الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
أَحَدُهُمَا: فِي حَقِّ السَّلْطَنَةِ مِنْ جِهَةِ التَّزْوِيرِ.
وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فِي الْغِشِّ وَهُوَ أَغْلَظُ النُّكْرَيْنِ، وَإِنْ سَلِمَ التَّزْوِيرُ مِنْ غِشٍّ تَفَرَّدَ بِالإِْنْكَارِ لِحَقِّ السَّلْطَنَةِ خَاصَّةً
وَأَمَّا الْحِسْبَةُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ:
فَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِيرَانِ مِثْل أَنْ يَتَعَدَّى رَجُلٌ فِي حَدٍّ لِجَارِهِ، أَوْ فِي حَرِيمٍ لِدَارِهِ، أَوْ فِي وَضْعِ أَجْذَاعٍ عَلَى جِدَارِهِ، فَلاَ اعْتِرَاضَ لِلْمُحْتَسِبِ فِيهِ مَا لَمْ يَسْتَعْدِهِ الْجَارُ، لأَِنَّهُ حَقٌّ يَخُصُّهُ يَصِحُّ مِنْهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ، فَإِنْ خَاصَمَهُ إِلَى الْمُحْتَسِبِ نَظَرَ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَنَازُعٌ وَتَنَاكُرٌ، وَأَخَذَ الْمُتَعَدِّيَ بِإِزَالَةِ تَعَدِّيهِ، وَكَانَ تَأْدِيبُهُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ شَوَاهِدِ الْحَال (١) .
وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَرْبَابِ الْمِهَنِ وَالصِّنَاعَاتِ وَهُمْ ثَلاَثَةُ أَصْنَافٍ: مِنْهُمْ مَنْ يُرَاعَى عَمَلُهُ فِي الْوُفُورِ وَالتَّقْصِيرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعَى حَالُهُ فِي الأَْمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعَى عَمَلُهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ.
فَأَمَّا مَنْ يُرَاعَى عَمَلُهُ فِي الْوُفُورِ وَالتَّقْصِيرِ فَكَالطَّبِيبِ وَالْمُعَلِّمِينَ، لأَِنَّ لِلطَّبِيبِ إِقْدَامًا عَلَى النُّفُوسِ يُفْضِي التَّقْصِيرُ فِيهِ إِلَى تَلَفٍ أَوْ سَقَمٍ، وَلِلْمُعَلِّمِينَ مِنَ الطَّرَائِقِ الَّتِي يَنْشَأُ الصِّغَارُ عَلَيْهَا مَا يَكُونُ نَقْلُهُمْ عَنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ عَسِيرًا، فَيُقِرُّ مِنْهُمْ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٥٤، نصاب الاحتساب ٩١ - ٩٦.
مَنْ تَوَفَّرَ عِلْمُهُ وَحَسُنَتْ طَرِيقَتُهُ، وَيَمْنَعُ مَنْ قَصَّرَ وَأَسَاءَ.
وَأَمَّا مَنْ يُرَاعَى حَالُهُ فِي الأَْمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ فَمِثْل الصَّاغَةِ وَالْحَاكَةِ وَالْقَصَّارِينَ وَالصَّبَّاغِينَ، لأَِنَّهُمْ رُبَّمَا هَرَبُوا بِأَمْوَال النَّاسِ، فَيُرَاعِي أَهْل الثِّقَةِ وَالأَْمَانَةِ مِنْهُمْ فَيُقِرُّهُمْ، وَيُبْعِدُ مَنْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ.
وَأَمَّا مَنْ يُرَاعَى عَمَلُهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِفَسَادِ الْعَمَل وَرَدَاءَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُسْتَعْدِيًا، وَإِمَّا فِي عَمَلٍ مَخْصُوصٍ اعْتَادَ الصَّانِعُ فِيهِ الْفَسَادَ وَالتَّدْلِيسَ، فَإِذَا اسْتَعْدَاهُ الْخَصْمُ قَابَل عَلَيْهِ بِالإِْنْكَارِ وَالزَّجْرِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ غُرْمٌ رُوعِيَ حَال الْغُرْمِ، فَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى تَقْدِيرٍ أَوْ تَقْوِيمٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ لاِفْتِقَارِهِ إِلَى اجْتِهَادٍ حُكْمِيٍّ، وَكَانَ الْقَاضِي بِالنَّظَرِ فِيهِ أَحَقَّ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى تَقْدِيرٍ وَلاَ تَقْوِيمٍ وَاسْتَحَقَّ فِيهِ الْمِثْل الَّذِي لاَ اجْتِهَادَ فِيهِ وَلاَ تَنَازُعَ، فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ بِإِلْزَامِ الْغُرْمِ وَالتَّأْدِيبِ عَلَى فِعْلِهِ، لأَِنَّهُ أَخْذٌ بِالتَّنَاصُفِ وَزَجْرٌ عَنِ التَّعَدِّي.
وَأَمَّا الْحِسْبَةُ فِي الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ:
فَكَالْمَنْعِ مِنَ الإِْشْرَافِ عَلَى مَنَازِل النَّاسِ، وَلاَ يَلْزَمُ مَنْ عَلاَ بِنَاؤُهُ أَنْ يَسْتُرَ سَطْحَهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لاَ يُشْرِفَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَإِذَا كَانَ فِي أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ السَّابِلَةِ وَالْجَوَامِعِ
الْحَافِلَةِ مَنْ يُطِيل الصَّلاَةَ حَتَّى يَعْجِزَ الضُّعَفَاءُ وَيَنْقَطِعَ بِهَا ذَوُو الْحَاجَاتِ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ فِي الْقُضَاةِ مَنْ يَحْجُبُ الْخُصُومَ إِذَا قَصَدُوهُ بِمَنْعِ النَّظَرِ بَيْنَهُمْ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ حَتَّى تَقِفَ الأَْحْكَامُ وَيَتَضَرَّرَ الْخُصُومُ فَلِلْمُحْتَسِبِ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ مَعَ ارْتِفَاعِ الأَْعْذَارِ، وَلاَ يَمْنَعُ عُلُوُّ رُتْبَتِهِ مِنْ إِنْكَارِ مَا قَصَّرَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي أَرْبَابِ الْمَوَاشِي مَنْ يَسْتَعْمِلُهَا فِيمَا لاَ تُطِيقُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ أَنْكَرَهُ الْمُحْتَسِبُ عَلَيْهِمْ وَمَنَعَهُمْ مِنْهُ.
وَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْنَعَ أَرْبَابَ السُّفُنِ مِنْ حَمْل مَا لاَ تَسَعُهُ وَيُخَافُ مِنْهُ غَرَقُهَا، وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْمَسِيرِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الرِّيحِ، وَإِذَا حُمِل فِيهَا الرِّجَال وَالنِّسَاءُ حَجَزَ بَيْنَهُمْ بِحَائِلٍ، وَإِذَا كَانَ فِي أَهْل الأَْسْوَاقِ مَنْ يَخْتَصُّ بِمُعَامَلَةِ النِّسَاءِ رَاعَى الْمُحْتَسِبُ سِيرَتَهُ وَأَمَانَتَهُ فَإِذَا تَحَقَّقَ مِنْهُ أَقَرَّهُ عَلَى مُعَامَلَتِهِنَّ.
وَإِنْ بَنَى قَوْمٌ فِي طَرِيقٍ سَابِلًا مَنَعَ مِنْهُ، وَإِنِ اتَّسَعَ لَهُ الطَّرِيقُ، وَيَأْخُذُهُمْ بِهَدْمِ مَا بَنَوْهُ. وَلَوْ كَانَ الْمَبْنِيُّ مَسْجِدًا، لأَِنَّ مَرَافِقَ الطَّرِيقِ لِلسُّلُوكِ لاَ لِلأَْبْنِيَةِ، وَيَجْتَهِدُ الْمُحْتَسِبُ، وَإِذَا وَضَعَ النَّاسُ الأَْمْتِعَةَ وَآلاَتِ الأَْبْنِيَةِ فِي مَسَالِكِ الشَّوَارِعِ وَالأَْسْوَاقِ ارْتِفَاعًا لِيَنْقُلُوهُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ مُكِّنُوا مِنْهُ إِنْ لَمْ يَسْتَضِرَّ بِهِ الْمَارَّةُ. وَمُنِعُوا مِنْهُ إِنِ اسْتَضَرُّوا بِهِ. وَهَكَذَا الْقَوْل فِي إِخْرَاجِ الأَْجْنِحَةِ وَالأَْسْبِطَةِ وَمَجَارِي الْمِيَاهِ يُقِرُّ مَا لاَ يَضُرُّ وَيَمْنَعُ
مَا ضَرَّ، وَيَجْتَهِدُ رَأْيَهُ فِيمَا ضَرَّ لاَ يَضُرُّ، لأَِنَّهُ مِنَ الاِجْتِهَادِ الْعُرْفِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ.
وَلِوَالِي الْحِسْبَةِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ نَقْل الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ إِذَا دُفِنُوا فِي مِلْكٍ أَوْ مُبَاحٍ إِلاَّ مِنْ أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَيَكُونُ لِمَالِكِهَا أَنْ يَأْخُذَ مَنْ دَفَنَهُ فِيهَا بِنَقْلِهِ مِنْهَا.
وَيَمْنَعَ مِنْ خِصَاءِ الآْدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ وَإِنِ اسْتُحِقَّ فِيهِ قَوَدٌ أَوْ دِيَةٌ اسْتَوْفَاهُ لِمُسْتَحِقِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَنَازُعٌ وَتَنَاكُرٌ.
وَيَمْنَعُ مِنَ التَّكَسُّبِ بِالْكِهَانَةِ وَاللَّهْوِ، وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ الآْخِذَ وَالْمُعْطِيَ (١) .
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُحْتَسَبُ عَلَيْهِ:
٣٥ - الْمُحْتَسَبُ عَلَيْهِ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمَنْهِيُّ عَنِ الْمُنْكَرِ (٢) وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُلاَبِسًا لِمَفْسَدَةٍ وَاجِبَةِ الدَّفْعِ، أَوْ تَارِكًا لِمَصْلَحَةٍ وَاجِبَةِ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤٧ - ٢٥٩، المقدمة السلطانية ورقة ١١٥ - ١١٨، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٩١ - ٣٠٨، معالم القربة ٢٧ - ٣٢، غرائب القرآن ورغائب الفرقان ٤ / ٢٨ - ٢٩، الفروق للقرافي ١ / ١٤٠ - ١٤٢، وتهذيب الفروق ١ / ١٥٧، ١٥٨، نهاية الأرب ٦ / ٣٠٢ - ٣١٥، النووي على مسلم ٢ / ٢٣، الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٦٩، وانظر نهاية الرتبة في طلب الحسبة للشيرازي، ولابن بسام المحتسب تحفة الناظر وغنية الذاكر ١٦٤ وما بعدها.
(٢) الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المجلد الأول ورقة ٥٧.
الْحُصُول (١) وَقَال الْغَزَالِيُّ: وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِصِفَةِ مَصِيرِ الْفِعْل الْمَمْنُوعِ فِي حَقِّهِ مُنْكَرًا، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ أَنْ يَكُونَا عَاصِيَيْنِ (٢) . وَلِهَذَا أَمْثِلَةٌ تَقَدَّمَتْ فِي مَعْنَى الْمُنْكَرِ وَالْمُرَادِ مِنْهُ (٣) .
أَوَّلًا - الاِحْتِسَابُ عَلَى الصِّبْيَانِ:
٣٦ - صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ بِالْوُجُوبِ، وَنَقَل عَنِ الأَْئِمَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ إِنْكَارُ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، بَل لَوْ لَمْ يَكُنِ الْفِعْل مَعْصِيَةً لِخُصُوصِ الْفَاعِل، كَمَنْعِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَى (٤) .
وَرَجَّحَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَالسَّفَارِينِيُّ الْوُجُوبَ عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَرَجَّحَ الْحَجَّاوِيُّ الاِسْتِحْبَابَ وَقَال: يُسْتَحَبُّ الإِْنْكَارُ عَلَى الأَْوْلاَدِ الَّذِينَ دُونَ الْبُلُوغِ سَوَاءٌ أَكَانُوا ذُكُورًا أَمْ إِنَاثًا تَأْدِيبًا لَهُمْ وَتَعْلِيمًا (٥) .
ثَانِيًا - الاِحْتِسَابُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ:
٣٧ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْوَلَدِ الاِحْتِسَابُ
_________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام / ١٢١، والفروق ٤ / ٢٥٦، ٢٥٧.
(٢) المصدرين السابقين، وحاشية رد المحتار ٤ / ٦٦.
(٣) انظر ف / ٢٨.
(٤) الزواجر ٢ / ١٦٩.
(٥) الآداب الشرعية ١ / ٢٠٩، غذاء الألباب ١ / ٢٠٢، ٢٠٣.
عَلَيْهِمَا، لأَِنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ مُطْلَقَةٌ تَشْمَل الْوَالِدَيْنِ وَغَيْرَهُمَا، وَلأَِنَّ الأَْمْرَ وَالنَّهْيَ لِمَنْفَعَةِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، وَالأَْبُ وَالأُْمُّ أَحَقُّ أَنْ يُوصِل الْوَلَدُ إِلَيْهِمَا الْمَنْفَعَةَ (١) وَلَكِنْ لاَ يَتَجَاوَزُ مَرْتَبَتَيِ التَّعَرُّفِ وَالتَّعْرِيفِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى سَخَطِهِمَا بِأَنْ يَكْسِرَ مَثَلًا عُودًا، أَوْ يُرِيقَ خَمْرًا، أَوْ يَحُل الْخُيُوطَ عَنْ ثِيَابِهِ الْمَنْسُوجَةِ مِنَ الْحَرِيرِ، أَوْ يَرُدَّ مَا يَجِدُهُ فِي بَيْتِهِمَا مِنَ الْمَال الْحَرَامِ.
وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ إِلَى أَنَّ لِلْوَلَدِ فِعْل ذَلِكَ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْفْعَال لاَ تَتَعَلَّقُ بِذَاتِ الأَْبِ. فَسَخَطُ الأَْبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُنْشَؤُهُ حُبُّهُ لِلْبَاطِل وَلِلْحَرَامِ (٢) .
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ أَحْمَدَ. قَال صَاحِبُ نِصَابُ الاِحْتِسَابِ:
السُّنَّةُ فِي أَمْرِ الْوَالِدَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَأْمُرَهُمَا بِهِ مَرَّةً فَإِنْ قَبِلاَ فَبِهَا، وَإِنْ كَرِهَا سَكَتَ عَنْهُمَا، وَاشْتَغَل بِالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ لَهُمَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَكْفِيهِ مَا يُهِمُّهُ مِنْ أَمْرِهِمَا (٣) . وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَجُوزُ لِلْوَلَدِ أَنْ يُخْبِرَ الْمُحْتَسِبَ بِمَعْصِيَةِ وَالِدَيْهِ إِذَا عَلِمَ الْوَلَدُ أَنْ أَبَوَيْهِ لاَ يَمْتَنِعَانِ بِمَوْعِظَتِهِ (٤) .
_________
(١) نصاب الاحتساب ٨٩، الفروق ٤ / ٢٥٦، إحياء علوم الدين ٢ / ٤١٦، الآداب الشرعية ١ / ٥٠٥.
(٢) لإحياء ٢ / ٤٠٦.
(٣) نصاب الاحتساب ٨٩، ٩٠.
(٤) نصاب الاحتساب ١٥٧.
وَنَقَل الْقَرَافِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْوَالِدَيْنِ يُؤْمَرَانِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَيَانِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَخْفِضُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ (١) .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْل ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ إِذَا رَأَى أَبَاهُ عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ يُكَلِّمُهُ بِغَيْرِ عُنْفٍ وَلاَ إِسَاءَةٍ، وَلاَ يُغَلِّظُ لَهُ فِي الْكَلاَمِ، وَلَيْسَ الأَْبُ كَالأَْجْنَبِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ إِذَا كَانَ أَبَوَاهُ يَبِيعَانِ الْخَمْرَ لَمْ يَأْكُل مِنْ طَعَامِهِمَا، وَخَرَجَ عَنْهُمَا (٢) .
أَمَّا الاِحْتِسَابُ بِالتَّعْنِيفِ وَالضَّرْبِ وَالإِْرْهَاقِ إِلَى تَرْكِ الْبَاطِل، فَإِنَّ الْغَزَالِيَّ يَتَّفِقُ مَعَ غَيْرِهِ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ حَيْثُ قَال: إِنَّ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَرَدَ عَامًّا، وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ إِيذَاءِ الأَْبَوَيْنِ فَقَدْ وَرَدَ خَاصًّا فِي حَقِّهِمَا مِمَّا يُوجِبُ اسْتِثْنَاءَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ، إِذْ لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْجَلاَّدَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُل أَبَاهُ فِي الزِّنَى حَدًّا، وَلاَ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ، بَل لاَ يُبَاشِرُ قَتْل أَبِيهِ الْكَافِرِ، بَل لَوْ قَطَعَ يَدَهُ لَمْ يَلْزَمْ قِصَاصٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُؤْذِيَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ إِيذَاؤُهُ بِعُقُوبَةٍ هِيَ حَقٌّ عَلَى جِنَايَةٍ سَابِقَةٍ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ إِيذَاؤُهُ بِعُقُوبَةٍ هِيَ مَنْعٌ عَنْ جِنَايَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ مُتَوَقَّعَةٍ بَل أَوْلَى (٣)
_________
(١) الفروق ٤ / ٢٥٦.
(٢) الآداب الشرعية ١ / ٥٠٥.
(٣) الإحياء ٢ / ٤٠٦.
وَتَرَخَّصَ ابْنُ حَجَرٍ فِي حَالَةِ الاِضْطِرَارِ مُجَاوَزَةِ الرِّفْقِ إِلَى الشِّدَّةِ (١) .
ثَالِثًا - احْتِسَابُ التِّلْمِيذِ عَلَى الشَّيْخِ، وَالزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَالتَّابِعِ عَلَى الْمَتْبُوعِ:
٣٨ - عَقَدَ النَّوَوِيُّ فِي الأَْذْكَارِ بَابًا فِي وَعْظِ الإِْنْسَانِ مَنْ هُوَ أَجَل مِنْهُ وَقَال: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مِمَّا تَتَأَكَّدُ الْعِنَايَةُ بِهِ، فَيَجِبُ عَلَى الإِْنْسَانِ النَّصِيحَةُ، وَالْوَعْظُ، وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِكُل صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ تَرَتُّبُ مَفْسَدَةٍ عَلَى وَعْظِهِ (٢) .
وَأَلْحَقَ الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ الزَّوْجَةَ بِالنِّسْبَةِ لِزَوْجِهَا بِالْوَلَدِ بِالنِّسْبَةِ لأَِبِيهِ.
وَقَال فِي بَابِ مَا يَقُولُهُ التَّابِعُ لِلْمَتْبُوعِ إِذَا فَعَل ذَلِكَ أَوْ نَحْوَهُ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلتَّابِعِ إِذَا رَأَى شَيْخَهُ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ يَقْتَدِي بِهِ شَيْئًا فِي ظَاهِرِهِ مُخَالَفَةُ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ بِنِيَّةِ الاِسْتِرْشَادِ، فَإِنْ كَانَ فَعَلَهُ نَاسِيًا تَدَارَكَهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَامِدًا وَهُوَ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ بَيَّنَهُ لَهُ، وَأَوْرَدَ جُمْلَةَ آثَارٍ فِي ذَلِكَ.
وَلِلإِْمَامِ الْغَزَالِيِّ تَفْصِيلٌ، فَبَعْدَ أَنْ قَرَّرَ كَأَصْلٍ عَامٍّ أَنَّ الْمُحْتَرَمَ هُوَ الأُْسْتَاذُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ، وَلاَ حُرْمَةَ لِعَالِمٍ لاَ يَعْمَل بِعِلْمِهِ وَيُعَامِلُهُ بِمُوجِبِ عِلْمِهِ الَّذِي تَعَلَّمَهُ مِنْهُ (٣) . قَال
_________
(١) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٧١.
(٢) الأذكار / ٢٧٠.
(٣) الأذكار ٢٧٦، ٢٧٧، نصاب الاحتساب ١٣٧، ١٣٨، الإحياء ٢ / ٤٠٧.
بِسُقُوطِ الْحِسْبَةِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مُعَلِّمًا وَاحِدًا وَلاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الرِّحْلَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْمُحْتَسِبَ عَلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسُدَّ عَلَيْهِ طَرِيقَ الْوُصُول إِلَيْهِ، كَكَوْنِ الْعَالِمِ مُطِيعًا لَهُ أَوْ مُسْتَمِعًا لِقَوْلِهِ، فَالصَّبْرُ عَلَى الْجَهْل مَحْذُورٌ، وَالسُّكُوتُ عَلَى الْمُنْكَرِ مَحْذُورٌ، وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُرَجِّحَ أَحَدَهُمَا وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِتَفَاحُشِ الْمُنْكَرِ وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى الْعِلْمِ لِتَعَلُّقِهِ بِمُهِمَّاتِ الدِّينِ (١) . وَنَاطَ الاِحْتِسَابَ وَتَرَكَهُ بِاجْتِهَادِ الْمُحْتَسِبِ حَتَّى يَسْتَفْتِيَ فِيهَا قَلْبَهُ، وَيَزِنَ أَحَدَ الْمَحْذُورَيْنِ بِالآْخَرِ وَيُرَجِّحَ بِنَظَرِ الدِّينِ لاَ بِمُوجِبِ الْهَوَى وَالطَّبْعِ (٢) .
رَابِعًا - احْتِسَابُ الرَّعِيَّةِ عَلَى الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ:
٣٩ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَعَلَى تَحْرِيمِهَا فِي الْمَعْصِيَةِ (٣) وَيَرَى الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْجَائِزَ فِي الْحِسْبَةِ مِنَ الرَّعِيَّةِ عَلَى الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ رُتْبَتَانِ: التَّعْرِيفُ وَالْوَعْظُ، أَمَّا مَا تَجَاوَزَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحَرِّكُ الْفِتْنَةَ وَيُهَيِّجُ الشَّرَّ، وَيَكُونُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنَ الْمَحْذُورِ أَكْثَرَ (٤) . وَزَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَإِنْ لَمْ يَخَفْ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٥) .
_________
(١) الإحياء ٢ / ٤١١.
(٢) الإحياء ٢ / ٤١١، ٤١٢.
(٣) شرح النووي على مسلم ١٢ / ٢٢٠ - ٢٢١.
(٤) إحياء علوم الدين، مطبعة الاستقامة، ٢ / ٣٤٣.
(٥) الآداب الشرعية، ١ / ١٩٦، ١٩٧.
خَامِسًا - الاِحْتِسَابُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ:
٤٠ - أَهْل الذِّمَّةِ عَاهَدُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِذْ هُمْ مُقِيمُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِخِلاَفِ أَهْل الْهُدْنَةِ فَإِنَّهُمْ صَالَحُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يَكُونُوا فِي دَارِهِمْ، وَلاَ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ، وَبِخِلاَفِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَإِنَّ إِقَامَتَهُمْ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ اسْتِيطَانٍ لَهَا، وَلِذَلِكَ كَانَ لأَِهْل الذِّمَّةِ أَحْكَامٌ تَخُصُّهُمْ دُونَ هَؤُلاَءِ (١) .
وَمِنْ هَذِهِ الأَْحْكَامِ أَنَّهُمْ إِنْ أَقَامُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِمْ فِي كُل مَا يُحْتَسَبُ فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ لاَ يُتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيمَا لاَ يُظْهِرُونَهُ فِي كُل مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهُ فِي دِينِهِمْ مِمَّا لاَ أَذَى لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَاِتِّخَاذِهِ، وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَلاَ تَعَرُّضَ لَهُمْ فِيمَا الْتَزَمْنَا تَرْكَهُ، وَمَا أَظْهَرُوهُ مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ إِنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (٢) .
_________
(١) أحكام أهل الذمة ٢ / ٤٧٥، ٤٧٦، السير الكبير ٤ / ١٥٢٩.
(٢) السير الكبير ٤ / ١٥٣٢، والرتاج شرح أحكام الخراج ٢ / ٣١٢، نصاب الاحتساب ١٢٢، ١٢٣، تحفة الناظر وغنية الذاكر ١٦٤، ١٦٥، الشرح الصغير ٢ / ٣١٥، التاج والإكليل لمختصر خليل على هامش مواهب الجليل ٣ / ٣٨٥، الخرشي ٣ / ١٤٨، ١٤٩، المهذب ٢٥٣ - ٢٥٥، معالم القربة ٣٨ - ٤٥، الآداب الشرعية ١ / ٢١٠ - ٢١٢، المغني ٥ / ٢٤٩، ٩ / ٢٢٣، ٣٤٧ - ٣٥٣، الشرقاوي على التحرير ٢ / ٤١٣.