الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
الْحَسَدِ هِيَ أَنَّ الْحَسَدَ نَوْعٌ مِنْهُ كَمَا ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ (١) .
ب الْحِقْدُ:
٣ - الْحِقْدُ فِي اللُّغَةِ الاِنْطِوَاءُ عَلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حَقَدَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَفِي لُغَةٍ مِنْ بَابِ تَعِبَ وَجَمْعُهُ أَحْقَادٌ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ طَلَبُ الاِنْتِقَامِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْغَضَبَ إِذَا لَزِمَ كَظْمُهُ لِعَجْزٍ عَنِ التَّشَفِّي فِي الْحَال رَجَعَ إِلَى الْبَاطِنِ وَاحْتَقَنَ فِيهِ فَصَارَ حِقْدًا. وَسُوءُ الظَّنِّ فِي الْقَلْبِ عَلَى الْخَلاَئِقِ لأَِجْل الْعَدَاوَةِ فَهُوَ ثَمَرَةُ الْغَضَبِ، وَالْحَسَدُ ثَمَرَتُهُ، لأَِنَّ الْحِقْدَ يُثْمِرُ ثَمَانِيَةَ أُمُورٍ مِنْ بَيْنِهَا الْحَسَدُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي الإِْحْيَاءِ أَنَّ الْحِقْدَ يَحْمِل صَاحِبَهُ عَلَى تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَةِ عَنْ عَدُوِّهِ فَيَغْتَمُّ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ وَيُسَرُّ بِالْمُصِيبَةِ الَّتِي تَنْزِل بِهِ (٢) .
ج - الشَّمَاتَةُ:
٤ - الشَّمَاتَةُ فِي اللُّغَةِ الْفَرَحُ بِمَا يَنْزِل بِالْغَيْرِ مِنَ الْمَصَائِبِ، وَالشَّمَاتَةُ وَالْحَسَدُ يَتَلاَزَمَانِ، لأَِنَّ الْحَسُودَ يَفْرَحُ بِمَصَائِبِ الْغَيْرِ (٣) .
_________
(١) المصباح مادة منى، التعريفات للجرجاني / ٩٢ ط العربي، والمنثور ١ / ٤٠٢ ط الأولى.
(٢) المصباح مادة: " حقد "، التعريفات للجرجاني / ١٢١، ط العربي، وإحياء علوم الدين ٣ / ١٧٧ ط الحلبي.
(٣) المصباح مادة: " شمت " وإحياء علوم الدين ٣ / ١٨٦ ط الحلبي.
د - عَيْنٌ:
٥ - الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الإِْصَابَةُ بِالْعَيْنِ الَّتِي يُسَمَّى صَاحِبُهَا عَائِنًا، يُقَال تَعَيَّنَ الرَّجُل الْمَال إِذَا أَصَابَهُ بِعَيْنٍ، وَعِنْتُ الرَّجُل أَصَبْتُهُ بِعَيْنِي، فَأَنَا عَائِنٌ وَهُوَ مَعِينٌ وَمَعْيُونٌ (١) .
وَالْحَاسِدُ وَالْعَائِنُ يَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَتَكَيَّفُ نَفْسُهُ وَتَتَوَجَّهُ نَحْوَ مَنْ تُرِيدُ أَذَاهُ، إِلاَّ أَنَّ الْعَائِنَ تَتَكَيَّفُ نَفْسُهُ عِنْدَ مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ وَالْمُعَايَنَةِ، وَالْحَاسِدُ يَحْصُل جَسَدُهُ فِي الْغَيْبَةِ وَالْحُضُورِ، وَأَيْضًا الْعَائِنُ قَدْ تُزَال مَا لاَ يَحْسُدُهُ مِنْ حَيَوَانٍ وَزَرْعٍ وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْفَكُّ مِنْ حَسَدِ مَالِكِهِ (٢) .
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الْحَسَدُ أَصْل الإِْصَابَةِ بِالْعَيْنِ. وَقَدْ يَعْيِنُ الرَّجُل نَفْسَهُ، وَقَدْ يَعِينُ بِغَيْرِ إِرَادَتِهِ بَل بِطَبْعِهِ وَهَذَا أَرْدَأُ مَا يَكُونُ مِنَ النَّوْعِ الإِْنْسَانِيِّ (٣) .
هـ - الْغِبْطَةُ:
٦ - الْغِبْطَةُ تُسَمَّى حَسَدًا مَجَازًا، وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ حُسْنُ الْحَال، وَهِيَ اسْمٌ مِنْ غَبَطْتَهُ غَبْطًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ إِذَا تَمَنَّيْتَ مِثْل مَا نَالَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُرِيدَ زَوَالَهُ عَنْهُ لِمَا أَعْجَبَكَ مِنْهُ وَعَظُمَ عِنْدَكَ (٤) .
وَأَمَّا مَعْنَاهَا فِي الاِصْطِلاَحِ فَهُوَ كَمَعْنَاهَا فِي
_________
(١) الصحاح مادة: " عين ".
(٢) روح المعاني ٣٠ / ٣٦٤ ط الفكر.
(٣) زاد المعاد ٣ / ١١٨ ط الحلبي، ابن عابدين ٥ / ٢٣٣ ط بولاق.
(٤) الصحاح والقاموس والمصباح مادة: " غبط ".
اللُّغَةِ، أَيْ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْل مَا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُول عَنْهُ، وَالْحِرْصُ عَلَى هَذَا يُسَمَّى مُنَافَسَةً، فَإِنْ كَانَ فِي الطَّاعَةِ فَهُوَ مَحْمُودٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الْجَائِزَاتِ فَهُوَ مُبَاحٌ (١) .
أَسْبَابُ الْحَسَدِ:
٧ - سَبَبُ الْحَسَدِ أَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ التَّرَفُّعِ عَلَى الْجِنْسِ، فَإِذَا رَأَى لِغَيْرِهِ مَا لَيْسَ لَهُ أَحَبَّ أَنْ يَزُول ذَلِكَ عَنْهُ إِلَيْهِ لِيَرْتَفِعَ عَلَيْهِ أَوْ مُطْلَقًا لِيُسَاوِيَهُ (٢) .
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الإِْحْيَاءِ سَبْعَةَ أَسْبَابٍ لِلْحَسَدِ:
السَّبَبُ الأَْوَّل: الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ، وَهَذَا أَشَدُّ أَسْبَابِ الْحَسَدِ، فَإِنَّ مَنْ آذَاهُ شَخْصٌ بِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ وَخَالَفَهُ فِي غَرَضٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ أَبْغَضَهُ قَلْبُهُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ، وَرَسَخَ فِي نَفْسِهِ الْحِقْدُ. وَالْحِقْدُ يَقْتَضِي التَّشَفِّيَ وَالاِنْتِقَامَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَنْ يَتَشَفَّى بِنَفْسِهِ أَحَبَّ أَنْ يَتَشَفَّى مِنْهُ الزَّمَانُ.
السَّبَبُ الثَّانِي: التَّعَزُّزُ، وَهُوَ أَنْ يَثْقُل عَلَيْهِ أَنْ
_________
(١) فتح الباري ١ / ١٦٧ ط الرياض، وانظر ما جاء في صحيح مسلم بشرح النووي ٦ / ٩٧ ط المصرية، والمنثور ١ / ٤٠٣ ط الأولى، والتعريفات للجرجاني / ٢٠٧ ط العربي.
(٢) فتح الباري ١ / ١٦٦ ط الرياض.
يَتَرَفَّعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِذَا أَصَابَ بَعْضُ أَمْثَالِهِ وِلاَيَةً أَوْ عِلْمًا أَوْ مَالًا خَافَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لاَ يُطِيقُ تَكَبُّرَهُ، وَلاَ تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِاحْتِمَال صَلَفِهِ وَتَفَاخُرِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِهِ أَنْ يَتَكَبَّرَ، بَل غَرَضُهُ أَنْ يَدْفَعَ كِبْرَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِمُسَاوَاتِهِ مَثَلًا، وَلَكِنْ لاَ يَرْضَى بِالتَّرَفُّعِ عَلَيْهِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْكِبْرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي طَبْعِهِ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ وَيَسْتَصْغِرَهُ وَيَسْتَخْدِمَهُ وَيَتَوَقَّعَ مِنْهُ الاِنْقِيَادَ لَهُ وَالْمُتَابَعَةَ فِي أَغْرَاضِهِ، وَمِنَ التَّكَبُّرِ وَالتَّعَزُّزِ كَانَ حَسَدُ أَكْثَرِ الْكُفَّارِ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ إِذْ قَالُوا: كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْنَا غُلاَمٌ يَتِيمٌ وَكَيْفَ نُطَأْطِئُ رُءُوسَنَا لَهُ فَقَالُوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّل هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (١)
السَّبَبُ الرَّابِعُ: التَّعَجُّبُ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الأُْمَمِ السَّالِفَةِ إِذْ قَالُوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بِشْرٌ مِثْلُنَا﴾ (٢) . وَقَالُوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ (٣) - ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (٤)، فَتَعَجَّبُوا مِنْ أَنْ يَفُوزَ بِرُتْبَةِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، فَحَسَدُوهُمْ، وَأَحَبُّوا زَوَال النُّبُوَّةِ عَنْهُمْ جَزَعًا أَنْ يُفَضَّل عَلَيْهِمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ فِي الْخِلْقَةِ، لاَ عَنْ قَصْدِ تَكَبُّرٍ، وَطَلَبِ رِئَاسَةٍ، وَتَقَدُّمِ
_________
(١) الزخرف / ٣١.
(٢) سورة يس / ١٥.
(٣) سورة المؤمنون / ٤٧.
(٤) سورة المؤمنون / ٣٤.
عَدَاوَةٍ، أَوْ سَبَبٍ آخَرَ مِنْ سَائِرِ الأَْسْبَابِ.
السَّبَبُ الْخَامِسُ: الْخَوْفُ مِنْ فَوْتِ الْمَقَاصِدِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِمُتَزَاحِمَيْنِ عَلَى مَقْصُودٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ كُل وَاحِدٍ يَحْسُدُ صَاحِبَهُ فِي كُل نِعْمَةٍ تَكُونُ عَوْنًا لَهُ فِي الاِنْفِرَادِ بِمَقْصُودِهِ، وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ تَحَاسُدُ الضَّرَائِرِ فِي التَّزَاحُمِ عَلَى مَقَاصِدِ الزَّوْجِيَّةِ، وَتَحَاسُدُ الإِْخْوَةِ فِي التَّزَاحُمِ عَلَى نَيْل الْمَنْزِلَةِ فِي قَلْبِ الأَْبَوَيْنِ.
السَّبَبُ السَّادِسُ: حُبُّ الرِّئَاسَةِ وَطَلَبُ الْجَاهِ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَصُّلٍ بِهِ إِلَى مَقْصُودٍ، وَذَلِكَ كَالرَّجُل الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَدِيمَ النَّظِيرِ فِي فَنٍّ مِنَ الْفُنُونِ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ الثَّنَاءِ وَاسْتَفَزَّهُ الْفَرَحُ بِمَا يُمْدَحُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ سَمِعَ بِنَظِيرٍ لَهُ فِي أَقْصَى الْعَالَمِ لَسَاءَهُ ذَلِكَ، وَأَحَبَّ مَوْتَهُ، أَوْ زَوَال النِّعْمَةِ عَنْهُ.
السَّبَبُ السَّابِعُ: خُبْثُ النَّفْسِ وَشُحُّهَا بِالْخَيْرِ لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّك تَجِدُ مَنْ لاَ يَشْتَغِل بِرِيَاسَةٍ وَتَكَبُّرٍ وَلاَ طَلَبِ مَالٍ، إِذَا وُصِفَ عِنْدَهُ حُسْنُ حَال عَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِذَا وُصِفَ لَهُ اضْطِرَابُ أُمُورِ النَّاسِ، وَإِدْبَارُهُمْ، وَفَوَاتُ مَقَاصِدِهِمْ، وَتَنَغُّصُ عَيْشِهِمْ فَرِحَ بِهِ، فَهُوَ أَبَدًا يُحِبُّ الإِْدْبَارَ لِغَيْرِهِ، وَيَبْخَل بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ كَأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ مِنْ مِلْكِهِ وَخَزَائِنِهِ (١) .
_________
(١) إحياء علوم الدين ٣ / ١٨٨ - ١٩٠ ط الحلبي.
أَقْسَامُ الْحَسَدِ:
٨ - ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْحَسَدَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا حَقِيقِيٌّ: وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى زَوَال النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا.
وَالثَّانِي مَجَازِيٌّ: وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى مِثْل النِّعْمَةِ الَّتِي عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ زَوَالِهَا عَنْ صَاحِبِهَا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْغِبْطَةِ (١) .
مَرَاتِبُ الْحَسَدِ:
٩ - مَرَاتِبُ الْحَسَدِ أَرْبَعَةٌ:
الأُْولَى: أَنْ يُحِبَّ الْحَاسِدُ زَوَال النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لاَ يَنْتَقِل إِلَيْهِ، وَهَذَا غَايَةُ الْخُبْثِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُحِبَّ زَوَال النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ إِلَيْهِ لِرَغْبَتِهِ فِي تِلْكَ النِّعْمَةِ، مِثْل رَغْبَتِهِ فِي دَارٍ حَسَنَةٍ، أَوِ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ، أَوْ وِلاَيَةٍ نَافِذَةٍ، أَوْ سَعَةٍ نَالَهَا غَيْرُهُ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ لَهُ وَمَطْلُوبُهُ تِلْكَ النِّعْمَةُ لاَ زَوَالُهَا عَنْهُ، وَمَكْرُوهُهُ فَقْدُ النِّعْمَةِ لاَ تَنَعُّمُ غَيْرِهِ بِهَا.
الثَّالِثَةُ: أَنْ لاَ يَشْتَهِيَ الْحَاسِدُ عَيْنَ النِّعْمَةِ لِنَفْسِهِ بَل يَشْتَهِي مِثْلَهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ مِثْلِهَا أَحَبَّ زَوَالَهَا كَيْ لاَ يَظْهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا.
الرَّابِعَةُ: الْغِبْطَةُ، وَهِيَ أَنْ يَشْتَهِيَ لِنَفْسِهِ مِثْل
_________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٦ / ٩٧ ط المصرية.
النِّعْمَةِ، فَإِنْ لَمْ تَحْصُل فَلاَ يُحِبُّ زَوَالَهَا عَنْهُ.
وَهَذَا الأَْخِيرُ هُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ إِنْ كَانَ فِي شَأْنٍ دُنْيَوِيٍّ، وَالْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ فِي شَأْنٍ دِينِيٍّ، وَالثَّالِثَةُ فِيهَا مَذْمُومٌ وَغَيْرُ مَذْمُومٍ، وَالثَّانِيَةُ أَخَفُّ مِنَ الثَّالِثَةِ، وَالأُْولَى مَذْمُومَةٌ مَحْضَةٌ. وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ الرُّتْبَةِ الأَْخِيرَةِ حَسَدًا فِيهِ تَجَوُّزٌ وَتَوَسُّعٌ، وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّل اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١) فَتَمَنِّيهِ لِمِثْل ذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ، وَأَمَّا تَمَنِّيهِ عَيْنَ ذَلِكَ فَهُوَ مَذْمُومٌ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
١٠ - الْحَسَدُ إِنْ كَانَ حَقِيقِيًّا، أَيْ بِمَعْنَى تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَةِ عَنِ الْغَيْرِ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ، لأَِنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْحَقِّ، وَمُعَانَدَةٌ لَهُ، وَمُحَاوَلَةٌ لِنَقْضِ مَا فَعَلَهُ، وَإِزَالَةُ فَضْل اللَّهِ عَمَّنْ أَهَّلَهُ لَهُ، وَالأَْصْل فِي تَحْرِيمِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَعْقُول.
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (٣) فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ ﷾ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ الْحَاسِدِ، وَشَرُّهُ كَثِيرٌ، فَمِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ وَهُوَ إِصَابَةُ الْعَيْنِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُكْتَسَبٌ كَسَعْيِهِ فِي تَعْطِيل الْخَيْرِ عَنْهُ وَتَنْقِيصِهِ
_________
(١) سورة النساء / ٣١.
(٢) إحياء علوم الدين ٣ / ١٨٨ ط الحلبي.
(٣) سورة الفلق / ٥.
عِنْدَ النَّاسِ، وَرُبَّمَا دَعَا عَلَيْهِ أَوْ بَطَشَ بِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْحَاسِدِ الَّذِي وَرَدَ الأَْمْرُ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِ: فَقَال قَتَادَةَ: الْمُرَادُ شَرُّ عَيْنِهِ وَنَفْسِهِ. وَقَال آخَرُونَ: بَل أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الآْيَةِ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ شَرِّ الْيَهُودِ الَّذِينَ حَسَدُوهُ، وَالأَْوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَال الطَّبَرِيُّ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُمِرَ بِأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ شَرِّ كُل حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لأَِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمْ يَخْصُصْ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ حَاسِدًا دُونَ حَاسِدٍ بَل عَمَّ أَمْرُهُ إِيَّاهُ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ كُل حَاسِدٍ فَذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ (١) .
وَالْحَاسِدُ كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ عَدُوُّ نِعْمَةِ اللَّهِ.
قَال بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بَارَزَ الْحَاسِدُ رَبَّهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَبْغَضَ كُل نِعْمَةٍ ظَهَرَتْ عَلَى غَيْرِهِ. ثَانِيهَا: أَنَّهُ سَاخِطٌ لِقِسْمَةِ رَبِّهِ كَأَنَّهُ يَقُول: لِمَ قَسَمْتَ هَذِهِ الْقِسْمَةَ؟
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ ضَادَّ فِعْل اللَّهِ، أَيْ إِنَّ فَضْل اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ يَبْخَل بِفَضْل اللَّهِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ خَذَل أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، أَوْ يُرِيدُ خِذْلاَنَهُمْ وَزَوَال النِّعْمَةِ عَنْهُمْ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ أَعَانَ عَدُوَّهُ إِبْلِيسَ (٢) .
_________
(١) تفسير الطبري ٣٠ / ٢٢٨ ط الثانية - الأميرية وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ٥٨٨ ط البهية.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٦ / ٩٧ ط المصرية، فيض القدير للمناوي ٣ / ١٢٥ ط التجارية، تحفة المريد على جوهرة التوحيد / ١٢٦ ط الأزهرية.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﷺ: إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُل الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُل النَّارُ الْحَطَبَ أَوِ الْعُشْبَ (١) .
وَأَمَّا الْمَعْقُول فَإِنَّ الْحَاسِدَ مَذْمُومٌ، فَقَدْ قِيل:
إِنَّ الْحَاسِدَ لاَ يَنَال فِي الْمَجَالِسِ إِلاَّ نَدَامَةً، وَلاَ يَنَال عِنْدَ الْمَلاَئِكَةِ إِلاَّ لَعْنَةً وَبَغْضَاءَ، وَلاَ يَنَال فِي الْخَلْوَةِ إِلاَّ جَزَعًا وَغَمًّا، وَلاَ يَنَال فِي الآْخِرَةِ إِلاَّ حُزْنًا وَاحْتِرَاقًا، وَلاَ يَنَال مِنَ اللَّهِ إِلاَّ بُعْدًا وَمَقْتًا (٢) .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ الْحَسَدِ مَا إِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ الَّتِي يَتَمَنَّى الْحَاسِدُ زَوَالَهَا عِنْدَ كَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى (٣) .
أَمَّا إِذَا كَانَ الْحَسَدُ مَجَازِيًّا، أَيْ بِمَعْنَى الْغِبْطَةِ فَإِنَّهُ مَحْمُودٌ فِي الطَّاعَةِ، وَمَذْمُومٌ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَمُبَاحٌ فِي الْجَائِزَاتِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ
_________
(١) فيض القدير للمناوي ٣ / ١٢٥ ط التجارية، تحفة المريد على جوهرة التوحيد / ١٢٦ ط الأزهرية، تفسير القرطبي ٢٠ / ٢٦٠ ط المصرية. حديث: " إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٠٨ - ٢٠٩ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة، وذكره البخاري في تاريخه الكبير (١ / ٢٧٢ ط دائرة المعارف العثمانية) وقال: " لا يصح ".
(٢) تفسير القرطبي ٢٠ / ٢٦٠ ط المصرية، تحفة المريد على جوهر التوحيد / ١٢٦ ط الأزهرية.
(٣) فتح الباري ١ / ١٦٧ ط الرياض.
اللَّيْل وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْل وَآنَاءَ النَّهَارِ (١) أَيْ كَأَنَّهُ قَال: لاَ غِبْطَةَ أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَل مِنَ الْغِبْطَةِ فِي هَذَيْنِ الأَْمْرَيْنِ (٢) .
عِلاَجُ الْحَسَدِ:
١١ - ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الإِْحْيَاءِ أَنَّ الْحَسَدَ مِنَ الأَْمْرَاضِ الْعَظِيمَةِ لِلْقُلُوبِ، وَلاَ تُدَاوَى أَمْرَاضُ الْقُلُوبِ إِلاَّ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَل، وَالْعِلْمُ النَّافِعُ لِمَرَضِ الْحَسَدِ هُوَ أَنْ تَعْرِفَ تَحْقِيقًا أَنَّ الْحَسَدَ ضَرَرٌ عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَأَنَّهُ لاَ ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ.
أَمَّا كَوْنُهُ ضَرَرًا عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدِّينِ، فَهُوَ أَنَّ الْحَاسِدَ بِالْحَسَدِ سَخِطَ قَضَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَرِهَ نِعْمَتَهُ الَّتِي قَسَمَهَا بَيْنَ عِبَادِهِ، وَعَدْلَهُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي مُلْكِهِ بِخَفِيِّ حِكْمَتِهِ، فَاسْتَنْكَرَ ذَلِكَ وَاسْتَبْشَعَهُ وَهَذِهِ جِنَايَةٌ عَلَى حَدَقَةِ التَّوْحِيدِ، وَقَذًى فِي عَيْنِ الإِْيمَانِ، وَكَفَى بِهِمَا جِنَايَةً عَلَى الدِّينِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْحَسَدِ ضَرَرًا عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَنَّهُ يَتَأَلَّمُ بِحَسَدِهِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ يَتَعَذَّبُ بِهِ
_________
(١) حديث: " لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٥٠٢ ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٥٨ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.
(٢) فتح الباري ١ / ١٦٧ ط الرياض، صحيح مسلم بشرح النووي ٦ / ٩٧ ط المصرية.