الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

مَعَ الْمُقِيمِ لَوْ كَانَ الطَّرِيقُ أَوِ الْمَكَانُ الْمُنْتَقَل إِلَيْهِ غَيْرَ آمِنٍ فِي سَفَرِ النُّقْلَةِ وَالاِنْقِطَاعِ.

وَإِنِ اخْتَلَفَ الأَْبُ وَالأُْمُّ فَقَال الأَْبُ: سَفَرِي لِلإِْقَامَةِ، وَقَالَتِ الأُْمُّ سَفَرُكَ لِلْحَاجَةِ، فَالْقَوْل قَوْل الأَْبِ مَعَ يَمِينِهِ.

وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُقِيمُ الأُْمَّ وَكَانَ فِي مُقَامِهِ مَعَهَا مَفْسَدَةٌ أَوْ ضَيَاعُ مَصْلَحَةٍ، كَعَدَمِ تَعْلِيمِ الصَّبِيِّ الْقُرْآنَ، أَوْ حِرْفَةٍ حَيْثُ لاَ يَقُومُ مَقَامَ الأَْبِ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ، فَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَال الزَّرْكَشِيُّ تَمْكِينُ الأَْبِ مِنَ السَّفَرِ بِهِ، لاَ سِيَّمَا إِنِ اخْتَارَهُ الْوَلَدُ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَانَ سَفَرُ أَحَدِهِمَا - الْحَاضِنَةِ أَوِ الْوَلِيِّ - لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ فَلاَ تَسْقُطُ حَضَانَةُ الأُْمِّ، وَتَأْخُذُهُ مَعَهَا إِنْ سَافَرَتْ، وَيَبْقَى مَعَهَا إِنْ سَافَرَ الأَْبُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مَسَافَةُ السَّفَرِ سِتَّةَ بُرُدٍ أَمْ أَقُل أَمْ أَكْثَرَ عَلَى مَا قَالَهُ الأَُجْهُورِيُّ وَعَبْدُ الْبَاقِي، وَقَال إِبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ وَالْخَرَشِيُّ وَالْعَدَوِيُّ: لاَ تَأْخُذُ الْوَلَدَ مَعَهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ السَّفَرُ قَرِيبًا كَبَرِيدٍ، فَإِنْ بَعُدَ فَلاَ تَأْخُذُهُ، وَإِنْ كَانَتْ حَضَانَتُهَا بَاقِيَةً (١) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأُْمِّ الْحَاضِنَةِ الَّتِي فِي زَوْجِيَّةِ الأَْبِ أَوْ فِي عِدَّتِهِ الْخُرُوجُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ. أَمَّا إِنْ

_________

(١) الدسوقي ٢ / ٥٣١ - ٥٣٢، ومغني المحتاج ٣ / ٤٥٨ - ٤٥٩ وكشاف القناع ٥ / ٥٠٠ والمغني ٧ / ٦١٨ - ٦١٩ والإنصاف ٩ / ٤٢٧.

كَانَتْ مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ بِالْمَحْضُونِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فِي الأَْحْوَال الآْتِيَةِ:

١ - إِذَا خَرَجَتْ إِلَى بَلْدَةٍ قَرِيبَةٍ بِحَيْثُ يُمْكِنُ لأَِبِيهِ رُؤْيَتُهُ وَالْعَوْدَةُ فِي نَهَارِهِ عَلَى أَلاَّ يَكُونَ الْمَكَانُ الَّذِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ أَقَل حَالًا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي تُقِيمُ فِيهِ حَتَّى لاَ تَتَأَثَّرَ أَخْلاَقُ الصَّبِيِّ.

٢ - إِذَا خَرَجَتْ إِلَى مَكَان بَعِيدٍ مَعَ تَحَقُّقِ الشُّرُوطِ الآْتِيَةِ:

أ - أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ الَّذِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ وَطَنَهَا.

ب - أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ قَدْ عَقَدَ نِكَاحَهُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْبَلَدِ.

ج - أَلاَّ يَكُونَ الْمَكَانُ الَّذِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ دَارَ حَرْبٍ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا.

فَإِذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ جَازَ لَهَا السَّفَرُ بِالْمَحْضُونِ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ الْبَعِيدِ، لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنَ السَّفَرِ أَصْلًا هُوَ ضَرَرُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأَْبِ وَبَيْنَ وَلَدِهِ، وَقَدْ رَضِيَ بِهِ لِوُجُودِ دَلِيل الرِّضَا وَهُوَ التَّزَوُّجُ بِهَا فِي بَلَدِهَا لأَِنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي بَلَدِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقِيمُ فِيهِ، وَالْوَلَدُ مِنْ ثَمَرَاتِ النِّكَاحِ فَكَانَ رَاضِيًا بِحَضَانَةِ الْوَلَدِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَكَانَ رَاضِيًا بِالتَّفْرِيقِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِل بِوَلَدِهَا إِلَى بَلَدِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَقْدُ النِّكَاحِ قَدْ وَقَعَ فِيهِ، وَلاَ أَنْ تَنْتَقِل إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ عَقْدُ النِّكَاحِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَلَدَهَا، لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ دَلِيل الرِّضَا مِنَ الزَّوْجِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ الشَّرْطَيْنِ

عَلَى مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الأَْصْل، وَاعْتَبَرَ أَبُو يُوسُفَ مَكَانَ الْعَقْدِ فَقَطْ.

أَمَّا شَرْطُ أَلاَّ يَكُونَ الْمَكَانُ حَرْبِيًّا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِضْرَارٍ بِالصَّبِيِّ لأَِنَّهُ يَتَخَلَّقُ بِأَخْلاَقِ الْكُفَّارِ.

هَذَا إِذَا كَانَتِ الْحَاضِنَةُ هِيَ الأُْمَّ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا فَلاَ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ بِالصَّغِيرِ إِلَى أَيِّ مَكَان إِلاَّ بِإِذْنِ الأَْبِ لِعَدَمِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا

كَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلأَْبِ أَوِ الْوَلِيِّ أَخْذُ الصَّغِيرِ مِمَّنْ لَهُ الْحَضَانَةُ مِنَ النِّسَاءِ وَالاِنْتِقَال بِهِ مِنْ بَلَدِ أُمِّهِ بِلاَ رِضَاهَا مَا بَقِيَتْ حَضَانَتُهَا قَائِمَةً، وَلاَ يَسْقُطُ حَقُّهَا فِي الْحَضَانَةِ بِانْتِقَالِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَكَانُ الَّذِي يَنْتَقِل إِلَيْهِ قَرِيبًا أَمْ بَعِيدًا (١) .

أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ:

١٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحَاضِنَةَ لَهَا الْحَقُّ فِي طَلَبِ أُجْرَةٍ عَلَى الْحَضَانَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْحَاضِنَةُ أُمًّا أَمْ غَيْرَهَا، لأَِنَّ الْحَضَانَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الأُْمِّ، وَلَوِ امْتَنَعَتْ مِنَ الْحَضَانَةِ لَمْ تُجْبَرْ عَلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ. وَمُؤْنَةُ الْحَضَانَةِ تَكُونُ فِي مَال الْمَحْضُونِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، لأَِنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ، الْكِفَايَةِ كَالنَّفَقَةِ. وَالأُْجْرَةُ عَلَى الْحَضَانَةِ لِلأُْمِّ هِيَ أُجْرَةُ الْمِثْل، قَال الْحَنَابِلَةُ: وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعَةٍ بِالْحَضَانَةِ، لَكِنَّ

_________

(١) البدائع ٤ / ٤٤، وابن عابدين ٢ / ٦٤٢ - ٦٤٣.

الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا لَمْ تُوجَدْ مُتَبَرِّعَةٌ، وَلاَ مَنْ تَرْضَى بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، فَإِنْ وُجِدَتْ مُتَبَرِّعَةٌ أَوْ وُجِدَتْ مَنْ تَرْضَى بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل سَقَطَتْ حَضَانَةُ الأُْمِّ وَقِيل: إِنَّ حَضَانَةَ الأُْمِّ لاَ تَسْقُطُ وَتَكُونُ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ إِذَا طَلَبَتْ أُجْرَةَ الْمِثْل، وَإِنْ تَبَرَّعَتْ بِهَا أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ رَضِيَتْ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، وَهَذَا عَلَى مَا بَحَثَهُ أَبُو زُرْعَةَ (١) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْحَاضِنَةُ أُمًّا فِي عِصْمَةِ أَبِي الْمَحْضُونِ أَوْ مُعْتَدَّةً رَجْعِيَّةً مِنْهُ فَلاَ تَسْتَحِقُّ أُجْرَةً عَلَى الْحَضَانَةِ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهَا دِيَانَةً، لأَِنَّهُ يَكُونُ فِي مَعْنَى الرِّشْوَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أَيْضًا فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ.

وَإِنْ كَانَتِ الْحَاضِنَةُ غَيْرَ الأُْمِّ أَوْ كَانَتْ أُمًّا مُطَلَّقَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، أَوْ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ الْبَائِنِ فِي رِوَايَةٍ، فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ الأُْجْرَةَ مِنْ مَال الصَّغِيرِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلاَّ فَمِنْ مَال أَبِيهِ أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَهَذَا مَا لَمْ تُوجَدْ مُتَبَرِّعَةٌ، فَإِنْ وُجِدَتْ مُتَبَرِّعَةٌ بِالْحَضَانَةِ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَحْرَمٍ لِلْمَحْضُونِ فَإِنَّ الأُْمَّ تُقَدَّمُ عَلَيْهَا وَلَوْ طَلَبَتْ أَجْرًا، وَيَكُونُ لَهَا أَجْرُ الْمِثْل، وَإِنْ كَانَتِ الْمُتَبَرِّعَةُ مَحْرَمًا لِلْمَحْضُونِ فَإِنَّهُ يُقَال لِلأُْمِّ: إِمَّا أَنْ تُمْسِكِيهِ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٣٨، ٣٤٥ و٣ / ٤٥٢، وحاشية الشرواني ٨ / ٣٥٩، والجمل على شرح المنهج ٤ / ٥٢٠، وحاشية الرشيدي على نهاية المحتاج ٧ / ٢١٩، وكشاف القناع ٥ / ٤٩٦ - ٤٩٨ ونيل المآرب ٢ / ٣٠٧.

مَجَّانًا وَإِمَّا أَنْ تَدْفَعِيهِ لِلْمُتَبَرِّعَةِ، لَكِنَّ هَذَا مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ:

أ - إِعْسَارُ الأَْبِ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ أَمْ لاَ.

ب - يَسَارُ الأَْبِ مَعَ وُجُودِ مَالٍ لِلصَّغِيرِ صَوْنًا لِمَال الصَّغِيرِ، لأَِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ فِي مَال الصَّغِيرِ.

فَإِنْ كَانَ الأَْبُ مُوسِرًا وَلاَ مَال لِلصَّغِيرِ فَتُقَدَّمُ الأُْمُّ وَإِنْ طَلَبَتِ الأُْجْرَةَ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ أُجْرَةَ عَلَى الْحَضَانَةِ وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَال مَالِكٌ أَوَّلًا: يُنْفَقُ عَلَى الْحَاضِنَةِ مِنْ مَال الْمَحْضُونِ، قَال فِي الْمِنَحِ: وَالْخِلاَفُ إِذَا كَانَتِ الْحَاضِنَةُ غَنِيَّةً، أَمَّا إِذَا كَانَتْ فَقِيرَةً فَيُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَال الْمَحْضُونِ لِعُسْرِهَا لاَ لِلْحَضَانَةِ (٢) .

أُجْرَةُ مَسْكَنِ الْحَضَانَةِ:

١٧ - اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي وُجُوبِ أَجْرِ الْمَسْكَنِ لِلْحَاضِنَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَسْكَنِ الأَْبِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: عَلَى الأَْبِ سُكْنَى الْحَاضِنَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ نَجْمِ الأَْئِمَّةِ، وَبِمِثْلِهِ قَال أَبُو حَفْصٍ فَقَدْ سُئِل عَمَّنْ لَهَا إِمْسَاكُ الْوَلَدِ وَلَيْسَ لَهَا مَسْكَنٌ مَعَ الْوَلَدِ فَقَال: عَلَى الأَْبِ سُكْنَاهُمَا جَمِيعًا، وَاسْتَظْهَرَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ اللُّزُومَ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٦٣٦ - ٦٣٧ - ٦٣٨

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٤١٠، ومنح الجليل ٢ / ٤٥٩ - ٤٦٠.

وَقَال آخَرُونَ: تَجِبُ أُجْرَةُ السَّكَنِ لِلْحَاضِنَةِ إِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ، وَإِلاَّ فَعَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ.

وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَحْرِ أَنَّهُ لاَ تَجِبُ فِي الْحَضَانَةِ أُجْرَةُ الْمَسْكَنِ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ فِي النَّهْرِ، لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْجْرِ (أَيْ أَجْرِ الْحَضَانَةِ) لاَ يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الْمَسْكَنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبَانَ وَالطَّرَسُوسِيُّ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ - بَعْدَ نَقْلِهِ لِهَذِهِ الأَْقْوَال -: وَالْحَاصِل أَنَّ الأَْوْجَهَ لُزُومُ أُجْرَةِ الْمَسْكَنِ عَلَى مَنْ لَزِمَهُ نَفَقَةُ الْمَحْضُونِ، فَإِنَّ السَّكَنَ مِنَ النَّفَقَةِ، لَكِنَّ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْكَنٌ، أَمَّا لَوْ كَانَ لَهَا مَسْكَنٌ يُمْكِنُهَا أَنْ تَحْضُنَ فِيهِ الْوَلَدَ وَيَسْكُنَ تَبَعًا لَهَا فَلاَ تَجِبُ الأُْجْرَةُ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ هَذَا هُوَ الأَْرْفَقُ لِلْجَانِبَيْنِ فَلْيَكُنْ عَلَيْهِ الْعَمَل (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: مَا يَخُصُّ الْمَحْضُونَ مِنْ أُجْرَةِ الْمَسْكَنِ فَهُوَ عَلَى الأَْبِ بِاتِّفَاقٍ وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِيمَا يَخُصُّ الْحَاضِنَةَ مِنْ أُجْرَةِ الْمَسْكَنِ.

وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى أَنَّ أُجْرَةَ الْمَسْكَنِ عَلَى الأَْبِ لِلْمَحْضُونِ وَالْحَاضِنَةِ مَعًا.

وَقِيل: تُؤَدِّي الْحَاضِنَةُ حِصَّتَهَا مِنَ الْكِرَاءِ.

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٦٣٧

وَقِيل: تَكُونُ الأُْجْرَةُ عَلَى قَدْرِ الرُّءُوسِ فَقَدْ يَكُونُ الْمَحْضُونُ مُتَعَدِّدًا.

وَقِيل: لِلْحَاضِنَةِ السُّكْنَى بِالاِجْتِهَادِ، أَيْ عَلَى قَدْرِ مَا يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ (١) .

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدِ اعْتَبَرُوا السُّكْنَى مِنَ النَّفَقَةِ، فَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْحَاضِنَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِسْكَانُهَا (٢) .

سُقُوطُ الْحَضَانَةِ وَعَوْدُهَا:

١٨ - تَسْقُطُ الْحَضَانَةُ بِوُجُودِ مَانِعٍ مِنْهَا، أَوْ زَوَال شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ اسْتِحْقَاقِهَا، كَأَنْ تَتَزَوَّجَ الْحَاضِنَةُ بِأَجْنَبِيٍّ عَنِ الْمَحْضُونِ، وَكَأَنْ يُصَابَ الْحَاضِنُ بِآفَةٍ كَالْجُنُونِ وَالْعَتَهِ، أَوْ يَلْحَقَهُ مَرَضٌ يَضُرُّ بِالْمَحْضُونِ كَالْجُذَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ، أَوْ بِسَبَبِ سَفَرِ الْوَلِيِّ أَوِ الْحَاضِنِ حَسَبَ مَا هُوَ مُبِينٌ فِي مَكَانِهِ.

وَقَدْ تَسْقُطُ الْحَضَانَةُ بِسَبَبِ إِسْقَاطِ الْمُسْتَحِقِّ لَهَا.

كَذَلِكَ إِذَا أَسْقَطَ الْحَاضِنُ حَقَّهُ ثُمَّ عَادَ وَطَلَبَ أُجِيبَ إِلَى طَلَبِهِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ كَالنَّفَقَةِ.

وَإِذَا امْتَنَعَتِ الْحَضَانَةُ لِمَانِعٍ ثُمَّ زَال الْمَانِعُ كَأَنْ

_________

(١) الخرشي ٤ / ٢١٨، والدسوقي ٢ / ٥٣٣، والقوانين الفقهية / ٢٣٠.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٤٤٦، وكشاف القناع ٥ / ٤٦٠.

عَقَل الْمَجْنُونُ، أَوْ تَابَ الْفَاسِقُ، أَوْ شُفِيَ الْمَرِيضُ. . عَادَ حَقُّ الْحَضَانَةِ، لأَِنَّ سَبِيلَهَا قَائِمٌ وَأَنَّهَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ فَإِذَا زَال الْمَانِعُ عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلاَزِمِ طِبْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ (إِذَا زَال الْمَانِعُ عَادَ الْمَمْنُوعُ) . وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفْصِيلاَتِ.

فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ يَعُودُ بِطَلاَقِ الْمَنْكُوحَةِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَوْرَ الطَّلاَقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بَائِنًا أَمْ رَجْعِيًّا دُونَ انْتِظَارِ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ وَذَلِكَ لِزَوَال الْمَانِعِ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُزَنِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ يَعُودُ فَوْرَ الطَّلاَقِ الْبَائِنِ أَمَّا الطَّلاَقُ الرَّجْعِيُّ فَلاَ يَعُودُ حَقُّ الْحَضَانَةِ بَعْدَهُ إِلاَّ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ (١) .

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ زَوَال الْحَضَانَةِ لِعُذْرٍ اضْطِرَارِيٍّ وَبَيْنَ زَوَالِهَا لِعُذْرٍ اخْتِيَارِيٍّ. فَإِذَا سَقَطَتِ الْحَضَانَةُ لِعُذْرٍ اضْطِرَارِيٍّ لاَ يَقْدِرُ مَعَهُ الْحَاضِنُ عَلَى الْقِيَامِ بِحَال الْمَحْضُونِ كَمَرَضِ الْحَاضِنِ أَوْ سَفَرِ الْوَلِيِّ بِالْمَحْضُونِ سَفَرَ نُقْلَةٍ، أَوْ سَفَرِ الْحَاضِنَةِ لأَِدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، ثُمَّ زَال الْعُذْرُ بِشِفَاءِ الْحَاضِنَةِ مِنَ الْمَرَضِ، أَوْ عَوْدَةِ الْوَلِيِّ مِنَ السَّفَرِ، أَوْ عَوْدَتِهَا مِنْ أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، عَادَتِ الْحَضَانَةُ لِلْحَاضِنِ، لأَِنَّ الْمَانِعَ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٦٤٠، ومغني المحتاج ٣ / ٤٥٦ - ٤٥٩ والمهذب ٢ / ١٧٠ وكشاف القناع ٥ / ٤٩٨ - ٤٩٩ - ٥٠٠.

كَانَ هُوَ الْعُذْرَ الاِضْطِرَارِيَّ وَقَدْ زَال، وَإِذَا زَال الْمَانِعُ عَادَ الْمَمْنُوعُ.

وَإِذَا زَالَتِ الْحَضَانَةُ لِمَانِعٍ اخْتِيَارِيٍّ كَأَنْ تَتَزَوَّجَ الْحَاضِنَةُ بِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَحْضُونِ ثُمَّ طَلُقَتْ، أَوْ أَسْقَطَتِ الْحَاضِنَةُ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ بِإِرَادَتِهَا دُونَ عُذْرٍ، ثُمَّ أَرَادَتِ الْعَوْدَ لِلْحَضَانَةِ.

فَلاَ تَعُودُ الْحَضَانَةُ بَعْدَ زَوَال الْمَانِعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقٌّ لِلْحَاضِنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. وَقِيل: تَعُودُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقُّ الْمَحْضُونِ.

لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا كَانَتِ الْحَضَانَةُ لاَ تَعُودُ لِلْمُطَلَّقَةِ إِلاَّ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ مَنِ انْتَقَلَتْ لَهُ الْحَضَانَةُ رَدُّ الْمَحْضُونِ لِمَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ الْحَضَانَةُ، فَإِنْ كَانَ الرَّدُّ لِلأُْمِّ فَلاَ مَقَال لِلأَْبِ، لأَِنَّهُ نَقْلٌ لِمَا هُوَ أَفْضَل، وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ لأُِخْتِهَا مَثَلًا فَلِلأَْبِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، فَمَعْنَى أَنَّ الْحَضَانَةَ لاَ تَعُودُ، أَيْ لاَ تُجْبَرُ مَنِ انْتَقَلَتْ لَهَا الْحَضَانَةُ عَلَى رَدِّ الْمَحْضُونِ، وَلَهَا الرَّدُّ بِاخْتِيَارِهَا (١) .

انْتِهَاءُ الْحَضَانَةِ:

١٩ - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ النِّسَاءَ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنَ الرِّجَال فِي الْجُمْلَةِ، وَأَنَّ الْحَضَانَةَ عَلَى الصِّغَارِ تَبْدَأُ مُنْذُ الْوِلاَدَةِ، لَكِنَّ إِنْهَاءَ حَضَانَةِ النِّسَاءِ عَلَى الصِّغَارِ حَال افْتِرَاقِ الزَّوْجَيْنِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

_________

(١) الدسوقي على شرح الدردير ٢ / ٥٣٢ - ٥٣٣.

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَضَانَةَ النِّسَاءِ عَلَى الذَّكَرِ تَظَل حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ رِعَايَةِ النِّسَاءِ لَهُ فَيَأْكُل وَحْدَهُ، وَيَشْرَبُ وَحْدَهُ، وَيَلْبَسُ وَحْدَهُ، وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِسَبْعِ سِنِينَ - وَبِهِ يُفْتَى - لأَِنَّ الْغَالِبَ الاِسْتِغْنَاءُ عَنِ الْحَضَانَةِ فِي هَذِهِ السِّنِّ، وَقِيل تِسْعُ سِنِينَ.

وَتَظَل الْحَضَانَةُ عَلَى الأُْنْثَى قَائِمَةً حَتَّى تَبْلُغَ بِالْحَيْضِ أَوِ الاِحْتِلاَمِ أَوِ السِّنِّ، وَهَذَا كَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إِنْ كَانَتِ الْحَاضِنَةُ الأُْمَّ أَوِ الْجَدَّةَ، أَمَّا غَيْرُ الأُْمِّ وَالْجَدَّةِ فَإِنَّهُنَّ أَحَقُّ بِالصَّغِيرَةِ حَتَّى تُشْتَهَى، وَقُدِّرَ بِتِسْعِ سِنِينَ وَبِهِ يُفْتَى.

وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الأُْمِّ وَالْجَدَّةِ كَالْحُكْمِ فِي غَيْرِهِمَا، فَتَنْتَهِي حَضَانَةُ النِّسَاءِ مُطْلَقًا - أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا - عَلَى الصَّغِيرَةِ عِنْدَ بُلُوغِهَا حَدَّ الاِشْتِهَاءِ الَّذِي قُدِّرَ بِتِسْعِ سِنِينَ، وَالْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ.

فَإِذَا انْقَضَتْ حَضَانَةُ النِّسَاءِ فَلاَ يُخَيَّرُ الْمَحْضُونُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى بَل يُضَمُّ إِلَى الأَْبِ، لأَِنَّهُ لِقُصُورِ عَقْلِهِ يَخْتَارُ مَنْ عِنْدَهُ اللَّعِبُ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ خَيَّرُوا وَتَظَل وِلاَيَةُ الأَْبِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ إِلَى الْبُلُوغِ، فَإِذَا بَلَغَ الْغُلاَمُ مُسْتَغْنِيًا بِرَأْيِهِ مَأْمُونًا عَلَيْهِ فَيُخَيَّرُ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْمُقَامِ مَعَ وَلِيِّهِ، أَوْ مَعَ حَاضِنَتِهِ، أَوِ الاِنْفِرَادِ بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ الأُْنْثَى إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَوْ كَانَتْ بِكْرًا طَاعِنَةً فِي السِّنِّ وَلَهَا رَأْيٌ، فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ كَمَا يُخَيَّرُ الْغُلاَمُ.