الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 63

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

وَإِنْ كَانَ الْغُلاَمُ أَوِ الثَّيِّبُ أَوِ الْبِكْرُ الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِمْ لَوِ انْفَرَدُوا بِأَنْفُسِهِمْ بَقِيَتْ وِلاَيَةُ الأَْبِ عَلَيْهِمْ، كَمَا تَبْقَى الْوِلاَيَةُ عَلَى الْبِكْرِ إِذَا كَانَتْ حَدِيثَةَ السِّنِّ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْتُوهِ تَبْقَى وِلاَيَةُ الأَْبِ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَعْقِل (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَضَانَةَ النِّسَاءِ عَلَى الذَّكَرِ تَسْتَمِرُّ إِِلَى بُلُوغِهِ وَتَنْقَطِعُ حَضَانَتُهُ بِالْبُلُوغِ وَلَوْ مَرِيضًا أَوْ مَجْنُونًا عَلَى الْمَشْهُورِ.

أَمَّا الْحَضَانَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلأُْنْثَى فَتَسْتَمِرُّ إِِلَى زَوَاجِهَا وَدُخُول الزَّوْجِ بِهَا (٢) .

وَقَال ابْنُ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَمَدُ الْحَضَانَةِ عَلَى الذَّكَرِ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا غَيْرَ زَمِنٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَسْتَمِرُّ الْحَضَانَةُ عَلَى الْمَحْضُونِ حَتَّى التَّمْيِيزِ ذَكَرًا كَانَ الْمَحْضُونُ أَوْ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَ حَدَّ التَّمْيِيزِ - وَقُدِّرَ بِسَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ غَالِبًا - فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَإِنِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا دُفِعَ إِلَيْهِ، وَإِذَا عَادَ وَاخْتَارَ الثَّانِيَ نُقِل إِلَيْهِ، وَهَكَذَا كُلَّمَا تَغَيَّرَ اخْتِيَارُهُ، لأَِنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ حَال الْحَاضِنِ، أَوْ يَتَغَيَّرُ رَأْيُ الْمَحْضُونِ فِيهِ بَعْدَ الاِخْتِيَارِ، إِلاَّ إِنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ سَبَبَهُ قِلَّةُ تَمْيِيزِهِ، فَإِنَّهُ يُجْعَل عِنْدَ الأُْمِّ وَيُلْغَى اخْتِيَارُهُ.

وَإِنِ امْتَنَعَ الْمَحْضُونُ عَنِ الاِخْتِيَارِ فَالأُْمُّ أَوْلَى، لأَِنَّهَا أَشْفَقُ، وَاسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ، وَقِيل:

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٦٤١ - ٦٤٢، والبدائع ٤ / ٤٢ - ٤٣.

(٢) الدسوقي ٢ / ٥٢٦.

يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِنِ اخْتَارَهُمَا مَعًا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنِ امْتَنَعَ الْمُخْتَارُ مِنْ كَفَالَتِهِ كَفَلَهُ الآْخَرُ، فَإِنْ رَجَعَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا أُعِيدَ التَّخْيِيرُ، وَإِنِ امْتَنَعَا وَبَعْدَهُمَا مُسْتَحِقَّانِ لِلْحَضَّانَةِ كَجَدٍّ وَجَدَّةٍ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا، وَإِلاَّ أُجْبِرَ عَلَيْهَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَتَظَل الْوِلاَيَةُ عَلَيْهِ لِمَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ إِِلَى الْبُلُوغِ. فَإِنْ بَلَغَ، فَإِنْ كَانَ غُلاَمًا وَبَلَغَ رَشِيدًا وَلِيَ أَمْرَ نَفْسِهِ لاِسْتِغْنَائِهِ عَمَّنْ يَكْفُلُهُ فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى الإِْقَامَةِ عِنْدَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَالأَْوْلَى أَنْ لاَ يُفَارِقَهُمَا لِيَبَرَّهُمَا. قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَعِنْدَ الأَْبِ أَوْلَى لِلْمُجَانَسَةِ، نِعْمَ إِنْ كَانَ أَمْرَدَ أَوْ خِيفَ مِنِ انْفِرَادِهِ فَفِي كِتَابِ الْعُدَّةِ لاِبْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ مُفَارَقَةِ الأَْبَوَيْنِ.

وَلَوْ بَلَغَ عَاقِلًا غَيْرَ رَشِيدٍ فَأَطْلَقَ مُطْلِقُونَ أَنَّهُ كَالصَّبِيِّ، وَقَال ابْنُ كَجٍّ: إِنْ كَانَ لِعَدَمِ إِصْلاَحِ مَالِهِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لِدِينِهِ فَقِيل: تُدَامُ حَضَانَتُهُ إِلَى ارْتِفَاعِ الْحَجْرِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَسْكُنُ حَيْثُ شَاءَ.

وَإِنْ كَانَ أُنْثَى، فَإِنْ بَلَغَتْ رَشِيدَةً فَالأَْوْلَى أَنْ تَكُونَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ إِنْ كَانَا مُفْتَرِقَيْنِ، وَبَيْنَهُمَا إِنْ كَانَا مُجْتَمِعَيْنِ، لأَِنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ التُّهْمَةِ، وَلَهَا أَنْ تَسْكُنَ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ رِيبَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ رِيبَةٌ فَلِلأُْمِّ إِسْكَانُهَا مَعَهَا، وَكَذَا لِلْوَلِيِّ مِنَ الْعَصَبَةِ إِسْكَانُهَا مَعَهُ إِذَا كَانَ مَحْرَمًا لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا لَهَا فَيُسْكِنُهَا فِي مَوْضِعٍ لاَئِقٍ بِهَا وَيُلاَحِظُهَا دَفْعًا لِعَارِ النَّسَبِ.

وَإِنْ بَلَغَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ فَفِيهَا التَّفْصِيل الَّذِي قِيل فِي الْغُلاَمِ.

أَمَّا الْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ فَلاَ يُخَيَّرُ وَتَظَل الْحَضَانَةُ عَلَيْهِ لأُِمِّهِ إِلَى الإِْفَاقَةِ (١) .

وَالْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْغُلاَمِ أَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ حَاضِنَتِهِ حَتَّى يَبْلُغَ سِنَّ السَّابِعَةِ فَإِنِ اتَّفَقَ أَبَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا جَازَ، لأَِنَّ الْحَقَّ فِي حَضَانَتِهِ إِلَيْهِمَا، وَإِنْ تَنَازَعَا خَيَّرَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا، قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ ﵁ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ وَعَلِيٌّ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ وَقَدْ نَفَعَنِي، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ (٢) .

وَلأَِنَّهُ إِذَا مَال إِلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ دَل عَلَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ وَأَشْفَقُ، وَقَيَّدَ بِالسَّبْعِ لأَِنَّهَا أَوَّل حَال أَمْرِ الشَّرْعِ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالصَّلاَةِ، بِخِلاَفِ الأُْمِّ فَإِنَّهَا قُدِّمَتْ فِي حَال الصِّغَرِ لِحَاجَتِهِ وَمُبَاشَرَةِ

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ٣٥٦ - ٤٥٧ - ٤٥٨ - ٤٥٩ - ٤٦٠ ونهاية المحتاج ٧ / ٢٢٠ - ٢٢٢ وأسنى المطالب ٣ / ٤٤٩ - ٤٥١.

(٢) حديث ": هذا أبوك وهذه أمك. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٧٠٨ - ٧٠٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (٤ / ٩٧ - ط دائرة المعارف العثمانية، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي) .

خِدْمَتِهِ لأَِنَّهَا أَعْرَفُ بِذَلِكَ، قَال ابْنُ عَقِيلٍ: التَّخْيِيرُ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ السَّلاَمَةِ مِنْ فَسَادٍ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا لِيُمَكِّنَهُ مِنْ فَسَادٍ وَيَكْرَهُ الآْخَرَ لِلتَّأْدِيبِ لَمْ يُعْمَل بِمُقْتَضَى شَهْوَتِهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ إِضَاعَةٌ لَهُ. وَيَكُونُ الْغُلاَمُ عِنْدَ مَنْ يَخْتَارُ فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الآْخَرَ نُقِل إِلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الأَْوَّل رُدَّ إِلَيْهِ هَكَذَا أَبَدًا، لأَِنَّ هَذَا اخْتِيَارُ تَشَهٍّ، وَقَدْ يَشْتَهِي أَحَدَهُمَا فِي وَقْتٍ دُونَ آخَرَ فَاتُّبِعَ بِمَا يَشْتَهِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَحَدَهُمَا أَوِ اخْتَارَهُمَا مَعًا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، لأَِنَّهُ لاَ مَزِيَّةَ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، ثُمَّ إِنِ اخْتَارَ غَيْرَ مَنْ قُدِّمَ بِالْقُرْعَةِ رُدَّ إِلَيْهِ، وَلاَ يُخَيَّرُ إِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْحَضَانَةِ، لأَِنَّ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلْحَضَانَةِ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَإِلاَّ اخْتَارَ أَبَاهُ ثُمَّ زَال عَقْلُهُ رُدَّ إِلَى الأُْمِّ لِحَاجَتِهِ إِلَى مَنْ يَتَعَهَّدُهُ كَالصَّغِيرِ وَبَطَل اخْتِيَارُهُ، لأَِنَّهُ لاَ حُكْمَ لِكَلاَمِهِ.

أَمَّا الأُْنْثَى فَإِنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَلاَ تُخَيَّرُ وَإِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ الأَْبِ وُجُوبًا إِلَى الْبُلُوغِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ تَكُونُ عِنْدَهُ أَيْضًا إِلَى الزِّفَافِ وُجُوبًا، وَلَوْ تَبَرَّعَتِ الأُْمُّ بِحَضَانَتِهَا، لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْحَضَانَةِ الْحِفْظُ، وَالأَْبُ أَحْفَظُ لَهَا، وَإِنَّمَا تُخْطَبُ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ تَحْتَ نَظَرِهِ لِيُؤْمَنَ عَلَيْهَا مِنْ دُخُول الْفَسَادِ لِكَوْنِهَا مُعَرَّضَةً لِلآْفَاتِ لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا لِلاِنْخِدَاعِ لِغِرَّتِهَا.

وَالْمَعْتُوهُ وَلَوْ أُنْثَى يَكُونُ عِنْدَ أُمِّهِ وَلَوْ بَعْدَ

الْبُلُوغِ لِحَاجَتِهِ إِلَى مَنْ يَخْدُمُهُ وَيَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَالنِّسَاءُ أَعْرَفُ بِذَلِكَ (١) .

رُؤْيَةُ الْمَحْضُونِ.

٢٠ - لِكُلٍّ مِنْ أَبَوَيِ الْمَحْضُونِ إِذَا افْتَرَقَا حَقُّ رُؤْيَتِهِ وَزِيَارَتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمَحْضُونَ إِنْ كَانَ أُنْثَى فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ حَاضِنِهَا - أُمًّا أَوْ أَبًا - لَيْلًا وَنَهَارًا، لأَِنَّ تَأْدِيبَهَا وَتَعْلِيمَهَا يَكُونُ دَاخِل الْبَيْتِ وَلاَ حَاجَةَ بِهَا إِلَى الإِْخْرَاجِ، وَلاَ يُمْنَعُ أَحَدُ الأَْبَوَيْنِ مِنْ زِيَارَتِهَا عِنْدَ الآْخَرِ، لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ حَمْلٌ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَلاَ يُطِيل الزَّائِرُ الْمُقَامَ، لأَِنَّ الأُْمَّ بِالْبَيْنُونَةِ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، وَالْوَرَعُ إِذَا زَارَتِ الأُْمُّ ابْنَتَهَا أَنْ تَتَحَرَّى أَوْقَاتِ خُرُوجِ أَبِيهَا إِلَى مَعَاشِهِ. وَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ زَوْجُ الأُْمِّ بِدُخُول الأَْبِ أَخْرَجَتْهَا إِلَيْهِ لِيَرَاهَا، وَيَتَفَقَّدَ أَحْوَالَهَا، وَإِذَا بَخِل الأَْبُ بِدُخُول الأُْمِّ إِلَى مَنْزِلِهِ أَخْرَجَهَا إِلَيْهَا لِتَرَاهَا، وَلَهُ مَنْعُ الْبِنْتِ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهَا إِذَا خُشِيَ الضَّرَرُ حِفْظًا لَهَا. وَالزِّيَارَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَكُونُ مَرَّةً كُل يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ لاَ فِي كُل يَوْمٍ. وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَزُورَهَا كُل يَوْمٍ إِذَا كَانَ الْبَيْتُ قَرِيبًا كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَكُونُ

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ٥٠١ - ٥٠٢ - ٥٠٣ والمغني ٧ / ٦١٤ - ٦١٦.

الزِّيَارَةُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَالْيَوْمِ فِي الأُْسْبُوعِ.

وَإِنْ كَانَ الْمَحْضُونُ ذَكَرًا، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ أَبِيهِ كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلاَ يَمْنَعُهُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ، لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إِغْرَاءٌ بِالْعُقُوقِ وَقَطْعِ الرَّحِمِ، وَلاَ يُكَلِّفُ الأُْمَّ الْخُرُوجَ لِزِيَارَتِهِ، وَالْوَلَدُ أَوْلَى مِنْهَا بِالْخُرُوجِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ. وَلَوْ أَرَادَتِ الأُْمُّ زِيَارَتَهُ فَلاَ يَمْنَعُهَا الأَْبُ مِنْ ذَلِكَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْعِ الرَّحِمِ، لَكِنْ لاَ تُطِيل الْمُكْثَ، وَإِنْ بَخِل الأَْبُ بِدُخُولِهَا إِلَى مَنْزِلِهِ أَخْرَجَهُ إِلَيْهَا، وَالزِّيَارَةُ تَكُونُ مَرَّةً كُل يَوْمَيْنِ فَأَكْثَر، فَإِنْ كَانَ مَنْزِل الأُْمِّ قَرِيبًا فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَزُورَهَا الاِبْنُ كُل يَوْمٍ، كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَكَمَا سَبَقَ تَكُونُ الزِّيَارَةُ كُل أُسْبُوعٍ.

وَإِنْ كَانَ الْمَحْضُونُ الذَّكَرُ عِنْدَ أُمِّهِ كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا، وَعِنْدَ الأَْبِ نَهَارًا لِتَعْلِيمِهِ وَتَأْدِيبِهِ.

وَإِنْ مَرِضَ الْوَلَدُ كَانَتِ الأُْمُّ أَحَقَّ بِالتَّمْرِيضِ فِي بَيْتِ الأَْبِ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ وَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَإِلاَّ فَفِي بَيْتِهَا يَكُونُ التَّمْرِيضُ، وَهَذَا كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَكُونُ التَّمْرِيضُ فِي بَيْتِهَا وَيَزُورُهُ الأَْبُ إِنْ كَانَ التَّمْرِيضُ عِنْدَ الأُْمِّ مَعَ الاِحْتِرَازِ مِنَ الْخَلْوَةِ.

وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُ الأَْبَوَيْنِ وَالْوَلَدُ عِنْدَ الآْخَرِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ عِيَادَتِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى.

وَإِنْ مَرِضَتِ الأُْمُّ لَزِمَ الأَْبَ أَنْ يُمَكِّنَ الأُْنْثَى مِنْ تَمْرِيضِهَا إِنْ أَحْسَنَتْ ذَلِكَ، بِخِلاَفِ الذَّكَرِ

لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ أَحْسَن التَّمْرِيضَ، وَذَلِكَ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ (١) . وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْوَلَدَ مَتَى كَانَ عِنْدَ أَحَدِ الأَْبَوَيْنِ فَلاَ يُمْنَعُ الآْخَرُ مِنْ رُؤْيَتِهِ إِلَيْهِ وَتَعَهُّدِهِ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ.

وَلاَ يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى إِرْسَالِهِ إِلَى مَكَانِ الآْخَرِ، بَل يُخْرِجُهُ كُل يَوْمٍ إِلَى مَكَان يُمْكِنُ لِلآْخَرِ أَنْ يَرَاهُ فِيهِ (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَانَ الْمَحْضُونُ عِنْدَ الأُْمِّ فَلاَ تَمْنَعُهُ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى أَبِيهِ يَتَعَهَّدُهُ وَيُعَلِّمُهُ، ثُمَّ يَأْوِي إِلَى أُمِّهِ يَبِيتُ عِنْدَهَا. وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الأَْبِ فَلَهَا الْحَقُّ فِي رُؤْيَتِهِ كُل يَوْمٍ فِي بَيْتِهَا لِتَفَقُّدِ حَالِهِ. وَلَوْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً مِنْ أَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَحْضُونِ فَلاَ يَمْنَعُهَا زَوْجُهَا مِنْ دُخُول وَلَدِهَا فِي بَيْتِهَا، وَيُقْضَى لَهَا بِذَلِكَ إِنْ مَنَعَهَا (٣) .

حَطِيطَةٌ

انْظُرْ: (وَضِيعَةٌ) .

حَطِيمٌ

انْظُرْ: (حَجَرٌ) .

حَظْرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الْحَظْرِ فِي اللُّغَةِ: الْحَبْسُ، وَالْحَجْرُ، وَالْحِيَازَةُ، وَالْمَنْعُ، وَهُوَ خِلاَفُ الإِْبَاحَةِ، وَالْمَحْظُورُ هُوَ الْمَمْنُوعُ (١) .

وَأَمَّا الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ فَلاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ إِلاَّ أَنْ يُقَال: الْمَحْظُورُ هُوَ الْمَمْنُوعُ شَرْعًا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا، وَقَصَرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُحَرَّمِ فَقَطْ. قَال الْجُرْجَانِيِّ: الْمَحْظُورُ مَا يُثَابُ بِتَرْكِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ.

وَمِثْل هَذَا مَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ: فَقَدْ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ مَا يُذَمُّ شَرْعًا فَاعِلُهُ (٢) .

وَأَمَّا الْمَحْظُورُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ فَقَدْ عَرَّفَهُ. الآْمِدِيُّ بِأَنَّهُ مَا يَنْتَهِضُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِلذَّمِّ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ لَهُ، فَالْقَيْدُ الأَْوَّل فَاصِلٌ لَهُ عَنِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَسَائِرِ

_________

(١) انظر الصحاح والقاموس واللسان والمصباح مادة: (حظر)، والكليات ٢ / ٢٦٨ ط دمشق

(٢) التعريفات للجرجاني / ١٢٠ ط العربي، وشرح البدخشي ١ / ٤٧، ٤٨ ط صبيح.

الأَْحْكَامِ، وَالثَّانِي فَاصِلٌ لَهُ عَنِ الْمُخَيَّرِ، وَالثَّالِثُ أَصْلٌ لَهُ عَنِ الْمُبَاحِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ فِعْلُهُ تَرْكَ وَاجِبٍ، فَإِنَّهُ يُذَمُّ عَلَيْهِ لَكِنْ لاَ مِنْ جِهَةِ فِعْلِهِ بَل لِمَا لَزِمَهُ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَالْحَظْرِ فَهُوَ خِطَابُ الشَّارِعِ بِمَا فِعْلُهُ سَبَبٌ لِلذَّمِّ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلُهُ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَمَعْصِيَةٌ، وَذَنْبٌ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّحْرِيمُ:

٢ - التَّحْرِيمُ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِمَنْعِ الْمُكَلَّفِ مِنْ فِعْل الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ عَلَى تَرْكِهِ وَالْعِقَابَ عَلَى فِعْلِهِ.

وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْحَظْرِ وَالتَّحْرِيمِ فَيَكُونَانِ مُتَرَادِفَيْنِ

ب - كَرَاهِيَةٌ:

٣ - الْكَرَاهِيَةُ هِيَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِنَهْيِ الْمُكَلَّفِ عَنِ الْفِعْل بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ عَلَى التَّرْكِ وَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَى الْفِعْل، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُلاَمُ عَلَيْهِ. وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَخَصُّ مِنَ الْحَظْرِ، لأَِنَّ الْحَظْرَ يَتَنَاوَل الْكَرَاهِيَةَ، وَالتَّحْرِيمُ عَامٌّ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَوْ يَتَنَاوَل التَّحْرِيمَ فَقَطْ

_________

(١) الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ١ / ٥٨ ط صبيح.