الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 64

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

عِنْدَ بَعْضِهِمْ فَيَكُونُ بِهَذَا التَّقْدِيمِ قَسِيمًا لِلْحَظْرِ (١) . الآْثَارُ الأُْصُولِيَّةُ وَالْفِقْهِيَّةُ:

أ - الآْثَارُ الأُْصُولِيَّةُ:

٤ - سَبَقَ أَنَّ الْحَظْرَ وَالْمَحْظُورَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَمِنْ أَسْمَاءِ الْمَحْظُورِ عِنْدَهُمْ مُحَرَّمٌ وَمَعْصِيَةٌ وَذَنْبٌ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ الآْمِدِيُّ ثَلاَثَ مَسَائِل:

الأُْولَى: فِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُحَرَّمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ لاَ بِعَيْنِهِ وَالْخِلاَفُ فِيهَا مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ.

وَالثَّانِيَةُ: فِي اسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْوُجُوبِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.

وَالثَّالِثَةُ: فِي أَنَّ الْمُحَرَّمَ بِوَصْفِهِ مُضَادٌّ لِوُجُوبِ أَصْلِهِ وَالْخِلاَفُ فِيهَا بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

ب - الآْثَارُ الْفِقْهِيَّةُ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٥ - يُعْتَبَرُ مُصْطَلَحُ حَظْرٍ مِنَ النَّاحِيَةِ الْفِقْهِيَّةِ مُقَسَّمًا لِمَا اسْتُخْرِجَ مِنْ مُصْطَلَحَاتٍ أَصْلِيَّةٍ كَمُصْطَلَحِ: نَظَرٍ، وَلَمْسٍ، وَلِبَاسٍ، وَغَيْرِهَا.

وَالنَّاظِرُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ يَجِدُ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَفْرَدُوا

_________

(١) الأحكام للآمدي ١ / ٦٣ ط صبيح، وانظر بدائع الصنائع ٥ / ١١٩، والبناية ٩ / ١٨٠.

(٢) الأحكام للآمدي ١ / ٥٨ - ٦٠ ط صبيح، ومسلم الثبوت ١ / ١٠٤ - ١١١ ط بولاق.

فِي كُتُبِهِمْ قِسْمًا خَاصًّا ذَكَرُوا فِيهِ أَحْكَامًا تَنَاوَلَتِ الْكَثِيرَ مِنْ مَسَائِل الْفِقْهِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ وَالْمَسِّ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ حُكْمَ نَظَرِ الرَّجُل إِلَى الرَّجُل، وَالْمَرْأَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ، وَالرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل، وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسِّ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِاللُّبْسِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ وَمَا لاَ يُكْرَهُ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِاسْتِعْمَال الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ فِي الآْنِيَةِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْهُمَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْكْل وَمَرَاتِبِهِ وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْهَدَايَا وَالضِّيَافَاتِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنَثْرِ الدَّرَاهِمِ وَالسُّكْرِ وَمَا يَتَّصِل بِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْحْكَامِ الَّتِي تَعُودُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ كَدُخُولِهِمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ سَائِرَ الْمَسَاجِدِ، وَدُخُول الْمُسْلِمِينَ إِلَى بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَسْبِ وَبَيَانِ أَنْوَاعِهِ، وَأَسْبَابِهِ، وَبَيَانِ الأَْفْضَل مِنْهَا، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمَقَابِرِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغِنَاءِ وَاللَّهْوِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّدَاوِي وَالْمُعَالَجَاتِ وَفِيهِ الْعَزْل وَإِسْقَاطُ الْوَلَدِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِتَانِ وَالْخِصَاءِ، وَقَلْمِ الأَْظْفَارِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَحَلْقِ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا، وَوَصْلِهَا شَعْرَ غَيْرِهَا، وَمَا يَتَّصِل بِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالزِّينَةِ وَاِتِّخَاذِ الْخَادِمِ لِلْخِدْمَةِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يَسَعُ مِنْ جِرَاحَاتِ بَنِي آدَمَ وَالْحَيَوَانَاتِ، وَقَتْل الْحَيَوَانَاتِ، وَمَا لاَ يَسَعُ مِنْ

ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَسْمِيَةِ الأَْوْلاَدِ وَكُنَاهُمْ وَالْعَقِيقَةِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغِيبَةِ وَالْحَسَدِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْمَدْحِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِدُخُول الْحَمَّامِ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَال وَمَا يَتَّصِل بِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْعِ وَالاِسْتِيَامِ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّجُل الَّذِي يَخْرُجُ إِلَى السَّفَرِ فَيَمْنَعُهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوِ الدَّائِنُ، وَفِي سَفَرِ الْمَرْأَةِ وَمَنْعِ زَوْجِهَا لَهَا، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَرْضِ وَالدَّيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُلاَقَاةِ الْمُلُوكِ وَالتَّوَاضُعِ لَهُمْ، وَتَقْبِيل أَيْدِيهِمْ أَوْ يَدِ غَيْرِهِمْ، وَتَقْبِيل الرَّجُل وَجْهَ غَيْرِهِ وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالاِنْتِفَاعِ بِالأَْشْيَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَمَسَائِل أُخْرَى مُتَفَرِّقَةٌ. وَالْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَبِالرَّجُل الَّذِي رَأَى رَجُلًا يَقْتُل أَبَاهُ وَمَا يَتَّصِل بِهِ، وَبِالصَّلاَةِ، وَبِالتَّسْبِيحِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَبِآدَابِ الْمَسْجِدِ، وَالْقِبْلَةِ وَالْمُصْحَفِ، وَمَا كُتِبَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ نَحْوُ الدَّرَاهِمِ وَالْقِرْطَاسِ أَوْ كُتِبَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِالْمُسَابَقَةِ وَالسَّلاَمِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ.

هَذَا وَالْحَنَفِيَّةُ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى اسْمٍ مُعَيَّنٍ يُطْلِقُونَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقِسْمِ الَّذِي ذَكَرُوا فِيهِ تِلْكَ الأَْحْكَامَ فَبَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَمُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَالْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ يُلَقِّبُونَهُ بِكِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ.

وَبَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الْمَبْسُوطِ وَصَاحِبِ

الْبَدَائِعِ يُلَقِّبُونَهُ بِكِتَابِ الاِسْتِحْسَانِ، وَبَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الْكَنْزِ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَصَاحِبِ الاِخْتِيَارِ وَصَاحِبِ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ يُلَقِّبُونَهُ بِكِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ. وَسَبَبُ هَذَا الْخِلاَفِ كَمَا جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ هُوَ أَنَّ الْمَسَائِل الَّتِي تُذْكَرُ فِيهِ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلُقِّبَ بِذَلِكَ، لِمَا يُوجَدُ فِي عَامَّةِ مَسَائِلِهِ مِنَ الْكَرَاهِيَةِ وَالْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ وَالاِسْتِحْسَانِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِكِتَابِ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، لأَِنَّ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ الْمَسَائِل أَطْلَقَهَا الشَّرْعُ، وَالزُّهْدُ وَالْوَرَعُ تَرْكُهَا (١) .

وَأَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا تِلْكَ الْمَسَائِل فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ وَلَمْ يُفْرِدُوا لَهَا قِسْمًا مُسْتَقِلًّا، وَمِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْمِثَال النَّظَرُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الرُّؤْيَا، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَحْكَامَهُ فِي عَدَدٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ، فَالْمَالِكِيَّةُ ذَكَرُوا تِلْكَ الأَْحْكَامَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. وَفِي شَرَائِطِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَفِي النِّكَاحِ، وَفِي تَحَمُّل الشَّهَادَةِ.

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢١٣ ط بولاق، والفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية ٦ / ٥٣ ط بولاق، والجوهر النيرة ٢ / ٣٥٩ ط معارف، وبدائع الصنائع ٥ / ١١٨ ط الجمالية، والمبسوط ١٠ / ١٤٥ - ١٤٦ ط السعادة، تبيين الحقائق ٦ / ١٠ ط بولاق، وتكملة البحر الرائق ٨ / ١٠٥، ٢٠٤ ط الأولى العلمية، والبناية ٩ / ١٧٩ ط الفكر، وفتح القدير ٨ / ٧٩ ط الأميرية، والاختيار ٤ / ١٥٣ - ١٥٤ ط المعرفة، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٠٨ - ٣٨١ ط بولاق.

وَالشَّافِعِيَّةُ ذَكَرُوا تِلْكَ الأَْحْكَامَ فِي النِّكَاحِ وَفِي الشَّهَادَاتِ.

وَذَكَرَهَا الْحَنَابِلَةُ فِي النِّكَاحِ (١) .

وَالتَّفْصِيل مَحَلُّهُ الْمُصْطَلَحَاتُ الْخَاصَّةُ بِتِلْكَ الْمَسَائِل.

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٠، ٤١، ٢٧٥، ٣٧٣، ٢ / ٢٣٩ ط دار المعرفة، وحاشية قليوبي ٣ / ٢٠٨، ٤ / ٣٢٧ ط الحلبي، والمغني ٦ / ٥٥٢ - ٥٦٤ ط الرياض.

حِفْظٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحِفْظُ لُغَةً: مِنْ حَفِظَ الشَّيْءَ حِفْظًا إِذَا مَنَعَهُ مِنَ الضَّيَاعِ وَالتَّلَفِ.

وَيَأْتِي بِمَعْنَى التَّعَاهُدِ وَقِلَّةِ الْغَفْلَةِ، يُقَال حَفِظَ الْقُرْآنَ إِذَا وَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحِفْظِ:

٢ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْحِفْظِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

حِفْظُ مَا يُقْرَأُ فِي الصَّلاَةِ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قِرَاءَتَهَا فَيَلْزَمُهُ كَسْبُ الْقُدْرَةِ إِمَّا بِالتَّعَلُّمِ أَوِ التَّوَسُّل إِلَى مُصْحَفٍ يَقْرَؤُهَا مِنْهُ،

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة " حفظ ".

سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ أَوِ الاِسْتِئْجَارِ أَوِ الاِسْتِعَارَةِ، فَإِنْ كَانَ بِاللَّيْل أَوْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ فَعَلَيْهِ تَحْصِيل الإِْضَاءَةِ، فَلَوِ امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ الإِْمْكَانِ فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ كُل صَلاَةٍ صَلاَّهَا إِلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى قِرَاءَتِهَا مِنْ حِفْظِهِ، أَوْ مِنْ مُصْحَفٍ، أَوْ عَنْ طَرِيقِ التَّلْقِينِ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ تَتَعَيَّنُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاَةِ إِلاَّ رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ، فَإِنْ جَهِل الْمُصَلِّي الْفَاتِحَةَ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا فَسَبْعُ آيَاتٍ، فَإِنْ عَجَزَ أَتَى بِذِكْرٍ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا وَقَفَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ عَجَزَ عَنْهَا، وَاخْتَارَ ابْنُ سَحْنُونٍ أَنْ يُبَدَّل الذِّكْرُ بِذَلِكَ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ تُجْزِئُ قِرَاءَةُ آيَةٍ طَوِيلَةٍ أَوْ ثَلاَثِ آيَاتٍ قِصَارٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَأَنَّ الْفَاتِحَةَ لاَ تَتَعَيَّنُ، وَأَنَّهُ يُفْرَضُ عَيْنًا عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ بِعَيْنِهِ حِفْظُ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِتَكُونَ صَلاَتُهُ صَحِيحَةً، كَمَا ذَهَبَ

_________

(١) القوانين الفقهية ص ٦٤، المجموع للإمام النووي ٣ / ٣٣٠، ٤ / ٩٥، مغني المحتاج ١ / ١٥٦، بداية المجتهد ١ / ١١٠، الفروع ١ / ٤١٨، الإنصاف ٢ / ٥٤، الشرح الصغير ١ / ٣٠٩، تحفة المحتاج ٢ / ٤٣، وروضة الطالبين ١ / ٢٤٤.

(٢) الدسوقي ١ / ٣٣٧.

الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ حِفْظِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ أُخْرَى عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، لأَِنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ وَاجِبَاتِهَا وَلَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَكَذَلِكَ السُّورَةُ وَإِنْ كَانَتْ أَقْصَرَ سُوَرِ الْقُرْآنِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ ثَلاَثِ آيَاتٍ قِصَارٍ (١) .

حُكْمُ تَقْدِيمِ الأَْحْفَظِ لِلْقُرْآنِ لإِِمَامَةِ الصَّلاَةِ:

٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُقَدَّمُ لإِِمَامَةِ الصَّلاَةِ: الأَْحْفَظُ أَمِ الأَْفْقَهُ؟

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الأَْفْقَهَ: أَيِ الأَْعْلَمَ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى بِالإِْمَامَةِ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الأَْقْرَأِ وَإِنْ كَانَ حَافِظًا لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الأَْفْقَهُ يَحْفَظُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلاَةُ مِنَ الْقُرْآنِ، لأَِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْفِقْهِ أَهَمُّ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ مَحْصُورًا وَالْحَوَادِثُ فِيهَا لاَ تَنْحَصِرُ فَيَفْتَقِرُ إِلَى الْعِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ تَدَارُكِ مَا عَسَى أَنْ يَعْرِضَ فِيهَا مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُخْتَلِفَةِ.

وَلأَِنَّ " النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فِي إِمَامَةِ الصَّلاَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ (٢) "، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ أَحْفَظَ مِنْهُ لِلْقُرْآنِ

_________

(١) البدائع ١ / ١١٠، حاشية ابن عابدين ١ / ٣٦٠، المغني لابن قدامة ١ / ٤٧٦.

(٢) حديث: تقديم النبي ﷺ لأبي بكر. أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٧٣ ط السلفية) من حديث عائشة.

الْكَرِيمِ لِكَوْنِهِ أَفْقَهَهُمْ جَمِيعًا (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الأَْقْرَأَ وَالأَْحْفَظَ أَوْلَى بِالإِْمَامَةِ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الأَْفْقَهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا (٢) .

وَقَوْلُهُ ﷺ: إِذَا كَانُوا ثَلاَثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَأَحَقُّهُمْ بِالإِْمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ (٣) .

وَقَوْلُهُ ﷺ: لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا (٤) .

الْوَقْفُ وَالْوَصِيَّةُ عَلَى حُفَّاظِ الْقُرْآنِ:

٥ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْقُرَّاءِ، أَوْ أَهْل الْقُرْآنِ أَوِ الْوَصِيَّةَ لَهُمْ تُصْرَفُ لِحُفَّاظِ كُل الْقُرْآنِ عَنْ ظَهْرِ الْغَيْبِ، وَلاَ يَدْخُل فِيهِمُ الْقُرَّاءُ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ مِنَ الْمُصْحَفِ.

_________

(١) البدائع ١ / ١٥٧، الطحطاوي على مراقي الفلاح ١٦٣، الاختيار ١ / ٥٧، القوانين الفقهية ص ٧٣، مغني المحتاج ١ / ٢٤٢، المهذب ١ / ١٠٥، المغني لابن قدامة ٢ / ١٨١، المجموع للإمام النووي ٤ / ٢٧٩.

(٢) حديث: " يؤم القوم أقرؤهم ". أخرجه مسلم (١ / ٤٦٥ ط الحلبي) من حديث أبي مسعود البدري.

(٣) حديث: " إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم ". أخرجه مسلم (١ / ٤٦٤ ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري.

(٤) حديث: " ليؤمكم أكثركم قرآنا ". . أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٢٢ ط السلفية) من حديث عمرو بن سلمة.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْقُرَّاءِ أَوْ أَهْل الْقُرْآنِ الآْنَ أَوَالْوَصِيَّةَ لَهُمْ يُصْرَفُ لِحُفَّاظِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ.

أَمَّا فِي الصَّدْرِ الأَْوَّل فَكَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْقُرَّاءِ أَوْ أَهْل الْقُرْآنِ أَوِ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ يُصْرَفُ لِلْفُقَهَاءِ لأَِنَّ الأَْقْرَأَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ فَقِيهًا لِتَلَقِّيهمُ الْقُرْآنَ بِمَعَانِيهِ وَأَحْكَامِهِ (١) .

حُكْمُ جَعْل تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ صَدَاقًا:

٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ جَعْل تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ صَدَاقًا لِلْمَرْأَةِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ جَعْل تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ صَدَاقًا لِلْمَرْأَةِ، لأَِنَّ الْفُرُوجَ لاَ تُسْتَبَاحُ إِلاَّ بِالأَْمْوَال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِل لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٢) وَلأَِنَّ تَحْفِيظَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إِلاَّ قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِلَى جَوَازِ جَعْل تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ صَدَاقًا لِلْمَرْأَةِ " لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ٦١، تحفة المحتاج ٧ / ٥٤، الفروع ٤ / ٦١٧، الإنصاف ٧ / ٩٤.

(٢) سورة النساء / ٢٤.