الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 9

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

٢ - أَنَّهُ أَشَقُّ لِكَوْنِهِ أَدْوَمُ إِحْرَامًا، وَأَسْرَعُ إِلَى الْعِبَادَةِ، وَلأَِنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَيَكُونُ أَفْضَل.

ج - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَل، فَالإِْفْرَادُ، فَالْقِرَانُ.

" وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ اخْتِيَارُ التَّمَتُّعِ: ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةُ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ (١) ".

وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ:

١ - قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِل، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً (٢) .

فَقَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّمَتُّعِ، وَتَمَنَّاهُ لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَأْمُرُ وَلاَ يَتَمَنَّى إِلاَّ الأَْفْضَل.

٢ - أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ، يَجْتَمِعُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، مَعَ كَمَالِهِمَا، وَكَمَال أَفْعَالِهِمَا، عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ، مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ، لَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى.

_________

(١) المغني ٣ / ٢٧٦.

(٢) حديث: " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت. . . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٨ - ط الحلبي) .

صِفَةُ أَدَاءِ الْحَجِّ بِكَيْفِيَّاتِهِ كُلِّهَا:

وَنَقْسِمُ أَعْمَال الْحَجِّ لِتَسْهِيل فَهْمِ أَدَائِهَا إِلَى قِسْمَيْنِ:

أ - أَعْمَال الْحَجِّ حَتَّى قُدُومِ مَكَّةَ.

ب - أَعْمَال الْحَجِّ بَعْدَ قُدُومِ مَكَّةَ.

أَعْمَال الْحَجِّ حَتَّى قُدُومِ مَكَّةَ:

٤٠ - مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَشْرَعُ بِالاِسْتِعْدَادِ لِلإِْحْرَامِ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ إِحْرَامٌ، وَخُصُوصًا ف ١١٧)، وَيَنْوِي فِي إِحْرَامِهِ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي يُرِيدُ أَدَاءَ الْحَجِّ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَرَادَ الإِْفْرَادَ نَوَى الْحَجَّ، وَإِنْ أَرَادَ الْقِرَانَ نَوَى الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَإِنْ أَرَادَ التَّمَتُّعَ نَوَى الْعُمْرَةَ فَقَطْ.

فَإِذَا دَخَل مَكَّةَ بَادَرَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ بِغَايَةِ الْخُشُوعِ وَالإِْجْلاَل، وَيَبْدَأُ بِالطَّوَافِ مِنَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ، فَيَطُوفُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَهَذَا الطَّوَافُ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ لِلْمُفْرِدِ بِالْحَجِّ، وَهُوَ طَوَافُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا (انْظُرْ تَمَتُّعٌ) . أَمَّا إِنْ كَانَ قَارِنًا فَيَقَعُ عَنِ الْقُدُومِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ طَوَافًا آخَرَ لِلْقُدُومِ عِنْدَهُمْ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ قِرَانٌ) .

وَيَقْطَعُ الْمُتَمَتِّعُ التَّلْبِيَةَ بِشُرُوعِهِ بِالطَّوَافِ، وَلاَ يَقْطَعُهَا الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ حَتَّى يَشْرَعَ فِي الرَّمْيِ يَوْمَ النَّحْرِ (انْظُرْ تَلْبِيَةٌ) .

وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَيُقَبِّلُهُ،

وَكُلَّمَا مَرَّ بِهِ، إِنْ تَيَسَّرَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِيذَاءٍ لأَِحَدٍ، وَإِلاَّ لَمَسَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ يُمْسِكُهُ بِهَا وَقَبَّلَهُ، وَإِلاَّ أَشَارَ بِيَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ السَّعْيَ بَعْدَهُ فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَضْطَبِعَ فِي أَشْوَاطِ طَوَافِهِ هَذَا كُلِّهَا، وَيَرْمُل فِي الثَّلاَثَةِ الأُْولَى. وَلْيُكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي طَوَافِهِ كُلِّهِ، وَلاَ سِيَّمَا الْمَأْثُورُ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: طَوَافٌ) .

وَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمِ إِنْ أَمْكَنَ، ثُمَّ إِنْ أَرَادَ السَّعْيَ يَذْهَبُ إِلَى الصَّفَا وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، مُرَاعِيًا أَحْكَامَ السَّعْيِ وَآدَابِهِ.

(انْظُرْ: سَعْيٌ) . وَهَذَا السَّعْيُ يَقَعُ عَنِ الْحَجِّ لِلْمُفْرِدِ، وَعَنِ الْعُمْرَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ، وَعَنِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلْقَارِنِ، عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ فِي الْقِرَانِ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَعَنِ الْعُمْرَةِ فَقَطْ لِلْقَارِنِ، وَعَلَيْهِ سَعْيٌ آخَرُ لِلْحَجِّ عِنْدَهُمْ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: قِرَانٌ) .

وَهُنَا يَحْلِقُ الْمُتَمَتِّعُ رَأْسَهُ بَعْدَ السَّعْيِ أَوْ يُقَصِّرُهُ (انْظُرْ حَلْقٌ)، وَقَدْ حَل مِنْ إِحْرَامِهِ. (انْظُرْ: إِحْرَامٌ: ف ١٢٦) . أَمَّا الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ فَهُمَا عَلَى إِحْرَامِهِمَا إِلَى أَنْ يَتَحَلَّلاَ بِأَعْمَال يَوْمِ النَّحْرِ.

أَعْمَال الْحَجِّ بَعْدَ قُدُومِ مَكَّةَ:

٤١ - يَمْكُثُ الْحَاجُّ فِي مَكَّةَ بَعْدَ الْقُدُومِ وَمَا ذَكَرْنَا فِيهِ - إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ لِيُؤَدِّيَ سَائِرَ الْمَنَاسِكِ وَيُؤَدِّي أَعْمَال الْحَجِّ هَذِهِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَمَا يَلِي:

يَوْمُ التَّرْوِيَةِ:

٤٢ - وَهُوَ يَوْمُ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَنْطَلِقُ فِيهِ الْحُجَّاجُ إِلَى مِنًى، وَيُحْرِمُ الْمُتَمَتِّعُ بِالْحَجِّ، أَمَّا الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ فَهُمَا عَلَى إِحْرَامِهِمَا، وَيَبِيتُونَ بِمِنًى اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَيُصَلُّونَ فِيهَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ. وَهَذَا فَجْرُ يَوْمِ عَرَفَةَ.

يَوْمُ عَرَفَةَ:

٤٣ - وَهُوَ يَوْمٌ عَظِيمٌ يُؤَدِّي فِيهِ الْحُجَّاجُ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رُكْنَ الْحَجِّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى فَوَاتِهِ بُطْلاَنُ الْحَجِّ، ثُمَّ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ.

أ - الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ: وَفِيهِ يُسَنُّ أَنْ يَخْرُجَ الْحَاجُّ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ، وَيُسَنُّ أَلاَ يَدْخُل عَرَفَةَ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوَال، وَبَعْدَ أَنْ يَجْمَعَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ تَقْدِيمًا، فَيَقِفَ بِعَرَفَةَ مُرَاعِيًا أَحْكَامَهُ وَسُنَنَهُ وَآدَابَهُ، وَيَسْتَمِرَّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلاَ يُجَاوِزَ عَرَفَةَ قَبْلَهُ، وَيَتَوَجَّهَ إِلَى اللَّهِ فِي وُقُوفِهِ خَاشِعًا ضَارِعًا بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ وَالتَّلْبِيَةِ. . . حَتَّى يَدْفَعَ مِنْ عَرَفَةَ.

ب - الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ: إِذَا غَرَبَتْ شَمْسُ يَوْمِ عَرَفَةَ يَسِيرُ الْحَاجُّ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَيَجْمَعُ بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ تَأْخِيرًا، وَيَبِيتُ فِيهَا، وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ وَيَقِفُ لِلدُّعَاءِ، وَالْوُقُوفُ بَعْدَ الْفَجْرِ

وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّهُ إِذَا نَفَرَ لِعُذْرٍ كَزَحْمَةٍ قَبْل الْفَجْرِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.

وَيَسْتَمِرُّ وَاقِفًا يَدْعُو وَيُهَلِّل وَيُلَبِّي حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا، لِيَنْطَلِقَ إِلَى مِنًى.

وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْقُطَ الْجِمَارَ (الْحَصَيَاتِ الصِّغَارَ) مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، لِيَرْمِيَ بِهَا، وَعَدَدُهَا سَبْعُونَ، لِلرَّمْيِ كُلِّهِ، وَإِلاَّ فَسَبْعَةٌ يَرْمِي بِهَا يَوْمَ النَّحْرِ.

يَوْمُ النَّحْرِ:

٤٤ - يُسَنُّ أَنْ يَدْفَعَ الْحَاجُّ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ، لِيُؤَدِّيَ أَعْمَال النَّحْرِ، وَهُوَ أَكْثَرُ أَيَّامِ الْحَجِّ عَمَلًا، وَيُكْثِرُ فِي تَحَرُّكِهِ مِنَ الذِّكْرِ وَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ.

وَأَعْمَال هَذَا الْيَوْمِ هِيَ:

أ - رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ: فَيَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ فِي هَذَا الْيَوْمِ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا، وَتُسَمَّى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى. يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ.

ب - نَحْرُ الْهَدْيِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ، سُنَّةٌ لِغَيْرِهِمَا.

ج - الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ: وَالْحَلْقُ أَفْضَل لِلرِّجَال، مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً لِلنِّسَاءِ.

د - طَوَافُ الزِّيَارَةِ: وَيَأْتِي تَرْتِيبُهُ بَعْدَ الأَْعْمَال السَّابِقَةِ، فَيُفِيضُ الْحَاجُّ أَيْ يَرْحَل إِلَى مَكَّةَ

لِيَطُوفَ الزِّيَارَةَ، وَهُوَ طَوَافُ الرُّكْنِ فِي الْحَجِّ.

وَإِنْ كَانَ قَدَّمَ السَّعْيَ فَلاَ يَضْطَبِعُ وَلاَ يَرْمُل فِي هَذَا الطَّوَافِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَبْقَ سَعْيٌ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقَدِّمِ السَّعْيَ فَلْيَسْعَ بَعْدَ الطَّوَافِ، وَيَضْطَبِعْ وَيَرْمُل فِي طَوَافِهِ، كَمَا هِيَ السُّنَّةُ فِي كُل طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ.

هـ - السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: لِمَنْ لَمْ يُقَدِّمِ السَّعْيَ مِنْ قَبْل.

والتَّحَلُّل: وَيَحْصُل بِأَدَاءِ الأَْعْمَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهُوَ قِسْمَانِ:

التَّحَلُّل الأَْوَّل: أَوِ الأَْصْغَرُ: تَحِل بِهِ مَحْظُورَاتُ الإِْحْرَامِ عَدَا النِّسَاءَ.

وَيَحْصُل بِالْحَلْقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِالرَّمْيِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَبِفِعْل ثَلاَثَةٍ مِنْ أَعْمَال يَوْمِ النَّحْرِ (اسْتُثْنِيَ مِنْهَا الذَّبْحُ حَيْثُ لاَ دَخْل لَهُ فِي التَّحَلُّل) عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

التَّحَلُّل الثَّانِي: أَوِ الأَْكْبَرُ: تَحِل بِهِ كُل مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ حَتَّى النِّسَاءُ.

وَيَحْصُل بِطَوَافِ الإِْفَاضَةِ فَقَطْ بِشَرْطِ الْحَلْقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِالإِْفَاضَةِ مَعَ السَّعْيِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَبِاسْتِكْمَال الأَْعْمَال الأَْرْبَعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

أَوَّل وَثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:

٤٥ - هُمَا ثَانِي وَثَالِثُ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَفِيهِمَا مَا يَلِي:

أ - الْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَتَيْ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ: وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

ب - رَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلاَثِ: يَرْمِيهَا عَلَى التَّرْتِيبِ: الْجَمْرَةُ الأُْولَى أَوِ الصُّغْرَى وَهِيَ أَقْرَبُ الْجَمَرَاتِ إِلَى مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى، ثُمَّ الْجَمْرَةُ الثَّانِيَةُ أَوِ الْوُسْطَى، ثُمَّ الثَّالِثَةُ الْكُبْرَى جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ. يَرْمِي كُل وَاحِدَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَيَدْعُو بَيْنَ كُل جَمْرَتَيْنِ.

ج - النَّفْرُ الأَْوَّل: يَحِل لِلْحَاجِّ إِذَا رَمَى جِمَارَ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَرْحَل إِلَى مَكَّةَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، إِذَا جَاوَزَ حُدُودَ مِنًى قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَبْل فَجْرِ ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

د - التَّحْصِيبُ: وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَيَنْزِل الْحَاجُّ بِالْمُحَصَّبِ (١) عِنْدَ وُصُولِهِ مَكَّةَ إِنْ تَيَسَّرَ لَهُ لِيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ وَيُصَلِّيَ.

ثَالِثُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:

٤٦ - هُوَ رَابِعُ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَفِيهِ:

أ - الرَّمْيُ: يَجِبُ رَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلاَثِ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ، فَلَمْ يَنْفِرِ النَّفْرَ الأَْوَّل، وَيَنْتَهِي وَقْتُهُ وَوَقْتُ الرَّمْيِ كُلِّهِ أَيْضًا قَضَاءً وَأَدَاءً بِغُرُوبِ شَمْسِ هَذَا الْيَوْمِ اتِّفَاقًا. وَتَنْتَهِي بِغُرُوبِهِ مَنَاسِكُ مِنًى.

_________

(١) يقع عند مدخل مكة بين الجبلين ومقبرة الحجون. ويقع الآن بين قصر الملك وبين جبانة المعلى وقد شغل ببعض المباني.

ب - النَّفْرُ الثَّانِي: يَنْفِرُ أَيْ يَرْحَل سَائِرُ الْحُجَّاجِ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَلاَ يُشْرَعُ الْمُكْثُ بِمِنًى بَعْدَ ذَلِكَ.

ج - التَّحْصِيبُ: عِنْدَ وُصُول مَكَّةَ، كَمَا مَرَّ ذِكْرُهُ، فِي النَّفْرِ الأَْوَّل.

د - الْمُكْثُ بِمَكَّةَ: تَنْتَهِي الْمَنَاسِكُ بِنِهَايَةِ أَعْمَال مِنًى - عَدَا طَوَافَ الْوَدَاعِ - وَيَمْكُثُ الْحَاجُّ بِمَكَّةَ إِلَى وَقْتِ سَفَرِهِ فِي عِبَادَةٍ، وَذِكْرٍ، وَطَوَافٍ، وَعَمَل خَيْرٍ. وَيَأْتِي الْمُفْرِدُ بِالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ وَقْتَهَا كُل أَيَّامِ السَّنَةِ عَدَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ فَتُكْرَهُ فِيهَا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: إِحْرَامٌ: ف ٣٨) (وَعُمْرَةٌ) .

طَوَافُ الْوَدَاعِ:

٤٦ م - إِذَا أَرَادَ الْحَاجُّ السَّفَرَ مِنْ مَكَّةَ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَالْمَعْنَى الْمُلاَحَظُ فِي هَذَا الطَّوَافِ أَنْ يَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ بِالْبَيْتِ، وَلاَ رَمْل فِي هَذَا الطَّوَافِ وَلاَ اضْطِبَاعَ، وَبَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، يَأْتِي زَمْزَمَ وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا مُسْتَقْبِل الْبَيْتِ، وَيَتَشَبَّثُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ الأَْسْوَدَ إِنْ تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِيذَاءِ أَحَدٍ، ثُمَّ يَسِيرُ إِلَى بَابِ الْحَرَمِ وَوَجْهُهُ تِلْقَاءَ الْبَابِ، دَاعِيًا بِالْقَبُول، وَالْغُفْرَانِ، وَبِالْعَوْدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَأَلاَّ يَكُونَ ذَلِكَ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ الْعَتِيقِ.

أَرْكَانُ الْحَجِّ:

٤٧ - أَرْكَانُ الْحَجِّ فِيمَا اتَّجَهَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَرْبَعَةٌ:

الإِْحْرَامُ. وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ. وَالطَّوَافُ وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ. وَالسَّعْيُ. وَأَرْكَانُ الْحَجِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ رُكْنَانِ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ سِتٌّ: الأَْرْبَعُ الْمَذْكُورَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَالْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ مُعْظَمِ الأَْرْكَانِ.

الرُّكْنُ الأَْوَّل: الإِْحْرَامُ:

٤٨ - الإِْحْرَامُ فِي اللُّغَةِ: الدُّخُول فِي الْحُرْمَةِ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ: نِيَّةُ الْحَجِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَالنِّيَّةُ مَعَ التَّلْبِيَةِ وَهِيَ قَوْل: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَالإِْحْرَامُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَشَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَهُوَ عِنْدَهُمْ شَرْطٌ مِنْ وَجْهٍ رُكْنٌ مِنْ وَجْهٍ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْرَامٌ) .

الرُّكْنُ الثَّانِي: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ:

٤٩ - الْمُرَادُ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: وُجُودُ الْحَاجِّ فِي أَرْضِ (عَرَفَةَ (١»، بِالشُّرُوطِ وَالأَْحْكَامِ الْمُقَرَّرَةِ.

_________

(١) انظر تعريف عرفة وحدودها في مصطلح (عرفة) .

وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ رُكْنٌ أَسَاسِيٌّ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، يَخْتَصُّ بِأَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ فَقَدَ فَاتَهُ الْحَجُّ.

وَقَدْ ثَبَتَتْ رُكْنِيَّةُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِالأَْدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ: أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (١) . فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا نَزَلَتْ تَأْمُرُ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (٢) .

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَعِدَّةُ أَحَادِيثَ، أَشْهُرُهَا حَدِيثُ: الْحَجُّ عَرَفَةَ (٣) .

وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ عَدَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَأَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ فَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ (٤) ".

وَقْتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:

٥٠ - يَبْدَأُ وَقْتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مِنْ زَوَال الشَّمْسِ

_________

(١) سورة البقرة / ١٩٨.

(٢) الحديث بتفصيله في البخاري في الحج (باب وقوف عرفة) وفي التفسير (الفتح ٨ / ١٨٧ - ط السلفية) والترمذي ٣ / ٢٣١ وأبو داود ٢ / ١٨٧ والنسائي (باب رفع اليدين بالدعاء بعرفة) ٥ / ٢٠٥ وابن ماجه رقم ٣٠١٨ ونقل المفسرون الإجماع على تفسير الآية بذلك انظر جامع البيان للطبري ٤ / ١٩٠، وتفسير ابن كثير ١ / ٢٤٢.

(٣) حديث: " الحج عرفة " أخرجه أبو داود (٢ / ٤٨٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٤٦٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٤) بداية المجتهد ١ / ٣٣٥.