الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
لِلْعِبَادَةِ وَلاَ تَصِحُّ مِنْهُ، فَلاَ يَصِحُّ حَجُّ الْكَافِرِ أَصَالَةً وَلاَ نِيَابَةً، فَإِنْ حَجَّ أَوْ حُجَّ عَنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ (١) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: الْعَقْل:
٣٣ - يُشْتَرَطُ الْعَقْل لأَِنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ أَيْضًا وَلاَ تَصِحُّ مِنْهُ. فَلَوْ حَجَّ الْمَجْنُونُ فَحَجُّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِذَا أَفَاقَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ. لَكِنْ يَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَجْنُونِ وَلِيُّهُ وَيَقَعُ نَفْلًا.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ:
٣٤ - ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْحَجِّ زَمَانًا لاَ يُؤَدَّى فِي غَيْرِهِ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٢) .
قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَجَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ " (٣) .
وَوَقَعَ الْخِلاَفُ فِي نَهَارِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: هُوَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: آخِرُ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَيْلَةُ النَّحْرِ، وَلَيْسَ نَهَارُ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْهَا.
_________
(١) الفقيه المالكي خليل في مختصره، أوائل الحج.
(٢) سورة البقرة / ١٩٧.
(٣) انظر تخريجه في المستدرك ٢ / ١٧٦، وقال: " صحيح على شرطهما " ووافقه الذهبي وانظر تفسير الطبري ٤ / ١٢٠ - ١٢١ وابن كثير ١ / ٢٣٦.
وَوَسَّعَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: آخِرُ أَشْهُرِ الْحَجِّ نِهَايَةُ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ.
وَامْتِدَادُ الْوَقْتِ بَعْدَ لَيْلَةِ النَّحْرِ إِلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى جَوَازِ التَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ وَكَرَاهَةِ الْعُمْرَةِ فَقَطْ (١) .
فَلَوْ فَعَل شَيْئًا مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ خَارِجَ وَقْتِ الْحَجِّ لاَ يُجْزِيهِ، فَلَوْ صَامَ الْمُتَمَتِّعُ أَوِ الْقَارِنُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ لاَ يَجُوزُ، وَكَذَا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ لاَ يَقَعُ عَنْ سَعْيِ الْحَجِّ إِلاَّ فِيهَا.
نَعَمْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الإِْحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُمْ. (انْظُرْ مُصْطَلَحَيْ إِحْرَامٌ فِقْرَةُ ٣٤، وَأَشْهُرُ الْحَجِّ) .
وَلاَ يَصِحُّ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْل وَقْتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ انْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ (٢) .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ:
٣٥ - هُنَاكَ أَمَاكِنُ وَقَّتَهَا الشَّارِعُ أَيْ حَدَّدَهَا (٣)
_________
(١) المسلك المتقسط ص ٤١، وشرح الغزي بحاشية الباجوري ١ / ٥٣٧، والمغني ٣ / ٢٩٥ وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٢ / ٢٤٩، وانظر ما يأتي في طواف الإفاضة.
(٢) انظر رد المحتار ٢ / ٢٠٦ و٢٠٧ وشرح المحلي ٢ / ٩١، وحاشية العدوي ١ / ٤٥٧
(٣) التوقيت لغة: " أن يجعل للشيء وقت يختص به، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان. . . . " النهاية ٤ / ٢٣٨، والقاموس وشرحه تاج العروس مادة: (وقت) .
لأَِدَاءِ أَرْكَانِ الْحَجِّ، لاَ تَصِحُّ فِي غَيْرِهَا. فَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، مَكَانُهُ أَرْضُ عَرَفَةَ. وَالطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ، مَكَانُهُ حَوْل الْكَعْبَةِ.
وَالسَّعْيُ، مَكَانُهُ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَنُفَصِّل تَوْقِيتَ الْمَكَانِ لِكُل مَنْسَكٍ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (١) .
شُرُوطُ إِجْزَاءِ الْحَجِّ عَنِ الْفَرْضِ:
٣٦ - شُرُوطُ إِجْزَاءِ الْحَجِّ عَنِ الْفَرْضِ ثَمَانِيَةٌ (٢) وَهِيَ:
أ - الإِْسْلاَمُ: وَهُوَ شَرْطٌ لِوُقُوعِهِ عَنِ الْفَرْضِ وَالنَّفَل، بَل لِصِحَّتِهِ مِنْ أَسَاسِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
ب - بَقَاؤُهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ إِلَى الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ ارْتِدَادٍ عِيَاذًا بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ ارْتَدَّ عَنْ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ الْحَجِّ ثُمَّ تَابَ عَنْ رِدَّتِهِ وَأَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ جَدِيدٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ مُجَدَّدًا بَعْدَ التَّوْبَةِ عَنِ الرِّدَّةِ (٣) .
_________
(١) أما مواقيت الإحرام المكانية وأحكامها فسبقت في بحث الإحرام (ف ٣٩ - ٥٢) .
(٢) انظر حصرها وسياقها عند رحمة الله السندي في لباب المناسك ص ٤٢ - ٤٣، لكنه جعلها تسعة شروط، وزاد على ما ذكرناه عدم الإفساد، ولم نجد مسوغا لذكره.
(٣) اللباب وشرحه ص ٤٢ والفروع ٣ / ٢٠٦، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ١٤٧، وأحكام القرآن للرازي (الجصاص) ١ / ٣٢٢.
اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. .﴾ (١) فَقَدْ جَعَلَتِ الآْيَةُ الرِّدَّةَ نَفْسَهَا مُحْبِطَةً لِلْعَمَل.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) .
فَقَدْ دَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّ إِحْبَاطَ الرِّدَّةِ لِلْعَمَل مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ كَافِرًا.
ج - الْعَقْل: فَإِنَّ الْمَجْنُونَ وَإِنْ صَحَّ إِحْرَامُ وَلِيِّهِ عَنْهُ وَمُبَاشَرَتُهُ أَعْمَال الْحَجِّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَقَعُ نَفْلًا لاَ فَرْضًا.
نَعَمْ، لَوْ كَانَ حَال الإِْحْرَامِ مُفِيقًا يَعْقِل النِّيَّةَ وَالتَّلْبِيَةَ وَأَتَى بِهِمَا، ثُمَّ أَوْقَفَهُ وَلِيُّهُ، وَبَاشَرَ عَنْهُ سَائِرَ أُمُورِهِ صَحَّ حَجُّهُ فَرْضًا، إِلاَّ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَيْهِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ حَتَّى يُفِيقَ فَيُؤَدِّيَهُ بِنَفْسِهِ (٣) .
د - الْحُرِّيَّةُ: فَإِذَا حَجَّ الْعَبْدُ ثُمَّ عَتَقَ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ فِيهَا. (فِقْرَةُ ١٢) .
هـ - الْبُلُوغُ: فَإِذَا حَجَّ الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ فِيهِ (فِقْرَةُ ١١ وَ١٢) .
_________
(١) سورة الزمر / ٦٥.
(٢) سورة البقرة / ٢١٧، وانظر بحث الآية في كتابي أحكام القرآن السابقين.
(٣) لباب المناسك بشرحه الصفحة السابقة.
وَ- الأَْدَاءُ بِنَفْسِهِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ: بِأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا مُسْتَكْمِلًا شُرُوطَ وُجُوبِ أَدَاءِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ إِذَا أَحَجَّ عَنْهُ غَيْرَهُ صَحَّ الْحَجُّ وَوَقَعَ نَفْلًا، وَبَقِيَ الْفَرْضُ فِي ذِمَّتِهِ.
أَمَّا إِذَا اخْتَل شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الأَْدَاءِ بِنَفْسِهِ فَأَحَجَّ عَنْهُ غَيْرَهُ صَحَّ وَسَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ، بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِ الْعُذْرِ إِلَى الْمَوْتِ.
ز - عَدَمُ نِيَّةِ النَّفْل: فَيَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فِي الإِْحْرَامِ، وَبِمُطْلَقِ نِيَّةِ الْحَجِّ.
أَمَّا إِذَا نَوَى الْحَجَّ نَفْلًا وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْفَرْضِ أَوْ نَذْرٌ، فَإِنَّهُ يَقَعُ نَفْلًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَيَقَعُ عَنِ الْفَرْضِ أَوِ النَّذْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .
يَدُل لِلأَْوَّلَيْنِ حَدِيثُ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (٢) . وَهَذَا نَوَى النَّفَل فَلاَ يَقَعُ عَنِ الْفَرْضِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلاَّ مَا نَوَاهُ.
وَاسْتَدَل لِلآْخَرَيْنِ بِأَنَّهُ قَوْل ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ. وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ غَيْرُ الْحَجِّ (٣) .
ح - عَدَمُ النِّيَّةِ عَنِ الْغَيْرِ: وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ إِذَا
_________
(١) اللباب وشرحه ص ٤٢ ورد المحتار ٢ / ١٩٣ ومختصر خليل بشرحه ١ / ٥، ومواهب الجليل ٢ / ٤٨٧، ومغني المحتاج ١ / ٤٦٢، والمغني ٣ / ٢٤٦، والفروع ٣ / ٢٦٨.
(٢) حديث: " وإنما لكل امرئ ما نوى " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٩ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٥١٥ - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب.
(٣) الفروع ٣ / ٢٦٩ وهو تأويل مخالف لظاهر الحديث.
كَانَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ قَبْل ذَلِكَ، فَإِنْ نَوَى عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ وَنَوَى عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنِ الْغَيْرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَيَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .
وَيَأْتِي مَزِيدُ تَفْصِيلٍ لِذَلِكَ فِي بَحْثِ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ.
كَيْفِيَّاتُ الْحَجِّ:
٣٧ - يُؤَدَّى الْحَجُّ عَلَى ثَلاَثِ كَيْفِيَّاتٍ، وَهِيَ:
أ - الإِْفْرَادُ: وَهُوَ أَنْ يُهِل الْحَاجُّ أَيْ يَنْوِيَ الْحَجَّ فَقَطْ عِنْدَ إِحْرَامِهِ ثُمَّ يَأْتِي بِأَعْمَال الْحَجِّ وَحْدَهُ.
ب - الْقِرَانُ: وَهُوَ أَنْ يُهِل بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا، فَيَأْتِيَ بِهِمَا فِي نُسُكٍ وَاحِدٍ.
وَقَال الْجُمْهُورُ: إِنَّهُمَا يَتَدَاخَلاَنِ، فَيَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا وَيَسْعَى سَعْيًا وَاحِدًا وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَطُوفُ الْقَارِنُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ، طَوَافٌ وَسَعْيٌ لِلْعُمْرَةِ، ثُمَّ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَالسَّعْيُ لِلْحَجِّ. وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا بِالإِْجْمَاعِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قِرَانٌ) .
_________
(١) المسلك المتقسط ص ٤٢ - ٤٣ ومختصر خليل والشرح الكبير ٢ / ١٨، وشرح المنهاج ٢ / ٩٠ والمهذب والمجموع ٧ / ٩٨ - ١٠٠، والمغني ٣ / ٢٤٥ والفروع ٣ / ٢٦٥.
ج - التَّمَتُّعُ: وَهُوَ أَنْ يُهِل بِالْعُمْرَةِ فَقَطْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَأْتِيَ مَكَّةَ فَيُؤَدِّيَ مَنَاسِكَ الْعُمْرَةِ، وَيَتَحَلَّل. وَيَمْكُثَ بِمَكَّةَ حَلاَلًا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَيَأْتِيَ بِأَعْمَالِهِ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا بِالإِْجْمَاعِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَمَتُّعٌ) .
مَشْرُوعِيَّةُ كَيْفِيَّاتِ الْحَجِّ:
٣٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ كُل كَيْفِيَّاتِ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا (١) .
وَيُسْتَدَل لِذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ:
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِالْحَجِّ. وَأَهَل رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ (٤) . فَأَمَّا مَنْ أَهَل بِالْحَجِّ،
_________
(١) مختصر المزني ج ٨ من طبعة كتاب الأم ص ٦٤، وانظر المجموع ٧ / ١٤٠، وفيه بعض تصحيفات.
(٢) سورة آل عمران / ٩٧.
(٣) سورة البقرة / ١٩٦.
(٤) أي في أول إحرامه، ثم قرن بعد ذلك، لما أمره الله به.
أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ (١) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدْ تَوَاتَرَ عَمَل الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ هَذِهِ الأَْوْجُهِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الأَْئِمَّةُ، وَمِنْ ذَلِكَ:
١ - تَصْرِيحُ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي نَقَلْنَاهُ سَابِقًا، وَقَوْلُهُ " ثُمَّ مَا لاَ أَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا "
٢ - قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ بِالإِْجْمَاعِ "
٣ - قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ: وَقَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ بَعْدَ هَذَا - أَيْ بَعْدَ الْخِلاَفِ الَّذِي نُقِل عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - عَلَى جَوَازِ الإِْفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ "
٤ - قَال الْخَطَّابِيُّ: لَمْ تَخْتَلِفِ الأُْمَّةُ فِي أَنَّ الإِْفْرَادَ وَالْقِرَانَ، وَالتَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ كُلُّهَا جَائِزَةٌ (٢) ".
هَدْيُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ:
٣٨ - يَجِبُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَذْبَحَ هَدْيًا (٣)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ
_________
(١) حديث عائشة: " خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤١٩ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٨٧٠ - ٨٧١ - ط الحلبي) .
(٢) المجموع ٧ / ١٤١، وشرح صحيح مسلم ٨ / ١٦٩، ومعالم السنن شرح مختصر سنن أبي داود ٢ / ٣٠١، وانظر الإجماع في المغني ٣ / ٢٧٦.
(٣) الهداية وفتح القدير ٢ / ٣٢٢، والرسالة وشرحها ١ / ٥٠٨ - ٥٠٩، والمغني ٣ / ٤٦٨، ٤٦٩ و٥٤١، والمجموع ٨ / ٣٣٢.
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ . وَتَفْصِيلُهُ فِي (هَدْيٌ، وَتَمَتُّعٌ، وَقِرَانٌ) .
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ كَيْفِيَّاتِ أَدَاءِ الْحَجِّ:
٣٩ - فَضَّل كُل كَيْفِيَّةٍ مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْحَجِّ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ اخْتِلاَفِ الرِّوَايَاتِ فِي حَجِّهِ ﷺ وَلاِسْتِنْبَاطَاتِ قُوَّةِ ذَلِكَ التَّفْضِيل عِنْدَ كُل جَمَاعَةٍ:
أ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْفْرَادَ بِالْحَجِّ أَفْضَل، وَبِهِ قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ (١) .
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ:
١ - حَدِيثُ عَائِشَةَ السَّابِقُ، وَفِيهِ قَوْلُهَا: وَأَهَل رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ. وَغَيْرُهُ مِنْ أَحَادِيثَ تُفِيدُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ.
٢ - أَنَّهُ أَشَقُّ عَمَلًا مِنَ الْقِرَانِ، وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ كَمَا فِي التَّمَتُّعِ، فَيَكُونُ أَكْثَرَ ثَوَابًا (٢) .
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَضَّلُوا الإِْفْرَادَ، ثُمَّ الْقِرَانَ،
_________
(١) شرح الرسالة وحاشية العدوي ١ / ٤٩٠، وشرح المنهاج ٢ / ١٢٨، والمجموع ٧ / ١٤٠.
(٢) شرح الرسالة وشرح المنهاج الصفحتين السابقتين.
ثُمَّ التَّمَتُّعَ، وَقَدَّمَ الشَّافِعِيَّةُ التَّمَتُّعَ عَلَى الْقِرَانِ.
وَشَرْطُ تَفْضِيل الإِْفْرَادِ عَلَى غَيْرِهِ - عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ - " أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعْتَمِرَ فِي سَنَتِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ الْعُمْرَةَ عَنْ سَنَةِ الْحَجِّ فَكُل وَاحِدٍ مِنَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ أَفْضَل مِنْهُ، بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّ تَأْخِيرَ الْعُمْرَةِ عَنْ سَنَةِ الْحَجِّ مَكْرُوهٌ (١) ".
ب - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَفْضَلَهَا الْقِرَانُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الإِْفْرَادُ، وَهُوَ قَوْل سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ. وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ (٢) .
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ:
١ - حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُول: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَال: صَل فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُل: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ (٣) .
فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِإِدْخَال الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُفْرِدًا، وَلاَ يَأْمُرُهُ إِلاَّ بِالأَْفْضَل. وَهَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي حَجِّهِ ﷺ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ (٤) .
_________
(١) المجموع ٧ / ١٣٩.
(٢) الهداية وفتح القدير ٢ / ١٩٩ و٢١٠، ورد المحتار ٢ / ٢٦٢، والمجموع ٧ / ١٤٠.
(٣) حديث: " أتاني الليلة آت من ربي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٩٢ - ط السلفية) .
(٤) انظر رجحات القرآن في زاد المعاد لابن القيم وقد أطال فيها ١ / ١٨٧، ونيل الأوطار للشوكاني ٤ / ٣٠٨ - ٣١٧.