الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
الْحَيَوَانِ مِنَ الْفِيل إِلَى النَّمْل وَالدُّودِ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ إِلاَّ الْخِنْزِيرَ فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالإِْجْمَاعِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى حُرْمَةِ الْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامِّ، كَابْنِ عَرَفَةَ وَالْقَرَافِيِّ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا بِالرِّوَايَةِ الأُْخْرَى فِي الْمَذْهَبِ.
ثُمَّ إِنَّ الْقَوْل بِحِل جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا وَذَلِكَ كَالْفَأْرِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ يُكْرَهُ إِنْ كَانَ يَصِل إِلَى النَّجَاسَةِ بِأَنْ تُحُقِّقَ أَوْ ظُنَّ وُصُولُهُ إِلَيْهَا، فَإِنْ شُكَّ فِي وُصُولِهِ إِلَيْهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَكَذَلِكَ إِنْ تُحُقِّقَ عَدَمُ وُصُولِهِ إِلَيْهَا مِنْ بَابٍ أَوْلَى. وَقَدْ شَهَرَ هَذَا الْقَوْل الدَّرْدِيرُ وَالْخَرَشِيُّ وَالْعَدَوِيُّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْل الْفَأْرِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يَصِل لِلنَّجَاسَةِ أَوْ لاَ، وَشَهَرَ هَذَا الْقَوْل الدُّسُوقِيُّ، وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ اسْتِظْهَارَ التَّحْرِيمِ، وَكَذَا جَوَازُ أَكْل الْحَيَّةِ عِنْدَهُمْ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يُؤْمَنَ سَمُّهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِالآْكِل مَرَضٌ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا بِسُمِّهَا. وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: يُكْرَهُ أَكْلُهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَذَكَرَ الأَُجْهُورِيُّ حُرْمَةَ أَكْل بِنْتِ عِرْسٍ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ: بِكَرَاهَةِ الْعَقْرَبِ عَلَى خِلاَفِ الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ (١) .
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ١١٥، حاشية العدوي على الخرشي ٣ / ٢٧، مواهب الجليل ٣ / ٢٣٠، ٢٣١، القوانين الفقهية ١١٥، ١١٦.
ثُمَّ إِنَّ لِلدُّودِ تَفْصِيلاَتٍ أُخْرَى وَأَحْكَامًا خَاصَّةً، وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدُّودِ الْمُتَوَلِّدِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَطْعِمَةٌ) . ف (٥٥) .
ب - بَيْعُ الْحَشَرَاتِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْحَشَرَاتِ الَّتِي لاَ نَفْعَ فِيهَا، إِذْ يُشْتَرَطُ فِي الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْفِئْرَانِ، وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ، وَالْخَنَافِسِ، وَالنَّمْل وَنَحْوِهَا، إِذْ لاَ نَفْعَ فِيهَا يُقَابَل بِالْمَال، أَمَّا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْحَشَرَاتِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ كَدُودِ الْقَزِّ، حَيْثُ يَخْرُجُ مِنْهُ الْحَرِيرُ الَّذِي هُوَ أَفْخَرُ الْمُلاَبِسِ، وَالنَّحْل حَيْثُ يُنْتِجُ الْعَسَل.
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ دُودِ الْعَلَقِ، لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ لِلتَّدَاوِي بِمَصِّهِ الدَّمَ، وَزَادَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ دُودَ الْقِرْمِزِ (١) . قَال: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دُودِ الْقَزِّ وَبَيْضِهِ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْحَال، وَدُودِ الْقَزِّ فِي الْمَآل.
كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْيَرْبُوعِ وَالضَّبِّ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُؤْكَل، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: بِجَوَازِ بَيْعِ الدِّيدَانِ لِصَيْدِ السَّمَكِ.
وَقَدْ عَدَّى الْحَنَفِيَّةُ الْحُكْمَ إِلَى هَوَامِّ الْبَحْرِ
_________
(١) نوع من الدود يكون في عصارته صبغ أحمر قان ويسمى ذلك الصبغ (القرمز) القاموس والمعجم الوسيط (قرمز) .
أَيْضًا، كَالسَّرَطَانِ وَنَحْوِهِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا عِنْدَهُمْ.
وَمَحَل عَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا لاَ يُؤْكَل مِنْهَا، وَأَمَّا مَا يُؤْكَل مِنْهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ لَمْ يُعْتَدْ أَكْلُهُ كَبَنَاتِ عِرْسٍ.
وَقَدْ وَضَعَ الْحَصْكَفِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ضَابِطًا لِبَيْعِ الْحَشَرَاتِ، فَقَال: إِنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ يَدُورُ مَعَ حِل الاِنْتِفَاعِ (١) .
ج - ذَكَاةُ الْحَشَرَاتِ:
٥ - اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِإِبَاحَةِ أَكْل الْحَشَرَاتِ أَوْ بَعْضِهَا عَلَى أَنَّهَا لاَ تَحِل إِذَا كَانَتْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ إِلاَّ بِالتَّذْكِيَةِ، فَإِنْ مَاتَتْ بِدُونِ تَذْكِيَةٍ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهَا، وَكَانَتْ مَيْتَةً كَسَائِرِ الْمَيْتَاتِ.
أَمَّا مَا لاَ نَفْسَ سَائِلَةَ لَهُ، كَالْجَرَادِ وَالْجُنْدُبِ (٢) فَمَا حَل أَكْلُهُ مِنْهَا لاَ تُشْتَرَطُ تَذْكِيَتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِإِبَاحَتِهِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بُدَّ مِنْ تَذْكِيَتِهِ وَتَحْصُل عِنْدَهُمْ بِأَيِّ فِعْلٍ يَمُوتُ بِهِ، مِنْ قَطْفِ رَأْسٍ، أَوْ قَلْيٍ، أَوْ شَيٍّ، أَوْ إِلْقَائِهِ فِي مَاءٍ بَارِدٍ، وَقَال سَحْنُونٌ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ إِلاَّ فِي مَاءٍ حَارٍّ، أَوْ بِقَطْعِ أَرْجُلِهِ أَوْ أَجْنِحَتِهِ، وَفِي تِلْكَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١١١، ٢١٥، مواهب الجليل ٤ / ٢٦٣، ٢٦٥، حواشي تحفة المحتاج ٤ / ٢٣٨، قليوبي وعميرة ٢ / ١٥٨، نهاية المحتاج ٣ / ٣٨٣، كشاف القناع ٣ / ١٥٢ وما بعدها، المغني ٤ / ٢٨٦.
(٢) الجندب نوع من الجراد.
الْحَالَةِ لاَ يُؤْكَل مَا قُطِعَ مِنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الرَّأْسَ أَوِ النِّصْفَ فَمَا فَوْقَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَل، وَلاَ بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ ذَكَاتِهَا، فَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ أَخْذِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ بَل لاَ بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ إِزْهَاقَ رُوحِهِ، وَأَنْ يُسَمِّيَ عِنْدَ ذَكَاتِهَا.
وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْفِعْل بِأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعَجِّل الْمَوْتَ، فَإِنْ لَمْ يُعَجِّل الْمَوْتَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ ذَكَاةٍ أُخْرَى بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ.
وَاعْتَمَدَ بَعْضُهُمُ الإِْطْلاَقَ أَيْ سَوَاءٌ عَجَّل الْفِعْل الْمَوْتَ أَمْ لاَ، وَهَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْخَرَشِيُّ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ مُحَشِّيهِ الْعَدَوِيُّ، وَضَعَّفَ قَيْدَ التَّعْجِيل، وَهُوَ مَا مَال إِلَيْهِ الدُّسُوقِيُّ.
وَقَدْ شَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَكَاةِ الْحَيَّةِ الذَّكَاةَ الَّتِي يُؤْمَنُ بِهَا السُّمُّ لِمَنْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ فِي حَلْقِهَا وَفِي قَدْرٍ خَاصٍّ مِنْ ذَنَبِهَا (١) . كَمَا هُوَ مُوَضَّحٌ فِي بَابِ الْمُبَاحِ عِنْدَهُمْ.
د - قَتْل الْحَشَرَاتِ:
٦ - قَتْل الْحَشَرَاتِ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ مُطْلَقًا، وَلاَ مَنْهِيًّا عَنْهُ مُطْلَقًا، فَقَدْ نَدَبَ الشَّارِعُ إِلَى قَتْل بَعْضِ الْحَشَرَاتِ، كَمَا أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْل بَعْضِهَا أَيْضًا.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٦ - ١٩٥، حاشية الدسوقي ٢ / ١١٤، ١١٥، مواهب الجليل ٣ / ٢٢٨، العدوي على الخرشي ٣ / ٢٥، ٢٧، الفواكه الدواني ١ / ٤٤٨، قليوبي وعميرة ٤ / ٢٤١، كشاف القناع ٦ / ٢٠٤، ٢٠٥.
مَا نُدِبَ قَتْلُهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ:
٧ - مِنَ الْمَنْدُوبِ قَتْلُهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ الْحَيَّةُ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا (١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُول: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ (٢) وَالأَْبْتَرَ (٣)، فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَل قَال عَبْدُ اللَّهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لأَِقْتُلَهَا، فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لاَ تَقْتُلْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْل الْحَيَّاتِ، فَقَال: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، وَهِيَ الْعَوَامِرُ. (٤)
_________
(١) حديث: " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرام. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٥٥ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٥٦ ط الحلبي) واللفظ لمسلم
(٢) الطفيتين: تثنية طفية بضم الطاء المهملة وسكون الفاء وهي خوصة المقل، والطفي خوص المقل، شبه به الخط الذي على ظهر الحية، وقال ابن عبد البر: يقال أن ذا الطفيتين جنس من الحيات يكون على ظهره خطان أبيضان (فتح الباري ٦ / ٣٤٨ ط مكتبة الرياض الحديثة) .
(٣) الأبتر: هو مقطوع الذنب، وقيل: الأبتر الحية القصيرة الذنب، قال الداودي: هو الأفعى التي تكون قدر شبر أو أكثر قليلا (فتح الباري ٦ / ٤٨ ط مكتبة الرياض الحديثة) .
(٤) حديث: " اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين ". أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٣٤٧ ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٧٥٢ - ١٧٥٣ ط الحلبي) واللفظ للبخاري
مِنْ أَجْل ذَلِكَ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ وَغَيْرِهَا، فَحَيَّاتُ غَيْرِ الْعُمْرَانِ تُقْتَل مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ لِبَقَائِهَا عَلَى الأَْمْرِ بِقَتْلِهَا، وَأَمَّا حَيَّاتُ الْبُيُوتِ فَتُنْذَرُ قَبْل قَتْلِهَا ثَلاَثًا (١) لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ لِبُيُوتِكُمْ عُمَّارًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلاَثًا، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَاقْتُلُوهُ (٢) .
وَلَمْ يُفَرِّقِ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهُمَا، قَال الطَّحَاوِيُّ: لاَ بَأْسَ بِقَتْل الْكُل، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَاهَدَ الْجِنَّ أَنْ لاَ يَدْخُلُوا بُيُوتَ أُمَّتِهِ، وَلاَ يُظْهِرُوا أَنْفُسَهُمْ، فَإِذَا خَالَفُوا فَقَدْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ فَلاَ حُرْمَةَ لَهُمْ. وَمَعَ ذَلِكَ فَالأَْوْلَى عِنْدَهُمُ الإِْمْسَاكُ عَمَّا فِيهِ عَلاَمَةُ الْجَانِّ لاَ لِلْحُرْمَةِ، بَل لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُتَوَهَّمِ مِنْ جِهَتِهِمْ.
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ الإِْنْذَارِ وَكَيْفِيَّتِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَيُسْتَحَبُّ كَذَلِكَ قَتْل الْوَزَغِ وَلَوْ لَمْ يَحْصُل مِنْهُ أَذِيَّةٌ، لِمَا رَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْل الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ
_________
(١) فتح القدير ١ / ٢٩٦ ط الأميرية، والفواكه الدواني ٢ / ٤٥٣، ٤٥٤، الفتاوى الحديثية ١٤ وما بعدها، الآداب الشرعية ٣ / ٣٦٥ وما بعدها، فتح الباري ٦ / ٣٤٧ وما بعدها، ونيل الأوطار ٨ / ١٢٦
(٢) حديث: " إن لبيوتكم عمارا فحرجوا عليهن ثلاثا. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧٥٧ ط الحلبي) والترمذي (٤ / ٧٧ ط الحلبي) واللفظ للترمذي
فُوَيْسِقًا. (١) وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْل الأَْوْزَاغِ. (٢)
وَمِنَ الْمُسْتَحَبِّ قَتْلُهُ كَذَلِكَ الْفَأْرُ (٣) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَتْل خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (٤)
وَمِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ يُسْتَحَبُّ قَتْل كُل مَا فِيهِ أَذًى مِنَ الْحَشَرَاتِ كَالْعَقْرَبِ، وَالْبُرْغُوثِ، وَالزُّنْبُورِ، وَالْبَقِّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْجَوَازِ (٥) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ سُئِل عَنْ حَشَرَاتِ الأَْرْضِ تُؤْذِي أَحَدًا فَقَال: مَا يُؤْذِيكَ فَلَكَ إِذَايَتُهُ قَبْل أَنْ يُؤْذِيَكَ (٦)
_________
(١) حديث سعد بن أبي وقاص: أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا. أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٣٥١ ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٧٥٨ ط الحلبي) واللفظ لمسلم
(٢) حديث أم شريك أنه أمرها بقتل الأوزاغ. أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٣٥١ ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٧٥٧ ط الحلبي)
(٣) الإقناع ٢ / ٢٣٥، الآداب الشرعية ٣ / ٣٦٢، ونيل الأوطار ٥ / ٢٦.
(٤) حديث عائشة: " أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق ". سبق تخريجه ف / ٧
(٥) الفواكه الدواني ٢ / ٤٥٥، فتح الباري ٦ / ٣٥٨، فتح القدير ١ / ٢٩٦ ط الأميرية، الإقناع ٢ / ٢٣٥، الآداب الشرعية ٣ / ٣٦٢، حياة الحيوان الكبرى ١ / ١٢٢، ٢ / ١٠، ١٤٣ ط المكتبة التجارية الكبرى
(٦) حديث: " ما يؤذيك فلك إذايته قبل أن يؤذيك ". أورده صاحب الفواكه الدواني (٢ / ٤٥٥ ط الحلبي) ولم يعزه إلى أحد، ولم يرو كذلك معزوا إلى أحد
٧ م - مَا يُكْرَهُ قَتْلُهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ:
كَرِهَ الشَّارِعُ قَتْل بَعْضِ الْحَشَرَاتِ كَالضُّفْدَعِ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ قَال: ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَوَاءً، وَذَكَرَ الضُّفْدَعَ يُجْعَل فِيهِ، فَنَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْل الضُّفْدَعِ (١) .
وَقَال صَاحِبُ الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ (٢): ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ.
وَكَرِهَ قَتْل النَّمْل وَالنَّحْل، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْل أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ (٣) .
وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ النَّمْل فِي حَالَةِ الأَْذِيَّةِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ قَتْلُهُ.
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ، فَأَجَازُوا قَتْل النَّمْل بِشَرْطَيْنِ: أَنْ تُؤْذِيَ، وَأَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى تَرْكِهَا، وَكَرِهُوهُ عِنْدَ الإِْذَايَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَرْكِهَا، وَمَنَعُوهُ عِنْدَ عَدَمِ الإِْذَايَةِ، وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الإِْذَايَةِ فِي الْبَدَنِ أَوِ الْمَال.
_________
(١) حديث: نهى عن قتل الضفدع. أخرجه النسائي (٧ / ٤٢٠ ط المكتبة التجارية) والحاكم (٤ / ٤١١ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي
(٢) الآداب الشرعية ٣ / ٣٦٩
(٣) حديث: " نهى عن قتل أربع من الدواب ". أخرجه أبو داود (٥ / ٤١٨ - ٤١٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وجود إسناده ابن مفلح المقدسي في " الآداب الشرعية " (٣ / ٣٧٣ - ط المنار) .
وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ قَتْل الْحَشَرَاتِ، لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ شَرَطُوا لِجَوَازِ قَتْل الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ أَنْ يَقْصِدَ الْقَاتِل بِالْقَتْل دَفْعَ الإِْيذَاءِ لاَ الْعَبَثَ، وَإِلاَّ مُنِعَ حَتَّى الْفَوَاسِقُ الْخَمْسُ الَّتِي يُبَاحُ قَتْلُهَا فِي الْحِل وَالْحَرَمِ.
وَقَسَمَ الشَّافِعِيَّةُ الْحَشَرَاتِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
الأَْوَّل: مَا هُوَ مُؤْذٍ مِنْهَا طَبْعًا، فَيُنْدَبُ قَتْلُهُ كَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ الرَّسُول ﷺ بِقَتْل خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (١) وَأُلْحِقَ بِهَا الْبُرْغُوثُ وَالْبَقُّ وَالزُّنْبُورُ، وَكُل مُؤْذٍ.
الثَّانِي: مَا يَنْفَعُ وَيَضُرُّ فَلاَ يُسَنُّ قَتْلُهُ وَلاَ يُكْرَهُ.
الثَّالِثُ: مَا لاَ يَظْهَرُ فِيهِ نَفْعٌ وَلاَ ضَرَرَ كَالْخَنَافِسِ، وَالْجُعْلاَنِ، وَالسَّرَطَانِ فَيُكْرَهُ قَتْلُهُ.
وَيَحْرُمُ عِنْدَهُمْ قَتْل النَّمْل السُّلَيْمَانِيِّ، وَالنَّحْل وَالضُّفْدَعِ، أَمَّا غَيْرُ السُّلَيْمَانِيِّ، وَهُوَ الصَّغِيرُ الْمُسَمَّى بِالذَّرِّ، فَيَجُوزُ قَتْلُهُ بِغَيْرِ الإِْحْرَاقِ، وَكَذَا بِالإِْحْرَاقِ إِنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ قَتْل كُل مَا كَانَ طَبْعُهُ الأَْذَى مِنَ الْحَشَرَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَذًى قِيَاسًا عَلَى الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، فَيُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ قَتْل الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ كَالْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالزُّنْبُورِ، وَالْبَقِّ، وَالْبَعُوضِ،
_________
(١) الحديث سبق تخريجه ف / ٧
وَالْبَرَاغِيثِ، وَأَمَّا مَا لاَ يُؤْذِي بِطَبْعِهِ كَالدِّيدَانِ، فَقِيل: يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَقِيل: يُكْرَهُ، وَقِيل: يَحْرُمُ.
وَقَدْ نَصُّوا عَلَى كَرَاهَةِ قَتْل النَّمْل إِلاَّ مِنْ أَذِيَّةٍ شَدِيدَةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُنَّ، وَكَذَا الْقُمَّل (١) .
مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ:
٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامَّ لاَ تَدْخُل فِي الصَّيْدِ الْوَارِدِ تَحْرِيمُهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) .
وَذَلِكَ لِعَدَمِ امْتِنَاعِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، حَيْثُ إِنَّهُمْ شَرَطُوا فِي الصَّيْدِ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا بِجَنَاحِهِ أَوْ قَوَائِمِهِ، وَلِكَوْنِهَا غَيْرَ مَأْكُولَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حَيْثُ إِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الصَّيْدِ أَنْ يَكُونَ مَأْكُولًا.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَحِل قَتْل مَا لاَ يُؤْذِي مِنَ الْحَشَرَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبُوا فِيهَا الْجَزَاءَ، كَمَا أَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ فِي قَتْل الْقُمَّل وَالْجَرَادِ الْجَزَاءَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، فَفِي الْقَلِيل التَّصَدُّقُ بِمَا شَاءَ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ فِي الثَّلاَثِ فَمَا دُونَهَا، وَفِي الْكَثِيرِ نِصْفُ صَاعٍ.
_________
(١) تبيين الحقائق ٢ / ٦٦، بدائع الصنائع ٢ / ١٩٦، والفواكه الدواني ٢ / ٤٥٥، ٤٥٦، حاشية الجمل ٥ / ٢٧٣، نهاية المحتاج ٣ / ٣٤٣، ٣٤٤ ط مصطفى الحلبي، كشاف القناع ٢ / ٤٣٩، الإقناع ٢ / ٢٣٥
(٢) سورة المائدة / ٩٥