الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
يَحِل لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ أَمْ لاَ (١)؟ فِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْرَامٌ (٢»
وَتَفْصِيل أَحْكَامِ الصَّيْدِ فِي مُصْطَلَحِ: (صَيْدٌ) .
مَا يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْحَرَمِ:
١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ قَتْل الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْحَيَّةِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالذِّئْبِ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ، لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (٣) وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَال: خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا (٤) .
وَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ هُوَ الَّذِي يَأْكُل الْجِيَفَ، فَلاَ يَجُوزُ صَيْدُ الْغُرَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَأْكُل الْحَبَّ.
_________
(١) المراجع السابقة، والدسوقي ٢ / ٧٢، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٣٣، والمهذب ٧ / ٤٢٣.
(٢) الموسوعة ٢ / ١٦٤ ف ٨٧.
(٣) حديث: " خمس من الدواب ليس على المحرم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٣٥٥ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٥٨ - ط الحلبي) . من حديث عبد الله بن عمر واللفظ لمسلم.
(٤) حديث: " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٥٦ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ قَتْل الْحِدَأَةِ الصَّغِيرَةِ أَيْضًا لاِنْتِفَاءِ الإِْيذَاءِ مِنْهَا (١) .
وَأَجَازَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) قَتْل كُل مُؤْذٍ بِطَبْعِهِ كَالأَْسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَسَائِرِ السِّبَاعِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي السِّبَاعِ غَيْرِ الصَّائِلَةِ وَنَحْوِهَا كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ. كَمَا أَجَازَ الْجُمْهُورُ قَتْل سَائِرِ الْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنَ الْجَوَازِ قَتْل مَا لاَ يَكُونُ مُؤْذِيًا مِنْهَا (٢) . وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَامٌ) .
نَقْل تُرَابِ الْحَرَمِ:
١٦ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِحُرْمَةِ نَقْل تُرَابِ الْحَرَمِ وَأَحْجَارِهِ وَمَا عُمِل مِنْ طِينِهِ - كَالأَْبَارِيقِ وَغَيْرِهَا - إِلَى الْحِل، فَيَجِبُ رَدُّهُ إِلَى الْحَرَمِ، وَنُقِل عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كَرَاهَتُهُ. قَال الزَّرْكَشِيُّ فِي إِعْلاَمِ السَّاجِدِ: يَحْرُمُ نَقْل تُرَابِ الْحَرَمِ وَأَحْجَارِهِ عَنْهُ إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ وَاَلَّذِي أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ كَرَاهَتُهُ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ
_________
(١) الزيلعي ٢ / ٦٦، وابن عابدين ٢ / ٢١٨، ٢١٩، مواهب الجليل ٣ / ١٧٣، والدسوقي ٢ / ٧٤، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٥، والقليوبي ٢ / ١٣٧، ١٣٨، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٣٣، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٤١ - ٣٤٣.
(٢) المراجع السابقة، والبدائع ٢ / ١٩٥ - ١٩٧، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٤ - ١٩٥. (٣) الموسوعة ٢ / ١٦٦ - ١٦٨ ف ٨٩ - ٩٢.
بِإِخْرَاجِ أَحْجَارِ الْحَرَمِ وَتُرَابِهِ، نَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ، وَهُوَ الْمَنْقُول عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنَّهُمَا كَرِهَاهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُخْرَجُ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ، وَلاَ يُدْخَل إِلَيْهِ مِنَ الْحِل، وَلاَ يُخْرَجُ مِنْ حِجَارَةِ مَكَّةَ إِلَى الْحِل، وَالإِْخْرَاجُ أَشَدُّ فِي الْكَرَاهَةِ (١) .
أَمَّا نَقْل تُرَابِ الْحِل إِلَى الْحَرَمِ فَجَوَّزَهُ الْفُقَهَاءُ، لَكِنَّهُ قَال بَعْضُهُمْ: مَكْرُوهٌ. وَقَال بَعْضُهُمْ: خِلاَفُ الأَْوْلَى، لِئَلاَّ يَحْدُثَ لَهَا حُرْمَةٌ لَمْ تَكُنْ.
وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ نَقْل مَاءِ زَمْزَمَ إِلَى الْحِل لأَِنَّهُ يُسْتَخْلَفُ، فَهُوَ كَالثَّمَرَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِل مَاءَ زَمْزَمَ وَتُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ (٢) .
وَلَمْ نَعْثُرْ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ فِي الْمَوْضُوعِ.
بَيْعُ رِبَاعِ (٣) الْحَرَمِ وَكِرَاؤُهَا:
١٧ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٥٢٨، وإعلام الساجد ص ١٣٧ - ١٣٨، المجموع للنووي ٧ / ٤٥٨، وكشاف القناع ٢ / ٤٧٢.
(٢) نفس المراجع.
(٣) الرباع - بكسر الراء - المنازل ودار الإقامة. كشاف القناع ٣ / ١٦٠.
عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ الْحَرَمِ وَبِقَاعِ الْمَنَاسِكِ وَلاَ كِرَاؤُهَا، لِحَدِيثِ: مَكَّةُ حَرَامٌ وَحَرَامٌ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَحَرَامٌ أَجْرُ بُيُوتِهَا (١) وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَال: تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَدُورُ مَكَّةَ كَانَتْ تُدْعَى السَّوَائِبَ، مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ وَمِنِ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ.
قَال فِي الْبَدَائِعِ: ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ وَهِيَ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ، وَالْحَرَامُ لاَ يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ.
وَعَلَّل الْبُهُوتِيُّ التَّحْرِيمَ بِأَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ تُقْسَمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَصَارَتْ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ وَإِجَارَةُ دُورِ الْحَرَمِ، لأَِنَّهَا عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا، يَجُوزُ لَهُمُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِبَيْعٍ، وَرَهْنٍ، وَإِجَارَةٍ.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ (٣)﴾ فَنَسَبَ الدِّيَارَ إِلَى
_________
(١) حديث: " مكة حرام، وحرام بيع رباعها وحرام. . . " أخرجه الدارقطني (٣ / ٥٧ - ط دار المحاسن) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا وصوب الدارقطني وقفه على عبد الله بن عمرو.
(٢) البدائع ٥ / ١٤٦، والفروق وعلى هامشها التهذيب ٤ / ١٠ - ١١، والأعلام للزركشي ١٤٦، ١٤٧، وكشاف القناع ٣ / ١٦٠.
(٣) سورة الحشر / ٨.
الْمَالِكِينَ. وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ دَخَل دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ (١) نَسَبَ الدَّارَ إِلَى مَالِكِهَا. وَقَال ﷺ أَيْضًا: " وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ (٢) ".
وَاسْتَدَلُّوا لِلْجَوَازِ أَيْضًا بِعُمُومِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الأَْرَاضِي أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ، إِلاَّ أَنَّهُ امْتَنَعَ تَمَلُّكُ بَعْضِهَا شَرْعًا لِعَارِضِ الْوَقْفِ كَالْمَسَاجِدِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْحَرَمِ. وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: بِالْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَقَيَّدَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ - كَرَاهَةَ إِجَارَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ بِالْمَوْسِمِ مِنَ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ، لِكَثْرَةِ احْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَيْهَا - أَمَّا مِنَ الْمُقِيمِ وَالْمُجَاوِرِ فَلاَ بَأْسَ بِهَا.
هَذَا، وَقَدْ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ هَذَا الْمَوْضُوعَ مَعَ اتِّجَاهَاتِ الْفُقَهَاءِ وَأَدِلَّتِهِمْ بِإِسْهَابٍ (٣) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ أَيْضًا فِي مُصْطَلَحِ: (رِبَاعٌ) .
مَا اخْتُصَّ بِهِ الْحَرَمُ مِنْ أَحْكَامٍ أُخْرَى:
أ - نَذْرُ الْمَشْيِ إِلَى الْحَرَمِ وَالصَّلاَةِ فِيهِ:
١٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى
_________
(١) حديث: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤٠٦ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: " وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٥١ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٨٤ - ط الحلبي) من حديث أسامة بن زيد.
(٣) المراجع السابقة. إعلام الساجد للزركشي ص ١٤٣ - ١٥٢.
بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إِتْيَانَهُ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا آخَرَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ فَعَلَيْهِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ: (الْحَجُّ أَوِ الْعُمْرَةُ) لأَِنَّهُ قَدْ تُعُورِفَ إِيجَابُ النُّسُكِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَكَانَ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ.
وَلِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أُخْتِ عُقْبَةَ أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَمْشِيَ وَتَرْكَبَ. (١) وَكَذَا إِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَكَّةَ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ (٢) .
أَمَّا إِذَا نَذَرَ الإِْتْيَانَ أَوِ الْمَشْيَ إِلَى الْحَرَمِ أَوِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ نَوَى بِبَيْتِ اللَّهِ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ أَوِ الْمَسْجِدَ الأَْقْصَى، أَوْ سَائِرَ الْمَسَاجِدِ فَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَال: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى الْحَرَمِ أَوِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِعَدَمِ الْعُرْفِ فِي الْتِزَامِ النُّسُكِ بِهِ. وَقَال الصَّاحِبَانِ: يَلْزَمُهُ النُّسُكُ أَخْذًا بِالاِحْتِيَاطِ لأَِنَّهُ لاَ يُتَوَصَّل إِلَى الْحَرَمِ وَلاَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلاَّ بِالإِْحْرَامِ فَكَانَ بِذَلِكَ مُلْتَزِمًا لِلإِْحْرَامِ، وَلَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ (بَيْتَ اللَّهِ) مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَوْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَوْ مَسْجِدًا غَيْرَهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، لأَِنَّ
_________
(١) حديث " أخت عقبة بن عامر. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٧٩ - ط السلفية)، ومسلم (٥ / ٧٩ - الحلبي) .
(٢) فتح القدير ٣ / ٨٨، وابن عابدين ٢ / ١٥٣، وجواهر الإكليل ١ / ٢٤٦، ومغني المحتاج ٤ / ٣٦٢، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٥ - ١٦.
النَّذْرُ إِنَّمَا يَجِبُ وَفَاؤُهُ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ، إِذِ الْمَسَاجِدُ كُلُّهَا بُيُوتُ اللَّهِ، وَسَائِرُ الْمَسَاجِدِ يَجُوزُ الدُّخُول فِيهَا بِلاَ إِحْرَامٍ فَلاَ يَصِيرُ بِهِ مُلْتَزِمًا لِلإِْحْرَامِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَسْجِدِ مَكَّةَ وَلَوْ لِصَلاَةٍ يَلْزَمُهُ، كَمَا يَلْزَمُ نَاذِرَ الْمَشْيِ إِلَى مَكَّةَ أَوْ الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَوْ جُزْئِهِ الْمُتَّصِل بِهِ كَبَابِهِ، وَرُكْنِهِ، وَمُلْتَزَمِهِ، وَشَاذَرْوَانِهِ وَحِجْرِهِ. وَلاَ يَلْزَمُ الْمَشْيُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْحَرَمِ، كَزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَوْ خَارِجًا عَنِ الْحَرَمِ كَعَرَفَةَ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إِتْيَانَهُ وَقَصَدَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، أَوْ صَرَّحَ بِلَفْظِ الْحَرَامِ، فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ إِتْيَانِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَقُل الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَلاَ نَوَاهُ، أَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ وَلَمْ يَنْوِ الْحَجَّ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ، لأَِنَّ بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى يَصْدُقُ عَلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ وَعَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِلَفْظٍ وَلاَ نِيَّةٍ.
وَلَوْ نَذَرَ إِتْيَانَ مَكَانٍ مِنْ الْحَرَمِ كَالصَّفَا أَوِ الْمَرْوَةِ، أَوْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ، أَوْ مِنًى، أَوْ مُزْدَلِفَةَ، لَزِمَهُ إِتْيَانُ الْحَرَمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، لأَِنَّ الْقُرْبَةَ إِنَّمَا تَتِمُّ فِي إِتْيَانٍ بِنُسُكِهِ، وَالنَّذْرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَاجِبِ. وَحُرْمَةُ الْحَرَمِ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنَ
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٨٨، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٥٣، وجواهر الإكليل ١ / ٢٤٦.
الأَْمْكِنَةِ وَنَحْوِهَا فِي تَنْفِيرِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ (١) .
وَتَفْصِيل الْمَسْأَلَةِ فِي مُصْطَلَحِ؛ (نَذْرٌ) وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) .
ب - لُقَطَةُ الْحَرَمِ:
١٩ - اللُّقَطَةُ هِيَ الْمَال الضَّائِعُ مِنْ رَبِّهِ يَلْتَقِطُهُ غَيْرُهُ. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ لُقَطَةِ الْحَرَمِ وَالْحِل فِي الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ أَنَّ أَخْذَهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِ الأَْخْذِ إِذَا خَافَ الضَّيَاعَ، وَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الآْخِذِ (الْمُلْتَقِطِ) وَيُشْهِدُ عَلَى أَخْذِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلاَ يَكْتُمُ، وَلاَ يُغَيِّبُ، فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ فَهُوَ مَال اللَّهِ ﷿ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ (٢) .
وَيَجِبُ تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ إِلَى سَنَةٍ أَوْ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لاَ يَطْلُبُهَا. وَتَخْتَلِفُ بَعْضُ أَحْكَامِهَا عَلَى حَسَبِ اخْتِلاَفِ نَوْعِيَّةِ اللُّقَطَةِ وَقِيمَتِهَا، وَهَل يَمْلِكُهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ يَحْبِسُهَا فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٦٢، ٣٦٣، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٥ - ١٦.
(٢) حديث: " من وجد لقطة فليشهد ذا عدل. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٣٣٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عياض بن حمار وإسناده صحيح.
وَتَفْصِيلٌ (١)، يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (لُقَطَةٌ) .
وَفِي الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل الْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ تَحِل لُقَطَةُ الْحَرَمِ لِلتَّمَلُّكِ بَل تُؤْخَذُ لِلْحِفْظِ وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا أَبَدًا، لِحَدِيثِ: فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ، لاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا (٢) فَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ لُقَطَةِ غَيْرِ الْحَرَمِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا لاَ تَحِل إِلاَّ لِلتَّعْرِيفِ، وَلَمْ يُوَقِّتِ التَّعْرِيفَ بِسَنَةٍ كَغَيْرِهَا. فَدَل عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْرِيفَ عَلَى الدَّوَامِ.
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ حَرَمَ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ يَعُودُونَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الأُْخْرَى، فَرُبَّمَا يَعُودُ مَالِكُهَا أَوْ يَبْعَثُ فِي طَلَبِهَا بَعْدَ السَّنَةِ (٣) .
الْغُسْل لِدُخُول الْحَرَمِ:
٢٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ الْغُسْل لِدُخُول الْحَرَمِ، وَذَلِكَ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ، قَال
_________
(١) الزيلعي ٣ / ٣٠١ - ٣٠٤، والبدائع ٦ / ٢٠٢، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٢١، وقوانين الأحكام ٢٢٥، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٧، والمغني لابن قدامة ٥ / ٧٠٦، وفتح القدير ٤ / ٤٣٠، وإعلام الساجد ١٢٥، وقليوبي ٣ / ١٢٠.
(٢) حديث: " فإن هذا بلد حرم الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٧ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.
(٣) المراجع السابقة.
الزَّرْكَشِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ الْغُسْل لِدُخُول مَكَّةَ اتِّفَاقًا لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْدُمُ مَكَّةَ إِلاَّ بَاتَ بِذِي طُوَى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِل ثُمَّ يَدْخُل مَكَّةَ نَهَارًا، وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ. (١) وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّاخِل مُحْرِمًا أَوْ حَلاَلًا (٢) .
الْمُؤَاخَذَةُ بِالْهَمِّ:
٢١ - مِنِ اخْتِصَاصَاتِ الْحَرَمِ أَنَّ الإِْنْسَانَ إِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فِيهِ يُؤَاخِذُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا، بِخِلاَفِ سَائِرِ الْبُلْدَانِ فَإِنَّهُ إِذَا هَمَّ الإِْنْسَانُ فِيهَا بِسَيِّئَةٍ لاَ يُؤَاخَذُ بِهَمِّهِ مَا لَمْ يَفْعَلْهَا.
وَوَجْهُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْهَمِّ فِي الْحَرَمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) .
وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي الآْيَةِ قَال: (لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإِلْحَادٍ وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ (٤) لأَذَاقَهُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا)
_________
(١) حديث ابن عمر " أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٣٥ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩١٩ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٢) الأشباه لابن نجيم ص ٣٦٩، ومغني المحتاج ١ / ٤٧٩، والشرح الصغير ٢ / ٤١، وإعلام الساجد للزركشي ص ١١٤، ١١٥، وتحفة الراكع والساجد ص ١٠٧.
(٣) سورة الحج / ٢٥.
(٤) عدن أبين جزيرة باليمن.