الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
الرَّمْيُ يَوْمَ النَّحْرِ:
٦١ - وَاجِبُ الرَّمْيِ فِي هَذَا الْيَوْمِ هُوَ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا فَقَطْ، يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ.
وَوَقْتُ الرَّمْيِ هَذَا يَبْدَأُ مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَمِنْ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ يَوْمِ النَّحْرِ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَآخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى فَجْرِ الْيَوْمِ التَّالِي، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى الْمَغْرِبِ. حَتَّى يَجِبُ الدَّمُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ بِتَأْخِيرِ رَمْيِ يَوْمٍ عَنِ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ.
وَآخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
الرَّمْيُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
٦٢ - يَجِبُ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ رَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلاَثِ عَلَى التَّرْتِيبِ: أَوَّلًا الْجَمْرَةُ الصُّغْرَى، الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ بِمِنًى، ثُمَّ الْوُسْطَى، بَعْدَهَا، ثُمَّ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، يَرْمِي كُل جَمْرَةٍ مِنْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ.
وَيَبْدَأُ وَقْتُ الرَّمْيِ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ بَعْدَ الزَّوَال، وَلاَ يَجُوزُ قَبْلَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الظَّاهِرَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: " إِنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَتَعَجَّل فِي النَّفْرِ الأَْوَّل فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبْل الزَّوَال، وَإِنْ رَمَى بَعْدَهُ فَهُوَ أَفْضَل، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِهِ لاَ
يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوَال، وَذَلِكَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ، لأَِنَّهُ إِذَا نَفَرَ بَعْدَ الزَّوَال لاَ يَصِل إِلَى مَكَّةَ إِلاَّ بِاللَّيْل، فَيُحْرِجُ فِي تَحْصِيل مَوْضِعِ النُّزُول.
أَمَّا الْوَقْتُ الْمَسْنُونُ فَيَمْتَدُّ مِنْ زَوَال الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا.
وَأَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الرَّمْيِ: فَقَيَّدَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي كُل يَوْمٍ بِيَوْمِهِ، كَمَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ آخِرَ الْوَقْتِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
النَّفْرُ الأَْوَّل:
٦٣ - إِذَا رَمَى الْحَاجُّ الْجِمَارَ ثَانِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ - أَيْ يَرْحَل - إِلَى مَكَّةَ، إِنْ أَحَبَّ التَّعَجُّل فِي الاِنْصِرَافِ مِنْ مِنًى، وَيُسَمَّى هَذَا الْيَوْمُ يَوْمَ النَّفْرِ الأَْوَّل، وَبِهِ يَسْقُطُ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ اتِّفَاقًا.
وَمَذْهَبُ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ: لَهُ أَنْ يَنْفِرَ قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: لَهُ أَنْ يَنْفِرَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ.
الرَّمْيُ ثَالِثَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
٦٤ - يَجِبُ رَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلاَثِ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ وَلَمْ يَنْفِرْ مِنْ مِنًى " النَّفَرَ الأَْوَّل " وَوَقْتُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بَعْدَ الزَّوَال، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ
أَنْ يُقَدِّمَ الرَّمْيَ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَبْل الزَّوَال بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الرَّمْيِ فِي هَذَا الْيَوْمِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَأَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ لِهَذَا الْيَوْمِ وَلِقَضَاءِ مَا قَبْلَهُ يَنْتَهِي أَيْضًا بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، لِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَنَاسِكِ بِغُرُوبِ شَمْسِهِ.
النَّفْرُ الثَّانِي:
٦٥ - إِذَا رَمَى الْحَاجُّ الْجِمَارَ الثَّلاَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ رَابِعُ أَيَّامِ النَّحْرِ انْصَرَفَ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ، وَلاَ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ بِمِنًى، بَعْدَ الرَّمْيِ، وَيُسَمَّى يَوْمَ النَّفْرِ الثَّانِي، وَبِهِ تَنْتَهِي مَنَاسِكُ مِنًى (١) .
النِّيَابَةُ فِي الرَّمْيِ: (الرَّمْيُ عَنِ الْغَيْرِ):
٦٦ - الْمَعْذُورُ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ بِنَفْسِهِ كَالْمَرِيضِ يَجِبُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ قَدْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ فَلْيَرْمِ عَنْ نَفْسِهِ الرَّمْيَ كُلَّهُ
_________
(١) انظر بحث الرمي في الهداية وفتح القدير ٢ / ١٧٦ و١٨٤ - ١٨٥، والمسلك المتقسط ص ١٥٧ - ١٦٨، وشرح الرسالة وحاشية العدوي ١ / ٤٧٧ و٤٨١ و٤٨٢، والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٤٥ - ٤٨، وشرح المنهاج ٢ / ١٢١ - ١٢٢، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٠ و٤٣٤ - ٤٣٦، والمغني ٣ / ٤٢٩ - ٤٣٠ و٤٥٢ - ٤٥٥، والفروع ٣ / ٢١٠ - ٢١٢ و٥١٨ - ٥٢٠، وانظر ما يأتي في الإخلال بأحكام الحج من تفصيل جزاء ترك الرمي أو شيء منه.
لِيَوْمِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ لِيَرْمِ عَمَّنِ اسْتَنَابَهُ، وَيُجْزِئُ هَذَا الرَّمْيُ عَنِ الأَْصِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: لَوْ رَمَى حَصَاةً لِنَفْسِهِ وَأُخْرَى لِلآْخَرِ جَازَ وَلَكُرِهَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الإِْنَابَةَ خَاصَّةٌ بِمَرِيضٍ لاَ يُرْجَى شِفَاؤُهُ قَبْل انْتِهَاءِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ: إِنَّهُ يَرْمِي حَصَيَاتِ الْجَمْرَةِ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَرْمِيهَا عَنْ نَائِبِهِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ مِنَ الرَّمْيِ. وَهُوَ مَخْلَصٌ حَسَنٌ لِمَنْ خَشِيَ خَطَرَ الزِّحَامِ.
وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الاِسْتِنَابَةِ كَالصَّبِيِّ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَيَرْمِي عَنِ الصَّبِيِّ وَلِيُّهُ، وَعَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ رِفَاقُهُ، وَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فَائِدَةُ الاِسْتِنَابَةِ أَنْ يَسْقُطَ الإِْثْمُ عَنْهُ إِنِ اسْتَنَابَ وَقْتَ الأَْدَاءِ.
" وَإِلاَّ فَالدَّمُ عَلَيْهِ اسْتَنَابَ أَمْ لاَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ دُونَ الصَّغِيرِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ (١) لأَِنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِسَائِرِ الأَْرْكَانِ (٢) "
_________
(١) كالمغمى عليه.
(٢) المبسوط ٤ / ٦٩، والبدائع ٢ / ١٣٢، وحاشية شلبي على شرح الكنز ٢ / ٣٤، والمسلك المتسقط / ٢٣٢ - ١٣٣، والفتاوى الهندية ١ / ٢٢١، والزرقاني المالكي وحاشية البناني عليه ٣ / ٢٨٢، والمجموع ٨ / ١٨٤ - ١٨٦ وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٢ / ١٢٢ - ١٢٣، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٥، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٨، والمغني في فقه الحنابلة ٣ / ٤٩١.
الْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ:
٦٧ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ حَلْقَ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ تَقْصِيرِهِ وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ حَلْقُهُ أَوْ تَقْصِيرُهُ.
فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الْوَاجِبُ حَلْقُ جَمِيعِ الرَّأْسِ أَوْ تَقْصِيرُهُ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَكْفِي مِقْدَارُ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَكْفِي إِزَالَةُ ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ أَوْ تَقْصِيرُهَا.
٦٨ - وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ لاَ يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ وَلاَ مَكَانٍ، لَكِنَّ السُّنَّةَ فِعْلُهُ فِي الْحَرَمِ أَيَّامَ النَّحْرِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْحَلْقَ يَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، وَبِمِنْطَقَةِ الْحَرَمِ، فَلَوْ أَخَل بِأَيٍّ مِنْ هَذَيْنِ لَزِمَهُ الدَّمُ، وَيَحْصُل لَهُ التَّحَلُّل بِهَذَا الْحَلْقِ (١) .
رَابِعًا: الْمَبِيتُ بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
٦٩ - مِنًى: بِالْكَسْرِ وَالتَّنْوِينِ شُعَيْبٌ بَيْنَ جِبَالٍ، طُولُهُ مِيلاَنِ وَعَرْضُهُ يَسِيرٌ (٢) .
_________
(١) انظر بحث الحلق في الهداية وفتح القدير ٢ / ١٧٨ - ١٧٩ و٢٥٢ - ٢٥٣ والمسلك المتقسط ص ١٥١ - ١٥٤، وشرح الرسالة بحاشية العدوي ١ / ٤٧٨ - ٤٧٩، والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٤٦٠، والمغني ٣ / ٤٣٥ - ٤٤٢، والفروع ٣ / ٥١٣ - ٥١٦.
(٢) انظر تفصيل حدود منى وتحقيق الخلاف فيها في مصطلح: (منى) .
وَالْمَبِيتُ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَاجِبٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، يَلْزَمُ الدَّمُ لِمَنْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَبِيتَ بِهَا سُنَّةٌ، وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ لِلْمَبِيتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ مُكْثُ أَكْثَرِ اللَّيْل (١) .
خَامِسًا: طَوَافُ الْوَدَاعِ:
٧٠ - طَوَافُ الْوَدَاعِ يُسَمَّى طَوَافَ الصَّدَرِ، وَطَوَافَ آخِرِ الْعَهْدِ:
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ (٢) .
اسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِهِ بِأَمْرِهِ ﷺ كَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ قَال: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ (٣) .
وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، بِأَنَّهُ جَازَ
_________
(١) الهداية وشرحها ٢ / ١٨٦، والمسلك المتقسط ص ٢٢، ١٥٧، وشرح المنهاج ٢ / ١٢٤، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٥ و٥١٣، وشرح الرسالة بحاشية العدوي ١ / ٤٨٠، والشرح الكبير بحاشيته ٢ / ٤٨ - ٤٩، والمغني ٣ / ٤٤٩، والفروع ٣ / ٥١٨ - ٥١٩ و٥٢٧.
(٢) لكنه عند الشافعية والمالكية واجب لا يختص بالحج بل هو لكل من فارق مكة.
(٣) حديث: " أمر الناس أن يكون. . . . " أخرجه البخاري ٢ / ١٧٩، ومسلم ٤ / ٩٣.
لِلْحَائِضِ تَرْكُهُ دُونَ فِدَاءٍ، وَلَوْ وَجَبَ لَمْ يَجُزْ لِلْحَائِضِ تَرْكُهُ (١) .
شُرُوطُ وُجُوبِهِ:
٧١ - أَنْ يَكُونَ الْحَاجُّ مِنْ أَهْل الآْفَاقِ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمَكِّيِّ، لأَِنَّ الطَّوَافَ وَجَبَ تَوْدِيعًا لِلْبَيْتِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يُوجَدُ فِي أَهْل مَكَّةَ لأَِنَّهُمْ فِي وَطَنِهِمْ
وَأَلْحَقَ الْحَنَفِيَّةُ مَنْ كَانَ مِنْ مِنْطَقَةِ الْمَوَاقِيتِ، لأَِنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ أَهْل مَكَّةَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ عَمَّنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ فَقَطْ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يُطْلَبُ طَوَافُ الْوَدَاعِ فِي حَقِّ كُل مَنْ قَصَدَ السَّفَرَ مِنْ مَكَّةَ، وَلَوْ كَانَ مَكِّيًّا إِذَا قَصَدَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ. وَوَصَفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ سَفَرٌ بَعِيدٌ كَالْجُحْفَةِ لاَ قَرِيبًا كَالتَّنْعِيمِ إِذَا خَرَجَ لِلسَّفَرِ لاَ لِيُقِيمَ بِمَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ بِمَسْكَنِهِ، فَإِنْ خَرَجَ لِيُقِيمَ بِمَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ بِمَسْكَنِهِ طُلِبَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي خَرَجَ إِلَيْهِ قَرِيبًا.
٧٢ - الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ: فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَلاَ يُسَنُّ أَيْضًا حَتَّى إِنَّهُمَا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا دَمٌ بِتَرْكِهِ، لِمَا سَبَقَ مِنْ
_________
(١) قارن بفتح القدير ٢ / ١٨٨، قال في شرح الرسالة ١ / ٤٨٢ " مستحب " وفي آخر الكتاب قال: " سنة "، وانظر المغني ٣ / ٤٥٨، وقارن البدائع ٢ / ٤٢.
حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ وَكَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ لَمَّا حَاضَتْ فَقَدْ سَافَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ دُونَ أَنْ تَطُوفَ لِلْوَدَاعِ.
فَأَمَّا الطَّهَارَةُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَى الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُمَا إِزَالَةُ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ فِي الْحَال بِالْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ.
وَإِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْل أَنْ تُفَارِقَ بُنْيَانَ مَكَّةَ يَلْزَمُهَا طَوَافُ الصَّدَرِ، وَإِنْ جَاوَزَتْ جُدْرَانَ مَكَّةَ ثُمَّ طَهُرَتْ لَمْ يَلْزَمْهَا طَوَافُ الصَّدَرِ، اتِّفَاقًا بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. لأَِنَّهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْعُمْرَانِ صَارَتْ مُسَافِرَةً، بِدَلِيل جَوَازِ الْقَصْرِ، فَلاَ يَلْزَمُهَا الْعَوْدُ وَلاَ الدَّمُ (١) .
٧٣ - أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدَّى مَنَاسِكَ الْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا. فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَحْدَهُمْ، وَلَوْ كَانَ آفَاقِيًّا، وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ خَتْمُ أَعْمَال الْحَجِّ، فَلاَ يُطْلَبُ مِنَ الْمُعْتَمِرِ.
شُرُوطُ صِحَّتِهِ:
٧٤ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ طَوَافِ الْوَدَاعِ مَا يَأْتِي:
أ - أَصْل نِيَّةِ الطَّوَافِ لاَ التَّعْيِينُ.
ب - أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ.
ج - الْوَقْتُ:
_________
(١) العناية ٢ / ٢٢٤، وانظر المبسوط ٤ / ١٧٩.
وَوَقْتُ طَوَافِ الْوَدَاعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَمْتَدُّ عَقِبَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لَوْ تَأَخَّرَ سَفَرُهُ، وَكُل طَوَافٍ يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ بَعْدَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ يَقَعُ عَنْ طَوَافِ الصَّدَرِ.
أَمَّا السَّفَرُ فَوْرَ الطَّوَافِ فَلَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ جَوَازِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ لِلصَّدَرِ، ثُمَّ تَشَاغَل بِمَكَّةَ بَعْدَهُ حَتَّى وَلَوْ أَقَامَ أَيَّامًا كَثِيرَةً، لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافٌ آخَرُ، لأَِنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ نُسُكًا، لاَ إِقَامَةً، وَالطَّوَافُ آخِرُ مَنَاسِكِهِ بِالْبَيْتِ، إِلاَّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُؤَخِّرَ طَوَافَ الصَّدَرِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُسَافِرَ. فِيهِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَقْتُهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَعَزْمِهِ عَلَى السَّفَرِ، وَيُغْتَفَرُ لَهُ أَنْ يَشْتَغِل بَعْدَهُ بِأَسْبَابِ السَّفَرِ، كَشِرَاءِ الزَّادِ، وَحَمْل الأَْمْتِعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلاَ يُعِيدُهُ، لَكِنْ إِنْ مَكَثَ بَعْدَهُ مُشْتَغِلًا بِأَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ أَسْبَابِ السَّفَرِ كَشِرَاءِ مَتَاعٍ، أَوْ زِيَارَةِ صِدِّيقٍ، أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ احْتَاجَ إِلَى إِعَادَةِ الطَّوَافِ.
وَاجِبَاتُ الْحَجِّ التَّابِعَةُ لِغَيْرِهَا:
٧٥ - وَاجِبَاتُ الْحَجِّ التَّابِعَةُ لِغَيْرِهَا هِيَ أُمُورٌ يَجِبُ أَدَاؤُهَا فِي ضِمْنِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، أَوْ ضِمْنِ وَاجِبٍ أَصْلِيٍّ مِنْ وَاجِبَاتِهِ.
وَتَجِدُ دِرَاسَتَهَا فِي الْمُصْطَلَحَاتِ الَّتِي تَخُصُّ أَرْكَانَ الْحَجِّ أَوْ وَاجِبَاتِهِ، سِوَى تَرْتِيبِ أَعْمَال يَوْمِ النَّحْرِ، فَنَدْرُسُهُ هُنَا، وَنُشِيرُ إِلَى مَا سِوَاهُ إِشَارَةً سَرِيعَةً.
أَوَّلًا: وَاجِبَاتُ الإِْحْرَامِ:
٧٦ - أ - كَوْنُ الإِْحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ، لاَ بَعْدَهُ (انْظُرْ إِحْرَامٌ ف ٣١ - ٣٢)
ب - التَّلْبِيَةُ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَيُسَنُّ قَرْنُهَا بِالإِْحْرَامِ، وَشَرْطٌ فِي الإِْحْرَامِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَسُنَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (انْظُرْ إِحْرَامٌ: ف ٢٩) .
ج - اجْتِنَابُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ (انْظُرْ إِحْرَامٌ: ف ٣١ وَ٥٥ - ٩٤) .
ثَانِيًا: وَاجِبَاتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:
٧٧ - هِيَ امْتِدَادُ الْوُقُوفِ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَلَى تَفْصِيل الْمَذَاهِبِ، سِوَى الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْوُقُوفُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ هُوَ الرُّكْنُ، وَقَبْلَهُ وَاجِبٌ.
ثَالِثًا: وَاجِبَاتُ الطَّوَافِ:
٧٨ - أ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْشْوَاطَ الثَّلاَثَ الأَْخِيرَةَ مِنَ الطَّوَافِ وَاجِبَةٌ.
وَهِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ رُكْنٌ فِي الطَّوَافِ (ف ١٢٨) (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ طَوَافٌ) .
ب - أَوْجَبَ الْحَنَفِيَّةُ الأُْمُورَ التَّالِيَةَ فِي الطَّوَافِ،