الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
حُكْمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحُكْمُ لُغَةً: الْقَضَاءُ. وَأَصْل مَعْنَاهُ: الْمَنْعُ، يُقَال: حَكَمْتُ عَلَيْهِ بِكَذَا إِذَا مَنَعْتُهُ مِنْ خِلاَفِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ، وَيُقَال حُكْمُ اللَّهِ أَيْ قَضَاؤُهُ بِأَمْرٍ وَالْمَنْعُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ. (١)
وَلِتَعْرِيفِ الْحُكْمِ اصْطِلاَحًا يُقَيَّدُ بِالشَّرْعِيِّ، تَفْرِيقًا لَهُ عَنِ الْعَقْلِيِّ وَالْعَادِيِّ وَغَيْرِهِمَا، فَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ هُوَ: خِطَابُ الشَّارِعِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ وَضْعًا. أَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ: أَثَرُ خِطَابِ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ وَضْعًا، فَالْحُكْمُ عِنْدَهُمْ هُوَ الأَْثَرُ أَيِ الْوُجُوبُ وَنَحْوُهُ، وَلَيْسَ الْخِطَابَ نَفْسَهُ (٢) .
أَنْوَاعُ الْحُكْمِ:
٢ - يَنْقَسِمُ الْحُكْمُ هُنَا إِلَى التَّكْلِيفِيِّ وَالْوَضْعِيِّ، وَبَعْضُهُمْ زَادَ التَّخْيِيرِيَّ، وَيَدُل تَعْرِيفُ الْحُكْمِ
_________
(١) المصباح، والقاموس، والنهاية لابن الأثير مادة: (حكم) .
(٢) مسلم الثبوت ١ / ٥٤، وجمع الجوامع ١ / ٣٥، وإرشاد الفحول ٦، والتوضيح ١ / ١٤.
عَلَى هَذِهِ الأَْنْوَاعِ، فَالْمُرَادُ بِالاِقْتِضَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ هُوَ الطَّلَبُ، وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُكْمِ: الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْزَامِ كُلْفَةٍ.
وَيَتَنَاوَل كُلًّا مِنْ طَلَبِ الْفِعْل جَازِمًا، وَهُوَ الْوُجُوبُ، أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ، وَهُوَ النَّدْبُ، كَمَا يَتَنَاوَل طَلَبَ التَّرْكِ جَازِمًا، وَهُوَ التَّحْرِيمُ، أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ، وَهُوَ الْكَرَاهَةُ.
وَالْمُرَادُ بِالتَّخْيِيرِ - فِي التَّعْرِيفِ - الإِْبَاحَةُ، وَهِيَ أَنْ لاَ يَكُونَ الشَّيْءُ مَطْلُوبَ الْفِعْل أَوِ التَّرْكِ.
وَبِأَحْكَامِ الاِقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ تُسْتَكْمَل أَقْسَامُ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ الْخَمْسَةِ أَوِ السَّبْعَةِ - عَلَى مَا سَيَأْتِي - وَقَصَرَهَا بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ - كَالآْمِدِيِّ - عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِطَرِيقِ الاِقْتِضَاءِ، وَأَفْرَدَ الإِْبَاحَةَ بِاسْمِ (الْحُكْمُ التَّخْيِيرِيُّ) فِي حِينِ أَنَّ بَعْضَ الأُْصُولِيِّينَ يُخْرِجُونَ الْمَنْدُوبَ مِنَ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلْزَامٌ بِمَشَقَّةٍ، قَال الآْمِدِيُّ: وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْمُبَاحِ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ. وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِبَاحَةٌ) .
وَالْمُرَادُ بِالْوَضْعِ - فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ - خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِجَعْل الشَّيْءِ سَبَبًا، أَوْ شَرْطًا، أَوْ مَانِعًا، أَوْ صَحِيحًا، أَوْ فَاسِدًا (أَوْ بَاطِلًا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل) . (١)
_________
(١) نهاية السول للأسنوي ١ / ٧١، والتقرير والتحبير٢ / ١١١، وشرح المنار ٥٧٩.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (بَاطِلٌ) (وَبُطْلاَنٌ) .
أَقْسَامُ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ:
٣ - يَنْقَسِمُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ هِيَ: الْفَرْضُ، وَالنَّدْبُ، وَالإِْبَاحَةُ، وَالْحُرْمَةُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَتَزِيدُ الأَْقْسَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قِسْمَيْنِ آخَرِينَ هُمَا (الْوُجُوبُ) وَهُوَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّدْبِ وَ(الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ) وَهِيَ بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، فَالْفَرْضُ غَيْرُ الْوَاجِبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا الْجُمْهُورُ فَيُسَوُّونَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ.
هَذَا، وَلِبَعْضِ أَقْسَامِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ كَالْوَاجِبِ تَقْسِيمَاتٌ كَثِيرَةٌ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَهَمُّهَا تَقْسِيمُهُ بِحَسَبِ وَقْتِ أَدَائِهِ إِلَى مُؤَقَّتٍ، وَمُطْلَقٍ، وَبِحَسَبِ الْمُطَالَبِ بِأَدَائِهِ إِلَى عَيْنِيٍّ، وَكِفَائِيٍّ، وَبِحَسَبِ الْمِقْدَارِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ إِلَى مُحَدَّدٍ، وَغَيْرِ مُحَدَّدٍ، وَبِحَسَبِ تَعْيِينِ الْمَطْلُوبِ إِلَى مُعَيَّنٍ وَمُخَيَّرٍ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَقٌّ) .
وَكَذَلِكَ تَقْسِيمَاتُ الْبَقِيَّةِ كَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ وَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا، وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ (١) .
_________
(١) إرشاد الفحول للشوكاني ٦ - ٧، والمستصفى ١ / ٦٥ (بهامش مسلم الثبوت) .
أَقْسَامُ الْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ:
٤ - يَنْقَسِمُ الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ إِلَى أَقْسَامٍ كَثِيرَةٍ أَهَمُّهَا: السَّبَبُ، وَالشَّرْطُ، وَالْمَانِعُ، وَالرُّخْصَةُ، أَوِ الْعَزِيمَةُ، وَالصِّحَّةُ، أَوِ الْبُطْلاَنُ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا، وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. (١)
حُكْمَانِ
انْظُرْ: تَحْكِيمٌ
_________
(١) المستصفى ١ / ٩٣ فما بعدها (بهامش مسلم الثبوت) .
حِكْمَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِكْمَةُ فِي اللُّغَةِ: الْعِلْمُ بِحَقَائِقِ الأَْشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْوُجُودِ وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهَا، وَهِيَ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ يُرَادُ بِهَا الْعِلْمُ بِالأَْشْيَاءِ وَإِيجَادُهَا عَلَى غَايَةِ الإِْحْكَامِ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الإِْنْسَانِ يُرَادُ بِهَا مَعْرِفَةُ الْحَقِّ، وَفِعْل الْخَيْرَاتِ.
وَتُطْلَقُ عَلَى الْعِلْمِ، وَالْفِقْهِ، (١) وَرَدَ فِي الأَْثَرِ الصَّحِيحِ: لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا. (٢)
وَجَاءَتِ الْحِكْمَةُ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى النُّبُوَّةِ، (٣) قَال تَعَالَى: فِي مَعْرِضِ الاِمْتِنَانِ عَلَى نَبِيِّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿
_________
(١) تاج العروس.
(٢) حديث: " لا حسد إلا في اثنتين. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ١٦٥ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٥٩ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٣) مفردات القرآن للراغب مادة: (حكم) .
وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١) ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْل الْخِطَابِ﴾ (٢)
الْحِكْمَةُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
٢ - الْحِكْمَةُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى رَبْطِ الْحُكْمِ بِعِلَّتِهِ، أَوْ بِسَبَبِهِ مِنْ جَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، أَوْ تَقْلِيلِهَا، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لِشَرْعِ الْحُكْمِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السَّبَبُ:
٣ - السَّبَبُ هُوَ الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ (٤) .
ب - الْمَانِعُ:
٤ - الْمَانِعُ هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ عَدَمُ السَّبَبِ أَوِ الْحُكْمِ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ.
وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
يَتَّضِحُ الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لِلْحِكْمَةِ مِنَ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِلَّةِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالْعِلَّةِ أَنَّ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٥١.
(٢) سورة ص / ٢٠.
(٣) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢ / ٢٧٨ بتصرف، مسلم الثبوت ٢ / ٢٧٤.
(٤) نهاية المحتاج ١ / ٩٤، وجمع الجوامع ١ / ٩٦.
الْعِلَّةَ هِيَ الْوَصْفُ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّارِعُ مَنَاطًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ حَيْثُ رَبَطَ الشَّارِعُ بِهِ الْحُكْمَ وُجُودًا وَعَدَمًا عَلَى أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِتَحْقِيقِ الْمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودَةِ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ.
أَمَّا الْحِكْمَةُ، فَهِيَ الْمَصْلَحَةُ نَفْسُهَا، لِذَلِكَ قَدْ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهَا فِي الاِنْضِبَاطِ، وَقَدْ تَخْفَى فَلاَ تَكُونُ مَعْلُومَةً لَنَا أَصْلًا (١) . لِهَذَا اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي جَوَازِ (رَبْطِ الْحُكْمِ) بِالْحِكْمَةِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا وُجِدَتِ الْحِكْمَةُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً جَازَ رَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا لِعَدَمِ الْمَانِعِ لأَِنَّهَا الْمُنَاسِبُ الْمُؤَثِّرُ حَقِيقَةً. وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً، وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (تَعَبُّدِيٌّ)، وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) المستصفى للغزالي ٢ / ٣٣٢، ومسلم الثبوت٢ / ٢٧٤.
حُكُومَةُ عَدْلٍ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحُكُومَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ الثُّلاَثِيِّ (حَكَمَ) وَاسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ (غَيْرِ الثُّلاَثِيِّ)، وَمِنْ مَعَانِيهَا رَدُّ الظَّالِمِ عَنِ الظُّلْمِ (١) قَال الأَْزْهَرِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى حَدِيثِ: فِي أَرْشِ الْجِرَاحَاتِ الْحُكُومَةُ. (٢)
مَعْنَى الْحُكُومَةِ فِي أَرْشِ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا دِيَةٌ مَعْلُومَةٌ أَنْ يُجْرَحَ الإِْنْسَانُ فِي بَدَنِهِ مِمَّا يَبْقَى شَيْنُهُ وَلاَ يَبْطُل الْعُضْوُ فَيَقْتَاسُ (يُقَدِّرُ) الْحَاكِمُ أَرْشَهُ. (٣) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَقَدْ أَطْلَقُوهُ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي يُقَدِّرُهُ عَدْلٌ فِي جِنَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمَال. (٤) قَال ابْنُ عَاشِرٍ: اتَّفَقَتِ الأَْنْقَال عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكُومَةِ الاِجْتِهَادُ
_________
(١) متن اللغة مادة: (حكم) .
(٢) حديث: " في أرش الجراحات الحكومة " أورده ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (١ / ٤٢٠ ط الحلبي) ولم نر مسندا في أي مرجع آخر والله أعلم.
(٣) لسان العرب مادة: (حكم) .
(٤) أنيس الفقهاء ص ٢٩٥، والزيلعي ٦ / ١٣٣، وانظر فتح القدير ٨ / ٣١٤.
وَإِعْمَال الْفِكْرِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنَ الْجَانِي. (١)
وَسَبَبُ التَّسْمِيَةِ أَنَّ اسْتِقْرَارَ الْحُكُومَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ مُعْتَبَرٍ، وَمِنْ ثَمَّ لَوِ اجْتَهَدَ فِيهِ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ. (٢)
قَال ابْنُ عَرَفَةَ: أَلْفَاظُ الْمُدَوَّنَةِ يَأْتِي فِيهَا تَارَةً لَفْظُ الْحُكُومَةِ، وَتَارَةً لَفْظُ الاِجْتِهَادِ فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَا مُتَرَادِفَيْنِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْرْشُ:
٢ - الأَْرْشُ هُوَ الْمَال الْوَاجِبُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى بَدَل النَّفْسِ وَهُوَ الدِّيَةُ. (٤)
وَالأَْرْشُ أَعَمُّ مِنْ حُكُومَةِ الْعَدْل لأَِنَّهُ يَشْمَل الْوَاجِبَ فِي جِنَايَةٍ جَاءَ فِيهَا نَصٌّ بِسَهْمٍ مُعَيَّنٍ، وَالْوَاجِبُ فِي جِنَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ مُقَدَّرٌ مِنْ الشَّارِعِ، فَحُكُومَةُ الْعَدْل هِيَ نَوْعٌ مِنَ الأَْرْشِ
ب - الدِّيَةُ:
٣ - الدِّيَةُ: هِيَ بَدَل النَّفْسِ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ
_________
(١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤ / ٣٨١ وانظر البناني بهامش الزرقاني ٨ / ٣٤.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٧٧ ونهاية المحتاج ٧ / ٣٢٥، وحاشية إبراهيم على الأنوار لأعمال الأبرار ٢ / ٤٢٦.
(٣) حاشية البناني بهامش الزرقاني ٨ / ٣٤، والتاج والإكليل بهامش الحطاب ٦ / ٢٨٥.
(٤) التعريفات للجرجاني وأنيس الفقهاء ص ٢٩٥.
بِأَسْبَابِهِ، وَقَدْ يُسَمَّى أَرْشُ مَا دُونَ النَّفْسِ بِالدِّيَةِ (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدِّيَةِ وَحُكُومَةِ الْعَدْل، أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِي الْغَالِبِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، أَمَّا حُكُومَةُ الْعَدْل فَتَجِبُ بِالاِعْتِدَاءِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، كَمَا أَنَّ الدِّيَةَ مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا، وَحُكُومَةُ الْعَدْل غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فِي الشَّرْعِ وَيُتْرَكُ أَمْرُ تَقْدِيرِهَا لِلْحَاكِمِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِحُكُومَةِ الْعَدْل:
مَا يَجِبُ فِيهِ حُكُومَةُ الْعَدْل:
٤ - الأَْصْل أَنَّ مَا لاَ قِصَاصَ فِيهِ مِنَ الْجِنَايَاتِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ وَلَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ فَفِيهِ الْحُكُومَةُ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْجِنَايَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَحَلٍّ مَعْصُومٍ اعْتِبَارُهَا بِإِيجَابِ الْجَابِرِ أَوِ الزَّاجِرِ مَا أَمْكَنَ. (٢)
قَال الزَّيْلَعِيُّ عِنْدَ الاِسْتِدْلاَل عَلَى وُجُوبِ حُكُومَةِ الْعَدْل فِي الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمَال: لأَِنَّ هَذِهِ (الْجِنَايَاتِ) لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَلاَ يُمْكِنُ إِهْدَارُهَا فَتَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ الْعَدْل وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
_________
(١) التعريفات للجرجاني.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٢٣، وانظر تحفة الفقهاء ٣ / ١٤٦ - ١٤٧، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٤ / ٣٨١، ومغني المحتاج ٤ / ٧٧، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٤ - ٥٦ ط الرياض.