الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 40

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

وَذَلِكَ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ - وَكَذَلِكَ فَعَل اللَّهُ بِأَصْحَابِ الْفِيل (١) .

الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ وَالْحَرَمِ:

٢٢ - تُسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ وَالْحَرَمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ) وَذَلِكَ لِمَا يَحْصُل مِنَ الطَّاعَاتِ الَّتِي لاَ تَحْصُل فِي غَيْرِهَا مِنَ الطَّوَافِ وَتَضْعِيفِ الصَّلَوَاتِ وَالْحَسَنَاتِ.

وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ كَرَاهَةُ الْمُجَاوَرَةِ بِالْحَرَمِ خَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حُرْمَتِهِ وَالتَّبَرُّمِ وَاعْتِيَادِ الْمَكَانِ. وَلِمَا يَحْصُل بِالْمُفَارَقَةِ مِنْ تَهْيِيجِ الشَّوْقِ وَانْبِعَاثِ دَاعِيَةِ الْعَوْدِ.

قَال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٢) أَيْ يَثُوبُونَ إِلَيْهِ، وَيَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.

وَعَلَّل بَعْضُهُمُ الْكَرَاهَةَ بِالْخَوْفِ مِنْ رُكُوبِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ فِيهِ (٣) .

تَضَاعُفُ الصَّلاَةِ وَالْحَسَنَاتِ فِي الْحَرَمِ:

٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ صَلاَةً فِي الْمَسْجِدِ

_________

(١) الأشباه ص ٣٦٩، وشفاء الغرام ١ / ٦٨، ٦٩، وإعلام الساجد ١٢٩، وتحفة الراكع والساجد ص ١٠٧.

(٢) سورة البقرة / ١٢٥.

(٣) الأشباه ص ٣٦٩، وشفاء الغرام ص ٨٤، وإعلام الساجد ص ١٢٩، ١٣٠.

الْحَرَامِ تَعْدِل مِائَةَ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ أَحَادِيثَ: مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (١) وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ تَفْضُل عَلَى مَسْجِدِ الرَّسُول ﷺ (٢) .

وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ حَرَمَ مَكَّةَ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْمُضَاعَفَةِ الْمَذْكُورَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي الْخَبَرِ الْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالَبَّادِ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى﴾ (٤)، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ.

وَقِيل: الْمُرَادُ بِهِ مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الإِْقَامَةُ فِيهِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: إِلاَّ

_________

(١) حديث: " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٦٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠١٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٢) إعلام الساجد ١١٥، وشفاء الغرام ١ / ٧٤ - ٨٢ والأشباه لابن نجيم ص ٣٦٩.

(٣) سورة الحج / ٢٥.

(٤) سورة الإسراء / ١.

الْمَسْجِدَ الْكَعْبَةَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهَا: إِلاَّ مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ (١) .

وَرَجَّحَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَخْتَصُّ بِمَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلاَةِ.

هَذَا وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُل خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ (٢) فَقَال بَعْضُهُمْ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَال: بِكُل حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي تَضْعِيفِ الصَّلاَةِ الْحَرَمُ جَمِيعُهُ، قَال الزَّرْكَشِيُّ نَقْلًا عَنْ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ: نَقُول بِمُوجِبِهِ إِنَّ حَسَنَةَ الْحَرَمِ مُطْلَقًا بِمِائَةِ أَلْفٍ لَكِنَّ الصَّلاَةَ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. وَلِهَذَا قَال: بِمِائَةِ صَلاَةٍ فِي مَسْجِدِي وَلَمْ يَقُل حَسَنَةً.

وَصَلاَةٌ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ بِأَلْفِ صَلاَةٍ، كُل صَلاَةٍ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ، فَتَكُونُ الصَّلاَةُ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ بِعَشَرَةِ آلاَفِ حَسَنَةٍ، وَتَكُونُ فِي

_________

(١) حديث ميمونة: " إلا المسجد الكعبة " أخرجه مسلم (٢ / ١٠١٤ - ط الحلبي) والنسائي (٥ / ٢١٣ - ط المكتبة التجارية بمصر) .

(٢) حديث: " من حج من مكة ماشيا. . . " أخرجه الحاكم (١ / ٤٦١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال الذهبي: " ليس بصحيح، أخشى أن يكون كذبا، وعسى - يعني ابن سوادة - قال أبو حاتم: منكر الحديث ".

الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِأَلْفِ أَلْفِ حَسَنَةٍ إِمَّا مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ وَإِمَّا الْكَعْبَةُ عَلَى اخْتِلاَفِ الْقَوْلَيْنِ.

وَمِثْلُهُ مَا وَرَدَ فِي شِفَاءِ الْغَرَامِ (١) .

وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ "

مُضَاعَفَةُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَرَمِ:

٢٤ - ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ السَّيِّئَاتِ تُضَاعَفُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ. مِمَّنْ قَال ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ. وَسُئِل ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ مُقَامِهِ بِغَيْرِ مَكَّةَ فَقَال: مَالِي وَلِبَلَدٍ تُضَاعَفُ فِيهِ السَّيِّئَاتُ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ؟ فَحُمِل ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى مُضَاعَفَةِ السَّيِّئَاتِ بِالْحَرَمِ، ثُمَّ قِيل: تَضْعِيفُهَا كَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ بِالْحَرَمِ. وَقِيل: بَل كَخَارِجِهِ، وَمَنْ أَخَذَ بِالْعُمُومَاتِ لَمْ يَحْكُمْ بِالْمُضَاعَفَةِ قَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ (٢) .

وَقَال الْفَاسِيُّ: وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السَّيِّئَةَ بِمَكَّةَ كَغَيْرِهَا (٣) .

_________

(١) إعلام الساجد ص ١١٩، ١٢٠، ١٢٨ وشفاء الغرام ١ / ٦٨، ٨٢ - ٨٣، والأشباه لابن نجيم ١٢٨، ٣٦٩، وتحفة الراكع والساجد ص ١٧٠.

(٢) سورة الأنعام / ١٦٠.

(٣) المراجع السابقة

لاَ تَمَتُّعَ وَلاَ قِرَانَ عَلَى أَهْل مَكَّةَ:

٢٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَمَتُّعَ وَلاَ قِرَانَ عَلَى أَهْل مَكَّةَ، فَالْمَكِّيُّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا فَقَطْ وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢) .

وَهَل يَجُوزُ لأَِهْل الْحَرَمِ أَنْ يُحْرِمَ بِالتَّمَتُّعِ أَوِ الْقِرَانِ أَوْ لاَ يَجُوزُ؟ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (تَمَتُّعٌ وَقِرَانٌ) .

ذَبْحُ الْهَدْيِ وَالْفِدْيَةِ فِي الْحَرَمِ:

٢٦ - الْهَدْيُ هُوَ مَا يُهْدَى إِلَى الْبَيْتِ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ، سَوَاءٌ أَكَانَ تَطَوُّعًا أَمْ هَدْيَ تَمَتُّعٍ، أَمْ قِرَانٍ أَمْ جَزَاءَ صَيْدٍ.

وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ ذَبْحَهُ يَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٤) وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٥) . وَيَجُوزُ الذَّبْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنَ الْحَرَمِ وَلاَ يَخْتَصُّ بِمِنًى لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ:

_________

(١) الأشباه لابن نجيم ص ٣٦٩، وابن عابدين ٢ / ١٩٨، والاختيار ١ / ١٥٩، والفواكه الدواني ١ / ٤٣٥، ومغني المحتاج ١ / ٥٩٥، وإعلام الساجد ص ٧٨، ١٧٩، والمغني ٣ / ٤٧٢.

(٢) سورة البقرة / ١٩٦.

(٣) سورة المائدة / ٩٥.

(٤) سورة البقرة / ١٩٦.

(٥) سورة الحج / ٣٣.

نَحَرْتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ (١)﴾ وَكُل فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ (٢) وَالأَْفْضَل لِلْحَاجِّ أَنْ يَذْبَحَ بِمِنًى، وَلِلْمُعْتَمِرِ أَنْ يَذْبَحَ بِمَكَّةَ. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُحْصَرِ، أَمَّا الْمُحْصَرُ فَفِي ذَبْحِهِ خَارِجَ الْحَرَمِ أَوْ دَاخِلَهُ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي (إِحْصَارٌ) .

وَأَمَّا مَا يُذْبَحُ فِي فِدْيَةِ الأَْذَى فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، فَفِي قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: يَجِبُ ذَبْحُهُ بِمَكَّةَ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.

وَحُكْمُ الطَّعَامِ كَحُكْمِ الْفِدْيَةِ فِي أَنَّهُ يُوَزَّعُ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ.

وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ فِي الْحَرَمِ وَخَارِجَهُ (٣) .

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ (فِدْيَةٌ) (وَصِيَامٌ) .

وَفِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الْهَدْيِ وَوَقْتِ ذَبْحِهِ، وَمَنْ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ بِالْهَدْيِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (حَجٌّ، هَدْيٌ، فِدْيَةٌ، نَذْرٌ)، وَيُرَاجَعُ أَيْضًا مُصْطَلَحُ: (إِحْصَارٌ ف ٣٨، ٣٩) .

_________

(١) حديث: " نحرت ههنا ومنى كلها منحر " أخرجه مسلم (٢ / ٨٩٣ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.

(٢) حديث: " كل فجاج مكة طريق ومنحر ". أخرجه أبو داود (٢ / ٤٧٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث جابر بن عبد الله، وحسنه الزيلعي في نصب الراية (٣ / ١٦٢ - ط المجلس العلمي بالهند) .

(٣) المجموع ٧ / ٤١٣.

تَغْلِيظُ الدِّيَةِ فِي الْحَرَمِ:

٢٧ - يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ تَغْلِيظَ الدِّيَةِ عَلَى الْجِنَايَةِ الَّتِي تُرْتَكَبُ فِي الْحَرَمِ، فَقَدْ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِيمَنْ قَتَل فِي الْحَرَمِ بِالدِّيَةِ وَثُلُثِ الدِّيَةِ. وَقَال بَعْضُهُمْ لاَ تُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِي الْحَرَمِ (١) .

وَفِي كَيْفِيَّةِ تَغْلِيظِهَا خِلاَفٌ، تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (دِيَةٌ) .

هَذَا، وَهُنَاكَ أَحْكَامٌ أُخْرَى بَعْضُهَا يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، كَجَوَازِ قَصْدِهِ بِالزِّيَارَةِ وَشَدِّ الرِّحَال إِلَيْهِ، وَتَقَدُّمِ الإِْمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَعَدَمِ كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ فِيهِ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، فَصَّلَهَا الزَّرْكَشِيُّ فِي إِعْلاَمِ السَّاجِدِ (٢) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا أَيْضًا فِي مُصْطَلَحِ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) .

ثَانِيًا: حَرَمُ الْمَدِينَةِ:

٢٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ حَرَمٌ، لَهُ حُدُودٌ وَأَحْكَامٌ، تَخْتَلِفُ عَنْ سَائِرِ الْبِقَاعِ، كَمَا تَخْتَلِفُ عَنْ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ، وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنِّي حَرَّمْتُ

_________

(١) المغني ٧ / ٧٧٢، وسنن البيهقي ٨ / ٧١، وإعلام الساجد ص ١٦٧.

(٢) إعلام الساجد للزركشي ص ٨٥، ١١٥ - ١٢٩.

الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لأَِهْل مَكَّةَ (١) وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَحِل صَيْدُهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا (٢) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَيْسَ لِلْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ حَرَمٌ، وَلاَ يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِ صَيْدِهَا وَشَجَرِهَا. وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ بَقَاءَ زِينَتِهَا، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَهْدِمُوا الآْطَامَ فَإِنَّهَا زِينَةُ الْمَدِينَةِ (٣) .

وَيَدُل عَلَى حِل صَيْدِهَا حَدِيثُ أَنَسٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنُ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَال لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ، قَال أَحْسَبُهُ فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَال: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَل النُّغَيْرُ؟ (٤) وَنُغَيْرٌ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ طَائِرٌ صَغِيرٌ كَانَ يُلْعَبُ بِهِ (٥) .

_________

(١) حديث: " إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٩٩١ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.

(٢) الشرح الصغير ٢ / ١١١١، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٩، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٥٣ - ٣٥٥.

(٣) حديث: " لا تهدموا الأطام فإنها زينة المدينة ". أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤ / ١٩٤ - ط مطبعة الأنوار المحمدية بمصر) . من حديث عبد الله بن عمر.

(٤) حديث: " يا أبا عمير، ما فعل النغير ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٢٦ - ط السلفية) من حديث أنس بن مالك.

(٥) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٥٦.

حُدُودُ الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ:

٢٩ - يَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّ حَدَّ حَرَمِ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عِيرٍ، لِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا: حَرَمُ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عِيرٍ (١) . وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ الْحَرَمَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْ الْمَدِينَةِ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ، وَاللاَّبَةُ الْحَرَّةُ، وَهِيَ أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ. وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ: مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا. (٢) . وَقَدْرُهُ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ أَيِ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا مِنْ كُل جِهَةٍ (٣) .

مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْحَرَمُ الْمَدَنِيُّ عَنِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ:

٣٠ - يَخْتَلِفُ الْحَرَمُ الْمَدَنِيُّ عَنِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ عِنْدَ

_________

(١) الثور والعير جبلان بالمدينة كما حققه الزركشي (إعلام الساجد ص ٢٢٧ - ٢٢٩) وحديث: " حرم المدينة ما بين ثور إلى عير ". أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٤٢ - ط السلفية)، مسلم (٢ / ٩٩٥ - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب.

(٢) قال البهوتي نقلا عن فتح الباري: روايته (ما بين لابتيها) أرجح لتوارد الرواة عليها، ورواية (جبليها) لا تنافيها، فيكون عند كل جبل لابة. أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة المشرق والمغرب) (كشاف القناع ٢ / ٤٧٥. وحديث: " ما بين لابتيها حرام ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٨٩ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٠٠ - ط. الحلبي) . من حديث أبي هريرة.

(٣) الشرح الصغير ٢ / ١١١، ١١٢، ومغني المحتاج ١ / ١٢٩، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٥٣، ٣٥٤ وكشاف القناع ٢ / ٤٧٥، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٨.

مَنْ يَقُول بِوُجُودِ حَرَمٍ لِلْمَدِينَةِ فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ مِنْهَا مَا يَلِي:

أ - يَجُوزُ أَخْذُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ لِلرَّحْل، وَآلَةِ الْحَرْثِ، كَآلَةِ الدِّيَاسِ وَالْجُذَاذِ، وَالْحَصَادِ، وَالْعَارِضَةِ لِسَقْفِ الْمَحْمَل، وَالْمَسَانِدِ مِنَ الْقَائِمَتَيْنِ، وَالْعَارِضَةُ بَيْنَهُمَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَرَّمَ الْمَدِينَةَ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ عَمَلٍ، وَأَصْحَابُ نَضْحٍ، وَإِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَرْضًا غَيْرَ أَرْضِنَا فَرَخِّصْ لَنَا، فَقَال: الْقَائِمَتَانِ وَالْوِسَادَةُ وَالْعَارِضَةُ وَالْمُسْنَدُ، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلاَ يُعْضَدُ (١) .

ب - يَجُوزُ أَخْذُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: وَلاَ يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلاَّ أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ (٢) .

وَلأَِنَّ الْمَدِينَةَ يَقْرُبُ مِنْهَا شَجَرٌ وَزَرْعٌ، فَلَوْ مَنَعْنَا مِنِ احْتِشَاشِهَا أَفْضَى إِلَى الْحَرَجِ، بِخِلاَفِ حَرَمِ مَكَّةَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

ج - مَنْ أَدْخَل إِلَيْهَا صَيْدًا فَلَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ،

_________

(١) حديث جابر: " القائمتان، والوسادة ". أورده البهوتي في كشاف القناع (٢ / ٤٧٤ - ط عالم الكتب) وعزاه لأحمد، ولم نجده في المسند.

(٢) حديث: " لا يصلح أن يقطع منها شجرة، إلا أن. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٣٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث علي بن أبي طالب.