الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
الْحِسْبَةِ عَلَى كُل الْمُنْكَرَاتِ (١) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ ظَاهِرًا لِلْمُحْتَسِبِ بِغَيْرِ تَجَسُّسٍ:
٣٢ - التَّجَسُّسُ مَعْنَاهُ طَلَبُ الأَْمَارَاتِ الْمُعَرِّفَةِ (٢) فَالأَْمَارَةُ الْمُعَرِّفَةُ إِنْ حَصَلَتْ وَأَوْرَثَتِ الْمَعْرِفَةَ جَازَ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهَا، أَمَّا طَلَبُهَا فَلاَ رُخْصَةَ فِيهِ، وَالْحِكْمَةُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ أَنَّنَا أُمِرْنَا أَنْ نُجْرِيَ أَحْكَامَ النَّاسِ عَلَى الظَّوَاهِرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْشَافٍ عَنِ الأُْمُورِ الْبَاطِنَةِ (٣) قَال عُمَرُ ﵁: إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآْنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمَّنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُ سَرِيرَتَهُ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قَال إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ (٤) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ خُذُوا مَا ظَهَرَ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ لاَ يَبْحَثْ أَحَدُكُمْ عَنْ عَيْبِ أَخِيهِ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ (٥) فَلَيْسَ
_________
(١) الطرق الحكمية ص ٧٧.
(٢) الإحياء ٢ / ٤١٥.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٦ / ٣٣٣.
(٤) أثر عمر بن الخطاب: أن أناسا كانوا يؤخذون. أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٥١ - ط السلفية) .
(٥) الجامع لأحكام القرآن ١٦ / ٣٣٣.
لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَجَسَّسَ وَلاَ أَنْ يَبْحَثَ أَوْ يَقْتَحِمَ عَلَى النَّاسِ دُورَهُمْ بِظَنِّ أَنَّ فِيهَا مُنْكَرًا، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيل التَّجَسُّسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (١) وَفِي حُكْمِهِ مَنِ ابْتَعَدَ عَنِ الأَْنْظَارِ (٢) وَاسْتَتَرَ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَعْلَمُ بِهِ غَالِبًا غَيْرُ مَنْ حَضَرَهُ وَيَكْتُمُهُ وَلاَ يُحَدِّثُ بِهِ (٣) . وَالنَّاسُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَسْتُورٌ لاَ يُعْرَفُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعَاصِي، فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ هَفْوَةٌ أَوْ زَلَّةٌ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ كَشْفُهَا وَهَتْكُهَا وَلاَ التَّحَدُّثُ بِهَا، لأَِنَّ ذَلِكَ غِيبَةٌ، وَفِي ذَلِكَ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ﴾ (٤) وَالْمُرَادُ إِشَاعَةُ الْفَاحِشَةِ عَلَى الْمُؤْمِنَ الْمُسْتَتِرِ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ أَوِ اتُّهِمَ بِهِ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: مَنْ كَانَ مُشْتَهِرًا بِالْمَعَاصِي مُعْلِنًا بِهَا وَلاَ يُبَالِي بِمَا ارْتَكَبَ مِنْهَا وَلاَ بِمَا قِيل لَهُ، فَهَذَا هُوَ الْفَاجِرُ الْمُعْلِنُ وَلَيْسَ لَهُ غِيبَةٌ، وَمِثْل هَذَا فَلاَ بَأْسَ بِالْبَحْثِ عَنْ أَمْرِهِ لِتُقَامَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ (٥) .
أَمَّا تَسَوُّرُ الْجُدْرَانِ عَلَى مَنْ عُلِمَ اجْتِمَاعُهُمْ
_________
(١) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٦٩، نصاب الاحتساب ٢٠٢.
(٢) الآداب الشرعية ١ / ٢٩٢.
(٣) غذاء الألباب ١ / ٢٢٦.
(٤) سورة النور / ١٩.
(٥) غذاء الألباب ١ / ٢٢٦، ٢٢٧، المعيار المعرب ١١ / ٣٠٢، ٣٠٣.
عَلَى مُنْكَرٍ فَقَدْ أَنْكَرَهُ الأَْئِمَّةُ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّجَسُّسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (١) وَيَتَحَقَّقُ الإِْظْهَارُ فِي حَالَةِ مَا إِذَا أَتَى مَعْصِيَةً بِحَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ فِي ذَهَابِهِمْ وَإِيَابِهِمْ، أَوْ يُعْلَمُ بِهَا عَنْ طَرِيقِ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ بِحَيْثُ لاَ تَخْفَى عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الدَّارِ، وَمَا ظَهَرَتْ دَلاَلَتُهُ فَهُوَ غَيْرُ مَسْتُورٍ بَل هُوَ مَكْشُوفٌ.
قَال الْمَاوَرْدِيُّ: لَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّا لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِهَا لأَِمَارَةٍ وَآثَارٍ ظَهَرَتْ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا، مِثْل أَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلاَ بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ، أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا، فَيَجُوزُ لَهُ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَال أَنْ يَتَجَسَّسَ وَيُقْدِمَ عَلَى الْكَشْفِ وَالْبَحْثِ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ مَا لاَ يُسْتَدْرَكُ، وَكَذَا لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُ الْمُحْتَسِبِ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ جَازَ لَهُمُ الإِْقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ وَالإِْنْكَارِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا قَصُرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ فَلاَ يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ وَلاَ كَشْفُ الأَْسْتَارُ عَنْهُ، فَإِنْ سَمِعَ أَصْوَاتَ الْمَلاَهِي الْمُنْكَرَةِ مِنْ دَارٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ مِنْ خَارِجِ الدَّارِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا
_________
(١) الآداب الشرعية ١ / ٣١٨، ٣١٩.
لأَِنَّ الْمُنْكَرَ ظَاهِرٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ عَنِ الْبَاطِنِ (١) .
الإِْنْكَارُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ:
الظَّنُّ نَوْعَانِ:
٣٣ - نَوْعٌ مَذْمُومٌ نَهَى الشَّارِعُ عَنِ اتِّبَاعِهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ مَا لاَ يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ، مِثْل أَنْ يَظُنَّ بِإِنْسَانٍ أَنَّهُ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ أَوْ قَتَل نَفْسًا أَوْ أَخَذَ مَالًا أَوْ ثَلَبَ عِرْضًا، فَأَرَادَ أَنْ يُؤَاخِذَهُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا ظَنُّهُ، وَأَرَادَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الظَّنِّ فَهَذَا هُوَ الإِْثْمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٢) وَحَدِيثُ: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ (٣) .
وَنَوْعٌ مَحْمُودٌ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ لأَِنَّ مُعْظَمَ الْمَصَالِحِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظُّنُونِ الْمَضْبُوطَةِ بِالضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ (٤) وَإِنَّ تَرْكَ الْعَمَل
_________
(١) الأحكام السلطانية ٢٥٢، شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٦، تبصرة الحكام ٢ / ١٨٦، ١٨٧، الآداب الشرعية ١ / ٣١٨، تحفة الناظر وغنية الذاكر ٢١.
(٢) سورة الحجرات / ١٢.
(٣) حديث: " إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ". أخرجه مسلم (٤ / ١٩٨٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٤) قواعد الأحكام ٢ / ٦٢، أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٢ - ١٥، والجامع لأحكام القرآن ١٦ / ٣٣٢، أحكام القرآن للجصاص ٥ / ٢٨٧ - ٢٨٩، الآداب الشرعية ١ / ٣١٧.
بِهَذَا النَّوْعِ يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل مَصَالِحَ كَثِيرَةٍ غَالِبَةٍ خَوْفًا مِنْ وُقُوعِ مَفَاسِدَ قَلِيلَةٍ نَادِرَةٍ وَذَلِكَ عَلَى خِلاَفِ حِكْمَةِ الإِْلَهِ الَّذِي شَرَعَ الشَّرَائِعَ لأَِجْلِهَا (١) وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ فِي مِثْل الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ:
الأُْولَى: لَوْ رَأَى إِنْسَانًا يَسْلُبُ ثِيَابَ إِنْسَانٍ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ يَدِ الْمَسْلُوبِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ رَأَى رَجُلًا يَجُرُّ امْرَأَةً إِلَى مَنْزِلِهِ يَزْعُمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَهِيَ تُنْكِرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ رَأَى إِنْسَانًا يَقْتُل إِنْسَانًا يَزْعُمُ أَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ دَخَل إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَهُوَ يُكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ الإِْنْكَارُ، لأَِنَّ اللَّهَ خَلَقَ عِبَادَهُ حُنَفَاءَ، وَالدَّارُ دَالَّةٌ عَلَى إِسْلاَمِ أَهْلِهَا لِغَلَبَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا.
فَفِي هَذِهِ الْحَالاَتِ وَأَمْثَالِهَا يُعْمَل بِالظُّنُونِ فَإِنْ أَصَابَ مَنْ قَامَ بِهَا فَقَدْ أَدَّى مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ كَانَ مَعْذُورًا وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ (٢) .
وَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَطُوفَ فِي السُّوقِ وَأَنْ يَتَفَحَّصَ أَحْوَال أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَهُ أَحَدٌ بِخِيَانَتِهِمْ (٣) وَلاَ يَكُونُ هَذَا مِنْ قَبِيل التَّجَسُّسِ
_________
(١) قواعد الأحكام ٢ / ٦٠.
(٢) قواعد الأحكام ٢ / ٥٨، ٥٩، الفروق ٤ / ٢٥٧، الآداب الشرعية ١ / ٣١٧.
(٣) نصاب الاحتساب ١٥٦، ١٥٧، ١ / ٢، ٢٠٢.
الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَل هُوَ مِنْ صَمِيمِ عَمَلِهِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَشْغَلَهُ عَنْهُ شَاغِلٌ كَمَا سَبَقَ فِي بَحْثِ آدَابِ الْمُحْتَسِبِ (١) .
: الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مَعْلُومًا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ، فَكُل مَا هُوَ مَحَلٌّ لِلاِجْتِهَادِ فَلاَ حِسْبَةَ فِيهِ (٢) وَعَبَّرَ صَاحِبُ الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي عَنْ هَذَا الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ: أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ، أَوْ يَكُونَ مُدْرَكُ عَدَمِ التَّحْرِيمِ فِيهِ ضَعِيفًا (٣) وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الأَْحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، أَوْ مِنَ. الْمُحَرَّمَاتِ الْمَشْهُورَةِ كَالزِّنَى، وَالْقَتْل، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالْغَصْبِ، وَالرِّبَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَكُل مُسْلِمٍ يَعْلَمُ بِهَا وَلاَ يَخْتَصُّ الاِحْتِسَابُ بِفَرِيقٍ دُونَ فَرِيقٍ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ فِي دَقَائِقِ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال مِمَّا لاَ يَقِفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ سِوَى الْعُلَمَاءِ، مِثْل فُرُوعِ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ، وَهَذَا الضَّرْبُ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْل الْعِلْمِ وَهَذَا
_________
(١) معالم القربة ٢١٩، نهاية الرتبة في طلب الحسبة للشيرازي.
(٢) الإحياء ٢ / ٤١٦.
(٣) الفواكه الدواني ٢ / ٣٩٤.
لاَ خِلاَفَ فِي تَعَلُّقِ الْحِسْبَةِ فِيهِ لأَِهْل الْعِلْمِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ مَدْخَلٌ فِيهِ.
وَالثَّانِي: مَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْل الْعِلْمِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالاِجْتِهَادِ، فَكُل مَا هُوَ مَحَل الاِجْتِهَادِ فَلاَ حِسْبَةَ فِيهِ (١) .
وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْل لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ بَل الْمُرَادُ بِهِ الْخِلاَفُ الَّذِي لَهُ دَلِيلٌ، أَمَّا مَا لاَ دَلِيل لَهُ فَلاَ يُعْتَدُّ بِهِ (٢) وَيُقَرِّرُ هَذَا الإِْمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ الإِْنْكَارَ إِمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْقَوْل وَالْفَتْوَى، أَوِ الْعَمَل.
أَمَّا الأَْوَّل فَإِذَا كَانَ الْقَوْل يُخَالِفُ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا شَائِعًا وَجَبَ إِنْكَارُهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنَّ بَيَانَ ضَعْفِهِ وَمُخَالَفَتِهِ لِلدَّلِيل إِنْكَارُ مِثْلِهِ، وَأَمَّا الْعَمَل فَإِذَا كَانَ عَلَى خِلاَفِ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ وَجَبَ إِنْكَارُهُ بِحَسَبِ دَرَجَاتِ الإِْنْكَارِ، وَكَيْفَ يَقُول فَقِيهٌ لاَ إِنْكَارَ فِي الْمَسَائِل الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَالْفُقَهَاءُ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ قَدْ صَرَّحُوا بِنَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ إِذَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَافَقَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ سُنَّةٌ أَوْ إِجْمَاعٌ وَلِلاِجْتِهَادِ فِيهَا مَسَاغٌ لَمْ تُنْكَرْ عَلَى مَنْ عَمِل بِهَا مُجْتَهِدًا أَوْ
_________
(١) شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٣، كتاب الفقيه والمتفقه ٢ / ٦٧، ٦٨، إحياء علوم الدين ٢ / ٤١٥، الآداب الشرعية ١ / ١٨٦، ١٨٧، تحفة الناظر وغنية الذاكر ٤، ٧، الزواجر ٢ / ١٦٩.
(٢) حاشية رد المحتار ٥ / ٤٠٣.
مُقَلِّدًا (١) وَقَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ: وَلاَ يُنْكِرُ مُحْتَسِبٌ وَلاَ غَيْرُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا: لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَلاَ لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا. وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَنْقُصُ إِذَا خَالَفَ الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ أَوِ الإِْجْمَاعَ أَوِ الْقِيَاسَ (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (فَتْوَى وَقَضَاءٌ) .
أَقْسَامُ الْمُنْكَرِ:
٣٤ - الْمُنْكَرُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ.
وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
فَأَمَّا النَّهْيُ عَنْهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا تَعَلَّقَ بِالْعَقَائِدِ.
وَالثَّانِي: مَا تَعَلَّقَ بِالْعِبَادَاتِ.
وَالثَّالِثُ: مَا تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورَاتِ.
وَالرَّابِعُ: مَا تَعَلَّقَ بِالْمُعَامَلاَتِ.
_________
(١) أعلام الموقعين ٣ / ٣٠٠، الآداب الشرعية ١ - ١٨٩ - ١٩١.
(٢) شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٤، الفروق ٤ / ٤٠، ٤١ وتهذيب الفروق ٤ / ٨٠. الفواكه الدواني ٢ / ٣٩٤، حاشية رد المحتار ٥ / ٢٩٢، ٤٠٠ - ٤٠٢، ٦٨٥، تيسير التحرير ٤ / ٣٤، كتاب الفقيه والمتفقه ٢ / ٦٥، غاية الوصول شرح لب الأصول ١٤٩، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ١٤٩، ١٥٠.
فَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْعَقَائِدِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهَا هُوَ جُمْلَةُ مَا عَلَيْهِ أَهْل الْحَدِيثِ وَأَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (١) .
وَمِنْ أَخَصِّ خَصَائِصِهِمْ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ أُمَّ الْكِتَابِ وَيَتْرُكُونَ الْمُتَشَابِهَ، وَأُمُّ الْكِتَابِ يَعُمُّ مَا هُوَ مِنَ الأُْصُول الاِعْتِقَادِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ (٢) .
وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادَاتِ فَكَالْقَاصِدِ مُخَالَفَةَ هَيْئَتِهَا الْمَشْرُوعَةِ وَالْمُتَعَمِّدِ تَغْيِيرَ أَوْصَافِهَا الْمَسْنُونَةِ، مِثْل أَنْ يَقْصِدَ الْجَهْرَ فِي صَلاَةِ الإِْسْرَارِ، وَالإِْسْرَارَ فِي صَلاَةِ الْجَهْرِ، أَوْ يَزِيدَ فِي الصَّلاَةِ أَوْ فِي الأَْذَانِ أَذْكَارًا غَيْرَ مَسْنُونَةٍ، فَلِلْمُحْتَسِبِ إِنْكَارُهَا، وَتَأْدِيبُ الْمُعَانِدِ فِيهَا، إِذَا لَمْ يَقُل بِمَا ارْتَكَبَهُ إِمَامٌ مَتْبُوعٌ.
وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورَاتِ فَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ مَوَاقِفِ الرِّيَبِ وَمَظَانِّ التُّهْمَةِ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ (٣) فَيُقَدِّمُ الإِْنْكَارَ وَلاَ يُعَجِّل بِالتَّأْدِيبِ قَبْل الإِْنْكَارِ.
وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِالْمُعَامِلاَتِ الْمُنْكَرَةِ كَالرِّبَا وَالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، وَمَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهُ مَعَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٧٠.
(٢) الموافقات ٤ / ١٧٧ - ١٧٨.
(٣) حديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٦٨ - ط الحلبي) من حديث الحسن بن علي، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
تَرَاضِي الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِهِ إِذَا كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى حَظْرِهِ، فَعَلَى وَالِي الْحِسْبَةِ إِنْكَارُهُ وَالْمَنْعُ مِنْهُ وَالزَّجْرُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَظْرِهِ وَإِبَاحَتِهِ فَلاَ مَدْخَل لَهُ فِي إِنْكَارِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِمَا ضَعُفَ الْخِلاَفُ فِيهِ وَكَانَ ذَرِيعَةً إِلَى مَحْظُورٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، كَرِبَا النَّقْدِ، فَالْخِلاَفُ فِيهِ ضَعِيفٌ، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَى رِبَا النَّسَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَمِمَّا هُوَ عُمْدَةُ نَظَرِهِ الْمَنْعُ مِنَ التَّطْفِيفِ وَالْبَخْسِ فِي الْمَكَايِيل وَالْمَوَازِينِ وَالصَّنَجَاتِ، وَلَهُ الأَْدَبُ عَلَيْهِ وَالْمُعَاقَبَةُ فِيهِ. وَيَجُوزُ لَهُ إِذَا اسْتَرَابَ بِمَوَازِينِ أَهْل السُّوقِ وَمَكَايِيلِهِمْ أَنْ يَخْتَبِرَهَا وَيُعَايِرَهَا، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا عَايَرَهُ مِنْهَا طَابَعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْعَامَّةِ لاَ يَتَعَامَلُونَ إِلاَّ بِهِ كَانَ أَحْوَط وَأَسْلَمَ. فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ وَتَعَامَل قَوْمٌ بِغَيْرِ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ طَابِعُهُ تَوَجَّهَ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِمْ - إِنْ كَانَ مَبْخُوسًا - مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِمُخَالَفَتِهِ فِي الْعُدُول عَنْ مَطْبُوعِهِ وَإِنْكَارِهِ مِنَ الْحُقُوقِ السُّلْطَانِيَّةِ.
وَالثَّانِي: لِلْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ وَإِنْكَارُهُ مِنَ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَعَامَلُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَطْبُوعِ سَلِيمًا مِنْ بَخْسٍ وَنَقْصٍ تَوَجَّهَ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِمْ بِحَقِّ السَّلْطَنَةِ وَحْدَهَا لأَِجْل الْمُخَالَفَةِ. وَإِنْ زَوَّرَ قَوْمٌ عَلَى طَابِعِهِ كَانَ الزُّورُ فِيهِ كَالْمُبَهْرَجِ عَلَى طَابَعِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَإِنْ قُرِنَ التَّزْوِيرُ بِغِشٍّ كَانَ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ وَالتَّأْدِيبُ مُسْتَحَقًّا مِنْ وَجْهَيْنِ: