الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
قَدْرًا طَابَ بِهِ نَفْسًا، شَرَعَ الْمُحْتَسِبُ حِينَئِذٍ فِي عَمَل الْمَصْلَحَةِ، وَأَخَذَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ بِمَا الْتَزَمَ بِهِ، وَإِنْ عَمَّتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِالْقِيَامِ بِهَا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ السُّلْطَانَ فِيهَا، لِئَلاَّ يَصِيرَ بِالتَّفَرُّدِ مُفْتَاتًا عَلَيْهِ، إِذْ لَيْسَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ مِنْ مَعْهُودِ حِسْبَتِهِ، وَإِنْ قَلَّتْ وَشَقَّ اسْتِئْذَانُ السُّلْطَانِ فِيهَا أَوْ خِيفَ زِيَادَةُ الضَّرَرِ لِبُعْدِ اسْتِئْذَانِهِ جَازَ شُرُوعُهُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ.
وَأَمَّا الْخَاصُّ فَكَالْحُقُوقِ إِذَا مُطِلَتْ، وَالدُّيُونِ إِذَا أُخِّرَتْ، فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا مَعَ الْمُكْنَةِ إِذَا اسْتَعْدَاهُ أَصْحَابُ الْحُقُوقِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ عَلَيْهَا، لأَِنَّ الْحُبْسَ حُكْمٌ وَلَهُ أَنْ يُلاَزِمَ عَلَيْهَا، لأَِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يُلاَزِمَ وَلَيْسَ لَهُ الأَْخْذُ بِنَفَقَاتِ الأَْقَارِبِ لاِفْتِقَارِ ذَلِكَ إِلَى اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ فِيمَنْ يَجِبُ لَهُ وَعَلَيْهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا فَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَدَائِهَا، وَكَذَلِكَ كَفَالَةُ مَنْ تَجِبُ كَفَالَتُهُ مِنَ الصِّغَارِ لاَ اعْتِرَاضَ لَهُ فِيهَا حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا الْحَاكِمُ، وَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْقِيَامِ بِهَا عَلَى الشُّرُوطِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِيهَا. فَأَمَّا قَبُول الْوَصَايَا وَالْوَدَائِعِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا أَعْيَانَ النَّاسِ وَآحَادَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ حَثًّا عَلَى التَّعَاوُنِ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْمِثَال تَكُونُ أَوَامِرُهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ.
٢٦ - الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ كَأَخْذِ الأَْوْلِيَاءِ بِإِنْكَاحِ الأَْيَامَى مِنْ أَكْفَائِهِنَّ إِذَا طَلَبْنَ، وَإِلْزَامِ النِّسَاءِ أَحْكَامَ الْعِدَدِ إِذَا فُورِقْنَ، وَلَهُ تَأْدِيبُ مَنْ خَالَفَ فِي الْعِدَّةِ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْدِيبُ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، وَمَنْ نَفَى وَلَدًا قَدْ ثَبَتَ فِرَاشُ أُمِّهِ وَلُحُوقُ نَسَبِهِ أَخَذَهُ بِأَحْكَامِ الآْبَاءِ أَوْ عَزَّرَهُ عَلَى النَّفْيِ أَدَبًا، وَيَأْخُذُ أَرْبَابَ الْبَهَائِمِ بِعَلَفِهَا إِذَا قَصَّرُوا فِيهَا، وَأَلاَّ يَسْتَعْمِلُوهَا فِيمَا لاَ تُطِيقُ، وَمَنْ أَخَذَ لَقِيطًا فَقَصَّرَ فِي كَفَالَتِهِ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ بِحُقُوقِ الْتِقَاطِهِ مِنَ الْتِزَامِ كَفَالَتِهِ أَوْ تَسْلِيمِهِ إِلَى مَنْ يَلْتَزِمُهَا وَيَقُومُ بِهَا، وَكَذَلِكَ وَاجِدُ الضَّوَال إِذَا قَصَّرَ فِيهَا أَخَذَهُ بِمِثْل ذَلِكَ مِنَ الْقِيَامِ بِهَا أَوْ تَسْلِيمِهَا إِلَى مَنْ يَقُومُ بِهَا، وَيَكُونُ ضَامِنًا لِلضَّالَّةِ بِالتَّقْصِيرِ وَلاَ يَكُونُ بِهِ ضَامِنًا لِلَّقِيطِ، وَإِذَا سَلَّمَ الضَّالَّةَ إِلَى غَيْرِهِ ضَمِنَهَا وَلاَ يَضْمَنُ اللَّقِيطَ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ عَلَى نَظَائِرِ هَذَا الْمِثَال يَكُونُ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ (١) .
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤٣ - ٢٤٧، المقدمة السلطانية تأليف طوغان شيخ المحمدي المصري الحنفي ورقة ١١٤، ١١٥، (خط دار الكتب المصرية رقم ١٧٢٦ فقه حنفي ألفه سنة ٨٧٨ هـ انظر ترقيمه ذيل كشف الظنون ٤ / ٥٤٣)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٨٧ - ٢٩١، معالم القربة ٢٢ - ٢٧، غرائب القرآن ورغائب الفرقان ٢٤، ٢٨، ٢٩، الفروق للقرافي ١ / ١٤٠، ١٤٢ في الفرق الثاني والعشرين، وتهذيب الفروق بهامشه ١٥٧، ١٥٨، نهاية الأرب ٦ / ٢٩٦ - ٣٠٢.
مَعْنَى الْمُنْكَرِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ
٢٧ - الْمُنْكَرُ ضِدُّ الْمَعْرُوفِ وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْعُلَمَاءِ فِي تَحْدِيدِ مَعْنَاهُ عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى الْكُفْرِ (١) وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ شَامِلًا لِمُحَرَّمَاتِ الشَّرْعِ (٢) وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَعْمَلَهُ فِي كُل مَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ (٣) . وَاسْتَعْمَلَهُ آخَرُونَ فِي كُل مَا عُرِفَ بِالْعَقْل وَالشَّرْعِ قُبْحُهُ (٤) وَقَال غَيْرُهُمْ هُوَ أَشْمَل مِنْ كُل مَا تَقَدَّمَ، هُوَ مَا تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ وَتَتَأَذَّى بِهِ مِمَّا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ وَنَافَرَهُ الطَّبْعُ وَتَعَاظَمَ اسْتِكْبَارُهُ وَقَبُحَ غَايَةَ الْقُبْحِ اسْتِظْهَارُهُ فِي مَحَل الْمَلأَِ (٥) لِقَوْلِهِ ﷺ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِْثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ (٦) .
وَالْمُنْكَرُ مِنْهُ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مَحْظُورٌ وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَكْرُوهِ عِنْدَ إِطْلاَقِهِمْ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ
_________
(١) البحر المحيط ٣ / ٢٠، ٢١.
(٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٦٨.
(٣) البحر المحيط ٣ / ٢١، أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٢٢.
(٤) لباب التأويل في معاني التنزيل ١ / ٣٩٩، معالم القربة ٢٢.
(٥) المفردات في غريب القرآن مادة نكر، النهاية في غريب الحديث والأثر ٥ / ١١٥ مادة نكر، تحفة الناظر وغنية الذاكر ٢٩، غذاء الألباب ١ / ١٨١، الآداب الشرعية ١ / ١٧٤، إتحاف السادة المتقين ٧ / ٣٤.
(٦) حديث: " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس ". أخرجه مسلم مرفوعا (٤ / ١٩٨٠ - ط الحلبي) من حديث النواس بن سمعان.
يُسَاوِي الْمُحَرَّمَ، وَيُسَمَّى أَيْضًا مَعْصِيَةً وَذَنْبًا (١) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ وَالْمَحْظُورِ، أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْمُنْكَرِ الْمَكْرُوهِ مُسْتَحَبٌّ، وَالسُّكُوتُ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْفَاعِل أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَجَبَ ذِكْرُهُ لَهُ، فَإِنَّ لِلْكَرَاهَةِ حُكْمًا فِي الشَّرْعِ يَجِبُ تَبْلِيغُهُ إِلَى مَنْ لاَ يَعْرِفُهُ. أَمَّا الْمَحْظُورُ فَالنَّهْيُ عَنْهُ وَاجِبٌ وَالسُّكُوتُ عَلَيْهِ مَحْظُورٌ إِذَا تَحَقَّقَ شَرْطُهُ، وَبِهَذَا اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ، أَوْ يَكُونَ مُدْرَكُ عَدَمِ التَّحْرِيمِ فِيهِ ضَعِيفًا (٢) .
شُرُوطُ الْمُنْكَرِ::
٢٨ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُنْكَرِ الْمَطْلُوبِ تَغْيِيرُهُ مَا يَلِي: الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ مُنْكَرًا بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا فِي الشَّرْعِ، وَقَال الْغَزَالِيُّ: الْمُنْكَرُ أَعَمُّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، إِذْ مَنْ رَأَى صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرِيقَ خَمْرَهُ وَيَمْنَعَهُ، وَكَذَا إِنْ رَأَى مَجْنُونًا يَزْنِي بِمَجْنُونَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ، وَهَذَا لاَ يُسَمَّى مَعْصِيَةً فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ، إِذْ مَعْصِيَةٌ لاَ عَاصِيَ بِهَا مُحَالٌ، وَلِهَذَا قَال صَاحِبَا الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ وَالْمَنْهِيُّ عَاصِيَيْنِ، بَل يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُلاَبِسًا لِمَفْسَدَةٍ
_________
(١) إتحاف السادة المتقين ٧ / ٥٢، ٥٣، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ١ / ٨٦، والفواكه الدواني ٢ / ٣٩٤.
(٢) إحياء علوم الدين ٢ / ٤٢٨، شرحه المسمى إتحاف السادة المتقين ٧ / ٥٢، ٥٣، والفواكه الدواني ٢ / ٣٩٤.
وَاجِبَةِ الدَّفْعِ وَالآْخَرُ تَارِكًا لِمَصْلَحَةٍ وَاجِبَةِ التَّحْصِيل، وَسَاقَا جُمْلَةَ أَمْثِلَةٍ لِلْمُنْكَرِ الَّذِي يَجِبُ تَغْيِيرُهُ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ.
أَحَدُهَا: أَمْرُ الْجَاهِل بِمَعْرُوفٍ لاَ يَعْرِفُ وُجُوبَهُ، وَنَهْيُهُ عَنْ مُنْكَرٍ لاَ يَعْرِفُ تَحْرِيمَهُ كَنَهْيِ الأَْنْبِيَاءِ ﵈ أُمَمَهُمْ أَوَّل بَعْثِهِمْ.
الثَّانِي: قِتَال الْبُغَاةِ مَعَ أَنَّهُ لاَ إِثْمَ عَلَيْهِمْ فِي بَغْيِهِمْ لِتَأَوُّلِهِمْ.
الثَّالِثُ: ضَرْبُ الصِّبْيَانِ عَلَى مُلاَبَسَةِ الْفَوَاحِشِ وَتَرْكِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ.
الرَّابِعُ: قَتْل الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ إِذَا صَالُوا عَلَى الدِّمَاءِ وَالأَْبْضَاعِ وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُمْ إِلاَّ بِقَتْلِهِمْ.
الْخَامِسُ: إِذَا وَكَّل وَكِيلًا فِي الْقِصَاصِ ثُمَّ عَفَا وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيل أَوْ أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ بِالْعَفْوِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ وَأَرَادَ الاِقْتِصَاصَ، فَلِلْفَاسِقِ أَنْ يَدْفَعَهُ بِالْقَتْل إِذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ إِلاَّ بِهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْقَتْل مِنْ غَيْرِ حَقٍّ.
السَّادِسُ: ضَرْبُ الْبَهَائِمِ فِي التَّعْلِيمِ وَالرِّيَاضَةِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الشِّرَاسِ وَالْجِمَاحِ، وَكَذَلِكَ ضَرْبُهَا حَمْلًا عَلَى الإِْسْرَاعِ لِمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ وَالْقِتَال (١) .
_________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١ / ١٢١، ١٢٢، الفروق ٤ / ٢٥٦، ٢٥٧.
وَلاَ يَقْتَصِرُ الإِْنْكَارُ عَلَى الْكَبِيرَةِ، بَل يَجِبُ النَّهْيُ عَنِ الصَّغَائِرِ أَيْضًا (١) .
الشَّرْطُ الثَّانِي
٢٩ - أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مَوْجُودًا فِي الْحَال بِأَنْ يَكُونَ الْفَاعِل مُسْتَمِرًّا عَلَى فِعْل الْمُنْكَرِ، فَإِنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ تَرْكُ الاِسْتِمْرَارِ عَلَى الْفِعْل لَمْ يَجُزْ إِنْكَارُ مَا وَقَعَ عَلَى الْفِعْل، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنِ الْحِسْبَةِ عَلَى مَنْ فَرَغَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَاحْتِرَازٌ عَمَّا سَيُوجَدُ، كَمَنْ يَعْلَمُ بِقَرِينَةِ الْحَال أَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الشُّرْبِ فِي لَيْلَةٍ فَلاَ حِسْبَةَ عَلَيْهِ إِلاَّ بِالْوَعْظِ، وَإِنْ أَنْكَرَ عَزْمَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ وَعْظُهُ أَيْضًا، فَإِنَّ فِيهِ إِسَاءَةَ ظَنٍّ بِالْمُسْلِمِ، وَرُبَّمَا صُدِّقَ فِي قَوْلِهِ، وَرُبَّمَا لاَ يُقْدِمُ عَلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ لِعَائِقٍ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ حَالَتَانِ (٢):
الْحَالَةُ الأُْولَى: الإِْصْرَارُ عَلَى فِعْل الْحَرَامِ مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثِ تَوْبَةٍ فَهَذَا يَجِبُ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ وَفِي رَفْعِهِ إِلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ خِلاَفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ السَّتْرِ وَاسْتِحْبَابِهِ وَعَلَى سُقُوطِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ وَعَدَمِهِ، أَمَّا عَنْ وُجُوبِ السَّتْرِ وَاسْتِحْبَابِهِ فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ أَقَاوِيل نُوجِزُهَا فِي الآْتِي:
ذَهَبَ الأَْحْنَافُ إِلَى أَنَّ الشَّاهِدَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ (أَسْبَابُ الْحُدُودِ) مُخَيَّرٌ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ: بَيْنَ أَنْ
_________
(١) الإحياء ٢ / ٤١٤.
(٢) الآداب الشرعية ١ / ٢٩٢، غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ١ / ٢٢٦.
يَشْهَدَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ أَنْ يَسْتُرَ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ. قَال اللَّهُ ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (١)
وَقَال ﵊: مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (٢) وَقَدْ نَدَبَهُ الشَّرْعُ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ شَاءَ اخْتَارَ جِهَةَ الْحِسْبَةِ فَأَقَامَهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ جِهَةَ السَّتْرِ فَيَسْتُرُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَالسَّتْرُ أَوْلَى.
وَأَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ أَسْبَابِ الْحُدُودِ نَحْوُ طَلاَقٍ وَإِعْتَاقٍ وَظِهَارٍ وَإِيلاَءٍ وَنَحْوِهَا مِنْ أَسْبَابِ الْحُرُمَاتِ تَلْزَمُهُ إِقَامَةُ الشَّهَادَةِ حِسْبَةً لِلَّهِ ﵎ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى إِقَامَتِهَا مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ إِنِ اسْتَدَامَ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالْعِتْقِ وَالطَّلاَقِ وَالرَّضَاعِ وَالْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ يَنْقَضِي بِالْفَرَاغِ مِنْ مُتَعَلَّقِهِ كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الرَّفْعِ وَعَدَمِهِ، وَالتَّرْكُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى السَّتْرِ الْمَطْلُوبِ فِي غَيْرِ الْمُجَاهِرِ بِالْفِسْقِ. وَفِي الْمَوَّاقِ أَنَّ سَتْرَ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَاجِبٌ
_________
(١) سورة الطلاق / ٢.
(٢) حديث: " من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) بدائع الصنائع ٩ / ٤٠٦٠، ٤٠٦١، شرح غرر الأحكام ٢ / ٣٧١، ٣٧٢.
حِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَرْكُ الرَّفْعِ وَاجِبًا (١) .
وَذَكَرَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ تَفْصِيلًا خُلاَصَتُهُ أَنَّ الزَّوَاجِرَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ زَاجِرٌ عَنِ الإِْصْرَارِ عَلَى ذَنْبٍ حَاضِرٍ، أَوْ مَفْسَدَةٍ مُلاَبِسَةٍ لاَ إِثْمَ عَلَى فَاعِلِهَا وَهُوَ مَا قُصِدَ بِهِ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ الْمَوْجُودَةِ وَيَسْقُطُ بِانْدِفَاعِهَا.
٣٠ - النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يَقَعُ زَاجِرًا عَنْ مِثْل ذَنْبٍ مَاضٍ مُنْصَرِمٍ أَوْ عَنْ مِثْل مَفْسَدَةٍ مَاضِيَةٍ مُنْصَرِمَةٍ وَلاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِالاِسْتِيفَاءِ وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَجِبُ إِعْلاَمُ مُسْتَحِقِّهِ لِيَبْرَأَ مِنْهُ أَوْ يَسْتَوْفِيَهُ، وَذَلِكَ كَالْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ وَالأَْطْرَافِ وَكَحَدِّ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مُسْتَحِقَّهُ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا الأَْوْلَى بِالْمُتَسَبِّبِ إِلَيْهِ سَتْرُهُ كَحَدِّ الزِّنَى وَالْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ. ثُمَّ قَال: وَأَمَّا الشُّهُودُ عَلَى هَذِهِ الْجَرَائِمِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حُقُوقُ الْعِبَادِ لَزِمَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِهَا وَأَنْ يُعَرِّفُوا بِهَا أَرْبَابَهَا وَإِنْ كَانَتْ زَوَاجِرُهَا حَقًّا مَحْضًا لِلَّهِ فَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ بِهَا، فَيَشْهَدُوا بِهَا مِثْل أَنْ يَطَّلِعُوا مِنْ إِنْسَانٍ عَلَى تَكَرُّرِ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالإِْدْمَانِ عَلَى شُرْبِ الْخُمُورِ وَإِتْيَانِ الذُّكُورِ فَالأَْوْلَى أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفَاسِدِ، وَإِنْ
_________
(١) الشرح الصغير ٤ / ٢٤٩، تحفة الناظر وغنية الذاكر ٢٦، ٢٧.
كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي السَّتْرِ عَلَيْهِ مِثْل زَلَّةٍ مِنْ هَذِهِ الزَّلاَّتِ تَقَعُ نُدْرَةً مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ ثُمَّ يُقْلِعُ عَنْهَا وَيَتُوبُ مِنْهَا فَالأَْوْلَى أَنْ لاَ يَشْهَدُوا (١) لِقَوْلِهِ ﷺ لِهَزَّالٍ: يَا هَزَّال لَوْ سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ (٢)
وَحَدِيثِ: وَأَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ (٣) وَحَدِيثِ: مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (٤)
وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: عَدَمُ الإِْنْكَارِ وَالتَّبْلِيغُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي مَبْنِيٌّ عَلَى سُقُوطِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ، فَإِنِ اعْتَقَدَ الشَّاهِدُ سُقُوطَهُ لَمْ يَرْفَعْهُ وَإِلاَّ رَفَعَهُ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْمُحَرَّمِ لَمْ يَتُبْ، فَهَذَا يَجِبُ إِنْكَارُ فِعْلِهِ الْمَاضِي وَإِنْكَارُ إِصْرَارِهِ (٥) .
_________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١ / ١٨٦ - ١٩٠.
(٢) حديث: " يا هزال لو سترته بردائك كان خير لك ". أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٢٨١ - ط الحلبي) مرسلا، ووصله أبو داود (٤ / ٥٤١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث هزال، وفيه مقال وله طريق آخر عند أبي داود كذلك يتقوى به.
(٣) حديث: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ". أخرجه أبو داود (٤ / ٥٤٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة وحسنه المناوي في الفيض (٢ / ٧٤ - ط المكتبة التجارية) .
(٤) حديث: " من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة ". سبق تخريجه (ف ٢٩) .
(٥) الآداب الشرعية ٢١٨، ٢١٩، ٢٩٢، المغني لابن قدامة ٩ / ٤٨، ٤٩، ١٠ / ٢١٥، ٢١٦، غذاء الألباب ١ / ٢٠٧.
٣١ - الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ مِنِ اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمُنْكَرِ فِي الْحَال:
الإِْنْكَارُ عَلَى أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ وَالْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ.
قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي تَفْصِيل مَا إِلَى الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ: فَأَمَّا نَظَرُهُ فِي الدِّينِ فَيَنْقَسِمُ إِلَى: النَّظَرِ فِي أَصْل الدِّينِ، وَإِلَى النَّظَرِ فِي فُرُوعِهِ، فَأَمَّا الْقَوْل فِي أَصْل الدِّينِ فَيَنْقَسِمُ إِلَى حِفْظِ الدِّينِ بِأَقْصَى الْوُسْعِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَدَفْعُ شُبُهَاتِ الزَّائِفِينَ، وَإِلَى دُعَاءِ الْجَاحِدِينَ وَالْكَافِرِينَ إِلَى الْتِزَامِ الْحَقِّ الْمُبِينِ (١) .
قَال الشَّاطِبِيُّ: مَنْ أَظْهَرَ بِدْعَتَهُ وَدَعَا إِلَيْهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ مِنْ تَظَاهَرَ بِمَعْصِيَةِ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ أَوْ دَعَا إِلَيْهَا، يُؤَدَّبُ، أَوَيُزْجَرُ، أَوْ يُقْتَل، إِنِ امْتَنَعَ مِنْ فِعْل وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ (٢) .
وَيَرَى الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْبِدَعَ كُلَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تُحْسَمَ أَبْوَابُهَا وَتُنْكَرَ عَلَى الْمُبْتَدِعِينَ بِدَعُهُمْ وَإِنِ اعْتَقَدُوا أَنَّهَا الْحَقُّ (٣) .
وَيَرَى ابْنُ الْقَيِّمِ وُجُوبَ إِتْلاَفِ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْبِدْعَةِ، وَأَنَّهَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ إِتْلاَفِ آنِيَةِ الْخَمْرِ وَآلاَتِ اللَّهْوِ وَالْمَعَازِفِ، وَلأَِنَّ الْحِسْبَةَ عَلَى أَهْل الأَْضْوَاءِ وَالْبِدَعِ أَهَمُّ مِنَ
_________
(١) غياث الأمم في التياث الظلم ١٣٣ - ١٣٧.
(٢) الموافقات ٤ / ١٨٥.
(٣) الإحياء ٢ / ٤١٧.