الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 7

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

الْمُكَلَّفِ وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ لِلْحَجِّ.

وَهَذَا شَرْطٌ لأَِصْل الْوُجُوبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَشَرْطٌ لِلأَْدَاءِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

وَعَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ بِالْوَقْتِ. وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ شَرْطًا مُفْرَدًا مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْحَجِّ. وَفَسَّرُوا هَذَا الشَّرْطَ بِأَنَّهُ أَشْهُرُ الْحَجِّ، أَوْ وَقْتُ خُرُوجِ أَهْل بَلَدِهِ إِنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ قَبْلَهَا، فَلاَ يَجِبُ الْحَجُّ إِلاَّ عَلَى الْقَادِرِ فِيهَا، أَوْ فِي وَقْتِ خُرُوجِهِمْ. وَفَسَّرَ غَيْرُهُمْ إِمْكَانَ السَّيْرِ بِوَقْتِ الْخُرُوجِ لِلْحَجِّ (٢) .

٢٣ - وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ إِمْكَانَ السَّيْرِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ بِالآْتِي:

أ - أَنَّ إِمْكَانَ السَّيْرِ مِنْ لَوَاحِقِ الاِسْتِطَاعَةِ وَهِيَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ (٣) .

ب - أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ دُخُول وَقْتِ الْوُجُوبِ، كَدُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّهَا لاَ تَجِبُ قَبْل وَقْتِهَا، إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْبُلْدَانِ، فَيُعْتَبَرُ وَقْتُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّ كُل شَخْصٍ عِنْدَ خُرُوجِ

_________

(١) وفي مذهب الشافعية قولان ذكرهما المحلي في شرح المنهاج، والراجح ما ذكرناه كما في المجموع ٧ / ٨٩ وحاشية الباجوري ١ / ٥٢٨، وانظر فتح القدير ٢ / ١٢٠ ورد المحتار ٢ / ٢٠٠، ومواهب الجليل ٢ / ٤٩١، وذكر ثلاثة أقوال صحح منهما ما ذكرناه والمغني ٣ / ٢١٨ - ٢١٩.

(٢) رحمة الله السندي في لباب المناسك ص ٣٣ مع شرحه المسلك المتقسط.

(٣) مواهب الجليل ٢ / ٤٩١.

أَهْل بَلَدِهِ، فَالتَّقْيِيدُ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ فِي الآْيَةِ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْل أُمِّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا، وَلِلإِْشْعَارِ بِأَنَّ الأَْفْضَل أَنْ لاَ يَقَعَ الإِْحْرَامُ فِيمَا قَبْلَهَا عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ الإِْحْرَامَ شَرْطٌ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الإِْحْرَامُ قَبْل الأَْشْهُرِ لِكَوْنِهِ رُكْنًا (١) ".

وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ إِمْكَانَ السَّيْرِ شَرْطٌ لِلُزُومِ أَدَاءِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الأَْدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ، كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ، وَعَدَمُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ (٢) .

الْقِسْمُ الثَّانِي: الشُّرُوطُ الْخَاصَّةُ بِالنِّسَاءِ:

٢٤ - مَا يَخُصُّ النِّسَاءَ مِنْ شُرُوطِ الاِسْتِطَاعَةِ شَرْطَانِ لاَ بُدَّ مِنْهُمَا لِكَيْ يَجِبَ الْحَجُّ عَلَى الْمَرْأَةِ يُضَافَانِ إِلَى خِصَال شَرْطِ الاِسْتِطَاعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.

هَذَانِ الشَّرْطَانِ هُمَا: الزَّوْجُ أَوِ الْمَحْرَمُ، وَعَدَمُ الْعِدَّةِ.

أَوَّلًا - الزَّوْجُ أَوِ الْمَحْرَمُ الأَْمِينُ:

٢٥ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَصْحَبَ الْمَرْأَةَ فِي سَفَرِ الْحَجِّ زَوْجُهَا أَوْ مَحْرَمٌ مِنْهَا، إِذَا كَانَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَهِيَ مَسِيرَةُ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣) .

_________

(١) المسلك المتقسط ص ٣٤.

(٢) الفروع ٣ / ٢٣٣.

(٣) الهداية وفتح القدير ٢ / ١٢٨، والكافي ١ / ٥١٩، والمغني ٣ / ٢٣٦ - ٢٣٧.

وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلاَثًا إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ (١) .

وَتَوَسَّعَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَسَوَّغُوا الاِسْتِبْدَال بِالْمَحْرَمِ:

ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا إِنْ وَجَدَتْ نِسْوَةً ثِقَاتٍ: اثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ تَأْمَنُ مَعَهُنَّ عَلَى نَفْسِهَا كَفَى ذَلِكَ بَدَلًا عَنِ الْمَحْرَمِ أَوِ الزَّوْجِ بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ عَلَى الْمَرْأَةِ. وَعِنْدَهُمُ " الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لإِحْدَاهُنَّ، لأَِنَّ الأَْطْمَاعَ تَنْقَطِعُ بِجَمَاعَتِهِنَّ. فَإِنْ وَجَدَتِ امْرَأَةً وَاحِدَةً ثِقَةً فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ، لَكِنْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَحُجَّ مَعَهَا حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ أَوِ النَّذْرِ، بَل يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ وَحْدَهَا لأَِدَاءِ الْفَرْضِ أَوِ النَّذْرِ إِذَا أَمِنَتْ.

وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ تَوَسُّعًا فَقَالُوا: الْمَرْأَةُ إِذَا لَمْ تَجِدِ الْمَحْرَمَ أَوِ الزَّوْجَ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ تُسَافِرُ لِحَجِّ الْفَرْضِ أَوِ النَّذْرِ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ بِنَفْسِهَا هِيَ مَأْمُونَةً أَيْضًا.

وَالرُّفْقَةُ الْمَأْمُونَةُ جَمَاعَةٌ مَأْمُونَةٌ مِنَ النِّسَاءِ، أَوِ الرِّجَال الصَّالِحِينَ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَأَكْثَرُ مَا نَقَلَهُ أَصْحَابُنَا اشْتِرَاطُ النِّسَاءِ ".

أَمَّا حَجُّ النَّفْل فَلاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ السَّفَرُ لَهُ إِلاَّ

_________

(١) حديث: " لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٦٦ - ط السلفية) . ومسلم (٢ / ٩٧٥ - ط الحلبي) .

مَعَ الزَّوْجِ أَوِ الْمَحْرَمِ فَقَطِ اتِّفَاقًا، وَلاَ يَجُوزُ لَهَا السَّفَرُ بِغَيْرِهِمَا، بَل تَأْثَمُ بِهِ (١) .

نَوْعُ الاِشْتِرَاطِ لِلْمَحْرَمِ:

٢٦ - اخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجِ أَوِ الْمَحْرَمِ هَل هُوَ شَرْطُ وُجُوبٍ أَوْ شَرْطٌ لِلُزُومِ الأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ، وَيَحُل مَحَلَّهُ عِنْدَ فَقْدِهِ الرُّفْقَةُ الْمَأْمُونَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.

وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الزَّوْجَ أَوِ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ لِلُزُومِ الأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ (٢) .

وَأَدِلَّةُ الْفَرِيقَيْنِ هِيَ مَا سَبَقَ الاِسْتِدْلاَل بِهِ فِي صِحَّةِ الْبَدَنِ وَأَمْنِ الطَّرِيقِ (ف ١٩ وَ٢١) .

الْمَحْرَمُ الْمَشْرُوطُ لِلسَّفَرِ

٢٧ - الْمَحْرَمُ الأَْمِينُ الْمَشْرُوطُ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِلْحَجِّ هُوَ كُل رَجُلٍ مَأْمُونٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالتَّأْبِيدِ التَّزَوُّجُ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَ التَّحْرِيمُ بِالْقَرَابَةِ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٩ - ١٠ والعدوي ١ / ٤٥٥، والمنهاج للنووي وشرحه ٢ / ٨٩، ومغني المحتاج ١ / ٤٦٧، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج الصفحة السابقة.

(٢) الشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٩، وشرح الرسالة وحاشية العدوي وسائر المراجع السابقة والهداية وشرحها ٢ / ١٣٠، ولباب المناسك وشرحه ص ٣٧ والفروع ٣ / ٢٣٤ - ٢٣٦.

أَوِ الرَّضَاعَةِ أَوِ الصِّهْرِيَّةِ. . . وَنَحْوِ ذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِزِيَادَةِ شَرْطِ الإِْسْلاَمِ فِي الْمَحْرَمِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِذَلِكَ فِي حَقِيقَةِ الْمَحْرَمِ لَكِنْ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمَحْرَمِ الْبُلُوغُ بَل التَّمْيِيزُ وَالْكِفَايَةُ (٢) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَكْفِي الْمَحْرَمُ الذَّكَرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً فِيمَا يَظْهَرُ، لأَِنَّ الْوَازِعَ الطَّبِيعِيَّ أَقْوَى مِنَ الشَّرْعِيِّ، إِذَا كَانَ لَهُ غَيْرَةٌ تَمْنَعُهُ أَنْ يَرْضَى بِالزِّنَى (٣) ".

فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ:

٢٨ - أ - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ قَادِرَةً عَلَى نَفَقَةِ نَفْسِهَا وَنَفَقَةِ الْمَحْرَمِ إِنْ طَلَبَ مِنْهَا النَّفَقَةَ، لأَِنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا عَلَيْهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَكَذَلِكَ عَبَّرَ بِالنَّفَقَةِ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَعَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِالأُْجْرَةِ. وَالْمُرَادُ أُجْرَةُ الْمِثْل (٤) .

_________

(١) المسلك المتقسط ص ٣٧، والمغني ٣ / ٢٣٩، والفروع ٣ / ٢٣٩ - ٢٤٠.

(٢) مواهب الجليل ٢ / ٥٢٢ - ٥٢٣ و٥٢٤ وفيها التصريح بما ذكرنا، والدسوقي ٢ / ٩.

(٣) نهاية المحتاج ٢ / ٣٨٢ وشرح المنهاج ٢ / ٨٩، ومغني المحتاج ١ / ٤٦٧.

(٤) المسلك المتقسط ص ٣٨ والدر المختار مع حاشيته رد المحتار ٢ / ١٩٩، والمغني ٣ / ٢٤٠، وشرح الرسالة وحاشية العدوي ١ / ٤٥٥، والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٩، ومواهب الجليل ٢ / ٥٢٢ والفروع ٣ / ٢٤٠.

وَلَوْ امْتَنَعَ الْمَحْرَمُ عَنِ الْخُرُوجِ إِلاَّ بِأُجْرَةٍ لَزِمَتْهَا إِنْ قَدَرَتْ عَلَيْهَا، وَحَرُمَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِي صُحْبَةِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ أَوْ رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ (١) .

ب - الزَّوْجُ إِذَا حَجَّ مَعَ امْرَأَتِهِ فَلَهَا عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، نَفَقَةُ الْحَضَرِ لاَ السَّفَرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَجْرًا مُقَابِل الْخُرُوجِ مَعَهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُمْ خَصُّوا الْمَحْرَمَ بِأَخْذِ الأُْجْرَةِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَهُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ إِذَا كَانَتْ أُجْرَةَ الْمِثْل (٢) .

ج - إِذَا وَجَدَتْ مَحْرَمًا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنَ الذَّهَابِ مَعَهُ لِحَجِّ الْفَرْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ النَّفْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْحَجُّ إِلاَّ بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَرْضًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ " لأَِنَّ فِي ذَهَابِهَا تَفْوِيتَ حَقِّ الزَّوْجِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ، لأَِنَّهُ فَرْضٌ بِغَيْرِ وَقْتٍ إِلاَّ فِي الْعُمُرِ كُلِّهِ، " فَإِنْ خَافَتِ الْعَجْزَ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٩، ومغني المحتاج ١ / ٤٦٧.

(٢) المسلك المتقسط ص ٣٩ وشرح الرسالة والشرح الكبير وحاشيته ومواهب الجليل المواضع السابقة، ونهاية المحتاج ٢ / ٣٨٣، ومغني المحتاج ١ / ٤٦٨، والفروع والمغني الموضعين السابقين.

(٣) الهداية وفتح القدير ٢ / ١٣٠، والتاج والإكليل ٢ / ٢٢١، والمغني ٣ / ٢٤٠.

الْبَدَنِيَّ بِقَوْل طَبِيبَيْنِ عَدْلَيْنِ لَمْ يُشْتَرَطْ إِذْنُ الزَّوْجِ (١) ".

وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لاَ يُقَدَّمُ عَلَى فَرَائِضِ الْعَيْنِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْهُ، لأَِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهَا.

ثَانِيًا - عَدَمُ الْعِدَّةِ:

٢٩ - يُشْتَرَطُ أَلاَ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُعْتَدَّةً عَنْ طَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ مُدَّةَ إِمْكَانِ السَّيْرِ لِلْحَجِّ، وَهُوَ شَرْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَفَاصِيل فِيهِ (٢) .

وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى الْمُعْتَدَّاتِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ بُيُوتِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣)، وَالْحَجُّ يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَلاَ تُلْزَمُ بِأَدَائِهِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ.

وَقَدْ عَمَّمَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ لِكُل مُعْتَدَّةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ عِدَّتُهَا مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ، أَوْ وَفَاةٍ، أَوْ فَسْخِ نِكَاحٍ. وَنَحْوِ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٤) .

_________

(١) الأم للإمام الشافعي ٢ / ١١٧ ونهاية المحتاج ٢ / ٣٨٣، ومغني المحتاج ١ / ٥٣٦ وفي الأم تفضيل جيد.

(٢) وإن لم يذكره بعضهم في شروط الحج، لكن ذكروا ما يدل عليه في أبواب العدة، كما نبه الحطاب ٢ / ٥٢٦ أو في الإحصار، كما في مغني المحتاج ١ / ٥٣٦ وغيره.

(٣) سورة الطلاق / ١.

(٤) المسلك المتقسط ص ٣٩، وانظر مواهب الجليل ٢ / ٥٢٦، وفيه تعميم المعتدات بالنسبة للطلاق والوفاء.

وَفَصَّل الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: لاَ تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ إِلَى الْحَجِّ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ الْمَبْتُوتِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ لُزُومَ الْبَيْتِ فِيهِ وَاجِبٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَقُدِّمَ عَلَى الْحَجِّ لأَِنَّهُ يَفُوتُ، وَالطَّلاَقُ الْمَبْتُوتُ لاَ يَجِبُ فِيهِ ذَلِكَ. وَأَمَّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّةِ فَالْمَرْأَةُ فِيهِ بِمَنْزِلَتِهَا فِي طَلَبِ النِّكَاحِ، لأَِنَّهَا زَوْجَةٌ (١) .

وَنَحْوُ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ لِلْعِدَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يَحِقُّ لِلزَّوْجِ عِنْدَهُمْ مَنْعُهَا عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ فِي مَذْهَبِهِمْ (٢) .

٣٠ - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي عَدَمِ الْعِدَّةِ: هَل هُوَ شَرْطُ وُجُوبٍ أَوْ شَرْطُ أَدَاءٍ، وَالأَْظْهَرُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلُزُومِ الأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ (٣) . أَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَهُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ.

فُرُوعٌ:

٣١ - لَوْ خَالَفَتِ الْمَرْأَةُ وَخَرَجَتْ لِلْحَجِّ فِي الْعِدَّةِ صَحَّ حَجُّهَا، وَكَانَتْ آثِمَةً.

ب - إِنْ خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا لِلْحَجِّ وَطَرَأَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا طَلاَقًا رَجْعِيًّا تَبِعَتْ زَوْجَهَا، رَجَعَ

_________

(١) المغني ٣ / ٢٤٠ - ٢٤١

(٢) المغني ٣ / ٢٤٠ - ٢٤١

(٣) على ما ذهب إليه ابن أمير حاج، كما في المسلك المتقسط، وأقره ابن عابدين في رد المحتار ٢ / ٢٠٠.

أَوْ مَضَى، لَمْ تُفَارِقْهُ، وَالأَْفْضَل أَنْ يُرَاجِعَهَا. وَإِنْ كَانَ بَائِنًا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَإِنْ كَانَ إِلَى مَنْزِلِهَا أَقَل مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ وَإِلَى مَكَّةَ مُدَّةُ سَفَرٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَعُودَ إِلَى مَنْزِلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى مَكَّةَ أَقَل مَضَتْ إِلَى مَكَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى الْجَانِبَيْنِ أَقَل مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ فَهِيَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ مَضَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْمِصْرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا مَحْرَمٌ أَوْ لاَ، إِلاَّ أَنَّ الرُّجُوعَ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مُدَّةُ سَفَرٍ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْمِصْرِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ بِلاَ خِلاَفٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَفَازَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ لاَ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا فَلَهَا أَنْ تَمْضِيَ إِلَى مَوْضِعِ الأَْمْنِ ثُمَّ لاَ تَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّتُهَا (١) .

وَنَحْوُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: قَال فِي الْمُغْنِي: وَإِذَا خَرَجَتْ لِلْحَجِّ فَتُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ قَرِيبَةٌ رَجَعَتْ لِتَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِهَا، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ مَضَتْ فِي سَفَرِهَا (٢) ".

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا خَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا لِحَجِّ الْفَرِيضَةِ فَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوِهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِذَا وَجَدَتْ ثِقَةً ذَا مَحْرَمٍ، أَوْ نَاسًا لاَ بَأْسَ بِهِمْ. وَإِنْ بَعُدَتْ أَوْ كَانَتْ أَحْرَمَتْ أَوْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ الطَّلاَقِ أَوِ الْمَوْتِ، وَسَوَاءٌ أَحْرَمَتْ

_________

(١) إرشاد الساري إلى مناسك الملا علي القاري ص ٣٩ - ٤٠.

(٢) المغني ٣ / ٢٤١.

بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ أَوْ لَمْ تَجِدْ رُفْقَةً تَرْجِعُ مَعَهُمْ فَإِنَّهَا تَمْضِي. . . " (١) .

وَفِي حَجِّ التَّطَوُّعِ: تَرْجِعُ لِتُتِمَّ عِدَّتَهَا فِي بَيْتِهَا إِنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تَصِل قَبْل انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، إِنْ وَجَدَتْ ذَا مَحْرَمٍ أَوْ رُفْقَةً مَأْمُونَةً. وَإِلاَّ تَمَادَتْ مَعَ رُفْقَتِهَا. . . "

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ إِذْنِ الزَّوْجِ فِي خُرُوجِ الزَّوْجَةِ لِلْحَجِّ حَتَّى لَوْ طَرَأَتِ الْعِدَّةُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ:

إِذَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَهُ مَنْعُهَا وَتَحْلِيلُهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا وَلاَ تَحْلِيلُهَا (٢) .

شُرُوطُ صِحَّةِ الْحَجِّ:

شُرُوطُ صِحَّةِ الْحَجِّ أُمُورٌ تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صِحَّةُ الْحَجِّ وَلَيْسَتْ دَاخِلَةً فِيهِ. فَلَوِ اخْتَل شَيْءٌ مِنْهَا كَانَ الْحَجُّ بَاطِلًا، وَهِيَ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: الإِْسْلاَمُ:

٣٢ - يُشْتَرَطُ الإِْسْلاَمُ لأَِنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ أَهْلًا

_________

(١) مواهب الجليل ٢ / ٥٢٦.

(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٤٧٨. وفي حال طروء العدة بعد الإحرام تفصيل ينظر في مصطلح: (إحصار فقرة ١٩) .