٨ / ٥٨.
وَكَذَا حُكْمُ الْقَدَمِ. (١)
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجِرَاحَةُ عَلَى عُضْوٍ لَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَالظَّهْرِ وَالْكَتِفِ وَالْفَخِذِ فَيَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ حُكُومَتُهَا دِيَةَ عُضْوٍ مُقَدَّرٍ كَالْيَدِ وَالرِّجْل وَأَنْ تَزِيدَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَنْقُصُ عَنْ دِيَةِ النَّفْسِ. (٢)
ج - أَنْ يَكُونَ التَّقْوِيمُ بَعْدَ انْدِمَال الْجُرْحِ:
٨ - يُشْتَرَطُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ الْحُكُومَةِ بَعْدَ انْدِمَال الْجُرْحِ وَبُرْئِهِ لاَ قَبْلَهُ، لأَِنَّ الْجُرْحَ قَدْ يَسْرِي إِلَى النَّفْسِ أَوْ إِلَى مَا يَكُونُ وَاجِبُهُ مُقَدَّرًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ لاَ الْحُكُومَةُ. (٣)
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُقَوَّمَ بِتَقْدِيرِ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْ أَهْل الْخِبْرَةِ لأَِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى فَرْضِ الْحُرِّ رَقِيقًا بِصِفَاتِهِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ، ثُمَّ يُنْظَرُ لِمِقْدَارِ النَّقْصِ وَيُؤْخَذُ بِنِسْبَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِرُّ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ مِنَ الْمُقَوِّمِينَ. (٤)
_________
(١) روضة الطالبين ٩ / ٣٠٨، وانظر الأنوار لأعمال الأبرار ٢ / ٤٢٦.
(٢) روضة الطالبين ٩ / ٣٠٩، والأنوار لأعمال الأبرار ٢ / ٤٢٦، ومغني المحتاج ٤ / ٧٨.
(٣) الأنوار لأعمال الأبرار مع حواشيه ٢ / ٤٢٦، ومغني المحتاج ٤ / ٧٨، وروضة الطالبين ٩ / ٣٠٩، والمغني ٨ / ٥٩، والزيلعي ٦ / ١٣٨، وابن عابدين٥ / ٣٨٦ والتاج والإكليل بهامش الحطاب ٢ / ٢٥٨ - ٢٥٩ والإفصاح لابن هبيرة ص ٣٨٣، وانظر رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص ٢٥٦.
(٤) الكافي لابن قدامة ٤ / ٩٤ نشر المكتب الإسلامي.
قَال الْكَاسَانِيُّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ طَرِيقَةِ الْكَرْخِيِّ لِتَقْدِيرِ حُكُومَةِ الْعَدْل: تُقَرَّبُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ إِلَى أَقْرَبِ جِنَايَةٍ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَيَنْظُرُ ذَوَا عَدْلٍ مِنْ أَطِبَّاءِ الْجِرَاحَاتِ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ هَاهُنَا فِي قِلَّةِ الْجِرَاحَاتِ وَكَثْرَتِهَا بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ فَيَأْخُذُ الْقَاضِي بِقَوْلِهِمَا، وَيَحْكُمُ مِنَ الأَْرْشِ بِمِقْدَارِهِ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ الْمُقَدَّرَةِ. (١)
د - أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي أَوِ الْمُحَكَّمُ بِالْحُكُومَةِ:
٩ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْحُكُومَةِ الْقَاضِي أَوِ الْمُحَكَّمُ بِشَرْطِهِ - وَهُوَ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ - بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْ أَطِبَّاءِ الْجِرَاحَاتِ، حَتَّى لَوْ وَقَعَتِ الْحُكُومَةُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِ الْقَاضِي أَوِ الْمُحَكَّمِ لَمْ تُعْتَبَرْ. (٢)
كَيْفِيَّةُ تَقْدِيرِ حُكُومَةِ الْعَدْل:
١٠ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِمَعْرِفَةِ حُكُومَةِ الْعَدْل أَنْ يَتِمَّ تَقْوِيمُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِتَقْوِيمِ الْعَبِيدِ كَمَا فِي تَقْوِيمِ سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ، فَيُقَوَّمُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا لَوْ كَانَ عَبْدًا وَيُنْظَرُ كَمْ نَقَصَتِ الْجِنَايَةُ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ قُوِّمَ بِعَشَرَةٍ دُونَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٢٤، ٣٢٥.
(٢) البجيرمي على شرح منهج الطلاب ٤ / ١٧٤، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٢٥، ومغني المحتاج ٤ / ٧٧، وحاشية إبراهيم على الأنوار لأعمال الأبرار ٢ / ٤٢٦، وبدائع الصنائع ٧ / ٣٢٤، ٣٢٥، وانظر الشرح الصغير ٤ / ٣٨١.
الْجِنَايَةِ وَبِتِسْعَةٍ بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَالتَّفَاوُتُ الْعُشْرُ فَيَجِبُ لَهُ عَلَى الْجَانِي عُشْرُ دِيَةِ النَّفْسِ. (١)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى تَقْرِيبِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ إِلَى أَقْرَبِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَيَنْظُرُ ذَوَا عَدْلٍ مِنْ أَطِبَّاءِ الْجِرَاحَاتِ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ هَاهُنَا فِي قِلَّةِ الْجِرَاحَاتِ وَكَثْرَتِهَا بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ، فَيَأْخُذُ الْقَاضِي بِقَوْلِهِمَا وَيَحْكُمُ مِنَ الأَْرْشِ بِمِقْدَارِهِ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ الْمُقَدَّرَةِ. (٢)
وَاسْتَدَل لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِالأَْثَرِ الْمَنْقُول عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قُطِعَ طَرَفُ لِسَانِهِ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ ﵁ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ (أَلِفٌ، ب، ت، ث.) فَكُلَّمَا قَرَأَ حَرْفًا أَسْقَطَ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يَقْرَأْهُ أَوْجَبَ الدِّيَةَ بِحِسَابِ ذَلِكَ (٣) .
فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ حُكُومَةَ الْعَدْل فِي الَّذِي قُطِعَ طَرَفُ لِسَانِهِ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ وَلَمْ يَعْتَبَرْ بِالْعَبِيدِ. (٤)
_________
(١) روضة الطالبين ٧ / ٣٠٨، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٦، والكافي لابن قدامة ٤ / ٩٤، وتحفة الفقهاء ٣ / ١٤٨، وبدائع الصنائع ٧ / ٣٢٤، والفتاوى الهندية ٦ / ٢٩، والزرقاني ٨ / ٣٤، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص ٢٥٦ ط الحلبي.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٣٢٤ - ٣٢٥، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٢٥، ومغني المحتاج ٤ / ٧٧.
(٣) تكملة البحر الرائق ٨ / ٣٧٦، ٣٨٢، وبدائع الصنائع ٧ / ٣٢٥.
(٤) العناية بهامش فتح القدير ٨ / ٣١٤ ط الأميرية، ودرر الحكام في شرح غرر الأحكام ٢ / ١٠٦.
وَنُقِل عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُجَاهِدٍ مِثْل ذَلِكَ (١) .
وَنَقَل الْحَصْكَفِيُّ عَنِ الْخُلاَصَةِ: إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ قَوْل الْكَرْخِيِّ لَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِي وَجْهٍ وَرَأْسٍ فَحِينَئِذٍ يُفْتَى بِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِهِمَا أَوْ تَعَسَّرَ عَلَى الْمُفْتِي يُفْتِي بِقَوْل الطَّحَاوِيِّ - وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ - مُطْلَقًا لأَِنَّهُ أَيْسَرُ (٢) .
وَقَال الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: يَنْظُرُ الْمُفْتِي فِي هَذَا، إِنْ أَمْكَنَهُ الْفَتْوَى بِالثَّانِي - وَهُوَ قَوْل الْكَرْخِيِّ - بِأَنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ يُفْتِي بِالثَّانِي.
وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ يُفْتِي بِالْقَوْل الأَْوَّل - وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ - لأَِنَّهُ أَيْسَرُ. وَكَانَ الْمَرْغِينَانِيُّ يُفْتِي بِهِ. (٣)
وَمَحَل الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الصَّدْرِ أَوِ الْفَخِذِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ مُقَدَّرَ فِيهِ اعْتُبِرَتِ الْحُكُومَةُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ قَطْعًا. (٤)
وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلًا ثَالِثًا فِي كَيْفِيَّةِ تَقْدِيرِ الْحُكُومَةِ، فَقَدْ قَال فِي الْمُحِيطِ: وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يُنْظَرُ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنْ أَقَل شَجَّةٍ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارُهُ مِثْل نِصْفِ شَجَّةٍ لَهَا
_________
(١) المحلى ٧ / ٥٣٧ ط الإمام.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٣، وانظر الجوهر النيرة ٢ / ٢١٩ ط ملتان - باكستان.
(٣) تكملة البحر الرائق ٨ / ٣٨٢ وغنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام للشرنبلالي ٢ / ١٠٦.
(٤) مغني المحتاج ٤ / ٧٧، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٢٥ - ٣٢٦.
أَرْشٌ، أَوْ ثُلُثُهَا، وَجَبَ نِصْفُ أَوْ ثُلُثُ أَرْشِ تِلْكَ الشَّجَّةِ، وَإِنْ كَانَ رُبْعًا فَرُبْعٌ.
وَيَرَى الشُّرُنْبُلاَلِيُّ أَنَّ هَذَا الْقَوْل لَيْسَ قَوْلًا ثَالِثًا، وَالأَْشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِقَوْل الْكَرْخِيِّ (١) .
وَقِيل: تُقَدَّرُ الْجِنَايَةُ بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ إِلَى أَنْ يَبْرَأَ، وَبِهَذَا قَال الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ. (٢)
قَال الْقُهُسْتَانِيُّ: هَذَا كُلُّهُ إِذَا بَقِيَ لِلْجِرَاحَةِ أَثَرٌ وَإِلاَّ فَعِنْدَهُمَا لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ قَدْرُ مَا أَنْفَقَ إِلَى أَنْ يَبْرَأَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ حُكُومَةُ الْعَدْل فِي الأَْلَمِ (٣) .
وَيَرَى جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَا بَرِئَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ - مِمَّا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِمَّا لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ الشَّارِعُ شَيْئًا - فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ فِيهِ عَلَى الْجَانِي مِنْ عَقْلٍ وَتَعْزِيرٍ وَأُجْرَةِ طَبِيبٍ. (٤)
وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ عَرَفَةَ - فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْجُرْحِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ - الْقَوْل بِأَنَّ عَلَى الْجَانِي أُجْرَةَ الطَّبِيبِ وَثَمَنَ الدَّوَاءِ سَوَاءٌ أَبَرِئَ عَلَى شَيْنٍ
_________
(١) غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام ٢ / ١٠٦.
(٢) الدر المختار ٥ / ٣٧٣، والجوهرة النيرة ٢ / ٢١٩ ط باكستان، الحطاب والمواق ٦ / ٢٥٩.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٣.
(٤) الفواكه الدواني ٢ / ٢٦٣، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٢٧٩ نشر دار المعرفة، ويراد بأجرة الطبيب ما يشمل ثمن الدواء كما في حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٢٧٩.
أَمْ لاَ مَعَ الْحُكُومَةِ فِي الأَْوَّل. (١) أَمَّا مَا قَدَّرَ الشَّارِعُ فِيهِ شَيْئًا فَالْوَاجِبُ الْمُقَدَّرُ، بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ أَمْ لاَ. (٢) إِلاَّ مُوضِحَةَ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فَإِنَّهَا إِذَا بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِيهَا عَلَى ثَلاَثَةِ اتِّجَاهَاتٍ:
الأَْوَّل: دَفْعُ دِيَتِهَا وَمَا حَصَل بِالشَّيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
الثَّانِي: دَفْعُ دِيَتِهَا وَلاَ يُزَادُ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، وَهَذَا مَا يَقُول بِهِ أَشْهَبُ، وَهُوَ مُقَابِل الْمَشْهُورِ.
الثَّالِثُ: الزِّيَادَةُ عَلَى الدِّيَةِ إِذَا كَانَ أَمْرًا مُنْكَرًا، أَمَّا إِذَا كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا فَلاَ يُزَادُ عَلَيْهَا.
وَهَذَا مَا رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ مَالِكٍ (٣) .
_________
(١) الشرح الصغير ٤ / ٣٨١.
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٢٧٩ والفواكه الدواني ٢ / ٢٦٣.
(٣) حاشية العدوي على الخرشي ٨ / ٣٥، ومنح الجليل ٤ / ٤٠٤، وانظر الحطاب ٦ / ٢٥٩، والشرح الصغير ٤ / ٣٨٣.
حَلاَلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَلاَل لُغَةً: نَقِيضُ الْحَرَامِ وَمِثْلُهُ الْحِل وَالْحَلاَل وَالْحَلِيل، وَهُوَ مِنْ حَل يَحِل حِلًّا.
وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزِ وَالتَّضْعِيفِ فَيُقَال أَحَلَّهُ اللَّهُ وَحَلَّلَهُ. كَمَا يُقَال هَذَا لَكَ حِلٌّ وَحَلاَلٌ، وَيُقَال لِضِدِّهِ حِرْمٌ وَحَرَامٌ أَيْ مُحَرَّمٌ. (١)
وَالْحَلاَل اصْطِلاَحًا: هُوَ الْجَائِزُ الْمَأْذُونُ بِهِ شَرْعًا. وَبِهَذَا يَشْمَل الْمَنْدُوبَ وَالْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَتَنْزِيهًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ جَوَازُ الإِْتْيَانِ بِهَا وَعَدَمُ امْتِنَاعِهِ شَرْعًا، مَعَ رُجْحَانِ الْفِعْل فِي الْمَنْدُوبِ، وَتَسَاوِي الْفِعْل وَالتَّرْكِ فِي الْمُبَاحِ، وَرُجْحَانِ التَّرْكِ فِي الْمَكْرُوهِ.
وَالْحَلاَل مُتَضَمَّنٌ فِي الْوَاجِبِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْوَاجِبَ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوَازِ الْفِعْل بِمَعْنَى رَفْعِ الْحَرَجِ مَعَ الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ، فَاللَّفْظُ الدَّال عَلَى الْوُجُوبِ يَدُل تَضَمُّنًا عَلَى الْجَوَازِ. فَيَكُونُ الْحَلاَل فِي مُقَابَلَةِ الْحَرَامِ مِنْ حَيْثُ الإِْذْنُ فِي الأَْوَّل وَعَدَمُ امْتِنَاعِهِ شَرْعًا، وَعَدَمُ الإِْذْنِ فِي الْحَرَامِ وَامْتِنَاعُهُ شَرْعًا.
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة " حل ".
وَالْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلاَل مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لأَِنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ شَرْعًا بِالْتِزَامِ مَا أَحَل اللَّهُ وَمُجَانَبَةِ مَا حَرَّمَهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ الْفَرْضُ وَيُرَادُ بِهِ الْحِل لُغَةً، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (١) أَيْ أَحَل لَهُ.
وَمِمَّا فَرَّقَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا، أَنَّ الأَْوَّل مَا كَانَ لِلْحِل أَقْرَبَ، وَالثَّانِي مَا كَانَ إِلَى الْحَرَامِ أَقْرَبَ، أَوْ مَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ (٢) .
مِنَ الْمَسَائِل الأُْصُولِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَلاَل:
يَتَعَلَّقُ بِمُصْطَلَحِ حَلاَلٍ جُمْلَةٌ مِنَ الْمَسَائِل الأُْصُولِيَّةِ:
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى:
هَل الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ - الَّتِي لاَ نَصَّ فِيهَا - الْحِل أَوِ الْحُرْمَةُ؟
٢ - وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ: فَمُخْتَارُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الأَْصْل الْحِل، وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الأَْصْل التَّوَقُّفُ، وَيُنْسَبُ لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنَّ الأَْصْل الْحُرْمَةُ.
_________
(١) سورة الأحزاب / ٣٨
(٢) الإبهاج شرح المنهاج ١ / ١٢٦، إرشاد الفحول ص ٦، المستصفى ١ / ٧٤، مسلم الثبوت ١ / ١٠٣ - ١٠٤، التلويح على التوضيح ٢ / ١٢٥ - ١٢٦ وغمز عيون البصائر ١ / ٣٣٥.