الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 15

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

وَسَبَبُ اخْتِلاَفِهِمْ هُوَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي حَدِّ الْحَلاَل: فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَا لاَ دَلِيل عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَا دَل دَلِيلٌ عَلَى حِلِّهِ.

دَلِيل قَوْل الْجُمْهُورِ: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا﴾ . (٢)

وَمِنَ الأَْحَادِيثِ: قَوْلُهُ ﷺ: مَا أَحَل اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلاَلٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا. (٣)

وَقَوْلُهُ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا. (٤)

_________

(١) سورة الأنعام / ١٤٥.

(٢) سورة البقرة / ٢٩.

(٣) حديث: " ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم. . . " أخرجه الحاكم (٢ / ٣٧٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي الدرداء، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ١٧١ - ط القدسي) وعزاه إلى الطبراني والبزار وقال: " إسناده حسن، ورجاله موثقون ".

(٤) حديث: " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم. . . " أخرجه الدارقطني (٤ / ١٨٤ - ط دار المحاسن) من حديث أبي ثعلبة الخشني، وأعله ابن رجب الحنبلي بالانقطاع في سنده والاختلاف في رفعه ووقفه وتصويب وقفه. وكذا في جامع العلوم والحكم ص ٢٦١ - ط الحلبي.

وَدَلِيل قَوْل بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَمَا نُسِبَ لأَِبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لاَ يَجُوزُ، فَيَبْقَى الأَْصْل عَلَى الْحُرْمَةِ حَتَّى يَرِدَ دَلِيل الْحِل.

وَدَلِيل مَنْ قَال بِالتَّوَقُّفِ أَنَّ طَرِيقَ ثُبُوتِ الأَْحْكَامِ سَمْعِيٌّ وَعَقْلِيٌّ، وَالأَْوَّل غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَكَذَا الثَّانِي، فَلاَ يَقْطَعُ بِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ وَهَذَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ.

وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلاَفِ فِي الْكَثِيرِ مِنَ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْهَا: الْحَيَوَانُ الْمُشْكِل أَمْرُهُ كَالزَّرَافَةِ، وَالنَّبَاتِ الْمَجْهُول تَسْمِيَتُهُ، وَمِنْهَا مَا إِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَال النَّهْرِ هَل هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ، وَمِنْهَا مَا لَوْ دَخَل بُرْجَهُ حَمَامٌ وَشَكَّ هَل هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَكَّ فِي كِبَرِ الضَّبَّةِ (١) مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ (٢) .

وَيُرَاجَعُ تَفْصِيل هَذِهِ الْفُرُوعِ فِي مُصْطَلَحَيْ " أَطْعِمَةٌ " " وَآنِيَةٌ ".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا اجْتَمَعَ الْحَلاَل وَالْحَرَامُ غُلِّبَ الْحَرَامُ.

_________

(١) الضبة ما يشد به الإناء المكسور.

(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٦٠، غمز عيون البصائر ١ / ٢٢٣ - ٢٢٥، مسلم الثبوت ١ / ٤٩٠، ٤٥٠، أحكام القرآن لابن العربي ١ / ١٣، ونهاية السول للأسنوي ٤ / ٣٥٢ - ط عالم الكتب.

٣ - خَصَّ الشَّافِعِيَّةُ الْحَلاَل فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِالْمُبَاحِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَهُوَ عِنْدَهُمْ شَامِلٌ لِلْمُبَاحِ وَالْوَاجِبِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَوِ اخْتَلَطَ الْوَاجِبُ بِالْمُحَرَّمِ رُوعِيَ مُقْتَضَى الْوَاجِبِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَهُمُ اخْتِلاَطُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفَّارِ يَجِبُ غَسْل الْجَمِيعِ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ الْهِجْرَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ بِلاَدِ الْكُفَّارِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا حَرَامًا، وَنَحْوُهَا.

وَقَدْ خَرَّجَ الْحَنَفِيَّةُ هَذِهِ الْفُرُوعَ عَلَى قَاعِدَةِ إِذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي قُدِّمَ الْمَانِعُ.

وَدَلِيل قَاعِدَةِ - إِذَا اجْتَمَعَ الْحَلاَل وَالْحَرَامُ غُلِّبَ الْحَرَامُ - أَنَّ فِي تَغْلِيبِ الْحَرَامِ تَقْلِيلًا لِلتَّغْيِيرِ فِي الأَْحْكَامِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا انْتَفَعَ بِشَيْءٍ قَبْل وُرُودِ الشَّرْعِ بِمَا يُحَرِّمُهُ أَوْ يُبِيحُهُ فَإِنَّهُ لاَ يُعَاقَبُ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢) . فَإِذَا وَرَدَ مَا يُفِيدُ التَّحْرِيمَ فَقَدْ غُيِّرَ الأَْمْرُ وَهُوَ عَدَمُ الْعِقَابِ عَلَى الاِنْتِفَاعِ، ثُمَّ إِذَا وَرَدَ مَا يُفِيدُ الإِْبَاحَةَ فَقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ الْمُحَرَّمُ فَيَلْزَمُ هُنَا تَغْيِيرَانِ. وَأَمَّا إِذَا جَعَلْنَا الْمُبِيحَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فَيَكُونُ مُؤَكِّدًا لِلإِْبَاحَةِ الأَْصْلِيَّةِ لاَ مُغَيِّرًا لَهَا، فَإِذَا جَاءَ الْمُحَرَّمُ كَانَ نَاسِخًا لِلإِْبَاحَةِ وَمُغَيِّرًا لَهَا، فَيَلْزَمُ مِنْهُ تَغْيِيرٌ وَاحِدٌ فَفِيهِ تَقْلِيلٌ لِلتَّغْيِيرِ.

_________

(١) سورة الإسراء / ١٥.

(٢) سورة البقرة / ٢٩.

وَهَذَا الدَّلِيل يُوَافِقُ الْحَنَفِيَّةَ مِنْ أَنَّ الْحَلاَل شَامِلٌ لِلْمُبَاحِ وَلِلْوَاجِبِ.

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدِ اسْتَدَلُّوا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِأَنَّ تَرْجِيحَ التَّحْرِيمِ أَحَبُّ، لأَِنَّ فِيهِ تَرْكَ مُبَاحٍ لاِجْتِنَابِ مُحَرَّمٍ وَذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْوَطُ.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَتَطْبِيقَاتِهَا: تَعَارُضُ حَدِيثِ: لَكَ مِنَ الْحَائِضِ مَا فَوْقَ الإِْزَارِ (١) مَعَ حَدِيثِ: اصْنَعُوا كُل شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ (٢) فَإِنَّ الأَْوَّل يَقْتَضِي تَحْرِيمَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي إِبَاحَةَ مَا عَدَا الْوَطْءَ فَيُرَجَّحُ التَّحْرِيمُ احْتِيَاطًا.

وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَبَهَتْ مَحْرَمٌ بِأَجْنَبِيَّاتٍ مَحْصُورَاتٍ لَمْ تَحِل.

وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتِ الشَّجَرَةُ بَعْضُهَا فِي الْحِل وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ حَرُمَ قَطْعُهَا.

وَغَيْرُهَا مِنَ الأَْمْثِلَةِ.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ مِنْهَا: إِذَا رَمَى سَهْمًا إِلَى طَائِرٍ فَجَرَحَهُ وَوَقَعَ عَلَى الأَْرْضِ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يَحِل، وَإِنْ أَمْكَنَ إِحَالَةُ الْمَوْتِ عَلَى الْوُقُوعِ عَلَى الأَْرْضِ، لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ بُدَّ مِنْهُ فَعُفِيَ عَنْهُ.

_________

(١) حديث: " لك من الحائض ما فوق الإزار " أخرجه أبو داود (١ / ١٤٥ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري، وإسناده حسن.

(٢) حديث: " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " أخرجه مسلم (١ / ٢٤٦ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.

وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ مِنْ أَنَّ: مُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُهُ لاَ تَحْرُمُ، وَلَكِنْ تُكْرَهُ.

وَمِنْهَا: لَوِ اعْتَلَفَتِ الشَّاةُ عَلَفًا حَرَامًا لَمْ يَحْرُمْ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَوْرَعُ. وَغَيْرُهَا مِنَ الأَْمْثِلَةِ (١) .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَسْبَابُ التَّحْلِيل وَأَنْوَاعُهُ:

٤ - يُحْكَمُ بِالْحِل لِسَبَبَيْنِ:

الأَْوَّل: ذَاتِيٌّ، كَالاِنْتِفَاعِ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الأَْشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ.

الثَّانِي: عَرَضِيٌّ، كَالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالإِْجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَسَائِرِ الأَْسْبَابِ الْمُبِيحَةِ. وَالْحَلاَل بِوَصْفِهِ الْقَائِمُ بِهِ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمُحَرِّمَةِ. أَوْ يَعْرِضُ لَهُ مَا لاَ يُوصَفُ مَعَهُ بِالْحِل كَالشَّبَهِ. وَلِهَذَا كَانَ الْحَلاَل دَرَجَاتٍ أَعْلاَهَا مَا كَانَ خَالِصًا مِنْ جَمِيعِ الشُّبَهِ كَالاِغْتِرَافِ مِنَ الأَْنْهَارِ الْعِظَامِ الْخَالِيَةِ عَنِ الاِخْتِصَاصِ، وَأَدْنَاهَا مَا قَرُبَتْ دَرَجَتُهُ الأَْخِيرَةُ مِنَ الْحَرَامِ الْمَحْضِ، كَمَال مَنْ لاَ كَسْبَ لَهُ إِلاَّ الْمُكُوسُ الْمُحَرَّمَةُ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَا فِي يَدِهِ حَصَل لَهُ مِنْ جِهَةٍ حَلاَلٍ. (٢)

_________

(١) غمز عيون البصائر ١ / ٣٣٥ الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٠٥، التلويح على التوضيح ٢ / ١٠٧، المجموع المذهب في قواعد المذهب ١ / ٦٠٥.

(٢) المجموع المذهب في قواعد المذهب ١ / ٦٨٦.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ " حَرَامٌ " " وَمُبَاحٌ ". وَكَمَا تَقَدَّمَ جَانِبٌ مِنْهُ فِي مُصْطَلَحِ " تَحْلِيلٌ " " وَاشْتِبَاهٌ ".

حَلِفٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحَلِفُ لُغَةً الْيَمِينُ: وَأَصْلُهَا الْعَقْدُ بِالْعَزْمِ وَالنِّيَّةِ (١) .

قَال أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ: وَالْحَلِفُ مِنْ قَوْلِكَ: سَيْفٌ حَلِيفٌ أَيْ: قَاطِعٌ مَاضٍ. فَإِذَا قُلْتَ: حَلَفَ بِاللَّهِ، فَكَأَنَّكَ قُلْتَ: قَطَعَ الْمُخَاصَمَةَ بِاللَّهِ.

وَقَال ابْنُ فَارِسٍ: الْحَلِفُ بِمَعْنَى الْيَمِينِ أَصْلُهُ مِنَ الْحَلِفِ بِمَعْنَى الْمُلاَزَمَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ الإِْنْسَانَ يَلْزَمُهُ الثَّبَاتُ عَلَى الْيَمِينِ.

وَاصْطِلاَحًا: تَوْكِيدُ حُكْمٍ بِذِكْرٍ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (٢) .

حِكْمَةُ التَّحْلِيفِ وَمَشْرُوعِيَّتُهُ:

٢ - التَّحْلِيفُ تَكْلِيفُ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ الْيَمِينَ وَيَجْرِي التَّحْلِيفُ لِلْفَصْل فِي الْخُصُومَاتِ وَإِنْهَاءِ

_________

(١) لسان العرب في المادة ط بيروت.

(٢) الفروق في اللغة ص ٤٧ ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس ٢ / ٩٨ ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٥٧ ومجلة الأحكام العدلية م ١٦٨١.

النِّزَاعِ فِي الدَّعَاوَى، وَثَبَتَ بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: احْلِفْ بِاللَّهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إِلاَّ هُوَ، مَا لَهُ عِنْدَكَ شَيْءٌ. (١)

وَقَوْلُهُ ﷺ لِلأَْشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ: بَيِّنَتُكَ وَإِلاَّ فَيَمِينُهُ. (٢)

صِفَةُ التَّحْلِيفِ:

٣ - الْحَلِفُ الْمُنْعَقِدُ هُوَ الْقَسَمُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَاتِهِ، مِثْل: لاَ، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَبِالَّذِي رَفَعَ سَبْعًا وَبَسَطَ سَبْعًا، وَهَذَا مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي جَعَل لَكُمُ الأَْرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَل مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . (٣)

وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ (٤): أَلاَ إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ،

_________

(١) حديث: " احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ماله. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٤١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن عباس.

(٢) حديث: " بينتك وإلا فيمينه " أخرجه البيهقي (١٠ / ١٧٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث الأشعث بن قيس، وأصله في البخاري (الفتح ٥ / ٧٣ - ط السلفية) ومسلم (١ / ١٢٣ - ط الحلبي) .

(٣) سورة البقرة / ٢٢.

(٤) شرح فتح القدير ٧ / ١٨٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٩٢، مغني المحتاج للشربيني ٤ / ٤٧٣، والمغني لابن قدامة ٨ / ٧١٨.

مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَقَال عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلاَ آثِرًا. (١) (ر: أَيْمَانٌ) - فِقْرَةَ (١٧) وَإِثْبَاتٌ - فِقْرَةَ (٢٣) وَإِيلاَءٌ فِقْرَةَ (١) .

الْحُقُوقُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا التَّحْلِيفُ:

٤ - الْحُقُوقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.

وَالثَّانِي: حَقٌّ لِلْعِبَادِ.

وَحَقُّ اللَّهِ عَلَى قِسْمَيْنِ:

فَالأَْوَّل: الْحُدُودُ وَلاَ يَجْرِي التَّحْلِيفُ فِيهَا، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْيَمِينِ النُّكُول، وَهُوَ لاَ يَعْدُو أَنْ يَكُونَ بَذْلًا أَوْ إِقْرَارًا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ لاَ بَذْل فِيهَا وَلاَ تُقَامُ بِحُجَّةٍ فِيهَا شُبْهَةٌ.

وَلأَِنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ قُبِل مِنْهُ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فَلأَنْ لاَ يُسْتَحْلَفُ مَعَ الإِْقْرَارِ أَوْلَى وَلأَِنَّهُ يُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِهُزَالٍ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ: لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ. (٢)

_________

(١) حديث: " ألا إن الله ينهاكم أن. . . " أخرجه بروايتيه البخاري (الفتح ١١ / ٥٣٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٦٦ - ١٢٦٧ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " لو سترته بثوبك كان خيرا لك ". أخرجه أبو داود (٤ / ٥٤١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.

الثَّانِي: الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ كَدَعْوَى السَّاعِي الزَّكَاةَ عَلَى رَبِّ الْمَال، لأَِنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ فَلاَ يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهَا كَالصَّلاَةِ، وَلَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ نَذْرَ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرَهَا فَالْقَوْل قَوْلُهُ فِي نَفْيِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، لأَِنَّهُ لاَ حَقَّ لِلْمُدَّعِي فِيهِ وَلاَ وِلاَيَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَضَمَّنَتِ الدَّعْوَى حَقًّا لآِدَمِيٍّ مِثْل سَرِقَةٍ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِحَقِّ الآْدَمِيِّ دُونَ حَقِّ اللَّهِ ﷿، وَيَضْمَنُ.

وَحُقُوقُ الْعِبَادِ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ مَالٌ أَوِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَالٌ، فَهَذَا تُشْرَعُ فِيهِ الْيَمِينُ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ.

فَإِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِلْمُدَّعِي حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا فِي قِصَّةِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الأَْرْضِ.

الثَّانِي: مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلاَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَالٌ كَحَدِّ قَذْفٍ، وَقَوَدٍ، وَمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال غَالِبًا كَنِكَاحٍ، وَطَلاَقٍ، وَرَجْعَةٍ، وَعِتْقٍ، وَإِسْلاَمٍ، وَرِدَّةٍ، وَجَرْحٍ، وَتَعْدِيلٍ.

فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ لاَ يُسْتَحْلَفُ فِيهَا لأَِنَّ النُّكُول عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَذْلٌ، وَهَذِهِ الْمَسَائِل لاَ يَصِحُّ فِيهَا الْبَذْل، وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ النُّكُول إِقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَعَلَيْهِ يَجْرِي التَّحْلِيفُ فِيهَا عِنْدَهُمَا.

أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَكُل دَعْوَى لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ