الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 12

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

حَصَل مَا يَدُل عَلَى قَصْدِ الإِْخْرَاجِ بَعْدَ الْمُدَّةِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الأَْبَدِ فَإِنَّهُ يُعْمَل بِذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمُحْتَكِرِ حَقُّ الْقَرَارِ إِذَا وَضَعَ بِنَاءَهُ فِي الأَْرْضِ وَيَسْتَمِرُّ مَا دَامَ أُسُّ بِنَائِهِ قَائِمًا فِيهَا، فَلاَ يُكَلَّفُ بِرَفْعِ بِنَائِهِ، وَلاَ بِقَلْعِ غِرَاسِهِ مَا دَامَ يَدْفَعُ أُجْرَةَ الْمِثْل الْمُقَرَّرَةَ عَلَى سَاحَةِ الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ.

وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا لِبَقَاءِ الْمُحْتَكَرِ بِأُجْرَةِ الْمِثْل أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْوَقْفِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ بِأَنْ يُخَافَ مِنْهُ عَلَى رَقَبَةِ الأَْرْضِ يَفْسَخُ الْقَاضِي الإِْجَارَةَ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ يَدِهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ هُوَ أَوْ وَارِثُهُ مُفْلِسًا، أَوْ سَيِّئَ الْمُعَامَلَةِ، أَوْ مُتَغَلِّبًا يُخْشَى عَلَى الْوَقْفِ مِنْهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ. (١)

مِقْدَارُ الأُْجْرَةِ فِي الاِسْتِحْكَارِ لِلْوَقْفِ:

١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ إِذَا رَغِبَ فِي إِجَارَتِهَا، فَإِنَّهَا تُؤَجَّرُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَحْكِيرِ الْوَقْفِ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل (٢) .

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢٠، ومطالب أولي النهى ٣ / ٦٢٢ والفتاوى الخيرية ١ / ٢٠٠، والعدوي على الخرشي ٧ / ٧٩، وقانون العدل والإنصاف م ٣٣٤، ٣٣٥.

(٢) الإسعاف ص ٦٥ ط مكتبة الطالب الجامعي، وابن عابدين ٣ / ٣٩٨ ط بولاق، وشرح الخرشي ٧ / ٩٩ ومطالب أولي النهى ٤ / ٣٤٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٥ ط مصطفى الحلبي.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ حَقُّ إِجَارَةِ الْوَقْفِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ هُوَ النَّاظِرَ فِي حَال كَوْنِهِ الْمُسْتَحِقَّ وَحْدَهُ لِلأُْجْرَةِ كُلِّهَا.

وَفِي الْبَحْرِ: أَنَّ النَّاظِرَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِأُجْرَةِ الْمِثْل، وَآجَرَ الْمَوْقُوفَ بِأَقَل مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ خِيَانَةً.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ يَسِيرًا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ جَازَ، لأَِنَّهُ مِمَّا يُتَسَامَحُ بِهِ، وَتَنْفُذُ الإِْجَارَةُ مَعَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْتَأْجِرُ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ فِي الْوَقْفِ، أَمْ كَانَ أَجْنَبِيًّا. (١)

وَيُفَرِّقُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَيْنَ أَنْ يُؤَجِّرَ الْمُتَوَلِّي الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَيْهِ.

فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل.

أَمَّا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ، قِيَاسًا أَوْلَوِيًّا عَلَى صِحَّةِ الإِْعَارَةِ مِنْهُ، كَمَا هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِاعْتِبَارِ انْتِقَال مِلْكِيَّةِ الْمَنَافِعِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢)

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّحْكِيرِ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ:

١٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ إِذَا آجَرَ الْوَقْفَ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل وَبِغَبَنٍ فَاحِشٍ

_________

(١) الدر المختار ٣ / ٣٩٥، والإسعاف ص ٦٥، والبحر الرائق ٥ / ٢٥٨، وأحكام الوقف للخصاف ص ٢٠٥.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٥، ومطالب أولي النهى ٤ / ٣٤٠.

يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَسَادُ عَقْدِ الإِْجَارَةِ. هَذَا، وَإِذَا كَانُوا قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى فَسَادِ الْعَقْدِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي النَّتَائِجِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَال الْخَصَّافُ: إِنِ اسْتَغَلَّهَا فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْل، لأَِنَّ الْمُتَوَلِّيَ أَبْطَل بِالتَّسْمِيَةِ مَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى إِلَى تَمَامِ أَجْرِ الْمِثْل، وَهُوَ لاَ يَمْلِكُهُ، فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل، كَمَا لَوْ آجَرَ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ أَجْرٍ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَسْتَغِلَّهَا، كَالدَّارِ يَقْبِضُهَا وَلاَ يَسْكُنُهَا، فَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لاَ أَجْرَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ أَجْرَ الْمِثْل لاَ يَلْزَمُهُ فِي الإِْجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ اسْتِعْمَال الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ الْمُؤَجَّرَةِ، كَيْ يَجِبَ أَجْرُ الْمِثْل عَلَيْهِ.

وَقَال صَاحِبُ الإِْسْعَافِ وَابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل عَلَى كُل حَالٍ. (١)

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ النَّاظِرَ إِذَا أَكْرَى الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل ضَمِنَ تَمَامَ أُجْرَةِ الْمِثْل إِنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإِلاَّ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، لأَِنَّهُ مُبَاشِرٌ. (٢)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ بِصِحَّةِ عَقْدِ الإِْجَارَةِ إِذَا آجَرَ النَّاظِرُ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ بِأَقَل مِنْ أَجْرِ الْمِثْل، حَتَّى إِذَا صَاحَبَ هَذِهِ الإِْجَارَةَ غَبْنٌ فَاحِشٌ، فَعَلَى النَّاظِرِ ضَمَانُ النَّقْصِ فِي الأُْجْرَةِ فِيمَا لاَ يُتَغَابَنُ بِهِ

_________

(١) الدر المختار ٣ / ٤٠١، والإسعاف ٦٩.

(٢) حاشية العدوي على الخرشي ٧ / ٩٩.

فِي الْعَادَةِ، إِذَا كَانَ النَّاظِرُ غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ فِي الْوَقْفِ، أَمَّا إِذَا كَانَ النَّاظِرُ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ الْوَحِيدَ فِي الْوَقْفِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ. (١)

زِيَادَةُ أُجْرَةِ الْمِثْل فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا:

١٨ - يَرَى فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا زَادَتْ أُجْرَةُ مِثْل عَقَارِ الْوَقْفِ الْمُسْتَحْكَرِ زِيَادَةً فَاحِشَةً، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِسَبَبِ الْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ الَّتِي أَقَامَهَا الْمُسْتَحْكِرُ فِيهَا فَلاَ تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ، وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ أُجْرَةِ الأَْرْضِ مِنْ نَفْسِهَا لِكَثْرَةِ رَغَبَاتِ النَّاسِ فِي الصُّقْعِ (أَيِ الْمَوْقِعِ) تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ إِتْمَامًا لأَِجْرِ الْمِثْل. فَإِنْ أَبَى اسْتِئْجَارَهَا بِذَلِكَ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ لَوْ رُفِعَتْ مِنْهَا الْعِمَارَةُ لاَ تُسْتَأْجَرُ بِأَكْثَرَ مِنَ الأُْجْرَةِ الْمُقَرَّرَةِ تُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُحْتَكِرِ بِذَلِكَ الأَْجْرِ لِعَدَمِ الضَّرَرِ عَلَى الْجَانِبَيْنِ. وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَأْجَرُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا وَلَمْ يَرْضَ بِالزِّيَادَةِ يُجْبَرُ عَلَى رَفْعِ بِنَائِهِ. (٢) عَلَى مَا يَأْتِي:

وَهَذَا إِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ الْمِثْل فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّهُ قَدْ عَرَضَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ مَا يُسَوِّغُ الْفَسْخَ وَهُوَ الزِّيَادَةُ الْعَارِضَةُ فِي الأُْجْرَةِ. أَمَّا إِنْ فَرَغَتِ الْمُدَّةُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي الأَْرْضِ غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ قَائِمٌ فِعْلًا،

_________

(١) مطالب أولي النهى٤ / ٣٤٠.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩٩، وقانون العدل والإنصاف م ٣٣٧، ٣٣٨، ٣٣٩.

فَلَيْسَ هُوَ أَحَقَّ بِالإِْجَارَةِ إِذْ لاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الْقَرَارِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا بِنَاءٌ أَوْ غِرَاسٌ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْل، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَدْفَعَ أُجْرَةَ الْمِثْل يُؤْمَرُ بِرَفْعِ الْبِنَاءِ. (١)

وَكُل هَذَا إِذَا كَانَ الْحِكْرُ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ، أَمَّا فِي الأَْرَاضِيِ غَيْرِ الْمَوْقُوفَةِ إِذَا زَادَ أَجْرُ الْمِثْل فِي مُدَّةِ الْعَقْدِ فَلِلْمُسْتَحْكِرِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْعَقْدِ وَيَرْفُضَ الزِّيَادَةَ. ثُمَّ إِنَّ الْمَالِكَ أَحَقُّ بِعَقَارِهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَالِكَ قَدْ يَرْغَبُ فِي سُكْنَى عَقَارِهِ أَوْ بَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ بِخِلاَفِ الْوَقْفِ، فَإِنَّ سَبِيلَهُ التَّأْجِيرُ فَالْمُسْتَأْجِرُ الأَْوَّل أَوْلَى (٢) .

وَالزِّيَادَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْفَسْخِ هِيَ مَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ مُتَعَنِّتٍ، بَل يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُ رَغْبَةٌ صَحِيحَةٌ فِي الاِسْتِئْجَارِ بِالزِّيَادَةِ. أَمَّا إِنْ زَادَ الْمُتَعَنِّتُ فَلاَ تُقْبَل زِيَادَتُهُ، قَال فِي قَانُونِ الْعَدْل وَالإِْنْصَافِ: عَمَلًا بِالأَْمْرِ السُّلْطَانِيِّ الْمُطَاعِ.

وَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ بِصِيغَةِ: (كُل شَهْرٍ بِكَذَا) صَحَّ فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل وَلاَ يَصِحُّ فِي الثَّانِي إِلاَّ بِالتَّلَبُّسِ بِهِ، وَيَكُونُ لِلنَّاظِرِ إِذَا انْتَهَى كُل شَهْرٍ فَسْخُ الإِْجَارَةِ إِذَا زَادَ أَحَدٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَمْ يَرْضَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالزِّيَادَةِ.

وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُسْتَحْكِرُ وَالنَّاظِرُ فَقَال النَّاظِرُ:

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٣٩٩، والفتاوى البزازية بهامش الهندية ٦ / ٢٦٨.

(٢) الفتاوى الخيرية ١ / ١٧٢، ١٨٠، والهندية ٤ / ٥١٤، ٥١٥.

إِنَّ أُجْرَةَ الْمِثْل قَدْ زَادَتْ، وَقَال الْمُسْتَحْكِرُ: لَمْ تَزِدْ فَالْقَوْل لِلْمُسْتَحْكِرِ، وَعَلَى النَّاظِرِ إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ بِالْبُرْهَانِ.

وَيُؤْخَذُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِقَوْل رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْل الْخِبْرَةِ وَالأَْمَانَةِ. وَيَكْفِي وَاحِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.

وَلاَ تُفْسَخُ إِجَارَةُ الْوَقْفِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ بِزِيَادَةِ أُجْرَةِ الْمِثْل فِي الْمُدَّةِ الأُْولَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ. (١)

نَقْصُ أُجْرَةِ الْمِثْل أَثْنَاءَ مُدَّةِ الاِحْتِكَارِ:

١٩ - إِذَا نَقَصَتْ أُجْرَةُ الْمِثْل أَثْنَاءَ مُدَّةِ الاِحْتِكَارِ لَمْ يَجُزْ فَسْخُ الْعَقْدِ لِمَصْلَحَةِ الْمُحْتَكِرِ حَتَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِفَسْخِهِ لِلزِّيَادَةِ. لأَِنَّ الْعَقْدَ عَقْدُ إِجَارَةٍ لاَزِمٌ وَفِي الْفَسْخِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ. (٢)

وَذَكَرَ الأَْذْرَعِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فِي مَعْرِضِ رَدِّهِ عَلَى ابْنِ الصَّلاَحِ فِيمَا لَوْ طَرَأَ تَغْيِيرٌ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْل فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الأَْحْوَال أَنَّ

_________

(١) قانون العدل والإنصاف م ٣٣٩، ٣٤٠، وتنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١١٨، ١٢٩، والخيرية ١ / ١٩٧، ٢١٣ والبحر الرائق ٥ / ٢٥٧، والشرواني ٦ / ٢٩٤، وابن عابدين ٣ / ٣٩٩، وفتح العلي المالك ٢ / ٢٣٩، والخرشي ٧ / ٩٩، والدسوقي ٤ / ٩٥، وروضة الطالبين ٥ / ٣٥٢ ط المكتب الإسلامي، ومطالب أولي النهى ٤ / ٣٤٠.

(٢) مرشد الحيران م ٦٩٠ والدر وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩٨.

الَّذِي يَقَعُ فِي النَّفْسِ أَنَّا نَنْظُرُ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْل الَّتِي تَنْتَهِي إِلَيْهَا الرَّغَبَاتُ حَالَةَ الْعَقْدِ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا عَسَاهُ يَتَجَدَّدُ. (١)

مِلْكِيَّةُ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ الَّذِي يَضَعُهُ الْمُحْتَكِرُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا:

٢٠ - الْبِنَاءُ الَّذِي يَبْنِيهِ الْمُحْتَكِرُ وَالْغِرَاسُ الَّذِي يَغْرِسُهُ بِإِذْنِ الْقَاضِي أَوِ النَّاظِرِ فِي الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ يَكُونُ مِلْكًا خَالِصًا لَهُ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ لِلشَّرِيكِ وَغَيْرِهِ، وَلَهُ هِبَتُهُ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ وَيُورَثُ عَنْهُ.

أَمَّا الأَْرْضُ نَفْسُهَا فَرَقَبَتُهَا لِلْوَقْفِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ الأَْرْضَ الْمُحَكَّرَةَ اسْتُمْلِكَتْ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَلَيْسَ لِلْمُحْتَكِرِ إِلاَّ التَّعْوِيضُ عَنْ بِنَائِهِ أَوْ غِرَاسِهِ، أَمَّا مَا يُقَابِل رَقَبَةَ الأَْرْضِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ مَا يَبْنِيهِ الْمُحْتَكِرُ يَكُونُ مِلْكًا يُبَاعُ وَيُورَثُ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هَذَا إِذَا بَيَّنَ الْمِلْكِيَّةَ، أَمَّا إِنْ بَيَّنَ التَّحْبِيسَ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا فَالْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ وَقْفٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لاَ حَقَّ فِيهِمَا لِوَرَثَةِ الْبَانِي وَالْغِرَاسِ.

وَيُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي اسْتِئْجَارِ الأَْرْضِ لِلْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ، أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ مِلْكٌ

_________

(١) تحفة المحتاج ٦ / ٢٩٤ ط صادر. مغني المحتاج ٢ / ٣٩٥ ط الفكر، نهاية المحتاج ٥ / ٤٠١ ط المكتبة الإسلامية.

لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَالأَْرْضُ مِلْكٌ لِصَاحِبِهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ.

وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْحِكْرَ - إِذَا بِيعَتِ الأَْرْضُ - يَبْقَى لِلْمُحْتَكِرِ، قَال عُثْمَانُ النَّجْدِيُّ: " إِذَا بِيعَتِ الأَْرْضُ الْمُحْتَكَرَةُ أَوْ وُرِثَتْ فَالْحِكْرُ عَلَى مَنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ ". (١)

الشُّفْعَةُ فِيمَا بُنِيَ فِي الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ:

٢١ - لاَ شُفْعَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْكِرْدَارِ (٢) الَّذِي فِي أَرْضِ الْوَقْفِ الْمُحْتَكَرَةِ لأَِنَّهُ لاَ شُفْعَةَ عِنْدَهُمْ فِي الْبِنَاءِ بِدُونِ الأَْرْضِ، وَلاَ فِي الشَّجَرِ بِدُونِ الأَْرْضِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكُونُ لِمَنِ اشْتَرَكَ فِي الْبِنَاءِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ الْمُحْتَكَرَةِ الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ. (٣)

وَقْفُ الْبِنَاءِ مِنْ مَالِكِهِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ الْمُحْتَكَرَةِ:

٢٢ - الأَْصْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ جَوَازِ وَقْفِ الْبِنَاءِ

_________

(١) قانون العدل والإنصاف م ٣٣٣، والدر المختار ٣ / ٣٣٤، ٣٩٧، وفتح العلي ٢ / ٢٤٣ - ٢٤٤، والروضة ٥ / ٢١٤ - ٢١٦ ط المكتب الإسلامي، وهداية الراغب ص ٣٧٨ ومطالب أولي النهى ٣ / ٦٨٩.

(٢) الكردار: (بالكسر) فارسي وهو مثل البناء والأشجار والكبس إذا كبسه من تراب نقله من مكان كان يملكه. المغرب ص ٤٠٤.

(٣) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١٦٦، وقانون العدل والإنصاف م ٣٤٢، والبحر الرائق ٥ / ٢٢٠، وابن عابدين ٥ / ١٣٨، وفتح العلي المالك ٢ / ٢٥٢، والروضة ٥ / ٧٠ ط المكتب الإسلامي، ومغني المحتاج ٢ / ٢٩٦، ونهاية المحتاج ٥ / ١٩٣ - ١٩٤.

بِدُونِ وَقْفِ الأَْرْضِ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُ وَلَمْ يَقِفْهَا، أَوْ مَمْلُوكَةً لِلْغَيْرِ. وَلَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ مَوْقُوفَةً فَوَقَفَ الْبِنَاءَ الَّذِي بَنَاهُ فِيهَا عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهَا الأَْرْضُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَرَجَّحَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ الأَْرْضَ إِنْ كَانَتْ مُقَرَّرَةً لِلاِحْتِكَارِ جَازَ وَقْفُ مَا يَبْنِيهِ الْمُحْتَكِرُ بِهَا، لأَِنَّهُ لاَ مُطَالِبَ بِنَقْضِهِ بِخِلاَفِ الْمَمْلُوكَةِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْخَصَّافُ. وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الصَّحِيحُ الصِّحَّةُ أَيْ لِكَوْنِ ذَلِكَ أَصْبَحَ مُتَعَارَفًا (١) .

وَإِذَا بَنَى فِي الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ مَسْجِدًا جَازَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا، قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحِكْرَ عَلَى الْوَاقِفِ طِيلَةَ مُدَّةِ الاِحْتِكَارِ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحِكْرُ عَلَى بَيْتِ الْمَال.

وَيَصِحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَقْفُ الْبِنَاءِ الَّذِي يَبْنِيهِ الْمُحْتَكِرُ وَالْغِرَاسُ الَّذِي يَغْرِسُهُ. فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَبْنِيَ فِيهَا أَوْ يَغْرِسَ، فَفَعَل، ثُمَّ وَقَفَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ صَحَّ عَلَى الأَْصَحِّ، وَلَوْ وَقَفَ هَذَا أَرْضَهُ، وَهَذَا بِنَاءَهُ، صَحَّ بِلاَ خِلاَفٍ كَمَا لَوْ بَاعَاهُ (٢) .

_________

(١) عابدين ٣ / ٣٩٠، ٣٩١، وقانون العدل والإنصاف م ٣٣٣، ومرشد الحيران م ٥٩١، والإسعاف في أواخر باب ما يجوز وقفه ص ١٨.

(٢) البحر الرائق ٥ / ٢٢٠، والدسوقي ٤ / ٧٦، والروضة ٥ / ٣١٦.

مَوْتُ الْمُسْتَحْكَرِ قَبْل أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَغْرِسَ

٢٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْمُسْتَحْكِرُ قَبْل أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَغْرِسَ فِي الأَْرْضِ الْمُسْتَحْكَرَةِ انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ، وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ الْبِنَاءُ فِي الأَْرْضِ أَوِ الْغَرْسُ فِيهَا إِلاَّ بِإِذْنِ النَّاظِرِ. (١)

وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ تَصْرِيحًا بِحُكْمِ الْحِكْرِ خَاصَّةً.

انْقِضَاءُ الْحِكْرِ بِهَلاَكِ الْبِنَاءِ أَوِ الأَْشْجَارِ:

٢٤ - إِذَا خَرِبَ الْبِنَاءُ الَّذِي بَنَاهُ الْمُحْتَكِرُ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ وَزَال عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، يَنْقَضِي حَقُّ الْمُحْتَكِرِ فِي الْقَرَارِ فِيهَا. وَهَذَا إِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ، لاَ فِي الْمُدَّةِ. وَكَذَلِكَ إِنْ فَنِيَتِ الأَْشْجَارُ الَّتِي فِي الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ وَذَهَبَ كِرْدَارُهَا لاَ يَكُونُ لِلْمُحْتَكِرِ حَقٌّ فِي الاِسْتِمْرَارِ فِي شَغْلِهَا، إِنْ حَصَل ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ. (٢)

_________

(١) قانون العدل والإنصاف م ٣٤١، وتنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١٣١.

(٢) قانون العدل والإنصاف م ٣٣٨، وتنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١٣١ وفتح العلي ٢ / ٢٥٢.