الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 53

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

وَإِذَا انْفَرَدُوا فِي مِصْرِهِمْ فَلاَ يُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِي الْقُرَى، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَيْنِ سُكَّانِهَا مُسْلِمُونَ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ إِعْلاَمِ الدِّينِ مِنْ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالأَْعْيَادِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَتَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ (١) . وَإِذَا أَظْهَرُوا شَيْئًا مِنَ الْفِسْقِ فِي قُرَاهُمْ مِمَّا لَمْ يُصَالِحُوا عَلَيْهِ مِثْل الزِّنَى وَإِتْيَانِ الْفَوَاحِشِ مُنِعُوا مِنْهُ، لأَِنَّ هَذَا لَيْسَ بِدِيَانَةٍ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ فِسْقٌ فِي الدِّيَانَةِ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ حُرْمَةَ ذَلِكَ كَمَا يَعْتَقِدُهُ الْمُسْلِمُونَ (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ " أَهْل الذِّمَّةِ ".

الرُّكْنُ الرَّابِعُ: فِي الاِحْتِسَابِ وَمَرَاتِبِهِ:

٤١ - الْقِيَامُ بِالْحِسْبَةِ - وَهُوَ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ - مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ وَأَهَمِّ الْمُحْتَسَبَاتِ ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً وَامْتَدَحَهُ فِيهِ بِأَسَالِيبَ عَدِيدَةٍ، وَكَانَ حَظُّهُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ أَوْفَرَ وَذِكْرُهُ فِيهَا أَكْثَرَ، وَذَلِكَ لِعِظَمِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَصَالِحَ، وَمَا يُدْرَأُ بِهِ مِنْ مَفَاسِدَ، وَذَلِكَ أَسَاسُ كُل مَا أَمَرَ بِهِ الدِّينُ، وَحِكْمَةُ كُل مَا نَهَى عَنْهُ.

وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ هُوَ رُجْحَانُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَلَى الآْخَرِ إِذْ لاَ يَخْلُو كُل أَمْرٍ وَنَهْيٍ مِنْ مَصْلَحَةٍ يُحَقِّقُهَا وَمَفْسَدَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَجَحَتْ

_________

(١) السير الكبير ٤ / ١٥٣٣، ١٥٣٤، تحفة الناظر وغنية الذاكر ١٦٥، والمهذب ٢ / ٢٥٥، المغني ٩ / ٣٥٣.

(٢) السير الكبير ٤ / ١٥٤٦، ١٥٤٧، نصاب الاحتساب ١٢٣، تحفة الناظر ١٦٥، الآداب الشرعية ١ / ٢١٢.

الْمَصْلَحَةُ أَمَرَ بِهِ، وَإِذَا رَجَحَتِ الْمَفْسَدَةُ نَهَى عَنْهُ. كَانَ كُلٌّ مِنَ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ فِي هَذِهِ الْحَال مَشْرُوعًا وَطَاعَةً مَطْلُوبَةً، وَكَانَ تَرْكُهَا، أَوْ وَضْعُ أَحَدِهِمَا مَوْضِعَ الآْخَرِ عِصْيَانًا وَأَمْرًا مُحَرَّمًا مَطْلُوبًا تَرْكُهُ، لأَِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ الْفَسَادُ وَاَللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (١) .

مَرَاتِبُ الاِحْتِسَابِ:

ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي مَرَاتِبِ التَّغْيِيرِ مَا يُمْكِنُ إِيجَازُهُ فِيمَا يَلِي:

٤٢ - النَّوْعُ الأَْوَّل: التَّنْبِيهُ وَالتَّذْكِيرُ وَذَلِكَ فِيمَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُزِيل فَسَادَ مَا وَقَعَ لِصُدُورِ ذَلِكَ عَلَى غِرَّةٍ وَجَهَالَةٍ، كَمَا يَقَعُ مِنَ الْجَاهِل بِدَقَائِقِ الْفَسَادِ فِي الْبُيُوعِ، وَمُسَالِكِ الرِّبَا الَّتِي يُعْلَمُ خَفَاؤُهَا عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا يَصْدُرُ مِنْ عَدَمِ الْقِيَامِ بِأَرْكَانِ الصَّلاَةِ وَشُرُوطِ الْعِبَادَاتِ فَيُنَبَّهُونَ بِطَرِيقِ. التَّلَطُّفِ وَالرِّفْقِ وَالاِسْتِمَالَةِ.

٤٣ - النَّوْعُ الثَّانِي: الْوَعْظُ وَالتَّخْوِيفُ مِنَ اللَّهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَفَ الْمُنْكَرَ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاصِي الَّتِي لاَ تَخْفَى عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ فَيَتَعَاهَدُهُ الْمُحْتَسِبُ بِالْعِظَةِ وَالإِْخَافَةِ مِنْ رَبِّهِ.

٤٤ - النَّوْعُ الثَّالِثُ: الزَّجْرُ وَالتَّأْنِيبُ وَالإِْغْلاَظُ بِالْقَوْل وَالتَّقْرِيعِ بِاللِّسَانِ وَالشِّدَّةِ فِي التَّهْدِيدِ

_________

(١) الحسبة في الإسلام ٦٥ - ٦٦.

وَالإِْنْكَارِ، وَذَلِكَ فِيمَنْ لاَ يَنْفَعُ فِيهِ وَعْظٌ، وَلاَ يَنْجَحُ فِي شَأْنِهِ تَحْذِيرٌ بِرِفْقٍ، بَل يَظْهَرُ عَلَيْهِ مَبَادِئُ الإِْصْرَارِ عَلَى الْمُنْكَرِ وَالاِسْتِهْزَاءِ بِالْعِظَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَا لاَ يُعَدُّ فُحْشًا فِي الْقَوْل وَلاَ إِسْرَافًا فِيهِ خَالِيًا مِنَ الْكَذِبِ، وَمِنْ أَنْ يَنْسُبَ إِلَى مَنْ نَصَحَهُ مَا لَيْسَ فِيهِ مُقْتَصِرًا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ حَتَّى لاَ يَكُونَ مِنْ نَتِيجَتِهِ إِصْرَارٌ وَاسْتِكْبَارٌ.

٤٥ - النَّوْعُ الرَّابِعُ: التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ بِإِزَالَةِ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ وَذَلِكَ فِيمَنْ كَانَ حَامِلًا الْخَمْرَ، أَوْ مَاسِكًا لِمَالٍ مَغْصُوبٍ، وَعَيْنُهُ قَائِمَةٌ بِيَدِهِ، وَرَبُّهُ مُتَظَلِّمٌ مِنْ بَقَاءِ ذَلِكَ بِيَدِهِ، طَالِبٌ رَفْعَ الْمُنْكَرِ فِي بَقَائِهِ تَحْتَ حَوْزِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَأَمْثَال هَذَا لاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الزَّجْرِ وَالإِْغْلاَظِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ لِلإِْزَالَةِ بِالْيَدِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْيَدِ كَأَمْرِ الأَْعْوَانِ الْمُمْتَثِلِينَ أَمْرَ الْمُغَيِّرِ فِي إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ.

٤٦ - النَّوْعُ الْخَامِسُ: إِيقَاعُ الْعُقُوبَةِ بِالنَّكَال وَالضَّرْبِ. وَذَلِكَ فِيمَنْ تَجَاهَرَ بِالْمُنْكَرِ وَتَلَبَّسَ بِإِظْهَارِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إِلاَّ بِذَلِكَ.

٤٧ - النَّوْعُ السَّادِسُ: الاِسْتِعْدَاءُ وَرَفْعُ الأَْمْرِ إِلَى الْحَاكِمِ وَالإِْمَامِ لِمَا لَهُ مِنْ عُمُومِ النَّظَرِ وَنُفُوذِ الْكَلِمَةِ، مَا لَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ لِتَرْكِ النُّصْرَةِ بِهِ لِمَا يُخْشَى مِنْ فَوَاتِ التَّغْيِيرِ، فَيَجِبُ قِيَامُ الْمُحْتَسِبِ بِمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ فِي الْحَال (١) .

_________

(١) تحفة الناظر وغنية الذاكر ١٠ / ١٢، وإحياء علوم الدين ٢ / ٤٢٠ - ٤٢٥، معالم القربة ١٩٥ - ١٩٧، الطرق الحكمية ١٠١ وما بعدها.

٤٨ - وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَّخِذَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ أُمُورِ الْحِسْبَةِ بِمَا يَرَى فِيهِ صَلاَحَ الرَّعِيَّةِ، وَزَجْرَ الْمُفْسِدِينَ، وَلَهُ فِي سَبِيل ذَلِكَ - بِوَجْهٍ خَاصٍّ - التَّعْزِيرُ فِي كُل مَعْصِيَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ، مِمَّا لاَ يَدْخُل فِي اخْتِصَاصِ الْقَاضِي، وَيَكُونُ التَّعْزِيرُ بِالضَّرْبِ، أَوِ الْحَبْسِ، أَوِ الإِْتْلاَفِ، أَوِ الْقَتْل أَوِ النَّفْيِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ " تَعْزِيرٌ ".

خَطَأُ الْمُحْتَسِبِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّمَانِ " ضَمَانُ الْوُلاَةِ ":

٤٩ - الْمُحْتَسِبُ مَأْمُورٌ بِإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ، فَلَهُ أَنْ يَحْتَسِبَ عَلَى كُل مَنِ اقْتَرَفَ شَيْئًا مِنَ الْمَعَاصِي وَأَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَيْهَا بِمَا يَرَاهُ مُنَاسِبًا، وَقَدْ يَحْدُثُ أَثْنَاءَ ذَلِكَ تَجَاوُزٌ فِي الْعُقُوبَةِ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْهُ تَلَفٌ فِي الْمَال أَوْ فِي الْبَدَنِ فَهَل يَضْمَنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّجَاوُزِ فِي إِتْلاَفِ الْمَال عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ إِلَى عَدَمِ الضَّمَانِ مُطْلَقًا (١) وَقَال الْحَنَابِلَةُ:

لاَ ضَمَانَ فِي إِتْلاَفِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ، وَكَذَا لَوْ كَسَرَ صَلِيبًا أَوْ مِزْمَارًا أَوْ طُنْبُورًا أَوْ صَنَمًا (٢) . لِلنَّهْيِ عَنْ

_________

(١) نصاب الاحتساب ١٩٤.

(٢) المصدر السابق ١٩٤، ١٩٥، الآداب الشرعية ١ / ٢٢٠، غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ١ / ٢٠٨ - ٢١١، المغني ٥ / ٢٤٨ - ٢٥٠.

بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ. وَلِحَدِيثِ: بُعِثْتُ بِمَحْقِ الْقَيْنَاتِ وَالْمَعَازِفِ (١) وَقَال صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَفِي كَسْرِ آنِيَةِ الْخَمْرِ رِوَايَتَانِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى الضَّمَانِ إِذَا تَجَاوَزَ الْمُحْتَسِبُ الْقَدْرَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ.

قَال صَاحِبُ تُحْفَةِ النَّاظِرِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِذَا لَمْ يَقَعِ التَّمَكُّنُ مِنْ إِرَاقَةِ الْخَمْرِ إِلاَّ بِكَسْرِ أَنَابِيبِهَا وَتَحْرِيقِ وِعَائِهَا، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى مَنْ فَعَل ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي هَذَا النَّوْعِ، وَإِنْ أَمْكَنَ زَوَال عَيْنِهَا مَعَ بَقَاءِ الْوِعَاءِ سَلِيمًا وَلَمْ يَخَفِ الْفَاعِل مُضَايَقَةً فِي الزَّمَانِ وَلاَ فِي الْمَكَانِ بِتَغَلُّبِ فَاعِلِهِ مَعَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الْمَوَانِعِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، إِنْ كَانَ لأَِمْثَالِهِ قِيمَةٌ وَهُوَ يُنْتَفَعُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ (٢) .

وَقَال الْغَزَالِيُّ: وَفِي إِرَاقَةِ الْخُمُورِ يَتَوَقَّى كَسْرَ الأَْوَانِي إِنْ وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَحَيْثُ كَانَتِ الإِْرَاقَةُ مُتَيَسِّرَةً بِلاَ كَسْرٍ، فَكَسَرَهَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ (٣) .

وَقَال أَيْضًا: الْوَالِي لَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِكَسْرِ الظُّرُوفِ الَّتِي

_________

(١) حديث: " بعثت بمحق القينات والمعازف ". أخرجه أحمد (٥ / ٢٥٧ - ط الميمنية) من حديث أبي أمامة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥ / ٦٩ - ط القدسي): " رواه أحمد والطبراني، وفيه علي بن يزيد وهو ضعيف ".

(٢) تحفة الناظر وغنية الذاكر ١٢، ١٣، والمغني ٥ / ٢٥٠.

(٣) الإحياء ٢ / ٤٢٢، ٤٢٣.

فِيهَا الْخَمْرُ زَجْرًا، وَقَدْ فُعِل ذَلِكَ فِي زَمَنِ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَأْكِيدًا لِلزَّجْرِ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ، وَلَكِنْ كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الزَّجْرِ وَالْفِطَامِ شَدِيدَةً، فَإِذَا رَأَى الْوَالِي بِاجْتِهَادِهِ مِثْل الْحَاجَةِ جَازَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ هَذَا مَنُوطًا بِنَوْعِ اجْتِهَادٍ دَقِيقٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لآِحَادِ الرَّعِيَّةِ (١) .

٥٠ - أَمَّا الشِّقُّ الآْخَرُ وَهُوَ الضَّمَانُ فِي تَلَفِ النُّفُوسِ بِسَبَبِ مَا يَقُومُ بِهِ الْمُحْتَسِبُ، فَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ أَقْوَالًا فِي ذَلِكَ:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنَ التَّعْزِيرِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ، لأَِنَّهَا عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ، فَلَمْ يُضْمَنْ مَنْ تَلِفَ بِهَا كَالْحَدِّ، وَلأَِنَّهُ فَعَل مَا فَعَل بِأَمْرِ الشَّرْعِ، وَفِعْل الْمَأْمُورِ لاَ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ، وَلأَِنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى بِأَمْرِهِ، فَصَارَ كَأَنَّ اللَّهَ أَمَاتَهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ فَلاَ يَجِبُ الضَّمَانُ (٢) .

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَال صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ: فَإِنْ عَزَّرَ الْحَاكِمُ أَحَدًا فَمَاتَ أَوْ سَرَى ذَلِكَ إِلَى النَّفْسِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ، وَكَذَلِكَ تَحْمِل الْعَاقِلَةُ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ، وَفِي عُيُونِ الْمَجَالِسِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ إِذَا عَزَّرَ الإِْمَامُ إِنْسَانًا فَمَاتَ فِي

_________

(١) الإحياء ٢ / ٤٢٤.

(٢) شرح فتح القدير ٥ / ٢، ٣، حاشية رد المحتار ٤ / ٧٨ - ٧٩، المغني ٩ / ١٦٠، الأشباه والنظائر لابن نجيم ٢٨٩ كتاب الجنايات.

التَّعْزِيرِ لَمْ يَضْمَنَ الإِْمَامُ شَيْئًا لاَ دِيَةً وَلاَ كَفَّارَةً (١) .

وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ فُقَهَائِهِمْ إِلَى أَنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنِّ السَّلاَمَةِ، فَإِنْ شَكَّ فِيهَا ضَمِنَ مَا سَرَى عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ، وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ السَّلاَمَةِ فَالْقِصَاصُ (٢) .

وَالشَّافِعِيُّ يَرَى التَّضْمِينَ فِي التَّعْزِيرِ إِذَا حَصَل بِهِ هَلاَكٌ، لأَِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ (٣) وَلاَ يُعْفَى مِنَ التَّعْزِيرِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْهَلاَكُ بِنَحْوِ تَوْبِيخٍ بِكَلاَمٍ وَصَفْعٍ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ وَلاَ ضَمَانَ عَلَى مَنْ عَزَّرَ غَيْرَهُ بِإِذْنِهِ، وَلاَ عَلَى مَنْ عَزَّرَهُ مُمْتَنِعًا مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ (٤) قَال الرَّمْلِيُّ: لِلْحَاكِمِ تَعْزِيرُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ بَعْدَ طَلَبِ مُسْتَحِقِّهِ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ وَإِنْ زَادَ عَلَى التَّعْزِيرِ بَل وَإِنْ أَدَّى إِلَى مَوْتِهِ لأَِنَّهُ بِحَقٍّ وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ (٥) . وَلاَ يَكُونُ التَّعْزِيرُ بِمَا يَقْتُل غَالِبًا، فَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا يَقْتُل غَالِبًا أَوْ بِمَا يَقْتُل غَالِبًا أَوْ قَصَدَ قَتْلَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ (٦) .

_________

(١) تبصرة الحكام لابن فرحون ٢ / ٣٠١ - ٣٠٢.

(٢) الشرح الصغير ٤ / ٥٠٥.

(٣) حاشية القليوبي على المنهاج ٤ / ٢٠٨.

(٤) حاشية القليوبي على المنهاج ٤ / ٢٨٦.

(٥) منهاج الطالبين ٤ / ٢٠٨ وانظر حاشية القليوبي عليه.

(٦) المغني ٩ / ١٤٥، ١٤٦، الشرح الصغير ٤ / ٥٠٥، الخرشي على خليل ٧ / ١١٠.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (تَعْزِيرٌ، حُدُودٌ، ضَمَانٌ) .

مِقْدَارُ الضَّمَانِ وَعَلَى مَنْ يَجِبُ:

٥١ - وَحَيْثُ قِيل بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فَفِي قَدْرِهِ قَوْلاَنِ:

الأَْوَّل: لُزُومُ كَامِل الدِّيَةِ لأَِنَّهُ قَتْلٌ حَصَل مِنْ جِهَةِ اللَّهِ وَعُدْوَانِ الضَّارِبِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْعَادِي، كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا سَوْطًا فَمَاتَ بِهِ، وَلأَِنَّهُ تَلَفٌ بِعُدْوَانٍ وَغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَى عَلَى سَفِينَةٍ مُوقَرَةٍ حَجَرًا فَغَرَّقَهَا، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .

وَالثَّانِي: عَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ لأَِنَّهُ تَلَفٌ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ، فَكَانَ الْوَاجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ فَمَاتَ وَبِهَذَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (٢) .

وَالْقَوْل الآْخَرُ: يَجِبُ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا تَعَدَّى بِهِ (٣) .

عَلَى مَنْ يَجِبُ الضَّمَانُ:

٥٢ - فِي غَيْرِ حَالاَتِ التَّعَمُّدِ وَالتَّعَدِّي إِذَا قُلْنَا يَضْمَنُ الإِْمَامُ فَهَل يَلْزَمُ عَاقِلَتَهُ أَوْ بَيْتَ الْمَال؟

_________

(١) منهاج الطالبين ٤ / ٢٠٨، ٢٠٩، المغني ٩ / ١٤٥، ١٤٦.

(٢) منهاج الطالبين ٤ / ٢٠٨، ٢٠٩.

(٣) شرح فتح القدير ٥ / ٢٩٠، ٢٩١، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٠١، منهاج الطالبين ٤ / ٢٠٨، المغني ٩ / ١٤٦.

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: هُوَ فِي بَيْتِ الْمَال لأَِنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ فَلَوْ وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَجْحَفَ بِهِمْ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

وَالثَّانِيَةُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ بِخَطَئِهِ فَكَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ، كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَل آدَمِيًّا. وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

حَسَدٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحَسَدُ بِفَتْحِ السِّينِ أَكْثَرُ مِنْ سُكُونِهَا مَصْدَرُ حَسَدَ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَتَمَنَّى الْحَاسِدُ زَوَال نِعْمَةِ الْمَحْسُودِ (١) . وَأَمَّا مَعْنَى الْحَسَدِ فِي الاِصْطِلاَحِ فَلاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّمَنِّي:

٢ - التَّمَنِّي فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَنَا، وَهُوَ الْقَدَرُ، لأَِنَّ الْمُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ حُصُول الأَْمْرِ، وَالاِسْمُ الْمُنْيَةُ، وَالأَْمْنِيَّةُ. وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَهُوَ طَلَبُ حُصُول الشَّيْءِ سَوَاءٌ كَانَ مُمْكِنًا أَوْ مُمْتَنِعًا، وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ

_________

(١) انظر الصحاح والقاموس واللسان والمصباح مادة: " حسد ".

(٢) التعريفات للجرجاني / ١١٧ ط العربي، تحفة المريد على جوهر التوحيد / ١٢٦ ط الأزهرية.