الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
يَوْمَ عَرَفَةَ - وَهُوَ تَاسِعُ ذِي الْحِجَّةِ - وَيَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ حَتَّى لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ كَانَ وُقُوفُهُ بَاطِلًا اتِّفَاقًا فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ وُقُوفِ عَرَفَةَ هُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ.
أَمَّا ابْتِدَاءُ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ وَقَعَ فِيهِ اخْتِلاَفٌ:
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ زَوَال شَمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ.
وَذَهَبَ مَالِكٌ: إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ هُوَ اللَّيْل، فَمَنْ لَمْ يَقِفْ جَزْءًا مِنَ اللَّيْل لَمْ يُجْزِئْ وُقُوفُهُ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ نَهَارًا فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ بِتَرْكِهِ عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: وَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ "
الزَّمَنُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُهُ الْوُقُوفُ:
أَمَّا الزَّمَنُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُهُ الْوُقُوفُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ:
٥١ - قَسَمَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ زَمَانَ الْوُقُوفِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أ - زَمَانُ الرُّكْنِ: الَّذِي تَتَأَدَّى بِهِ فَرِيضَةُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ فِي عَرَفَةَ خِلاَل الْمُدَّةِ الَّتِي عَرَّفْنَاهَا عِنْدَ كُلٍّ، وَلَوْ زَمَانًا قَلِيلًا جِدًّا.
ب - زَمَانُ الْوَاجِبِ: وَهُوَ أَنْ يَسْتَمِرَّ مَنْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَال إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلاَ يُجَاوِزُ حَدَّ عَرَفَةَ إِلاَّ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَوْ بِلَحْظَةٍ. وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِمْ: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ بِعَرَفَةَ. فَلَوْ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْل الْغُرُوبِ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ إِلاَّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَزَمَانُ الرُّكْنِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْوُقُوفُ لَيْلًا، أَمَّا نَهَارًا فَوَاجِبٌ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْل وَالنَّهَارِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ لَيْسَ وَاجِبًا، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ بِتَرْكِهِ الْفِدَاءُ اسْتِحْبَابًا، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ بَعْدِ الزَّوَال إِلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ أَجْزَأَهُ (١) .
الثَّالِثُ: طَوَافُ الزِّيَارَةِ:
٥٢ - طَوَافُ الزِّيَارَةِ يُؤَدِّيهِ الْحَاجُّ بَعْدَ أَنْ يُفِيضَ مِنْ عَرَفَةَ وَيَبِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَيَأْتِي مِنًى يَوْمَ الْعِيدِ
_________
(١) انظر بحث الوقوف بعرفة في بدائع الصنائع ٢ / ١٢٥ - ١٢٧ والهداية وفتح القدير ٢ / ١٦٧ والمسلك المتقسط ص ٥١ - ٥٢ و١٢٩ - ١٣٩ والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ص ٣٦ - ٣٧ وشرح الزرقاني ٢ / ٢٦٩ وشرح الرسالة وحاشية العدوي ١ / ٤٧٥ وشرح المنهاج ٢ / ١١٤ - ١١٥ ونهاية المحتاج ٢ / ٤٢٢ - ٤٢٣، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٦ - ٤٩٨، والمغني ٣ / ٤١٤ - ٤١٦، والفروع ٣ / ٥٠٨ - ٥٠٩.
فَيَرْمِي وَيَنْحَرُ وَيَحْلِقُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُفِيضُ إِلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ سُمِّيَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ لأَِنَّ الْحَاجَّ يَأْتِي مِنْ مِنًى فَيَزُورُ الْبَيْتَ وَلاَ يُقِيمُ بِمَكَّةَ، بَل يَرْجِعُ لِيَبِيتَ بِمِنًى. وَيُسَمَّى أَيْضًا طَوَافَ الإِْفَاضَةِ، لأَِنَّ الْحَاجَّ يَفْعَلُهُ عِنْدَ إِفَاضَتِهِ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ.
وَعَدَدُ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ سَبْعَةٌ، وَكُلُّهَا رُكْنٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الرُّكْنُ هُوَ أَكْثَرُ السَّبْعَةِ، وَالْبَاقِي وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ.
وَيَجِبُ الْمَشْيُ فِي الطَّوَافِ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَيُسَنُّ الرَّمَل وَالاِضْطِبَاعُ فِي الطَّوَافِ إِذَا كَانَ سَيَسْعَى بَعْدَهُ وَإِلاَّ فَلاَ يُسَنُّ. وَيُصَلِّي بَعْدَ الطَّوَافِ رَكْعَتَيْنِ وُجُوبًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَسُنَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (طَوَافٌ) .
رُكْنِيَّةُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ:
٥٣ - ثَبَتَ فَرْضِيَّةُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ:
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١)
فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الآْيَةَ فِي طَوَافِ الإِْفَاضَةِ، فَيَكُونُ فَرْضًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَدْ حَجَّتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ
_________
(١) سورة الحج / ٣٠.
بِنْتُ حُيَيٍّ ﵂ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَحَاضَتْ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ. قَال: فَلاَ إذَنْ (١) .
فَدَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ فَرْضٌ لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَلَوْلاَ فَرْضِيَّتُهُ لَمْ يُمْنَعْ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَنِ السَّفَرِ.
وَعَلَيْهِ الإِْجْمَاعُ (٢) .
شُرُوطُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ:
٥٤ - يُشْتَرَطُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ شُرُوطٌ خَاصَّةٌ بِهِ سِوَى الشُّرُوطِ الْعَامَّةِ لِلطَّوَافِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَاصَّةُ هِيَ:
أ - أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالإِْحْرَامِ، لِتَوَقُّفِ احْتِسَابِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ عَلَى الإِْحْرَامِ.
ب - أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِوُقُوفِ عَرَفَةَ، فَلَوْ طَافَ لِلإِْفَاضَةِ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لاَ يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الطَّوَافِ، إِجْمَاعًا.
ج - النِّيَّةُ: بِأَنْ يَقْصِدَ أَصْل الطَّوَافِ. أَمَّا نِيَّةُ التَّعْيِينِ فَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي طَوَافِ الإِْفَاضَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) لِدُخُولِهِ فِي نِيَّةِ الْحَجِّ.
_________
(١) حديث: " أحابستنا هي؟ . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٨٦ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٦٤ - ط الحلبي) .
(٢) المغني ٣ / ٤٤٠، والبدائع ١ / ١٢٨.
لِذَلِكَ صَرَّحُوا بِشَرْطِيَّةِ عَدَمِ صَرْفِهِ لِغَيْرِهِ، كَطَلَبِ غَرِيمٍ، أَوْ هَرَبٍ مِنْ ظَالِمٍ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَدِ اشْتَرَطُوا تَعْيِينَ الطَّوَافِ فِي النِّيَّةِ (١) .
د - الْوَقْتُ: فَلاَ يَصِحُّ طَوَافُ الإِْفَاضَةِ قَبْل الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لَهُ شَرْعًا. وَهُوَ وَقْتٌ مُوَسَّعٌ يَبْتَدِئُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَهُ.
اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ: مَا قَبْل الْفَجْرِ مِنَ اللَّيْل وَقْتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالطَّوَافُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ "، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَيَشْغَل شَيْئًا مِنْ وَقْتِ الْوُقُوفِ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ بِقِيَاسِ الطَّوَافِ عَلَى الرَّمْيِ، لأَِنَّهُمَا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّل، فَإِنَّهُ بِالرَّمْيِ لِلْجِمَارِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ يَحْصُل التَّحَلُّل الأَْوَّل، وَبِالطَّوَافِ يَحْصُل التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ (بِشَرْطِ السَّعْيِ)،
_________
(١) وانظر مسألة نية الطواف في بدائع الصنائع ٢ / ١٢٨ والمسلك المتقسط ص ٩٨ و٩٩ والمهذب للشيرازي ٨ / ١٦ والمجموع ص ١٨ - ٢١ والإيضاح ص ٢٥١ - ٢٥٢ ونهاية المحتاج ٢ / ٤٠٩ و٤١٤ و٤١٦ ومغني المحتاج ١ / ٤٨٧ و٤٩٢ والمغني ٣ / ٤٤١ - ٤٤٣ والفروع وفيه أقوال تخريجات عليها ٣ / ٤٤٩ - ٥٠١.
فَكَمَا أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ يَبْدَأُ عِنْدَهُمْ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْل فَكَذَا وَقْتُ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ.
وَالأَْفْضَل عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَدَاؤُهُ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ.
٥٥ - وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ طَوَافِ الْفَرْضِ فَلَيْسَ لآِخِرِهِ حَدٌّ مُعَيَّنٌ لأَِدَائِهِ فَرْضًا، بَل جَمِيعُ الأَْيَّامِ وَاللَّيَالِي وَقْتُهُ إِجْمَاعًا.
لَكِنَّ الإِْمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْجَبَ أَدَاءَهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى أَدَّاهُ بَعْدَهَا صَحَّ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ جَزَاءَ تَأْخِيرِهِ عَنْهَا. وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي الْمَذْهَبِ.
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ بِالتَّأْخِيرِ شَيْءٌ إِلاَّ بِخُرُوجِ ذِي الْحِجَّةِ، فَإِذَا خَرَجَ لَزِمَهُ دَمٌ.
وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِالتَّأْخِيرِ أَبَدًا.
اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الطَّوَافَ عَلَى الذَّبْحِ فِي الْحَجِّ، فَقَال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (١)، ثُمَّ قَال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢)، فَكَانَ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا، فَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الطَّوَافِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَيَنْجَبِرُ بِالدَّمِ.
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ نَظَرُوا إِلَى شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّهُ
_________
(١) سورة الحج / ٢٩.
(٢) سورة الحج / ٣٠.
تُقَامُ فِيهِ أَعْمَال الْحَجِّ، فَسَوَّوْا بَيْنَ كُل أَيَّامِهِ، وَجَعَلُوا التَّأْخِيرَ عَنْهُ مُوجِبًا لِلْفِدَاءِ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، بِأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ التَّأْقِيتِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يُوجِبُ فِعْلَهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، فَلاَ يَلْزَمُ الْحَاجَّ فِدْيَةٌ إِذَا أَخَّرَ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ إِلَى مَا بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ.
فَإِذَا تَأَخَّرَ طَوَافُ الإِْفَاضَةِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ أَبَدًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ عَنِ النِّسَاءِ أَبَدًا إِلَى أَنْ يَعُودَ فَيَطُوفَ.
وَلاَ يَكْفِي الْفِدَاءُ عَنْ أَدَاءِ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ إِجْمَاعًا، لأَِنَّهُ رُكْنٌ، وَأَرْكَانُ الْحَجِّ لاَ يُجْزِئُ عَنْهَا الْبَدَل، وَلاَ يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، بَل يَجِبُ الإِْتْيَانُ بِهَا بِعَيْنِهَا (١) .
الرَّابِعُ: السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ:
الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَطْعُ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا سَبْعَ مَرَّاتٍ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ طَافَ بِالْبَيْتِ.
حُكْمُ السَّعْيِ:
٥٦ - ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لاَ يَصِحُّ بِدُونِهِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ
_________
(١) انظر وقت طواف الإفاضة في الهداية ٢ / ١٨٠، والمسلك المتقسط ص ١٥٥، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٥٠ و٢٥١، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٢ / ٢٨١، وحاشية العدوي ١ / ٤٧٩، والشرح الكبير ٢ / ٤٧، والمهذب ١ / ٢٣٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٢٩، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٣ - ٥٠٤، والمغني ٣ / ٤٤١ و٤٤٣ وانظر الفروع ٣ / ٥١٦ و٥٢٠.
الْحَاجُّ خُطْوَةً مِنْهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يَعُودَ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ، وَيَخْطُوَ تِلْكَ الْخُطْوَةَ. وَهُوَ قَوْل عَائِشَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ وَاجِبٌ فِي الْحَجِّ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَرُكْنُ السَّعْيِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يَتَحَلَّل مِنْ إِحْرَامِهِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّ رُكْنَ السَّعْيِ أَكْثَرُ أَشْوَاطِ السَّعْيِ، وَالثَّلاَثَةُ الْبَاقِيَةُ لَيْسَتْ رُكْنًا، وَتَنْجَبِرُ بِالْفِدَاءِ.
وَالْمَشْيُ لِلْقَادِرِ وَاجِبٌ فِي السَّعْيِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .
وَاجِبَاتُ الْحَجِّ:
٥٧ - الْوَاجِبُ فِي الْحَجِّ: هُوَ مَا يُطْلَبُ فِعْلُهُ وَيَحْرُمُ تَرْكُهُ، لَكِنْ لاَ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْحَجِّ عَلَيْهِ، وَيَأْثَمُ تَارِكُهُ، إِلاَّ إِذَا تَرَكَهُ بِعُذْرٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا (٢)، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ بِجَبْرِ النَّقْصِ.
وَوَاجِبَاتُ الْحَجِّ قِسْمَانِ:
_________
(١) انظر في السعي: فتح القدير ٢ / ١٥٦ - ١٥٨، والمسلك المتقسط ص ١١٥ - ١٢١، وشرح الرسالة وحاشية العدوي ١ / ٤٧٠ - ٤٧٢، وشرح المنهاج ٢ / ط ١٢٦ - ١٢٧، والمهذب والمجموع ٨ / ٧١، والمغني ٣ / ٣٨٥ - ٣٩٠ والفروع ٣ / ٥٠٤ - ٥٠٦.
(٢) المسلك المتقسط ص ٥١، والدر المختار بحاشيته ٢ / ٢٤٤، ويأتي مزيد تفصيل لذلك في فصل الإخلال بأحكام الحج.
الْقِسْمُ الأَْوَّل: الْوَاجِبَاتُ الأَْصْلِيَّةُ، الَّتِي لَيْسَتْ تَابِعَةً لِغَيْرِهَا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْوَاجِبَاتُ التَّابِعَةُ لِغَيْرِهَا.
وَهِيَ أُمُورٌ يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا فِي أَدَاءِ رُكْنٍ أَوْ وَاجِبٍ مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ.
أَوَّلًا: وَاجِبَاتُ الْحَجِّ الأَْصْلِيَّةُ:
الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ:
٥٨ - الْمُزْدَلِفَةُ تُسَمَّى " جَمْعًا " أَيْضًا، لاِجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَبِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ وَوَقْتِهِ.
فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ إِلَى أَنَّ زَمَنَ الْوُقُوفِ الْوَاجِبِ هُوَ الْمُكْثُ بِالْمُزْدَلِفَةِ مِنَ اللَّيْل، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ النُّزُول بِالْمُزْدَلِفَةِ قَدْرَ حَطِّ الرِّحَال فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَاجِبٌ، وَالْمَبِيتُ بِهَا سُنَّةٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوُجُودُ بِمُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْل، وَلَوْ سَاعَةً لَطِيفَةً: أَيْ فَتْرَةً مَا مِنَ الزَّمَنِ وَلَوْ قَصِيرَةً.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَمَنْ حَصَّل بِمُزْدَلِفَةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ، سَوَاءٌ بَاتَ بِهَا أَوْ لاَ، وَمَنْ لَمْ يُحَصِّل بِهَا فِيهِ فَقَدْ
فَاتَهُ الْوُقُوفُ الْوَاجِبُ بِالْمُزْدَلِفَةِ. وَعَلَيْهِ دَمٌ إِلاَّ إِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ كَزَحْمَةٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَاجَّ يَجْمَعُ فِي الْمُزْدَلِفَةِ بَيْنَ صَلاَتَيْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ، وَهَذَا الْجَمْعُ سُنَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
ثَانِيًا: رَمْيُ الْجِمَارِ:
٥٩ - الرَّمْيُ لُغَةً: الْقَذْفُ.
وَالْجِمَارُ: الأَْحْجَارُ الصَّغِيرَةُ، جَمْعُ جَمْرَةٍ، وَهِيَ الْحَصَاةُ.
وَرَمْيُ الْجِمَارِ وَاجِبٌ فِي الْحَجِّ، أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى وُجُوبِهِ.
وَالرَّمْيُ الْوَاجِبُ لِكُل جَمْرَةٍ (أَيْ مَوْضِعُ الرَّمْيِ) هُوَ سَبْعُ حَصَيَاتٍ بِالإِْجْمَاعِ أَيْضًا (٢) .
تَوْقِيتُ الرَّمْيِ وَعَدَدُهُ:
٦٠ - أَيَّامُ الرَّمْيِ أَرْبَعَةٌ: يَوْمُ النَّحْرِ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَتُسَمَّى " أَيَّامَ التَّشْرِيقِ "
_________
(١) انظر أحكام الوقوف بالمزدلفة في: الهداية وفتح القدير ٢ / ١٦٨ - ١٧٣ والمسلك المتقسط ص ١٤٣ - ١٤٨، ورد المحتار ٢ / ٢٤١ - ٢٤٥، وشرح الرسالة مع حاشية العدوي ١ / ٤٧٥ - ٤٧٧، والشرح الكبير بحاشيته ٢ / ٤٤ - ٤٥، وشرح المنهاج ٢ / ١١٦، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٢٤ - ٤٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٨ و٤٩٩ - ٥٠٠، والمغني ٣ / ٤١٧ - ٤٢٤، والفروع ٣ / ٥١٠.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ١٣٩.