الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 55

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

وَلاَ يَزَال فِي كَمَدٍ وَغَمٍّ، إِذْ أَعْدَاؤُهُ لاَ يُخَلِّيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نِعَمٍ يُفِيضُهَا عَلَيْهِمْ، فَلاَ يَزَال يَتَعَذَّبُ بِكُل نِعْمَةٍ يَرَاهَا، وَيَتَأَلَّمُ بِكُل بَلِيَّةٍ تَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيَبْقَى مَغْمُومًا مَحْرُومًا مُتَشَعِّبَ الْقَلْبِ ضَيِّقَ الصَّدْرِ قَدْ نَزَل بِهِ مَا يَشْتَهِيهِ الأَْعْدَاءُ لَهُ وَيَشْتَهِيهِ لأَِعْدَائِهِ، فَقَدْ كَانَ يُرِيدُ الْمِحْنَةَ لِعَدُوِّهِ فَتَنَجَّزَتْ فِي الْحَال مِحْنَتُهُ وَغَمُّهُ نَقْدًا، وَمَعَ هَذَا فَلاَ تَزُول النِّعْمَةُ عَنِ الْمَحْسُودِ بِحَسَدِهِ.

وَأَمَّا أَنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ فَوَاضِحٌ، لأَِنَّ النِّعْمَةَ لاَ تُزَال عَنْهُ بِالْحَسَدِ، بَل مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إِقْبَالٍ وَنِعْمَةٍ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَدُومَ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَلاَ حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ، بَل كُل شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ، وَلِكُل أَجَلٍ كِتَابٌ، وَمَهْمَا لَمْ تَزُل النِّعْمَةُ بِالْحَسَدِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَحْسُودِ ضَرَرٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ يَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمٌ فِي الآْخِرَةِ، وَأَمَّا أَنَّ الْمَحْسُودَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَوَاضِحٌ (١) .

الْقَدْرُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ مِنَ الْحَسَدِ وَعَكْسُهُ وَمَا فِيهِ خِلاَفٌ:

١٢ - ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْمَرْءَ لاَ يُمْكِنُهُ نَفْيُ الْحَسَدِ عَنْ قَلْبِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَل يَبْقَى دَائِمًا فِي نِزَاعٍ مَعَ قَلْبِهِ، لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَسَدِ

_________

(١) إحياء علوم الدين ٣ / ١٩٣ - ١٩٥ طبعة الحلبي.

لأَِعْدَائِهِ، وَذَكَرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ لِلشَّخْصِ فِي أَعْدَائِهِ ثَلاَثَةَ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يُحِبَّ مَسَاءَتَهُمْ بِطَبْعِهِ، وَيَكْرَهَ حُبَّهُ لِذَلِكَ وَمَيْل قَلْبِهِ إِلَيْهِ بِعَقْلِهِ، وَيَمْقُتَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، وَيَوَدَّ لَوْ كَانَتْ لَهُ حِيلَةٌ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ الْمَيْل مِنْهُ، وَهَذَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ قَطْعًا، لأَِنَّهُ لاَ يَدْخُل تَحْتَ الاِخْتِيَارِ أَكْثَرُ مِنْهُ.

الثَّانِي: أَنْ يُحِبَّ ذَلِكَ وَيُظْهِرَ الْفَرَحَ بِمَسَاءَتِهِ إِمَّا بِلِسَانِهِ أَوْ بِجَوَارِحِهِ فَهَذَا. هُوَ الْحَسَدُ الْمَحْظُورُ قَطْعًا.

الثَّالِثُ: وَهُوَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَنْ يَحْسُدَ بِالْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ مَقْتٍ لِنَفْسِهِ عَلَى حَسَدِهِ، وَمِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ مِنْهُ عَلَى قَلْبِهِ، وَلَكِنْ يَحْفَظُ جَوَارِحَهُ عَنْ طَاعَةِ الْحَسَدِ فِي مُقْتَضَاهُ، وَهَذَا فِي مَحَل الْخِلاَفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَخْلُو عَنْ إِثْمٍ بِقَدْرِ قُوَّةِ ذَلِكَ الْحُبِّ وَضَعْفِهِ (١) .

عِلاَجُ الْمَحْسُودِ مِمَّا لَحِقَ بِهِ مِنْ أَذًى بِسَبَبِ الْحَسَدِ:

١٣ - الْمَقْصُودُ بِالْعِلاَجِ هُنَا الْعِلاَجُ النَّبَوِيُّ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ:

أَحَدُهَا: الإِْكْثَارُ مِنَ التَّعَوُّذِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِرَاءَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَالتَّعَوُّذَاتِ النَّبَوِيَّةِ، نَحْوِ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ.

_________

(١) إحياء علوم الدين ٣ / ١٩٦ ط الحلبي.

الثَّانِي: الرُّقَى: وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا رُقْيَةُ جِبْرِيل ﵇ لِلنَّبِيِّ ﷺ الَّتِي رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَهِيَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُل شَيْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرِّ كُل نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ. (١)

هَذَا وَمِمَّا يُدْفَعُ بِهِ ضَرَرُ الْحَاسِدِ عَنْ غَيْرِهِ دُعَاؤُهُ لِغَيْرِهِ بِالْبَرَكَةِ وَقَوْلَةُ: مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ لِعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ (٢) وَكَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَال: مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ، لَمْ يَضُرَّهُ. (٣)

وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ، أَوْ دَخَل حَائِطًا مِنْ حِيطَانِهِ قَال: مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ (٤)

_________

(١) حديث رقية جبريل: " بسم الله أرقيك. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧١٩ ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري.

(٢) حديث: " إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١١٦٠ ط الحلبي) وصححه ابن حبان (٧ / ٦٣٥ ط دار الكتب العلمية) .

(٣) حديث: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة. . . ". أورده الهيثمي في المجمع (٥ / ١٠٩ ط القدسي) من حديث أنس، وقال: " رواه البزار من رواية أبي بكر الهزلي، وأبو بكر ضعيف جدا ".

(٤) زاد المعاد ٣ / ١١٩ ط الحلبي، وتبيين الحقائق مع حاشية الشلبي ٦ / ١٦ - ١٧ ط بولاق، وابن عابدين ٥ / ٢٣٢ - ٢٣٣.

الآْثَارُ الْفِقْهِيَّةُ:

١٤ - إِذَا أَدَّى الْحَسَدُ إِلَى التَّلَفِ أَوِ الْقَتْل أَوِ اعْتَرَفَ الْحَاسِدُ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْعَيْنِ فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ خِلاَفٌ. فَقَال الْقُرْطُبِيُّ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: لَوْ أَتْلَفَ الْعَائِنُ شَيْئًا ضَمِنَهُ، وَلَوْ قَتَل فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ، إِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، بِحَيْثُ يَصِيرُ عَادَةً، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَالسَّاحِرِ. وَتَذْكُرُ كُتُبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْعَائِنَ إِذَا أَصَابَ غَيْرَهُ بِالْعَيْنِ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْعَيْنِ فَلاَ قِصَاصَ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ حَقًّا، لأَِنَّهُ لاَ يُفْضِي إِلَى الْقَتْل غَالِبًا، وَلاَ يُعَدُّ مُهْلِكًا، وَلاَ دِيَةَ فِيهِ وَلاَ كَفَّارَةَ، لأَِنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُنْضَبِطٍ عَامٍّ دُونَ مَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ النَّاسِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال، فَمَا لاَ انْضِبَاطَ لَهُ كَيْفَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ فِعْلٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا غَايَتُهُ حَسَدٌ وَتَمَنٍّ لِزَوَال النِّعْمَةِ (١) .

_________

(١) فتح الباري ١٠ / ٢٠٥ ط الرياض، أسنى المطالب ٤ / ٨٣ ط الميمنية، روضة الطالبين ٩ / ٣٤٨ المكتب الإسلامي، ومصطلح: (عين) .

حَسْمٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحَسْمُ فِي اللُّغَةِ: يَأْتِي بِمَعْنَى الْقَطْعِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي شَأْنِ السَّارِقِ: اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ (١) أَيِ اكْوُوهُ لِيَنْقَطِعَ الدَّمُ، وَحَسَمَ الْعِرْقَ: قَطَعَهُ، ثُمَّ كَوَاهُ لِئَلاَّ يَسِيل دَمُهُ.

وَيَأْتِي الْحَسْمُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَنْعِ (٢) .

وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَغْمِسَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ فِي السَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا فِي زَيْتٍ أَوْ دُهْنٍ مَغْلِيٍّ، أَوِ الْكَيُّ بِحَدِيدَةٍ مُحْمَاةٍ لِتَنْسَدَّ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ وَيَنْقَطِعَ الدَّمُ (٣) .

_________

(١) حديث: " اقطعوه ثم احسموه ". أخرجه الدارقطني (٣ / ١٠٢ ط دار المحاسن) والبيهقي (٨ / ٢٧١ ط دار المعارف العثمانية)، ورجح البيهقي وغيره إرساله من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، كما في التلخيص الحبير لابن حجر (٤ / ٦٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٢) لسان العرب المحيط، ومختار الصحاح، والمصباح المنير، والمغرب للمطرزي مادة " حسم ".

(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٠٦ ط دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير ٥ / ١٥٤ ط دار إحياء التراث العربي، والزرقاني ٨ / ٩٢ ط دار الفكر، ومواهب الجليل ٦ / ٣٠٥ ط دار الفكر، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٣٢ ط دار الفكر، وروضة الطالبين ١٠ / ١٤٩، ١٥٠، ١٦٧، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٦٧، و٨ / ٦، والمغني ٨ / ٢٦٠ ط الرياض.

حُكْمُ الْحَسْمِ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْحَدِّ إِلَى وُجُوبِ الْحَسْمِ، وَإِلَى أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ حَدِّ السَّرِقَةِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْسَمِ الْعُضْوَ الْمَقْطُوعَ مِنَ الْيَدِ أَوِ الرِّجْل يُؤَدِّي إِلَى التَّلَفِ.

وَالْحَدُّ زَاجِرٌ لاَ مُتْلِفٌ. فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَ الإِْمَامُ الْحَسْمَ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ آثِمٌ إِنْ تَعَمَّدَ (١) .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ لاَ يَكُونَ الْحَسْمُ مِنْ تَمَامِ حَدِّ السَّرِقَةِ، بَل يَكُونُ وَاجِبًا مُسْتَقِلًّا وَعَلَى الْكِفَايَةِ يَقُومُ بِهِ الإِْمَامُ، أَوِ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ، أَوْ غَيْرُهُمَا (٢) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ، أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، لأَِنَّهُ حَقٌّ لِلْمَقْطُوعِ، وَنَظَرٌ لَهُ، وَتَدَاوٍ يَدْفَعُ بِهِ الْهَلاَكَ بِسَبَبِ نَزْفِ الدَّمِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَهُ الإِْمَامُ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ، لاَ مُدَاوَاةَ الْمَحْدُودِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَقْطُوعِ حَسْمُ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل لَمْ يَأْثَمْ، لأَِنَّ فِي الْحَسْمِ أَلَمًا شَدِيدًا، وَقَدْ يُهْلِكُ الضَّعِيفَ، وَالْمُدَاوَاةُ بِمِثْل هَذَا لاَ تَجِبُ بِحَالٍ (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٠٦، وفتح القدير ٥ / ١٥٤، ١٥٥، ومواهب الجليل ٦ / ٣٠٥، ٣٠٦، والزرقاني ٨ / ٩٢، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٣٢.

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٣٢.

(٣) روضة الطالبين ١٠ / ١٦٧ ط المكتب الإسلامي و٩ / ٢٢٣، ونهاية المحتاج ط مصطفى البابي الحلبي، والمغني ٨ / ٢٦٠، ٤٦٧. وترى اللجنة أن حسم اليد المقطوعة أو غيرها كما يتم بالنار والزيت المغلي وما في معناهما يمكن أن يتم بوسائل حديثة أكثر أمنا وأقل ألما.

مَئُونَةُ الْحَسْمِ:

٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ ثَمَنَ زَيْتِ الْحَسْمِ، وَكَذَا ثَمَنُ حَطَبٍ وَأُجْرَةُ إِنَاءٍ يَغْلِي فِيهِ الزَّيْتُ عَلَى السَّارِقِ، لأَِنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ (١) .

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ بِأَنَّ الزَّيْتَ يَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَال (٢)، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ الْقَاطِعَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَال (٣) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٤ - قَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْحَسْمِ فِي الْحُدُودِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ السَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ (٤) .

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٠٦.

(٢) روضة الطالبين ١٠ / ١٦٧، ٩ / ٢٢٣، والمغني ٨ / ٢٦٠.

(٣) ترى اللجنة أنه إذا أجريت له عملية جراحية أو غيرها يقع هذا الخلاف في تكاليف العملية على من تكون.

(٤) المراجع السابقة.

حَشَرَاتٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحَشَرَاتُ: صِغَارُ دَوَابِّ (١) الأَْرْضِ، وَصِغَارُ هَوَامِّهَا (٢)، وَالْوَاحِدَةُ حَشَرَةٌ بِالتَّحْرِيكِ.

وَقِيل الْحَشَرَاتُ: هَوَامُّ الأَْرْضِ مِمَّا لاَ سُمَّ لَهُ.

قَال الأَْصْمَعِيُّ: الْحَشَرَاتُ وَالأَْحْرَاشُ

_________

(١) الدواب جمع دابة: والدابة: اسم لكل حيوان في الأرض، وخالف فيه بعضهم فأخرج الطير من الدواب، ورد بالسماع وهو قوله تعالي: (والله خلق كل دابة من ماء) سورة النور / ٤٥ قالوا: أي خلق الله كل حيوان مميزا كان أو غير مميز، وهو يقع على المذكر والمؤنث. وأما تخ والقاموس المحيط والمصباح المنير مادة: " دبب "، والكليات ٢ / ٣٢٠، ٣٣٦، ودستور العلماء ٢ / ٩٨.

(٢) الهامة في اللغة ما له سم يقتل كالحية، قاله الأزهري والجمع الهوام مثل دابة ودواب، وقد تطلق الهوام على ما يقتل كالحشرات، ومنه حديث كعب بن عميرة. وقد قال له ﵊: " أيوذيك هوام رأسك؟ " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٦ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٨٦٠ ط الحلبي) واللفظ لمسلم، والمراد العمل على الاستعارة بجامع الأذى ويستعملها الفقهاء بالمعنى نفسه (المصباح المنير) مادة: " همم ".

وَالأَْحْنَاشُ وَاحِدٌ، وَهُوَ هَوَامُّ الأَْرْضِ، وَقِيل مِنَ الْحَشَرَاتِ: الْفَأْرُ وَالْيَرْبُوعُ وَالضَّبُّ وَنَحْوُهَا (١) .

أ - أَكْل الْحَشَرَاتِ:

٢ - لِلْفُقَهَاءِ فِي أَكْل الْحَشَرَاتِ اتِّجَاهَانِ:

الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: هُوَ حُرْمَةُ أَكْل جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ، لاِسْتِخْبَاثِهَا وَنُفُورِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ مِنْهَا، وَفِي التَّنْزِيل فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢) وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْجَرَادَ فَإِنَّهُ مِمَّا أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى حِل أَكْلِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَال (٣) وَزَادَ

_________

(١) القاموس المحيط ولسان العرب والمصباح المنير مادة: " حشر " وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢١٩، المغرب ص ١١٦، حياة الحيوان الكبرى ١ / ٢٣٤ ط مطبعة الاستقامة بالقاهرة. والحشرة عند علماء الحيوان: كل كائن يقطع في خلقه ثلاثة أطوار، يكون بيضة، فدودة، ففراشة، وهي من المفصليات لها ثلاثة أزواج من القوائم دائما، وله زوج أو زوجان من الأجنحة في الغالب، وفي جسم الحشرة ثلاثة أجزاء: رأس وصدر وبطن. فالحشرة عندهم تختلف عما ف لسان العرب المحيط، الوسيط، مادة حشر) .

(٢) سورة الأعراف / ١٥٧.

(٣) حديث: " أحلت لنا ميتتان ودمان. . . " أخرجه أحمد (٢ / ٩٧ ط الميمنية) والبيهقي (١ / ٢٥٤ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عمر وصوب البيهقي وقفه على ابن عمر، وقال ابن حجر في التلخيص (١ / ٢٦ ط شركة المحاسن): " الرواية الموقوفة في حكم المرفوع ".

الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الضَّبَّ، فَإِنَّهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ الَّتِي يُبَاحُ أَكْلُهَا عِنْدَهُمْ، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: قَال: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَرَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَهُ فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَال خَالِدٌ: فَاجْتَزَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى حُرْمَتِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أَطْعِمَةٌ) ف (٥٤) .

وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا الْيَرْبُوعَ وَالْوَبَرَ فَقَالُوا: بِإِبَاحَةِ أَكْلِهِمَا، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَيْهِمَا أُمَّ حُبَّيْنِ، وَالْقُنْفُذَ، وَبِنْتَ عِرْسٍ فَيُبَاحُ أَكْلُهَا (٢) .

٣ - الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: حِل جَمِيعِ أَصْنَافِ الْحَشَرَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ فِي الأَْصْل إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ، ثُمَّ انْعَقَدَ الْمَذْهَبُ عَلَيْهَا.

قَال الطُّرْطُوشِيُّ: انْعَقَدَ الْمَذْهَبُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْعِرَاقِيِّينَ، أَنَّهُ يُؤْكَل جَمِيعُ

_________

(١) حديث ابن عباس: في أكل الضب. أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٦٣ - ط السلفية) .

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٩٣ وما بعدها، بدائع الصنائع ٥ / ٣٦، ٣٧، الخانية بهامش الفتاوى الهندية ٣ / ٣٥٨، حواشي الشرواني وابن القاسم على تحفة المحتاج ٩ / ٣٨٣، قليوبي وعميرة ٤ / ٢٦٠، كشاف القناع ٦ / ١٩١، ١٩٢، والإنصاف ١٠ / ٣٥٨.