الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
وَخَصَّهُ الْمَالِكِيَّةُ بِسَاكِنِي الْمَدِينَةِ (١) .
د - لاَ جَزَاءَ فِيمَا حَرُمَ مِنْ صَيْدِهَا وَشَجَرِهَا وَحَشِيشِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، بِخِلاَفِ حَرَمِ مَكَّةَ. وَفِي الْقَوْل الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِيهِ الْجَزَاءُ.
هـ - يَجُوزُ دُخُول الْمَدِينَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ بِلاَ خِلاَفٍ.
- وَلاَ يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ دُخُول الْمَدِينَةِ مِنْ أَجْل الْمَصْلَحَةِ مُؤَقَّتًا مِنْ غَيْرِ اسْتِيطَانٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، بِخِلاَفِ حَرَمِ مَكَّةَ الْمَكْرُمَةِ.
ز - لاَ يَخْتَصُّ حَرَمُ الْمَدِينَةِ بِالنُّسُكِ وَذَبْحِ الْهَدَايَا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ.
ح - لَيْسَ لِلُقَطَةِ الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ حُكْمٌ خَاصٌّ كَالْحَرَمِ الْمَكِّيِّ مِنْ عَدَمِ تَمَلُّكِهَا وَوُجُوبِ تَعْرِيفِهَا لِلأَْبَدِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ.
هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي إِعْلاَمِ السَّاجِدِ سَائِرَ خَصَائِصِ الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ وَأَحْكَامِهِ بِإِسْهَابٍ. وَبَعْضُ هَذِهِ الأَْحْكَامِ تَخْتَصُّ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ كَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ، وَجَوَازِ شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهِ وَنَحْوِهِمَا (٢) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل هُنَاكَ وَفِي مُصْطَلَحِ: (مَسْجِدٌ) وَمُصْطَلَحِ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) .
_________
(١) الشرح الصغير ٢ / ١١٢، وكشاف القناع ٢ / ٤٧٤.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٥٦ وجواهر الإكليل ١ / ١٩٨، والشرح الصغير ٢ / ١١٠ - ١١٣، وحاشية القليوبي ٢ / ١٤٣، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٩ وما بعدها، وكشاف القناع ٢ / ٤٧٥، ٤٧٦ وينظر كتاب وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي.
حَرِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَرِيرُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ دُودَةٍ تُسَمَّى دُودَةَ الْقَزِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْبْرَيْسَمُ:
٢ - الإِْبْرَيْسَمُ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا: الْحَرِيرُ وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْخَامِ (٢) .
الإِْسْتَبْرَقُ:
٣ - الإِْسْتَبْرَقُ: غَلِيظُ الدِّيبَاجِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (٣) .
الْخَزُّ
٤ - الْخَزُّ مِنَ الثِّيَابِ مَا يُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ
_________
(١) جاء في المنجد في اللغة والأدب والعلوم ص ٦٢٦ ط بيروت: القز، والجمع قزوز، ما يسوى منه الإبريسم أو الحرير (فارسية) ودود القز معروف مجاجه القز.
(٢) تاج العروس للزبيدي باب الميم فصل الباء.
(٣) المرجع السابق باب القاف فصل الميم.
وَإِبْرَيْسَمٍ، أَوْ مِنْ خَالِصِ الإِْبْرَيْسَمِ (١) . وَفِي اللِّسَانِ، الْخَزُّ يُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَغَيْرِهِ وَيُحْمَل عَلَيْهِ مَا وَرَدَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَبِسُوهُ (٢) .
الدِّيبَاجُ:
٥ - الدِّيبَاجُ: ثَوْبٌ سُدَاهُ وَلُحْمَتُهُ إِبْرَيْسَمٌ (٣) .
السُّنْدُسُ
٦ - السُّنْدُسُ: ضَرْبٌ مِنْ رَقِيقِ الدِّيبَاجِ (٤) .
الْقَزُّ:
٧ - الْقَزُّ الإِْبْرَيْسَمُ (٥): وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ الْقَزَّ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْحَرِيرِ كَمِدُ اللَّوْنِ وَهُوَ مَا قَطَعَتْهُ الدُّودَةُ وَخَرَجَتْ مِنْهُ. وَالْحَرِيرُ مَا يَحِل بَعْدَ مَوْتِهَا (٦) .
الدِّمَقْسُ:
٨ - الدِّمَقْسُ: الإِْبْرَيْسَمُ أَوِ الْقَزُّ أَوِ الدِّيبَاجُ، أَوِ الْكَتَّانُ (٧) .
_________
(١) تاج العروس والمعجم الوسيط.
(٢) الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٥٢، ٢٥٣.
(٣) المصباح المنير. والسدى بوزن عصى هو ما يمد طولا في النسج، واللحمة ما يمد عرضا.
(٤) ترتيب القاموس على طريقة المصباح المنير للزاوي.
(٥) المرجع السابق
(٦) حاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٨٠ - ٨٢.
(٧) ترتيب القاموس على طريقة المصباح.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَرِيرِ مِنْ أَحْكَامٍ:
لُبْسُ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ وَاسْتِعْمَالُهُ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حِل الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ أَيِ الْخَالِصِ لِلنِّسَاءِ لُبْسًا وَاسْتِعْمَالًا (١) .
لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أُحِل الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِِنَاثٍ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا (٢) .
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ وَذَهَبًا فِي شِمَالِهِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ بِهِمَا فَقَال: إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِِنَاثِهِمْ (٣) .
وَلِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَوَاثِلَةَ بْنِ الأَْسْقَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ حِلٌّ لإِِنَاثِ
_________
(١) بدائع الصنائع للكاساني ٥ / ١٣٢ ط بيروت، والخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٥٢، ٢٥٣ ط القاهرة، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١ / ٥٠٥ ط ليبيا، وحاشية الجمل على شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري ٢ / ٨٠ - ٨٢ ط القاهرة، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٢١، ٤٢٢ ط ١٩٧٠ م.
(٢) حديث: " أحل الذهب والحرير لإناث من أمتي. . . . " أخرجه النسائي (٨ / ١٦١ - ط المكتبة التجارية) من حديث أبي موسي. وحسنه ابن المديني كما في التلخيص لابن حجر (١ / ٥٣ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٣) حديث: " إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم " أخرجه ابن ماجه (٢ / ١١٨٩ - ط الحلبي)، وحسنه ابن المديني كما في التلخيص لابن حجر (١ / ٥٣ - ط شركة الطباعة الفنية) .
أُمَّتِي حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِهَا (١) .
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ (أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بُرْدُ حَرِيرٍ سِيَرَاءُ) (٢)
وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا قَال: (رَأَيْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَمِيصَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ) (٣)
وَاتَّفَقُوا عَلَى حُرْمَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ عَلَى الرِّجَال ثِيَابًا وَغِطَاءً لِلرَّأْسِ وَاشْتِمَالًا وَلَوْ بِحَائِلٍ لِلأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ الَّتِي تُصَرِّحُ بِحُرْمَتِهِ عَلَى الرِّجَال. وَهَذَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَرْبِ أَوِ الْمَرَضِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا.
_________
(١) حديث: " الذهب والحرير حل لإناث أمتي حرام على ذكورها " حديث زيد بن أرقم أخرجه الطبراني في الكبير (٥ / ٢٤٠ - ط وزارة الأوقاف العراقية) . وقال الهيثمي في المجمع (٥ / ١٤٣ - ط القدسي): " فيه ثابت بن زيد بن أرقم، وهو ضعيف ". وأما حديث واثلة فأخرجه الطبراني كذلك كما في التلخيص لابن حجر (١ / ٥٤ - ط شركة الطباعة الفنية) وقال ابن حجر: " إسناده مقارب ".
(٢) حديث أنس: أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ برد حرير سيراء أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٢٩٦ - ط السلفية) .
(٣) حديث أنس: " رأيت على زينب بنت رسول الله ﷺ. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ١١٩٠ - ط الحلبي) والنسائي (٨ / ١٩٧ - ط المكتبة التجارية) . ونوه ابن حجر في الفتح (١٠ / ٣٠٠ - ط السلفية) أن المحفوظ ذكر " أم كلثوم " بدلا من " زينب ".
أَمَّا فِي الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِلرِّجَال عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مُطْلَقًا. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بِقَيْدٍ، وَهُوَ مَا إِذَا كَانَتْ بِاللاَّبِسِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ. فَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِاللاَّبِسِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ عِنْدَهُمْ.
أَحَدُهُمَا: الإِْبَاحَةُ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِلْخُيَلاَءِ، وَالْخُيَلاَءُ وَقْتَ الْحَرْبِ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ.
وَالْوَجْهُ الآْخَرُ: الْحُرْمَةُ وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ إِبَاحَتُهُ مُطْلَقًا.
وَأَضَافَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ حَال الْحَكَّةِ. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ ﵄ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا (١) .
وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُبَاحُ لِلْمَرَضِ لاِحْتِمَال أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ خَاصَّةً بِهَذَيْنِ الصَّحَابِيِّينَ.
وَتَوَسَّعَ الشَّافِعِيَّةُ فِي حَال الْعُذْرِ الْمُبِيحِ مَعَ التَّقْيِيدِ فَقَالُوا: كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُضِرَّيْنِ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَحَاجَةٍ كَجَرَبٍ إِنْ آذَى الْمَرِيضَ غَيْرُهُ.
_________
(١) حديث: " رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٢٩٥ - ط السلفية) . ومسلم (٣ / ١٦٤٦ - ط الحلبي) .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لُبْسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ مُطْلَقًا لِعُمُومِ الْخَبَرِ (١) .
إِلْبَاسُ الْحَرِيرِ لِصِغَارِ الذُّكُورِ:
١٠ - يَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِلْبَاسُ الصَّغِيرِ الذَّكَرِ الْحَرِيرَ. لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدَارَ الْحُرْمَةَ عَلَى الذُّكُورَةِ. إِلاَّ أَنَّ اللاَّبِسَ إِذَا كَانَ صَغِيرًا فَالإِْثْمُ عَلَى مَنْ أَلْبَسَهُ لاَ عَلَيْهِ. لأَِنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا. وَلِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا.
وَلِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَال: كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنِ الْغِلْمَانِ وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي (٢) وَالْجَوَارِي الْبَنَاتُ الصَّغِيرَاتُ. وَمَنْ قَال مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِذَلِكَ اسْتَثْنَى الرَّضِيعَ لِلْمَشَقَّةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى أُمِّهِ (٣) .
وَيَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ إِلْبَاسِهِ صِغَارَ
_________
(١) بدائع الصنائع للكاساني ٥ / ١٣٢ ط بيروت، الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٥٢، ٢٥٣ ط القاهرة، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١ / ٥٠٥ ط ليبيا، حاشية الجمل على شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري ٢ / ٨٠ - ٨٢ ط القاهرة، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٢١، ٤٢٢ ط ١٩٧٠ م.
(٢) حديث جابر: كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري. أخرجه أبو داود (٤ / ٣٣١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٣٠، مواهب الجليل ١ / ٥٠٥، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٢٣.
الذُّكُورِ. وَهَذَا قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلاَ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِلُبْسِهِمْ.
وَهُنَاكَ وَجْهٌ ثَالِثٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ سَبْعَ سَنَوَاتٍ يَحْرُمُ إِلْبَاسُهُ ثَوْبَ حَرِيرٍ (١) .
أَعْلاَمُ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ غَيْرِ الْحَرِيرِ:
١١ - الأَْعْلاَمُ جَمْعُ عَلَمٍ. وَهُوَ الْقِطْعَةُ فِي الثَّوْبِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ. يَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّ أَعْلاَمَ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ غَيْرِ الْحَرِيرِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَتْ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِع فَمَا دُونَهَا. لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلاَّ مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ أَوْ أَرْبَعٍ (٢) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلاَّ الْبُخَارِيُّ. وَزَادَ فِيهِ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدُ وَأَشَارَ بِكَفِّهِ (٣) وَلأَِنَّ هَذِهِ الأَْعْلاَمَ تَابِعَةٌ. وَالْعِبْرَةُ لِلْمَتْبُوعِ. وَلأَِنَّ لاَبِسَهُ لاَ يُسَمَّى لاَبِسَ حَرِيرٍ.
وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ بَأْسَ بِالْعَلَمِ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ وَإِنْ عَظُمَ (٤) . وَتُبَاحُ الْعُرَى
_________
(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٨٢، المغني ١ / ٤٢٣، ومواهب الجليل ١ / ٥٠٦.
(٢) حديث عمر أن النبي ﷺ " نهى عن لبس الحرير إلا موضع. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٤٤ - ط الحلبي) .
(٣) نيل الأوطار للشوكاني ٢ / ٩٧.
(٤) بدائع الصنائع ٥ / ١٣١، ١٣٢، وحاشية العدوي على هامش الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٥٢، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٨٤، والمغني ١ / ٤٢٢.
وَالأَْزْرَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لأَِنَّهَا تَبَعٌ وَيَسِيرٌ (١) .
وَتُبَاحُ أَيْضًا لِبْنَةُ جَيْبٍ - بِكَسْرِ اللاَّمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ - وَهُوَ الزِّيقُ الْمُحِيطُ بِالْعُنُقِ. وَالْجَيْبِ وَهُوَ مَا يُفْتَحُ عَلَى نَحْرٍ أَوْ طَوْقٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَيَّدَتْهُ بَعْضُ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ بِمَا إِذَا كَانَ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِع مَضْمُومَةٍ فَمَا دُونَهَا. وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ (٢) .
لُبْسُ الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ:
١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الثَّوْبَ إِنْ كَانَتْ لُحْمَتُهُ حَرِيرًا وَسُدَاهُ غَيْرَ حَرِيرٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي حَال الْحَرْبِ لِدَفْعِ مَضَرَّةِ السِّلاَحِ وَتَهَيُّبِ الْعَدُوِّ. أَمَّا فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ فَمَكْرُوهٌ - كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ - لاِنْعِدَامِ الضَّرُورَةِ.
وَإِنْ كَانَ سُدَاهُ حَرِيرًا وَلُحْمَتُهُ غَيْرَ حَرِيرٍ لاَ يُكْرَهُ فِي حَال الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا. لأَِنَّ الثَّوْبَ يَصِيرُ ثَوْبًا بِاللُّحْمَةِ. لأَِنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ ثَوْبًا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٦ / ٣٥٥، وحاشية الجمل ٢ / ٨٥، وكشاف القناع ١ / ٢٥٩، ومواهب الجليل ١ / ٥٠٥، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٢٠، والإنصاف ١ / ٤٨٠، والمغني ١ / ٥٨٨، وكشاف القناع ١ / ٢٨٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ٦ / ٣٥٤، ومواهب الجليل ١ / ٥٠٥، وحاشية الجمل ٢ / ٥٠، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٥١، ١٥٢.
بِالنَّسْجِ. وَالنَّسْجُ تَرْكِيبُ اللُّحْمَةِ بِالسُّدَى. فَكَانَتِ اللُّحْمَةُ كَالْوَصْفِ الأَْخِيرِ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إِلَيْهِ.
وَأَظْهَرُ الأَْقْوَال وَأَوْلاَهَا بِالصَّوَابِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا قَال ابْنُ رُشْدٍ، أَنَّ لُبْسَ هَذِهِ الثِّيَابِ مَكْرُوهٌ يُؤْجَرُ عَلَى تَرْكِهِ وَلاَ يَأْثَمُ فِي فِعْلِهِ. لأَِنَّهُ مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ الْمُتَكَافِئَةِ أَدِلَّةُ حُرْمَتِهَا وَأَدِلَّةُ حِلِّهَا الَّتِي قَال فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَا أَكْثَرُهُ مِنَ الْحَرِيرِ يَحْرُمُ تَغْلِيبًا لِلأَْكْثَرِ. بِخِلاَفِ مَا أَكْثَرُهُ مِنْ غَيْرِهِ. لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لاَ يُسَمَّى ثَوْبَ حَرِيرٍ. وَالأَْصْل الْحِل. وَتَغْلِيبًا لِلأَْكْثَرِ. وَلأَِنَّ الْحَرِيرَ مُسْتَهْلَكٌ فِي غَيْرِهِ.
أَمَّا الْمُسْتَوِي مِنْهُمَا فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُبِيحُونَهُ. وَالتَّفْصِيل الَّذِي قَال بِهِ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا وَرَدَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَعْضَ الثَّوْبِ حَرِيرًا وَبَعْضُهُ غَيْرَهُ وَنُسِجَ مِنْهُمَا فَفِيهِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنْ كَانَ الْحَرِيرُ ظَاهِرًا يُشَاهَدُ حَرُمَ وَإِنْ قَل وَزْنُهُ، وَإِنِ اسْتَتَرَ لَمْ يَحْرُمْ وَإِنْ كَثُرَ وَزْنُهُ لأَِنَّ الْخُيَلاَءَ وَالْمَظَاهِرَ إِنَّمَا تَحْصُل بِالظَّاهِرِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ
_________
(١) الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٥٣ وحديث: " فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٢٠ - ط الحلبي) من حديث النعمان بن بشير.