الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 38

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

فِيهِ﴾ قَال مُجَاهِدٌ: الآْيَةُ مُحْكَمَةٌ، فَلاَ يَجُوزُ قِتَال أَحَدٍ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يُقَاتِل.

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا (١)﴾ . وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِل الْقِتَال فِيهِ لأَِحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِل لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَصَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ إِذَا الْتَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، أَوْ طَائِفَةٌ مِنَ الْبُغَاةِ، أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ فِي الْحَرَمِ فَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِل لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلاَ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً. فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَال رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَْمْسِ (٣) .

وَهَذَا قَوْل سَنَدٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ،

_________

(١) سورة العنكبوت / ٦٧.

(٢) حديث: " إن هذا البلد حرمه الله. . . . " سبق تخريجه ف / ٢.

(٣) حديث: " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤١ ط السلفية) مسلم (٢ / ٩٨٧ - ٩٨٨ ط الحلبي) .

وَصَوَّبَهُ ابْنُ هَارُونَ فِي الْحَاصِرِ مِنَ الْحَجِّ، وَحَكَى الْحَطَّابُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ قِتَال أَهْل مَكَّةَ إِذَا بَغَوْا عَلَى أَهْل الْعَدْل، قَال: وَهُوَ قَوْل عِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ.

وَهَذَا قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، فَقَدْ جَاءَ فِي تُحْفَةِ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ: فَإِنْ بَغَوْا عَلَى أَهْل الْعَدْل قَاتَلَهُمْ عَلَى بَغْيِهِمْ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُمْ عَنِ الْبَغْيِ إِلاَّ بِالْقِتَال.

وَاسْتَدَل مَنْ أَجَازَ الْقِتَال فِي الْحَرَمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (١)﴾ وَقَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الآْيَةَ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٢)﴾ . وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل مَكَّةَ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَقِيل: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَال: اقْتُلُوهُ (٣) .

وَأَجَابُوا عَنِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَال بِمَكَّةَ أَنَّ مَعْنَاهَا تَحْرِيمُ نَصْبِ الْقِتَال عَلَيْهِمْ بِمَا يَعُمُّ كَالْمَنْجَنِيقِ وَغَيْرِهِ إِذَا أَمْكَنَ إِصْلاَحُ الْحَال بِدُونِ ذَلِكَ.

وَلأَِنَّ قِتَال أَهْل الْبَغْيِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ يَجُوزُ أَنْ تُضَاعَ، وَلأَنْ تَكُونَ مَحْفُوظَةً فِي حَرَمِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُونَ مُضَاعَةً فِيهِ (٤) .

_________

(١) سورة التوبة / ٥.

(٢) سورة البقرة / ١٩١.

(٣) حديث: " دخل مكة وعليه المغفر " سبق تخريجه ف / ٦.

(٤) ابن عابدين ٢ / ٢٥٦، والبدائع ٧ / ١١٤، وجواهر الإكليل ١ / ٢٠٧، والحطاب ٣ / ٢٠٣، ٢٠٤، والقرطبي ٢ / ٣٥١، و٣٥٣، وشفاء الغرام ١ / ٧٠، والمجموع ٧ / ٢١٥، وإعلام الساجد ص ١٠٧، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦٦، وتحفة الراكع والساجد ص ١١٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٩٣.

ج - قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ:

١٠ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ قَطْعِ أَوْ قَلْعِ نَبَاتِ الْحَرَمِ إِذَا كَانَ مِمَّا لاَ يَسْتَنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً وَهُوَ رَطْبٌ، كَالطُّرَفَاءِ، وَالسَّلَمِ، وَالْبَقْل، الْبَرِّيِّ، وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ شَجَرًا أَمْ غَيْرَهُ، وَالأَْصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا (١)﴾ .

وَلِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ إِلَى قَوْلِهِ: لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا (٢) .

وَيَسْتَوِي فِي الْحُرْمَةِ الْمُحَرَّمُ وَغَيْرُهُ، لأَِنَّهُ لاَ تَفْصِيل فِي النُّصُوصِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلأَْمْنِ. وَلأَِنَّ حُرْمَةَ التَّعَرُّضِ لأَِجْل الْحَرَمِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُحَرَّمُ وَغَيْرُهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٣) .

وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الإِْذْخِرُ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَال فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: لاَ يُعْضَدُ

_________

(١) سورة العنكبوت / ٦٧.

(٢) حديث: " حرم الله مكة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢١٣ - ط السلفية) .

(٣) البدائع ٥ / ٢٠٠ وما بعدها، وتبيين الحقائق ٢ / ٧٠، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٨، ١٩٩، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٧، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦٧، ولأبي يعلى ص ١٩٤، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٤٩ - ٣٥٢، والشرقاوي ١ / ٤٦٤.

شَجَرُهَا قَال الْعَبَّاسُ ﵁ إِلاَّ الإِْذْخِرَ يَا رَسُول اللَّهِ فَإِنَّهُ مَتَاعٌ لأَِهْل مَكَّةَ لِحَيِّهِمْ وَمَيِّتِهِمْ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: إِلاَّ الإِْذْخِرَ (١) . وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ ﵁ وَهُوَ حَاجَةُ أَهْل مَكَّةَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِمْ وَمَمَاتِهِمْ (٢) .

وَأَلْحَقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ) بِالإِْذْخِرِ السِّنَّا وَالسِّوَاكَ وَالْعَصَا وَمَا أُزِيل مِنَ النَّبَاتِ بِقَصْدِ السُّكْنَى بِمَوْضِعِهِ لِلضَّرُورَةِ. كَمَا أَلْحَقَ بِهِ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ الشَّوْكَ كَالْعَوْسَجِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُل مَا هُوَ مُؤْذٍ (٣) .

وَأَطْلَقَ غَيْرُهُمُ الْقَوْل بِالْحُرْمَةِ لِيَشْمَل سَائِرَ الأَْشْجَارِ وَالْحَشِيشَ إِلاَّ مَا وَرَدَ النَّصُّ بِاسْتِثْنَائِهِ وَهُوَ الإِْذْخِرُ، وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَلاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا أَيْ مَكَّةَ. وَلأَِنَّ الْغَالِبَ فِي شَجَرِ الْحَرَمِ الشَّوْكُ، فَلَمَّا حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَطْعَ شَجَرِهِ وَالشَّوْكُ غَالِبُهُ كَانَ ظَاهِرًا فِي تَحْرِيمِهِ (٤) .

_________

(١) حديث: " حرم الله مكة. . . " سبق تخريجه آنفا.

(٢) نفس المراجع.

(٣) الشرح الصغير ٢ / ١١٠، ١١١، والحطاب ٣ / ١٧٨، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٨، ١٩٩، والمغني ٣ / ٣٥٠.

(٤) المغني ٣ / ٣٥٠ - ٣٥١.

وَلاَ بَأْسَ بِأَخْذِ الْكَمْأَةِ (الْفَقْعِ) لأَِنَّهُمَا لاَ أَصْل لَهُمَا فَلَيْسَا بِشَجَرٍ وَلاَ حَشِيشٍ (١) .

أَمَّا الْيَابِسُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ فَلاَ يَحْرُمُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ)، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ النُّمُوِّ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَخْضَرِهِ وَيَابِسِهِ (٣) .

وَيَجُوزُ قَطْعُ وَقَلْعُ مَا يَسْتَنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً كَخَسٍّ، وَبَقْلٍ، وَكُرَّاتٍ، وَحِنْطَةٍ، وَبِطِّيخٍ، وَقِثَّاءٍ وَنَخْلٍ وَعِنَبٍ، وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ بِأَنْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ، اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ مِنْ لَدُنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا يَزْرَعُونَهُ فِي الْحَرَمِ وَيَحْصُدُونَهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ.

وَلاَ فَرْقَ فِي الْجَوَازِ بَيْنَ الشَّجَرِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَا اسْتَنْبَتَهُ الآْدَمِيُّ مِنَ الشَّجَرِ كَغَيْرِ الْمُسْتَنْبَتِ فِي الْحُرْمَةِ وَالضَّمَانِ، لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَانِعِ مِنْ قَطْعِ الشَّجَرِ.

وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَهُمْ: قِيَاسُهُ بِالزَّرْعِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْخَضْرَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُهُ وَلاَ ضَمَانَ فِيهِ بِلاَ خِلاَفٍ.

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٤٧٠، والبدائع ٢ / ٢١٠.

(٢) البدائع ٥ / ٢١٠، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٧، والمغني ٣ / ٣٥١، وكشاف القناع ٢ / ٤٧٠، والزيلعي ٢ / ٧٠.

(٣) الشرح الصغير ٢ / ١١٠، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٨.

وَإِذَا كَانَ أَصْل الشَّجَرَةِ فِي الْحَرَمِ وَأَغْصَانُهَا فِي الْحِل فَهِيَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْحِل وَأَغْصَانُهَا فِي الْحَرَمِ فَهِيَ مِنَ الْحِل اعْتِبَارًا لِلأَْصْل (١) .

رَعْيُ حَشِيشِ الْحَرَمِ وَالاِحْتِشَاشُ فِيهِ

١١ - يَجُوزُ رَعْيُ حَشِيشِ الْحَرَمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) لأَِنَّ الْهَدْيَ كَانَ يَدْخُل إِلَى الْحَرَمِ فَيَكْثُرُ فِيهِ فَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُمْ كَانُوا يَكُمُّونَ أَفْوَاهَهُ، وَلأَِنَّ بِهِمْ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ أَشْبَهَ الإِْذْخِرَ.

وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ لَمَّا مُنِعَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِحَشِيشِ الْحَرَمِ اسْتَوَى فِيهِ التَّعَرُّضُ بِنَفْسِهِ وَبِإِرْسَال الْبَهِيمَةِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ فِعْل الْبَهِيمَةِ يُضَافُ إِلَى صَاحِبِهَا، كَمَا فِي الصَّيْدِ فَإِنَّهُ لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ التَّعَرُّضُ اسْتَوَى فِيهِ اصْطِيَادُهُ بِنَفْسِهِ، وَبِإِرْسَال الْكَلْبِ، كَذَا هَذَا (٢) .

أَمَّا الاِحْتِشَاشُ أَيْ قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ لِلْبَهَائِمِ

_________

(١) البدائع ٢ / ٢١٠ - ٢١١، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٨، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٧، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٤٩ - ٣٥٢.

(٢) البدائع ٢ / ٢١٠ - ٢١١، والحطاب ٣ / ١٧٨، ١٧٩، ونهاية المحتاج ومغني المحتاج ١ / ٥٢٨، وكشاف القناع ٢ / ٤٧١.

فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا (١)

وَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حِل أَخْذِ نَبَاتِهِ مِنْ حَشِيشٍ أَوْ نَحْوِهِ بِالْقَطْعِ لاَ بِالْقَلْعِ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَالإِْذْخِرِ.

وَالْخِلاَفُ فِيمَا لاَ يَسْتَنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً: أَمَّا مَا يَسْتَنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً فَيَجُوزُ فِيهِ الاِحْتِشَاشُ اتِّفَاقًا (٢) .

ضَمَانُ قَطْعِ النَّبَاتِ فِي الْحَرَمِ:

١٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ مَنْ قَطَعَ مَا يَحْرُمُ مِنْ نَبَاتِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ مُحْرِمًا كَانَ أَوْ حَلاَلًا. وَاسْتَدَلُّوا بِفِعْل عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ فَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بِشَجَرٍ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يُضْمَرُ بِأَهْل الطَّوَافِ فَقُطِعَ وَفْدَاهُ. وَيَقُول ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي الْجَزْلَةِ شَاةٌ. وَالدَّوْحَةُ الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْجَزْلَةُ الصَّغِيرَةُ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نَوْعِ الضَّمَانِ: فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: تُضْمَنُ الشَّجَرَةُ الْكَبِيرَةُ وَالْمُتَوَسِّطَةُ عُرْفًا بِبَقَرَةٍ، وَالصَّغِيرَةُ بِشَاةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.

_________

(١) الخلا: الرطب من الحشيش ويختلى: أي يقطع (مختار الصحاح) .

(٢) المراجع السابقة والشرح الصغير ٢ / ١١٠.

وَيُضْمَنُ الْغُصْنُ بِمَا نَقَصَ. وَإِنْ قَلَعَ شَجَرًا مِنَ الْحَرَمِ فَغَرَسَهُ فِي الْحِل لَزِمَهُ رَدُّهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَوْ يَبِسَتْ وَجَبَ الضَّمَانُ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الضَّمَانُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ بِالْقِيمَةِ.

وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لِلصَّوْمِ فِي جَزَاءِ قَطْعِ نَبَاتِ الْحَرَمِ مَدْخَلٌ، لأَِنَّ حُرْمَتَهُ بِسَبَبِ الْحَرَمِ لاَ بِالإِْحْرَامِ، وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْحَلاَل عَلَى السَّوَاءِ.

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَمَعَ قَوْلِهِمْ بِحُرْمَةِ قَطْعِ نَبَاتِ الْحَرَمِ الَّذِي يَحْرُمُ قَطْعُهُ. قَالُوا: إِنْ فَعَل فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ (١) .

صَيْدُ الْحَرَمِ:

١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ فِي الْحَرَمِ صَيْدُ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَتَنَاسُلُهُ فِي الْبَرِّ دُونَ الْبَحْرِيِّ وَهُوَ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ فِي الْبَحْرِ.

وَالْمُرَادُ بِصَيْدِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مُتَوَحِّشًا فِي أَصْل الْخِلْقَةِ، وَلَوْ صَارَ مُسْتَأْنَسًا، نَحْوَ الظَّبْيِ الْمُسْتَأْنَسِ.

وَيَسْتَوِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مَأْكُول اللَّحْمِ أَوْ غَيْرَ مَأْكُول اللَّحْمِ.

وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنْ يَكُونَ مَأْكُول

_________

(١) البدائع ٢ / ٢١٠، والشرح الصغير ٢ / ١١٠، والحطاب ٣ / ١٧٨، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٧، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٤٣، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٥٢، وكشاف القناع ٢ / ٤٧١.

اللَّحْمِ، فَلاَ يَحْرُمُ صَيْدُ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ غَيْرِ مَأْكُول اللَّحْمِ عِنْدَهُمْ.

وَدَلِيل حُرْمَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ قَوْلُهُ ﷺ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ إِلَى قَوْلِهِ: لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا (١) .

وَحُرْمَةُ صَيْدِ الْحَرَمِ تَشْمَل الْمُحْرِمَ وَالْحَلاَل، كَمَا تَشْمَل الْحُرْمَةُ إِيذَاءَ الصَّيْدِ أَوِ الاِسْتِيلاَءَ عَلَيْهِ وَتَنْفِيرَهُ أَوِ الْمُسَاعِدَةَ عَلَى الصَّيْدِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، مِثْل الدَّلاَلَةِ عَلَيْهِ، أَوِ الإِْشَارَةِ إِلَيْهِ أَوِ الأَْمْرِ بِقَتْلِهِ (٢) .

وَمَنْ مَلَكَ صَيْدًا فِي الْحِل فَأَرَادَ أَنْ يَدْخُل بِهِ الْحَرَمَ لَزِمَهُ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ وَإِرْسَالُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ الْحَرَمَ سَبَبٌ مُحَرِّمٌ لِلصَّيْدِ وَيُوجِبُ ضَمَانَهُ، فَحَرُمَ اسْتِدَامَةُ إِمْسَاكِهِ كَالإِْحْرَامِ، فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ وَتَلِفَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، فَإِنْ بَاعَهُ رُدَّ الْبَيْعُ إِنْ بَقِيَ، وَإِنْ فَاتَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَدْخَل الْحَلاَل مَعَهُ إِلَى الْحَرَمِ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَهُ لاَ يَضْمَنُهُ، بَل لَهُ إِمْسَاكُهُ فِيهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ، لأَِنَّهُ صَيْدُ حِلٍّ.

_________

(١) حديث: " لا يختلى خلاها ولا يعضد. . . " سبق تخريجه ف / ٩.

(٢) البدائع ٢ / ٢٠٧، ٢٠٩، والزيلعي ٢ / ٦٣، ٦٩، وابن عابدين ٢ / ٢١٢، والدسوقي ٢ / ٧٢، والحطاب ٣ / ١٧٠، ١٧١، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٤، والمغني ٣ / ٣٤٤، ٣٤٥.

وَلَوْ رَمَى مِنَ الْحِل صَيْدًا فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ صَيْدُ الْحَرَمِ. وَكَذَا لَوْ رَمَى مِنَ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ بِدَايَةِ الرَّمْيِ مِنَ الْحَرَمِ. وَقَال أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يُضْمَنُ نَظَرًا لاِنْتِهَاءِ الرَّمْيَةِ.

وَضَمَانُ الصَّيْدِ يَكُونُ بِالْمِثْل فِيمَا لَهُ مِثْل مِنَ النَّعَمِ، أَوِ الْقِيمَةِ فِيهِ، وَفِيمَا لاَ مِثْل لَهُ بِتَقْوِيمِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ عَلَى النَّحْوِ الْمُبَيَّنِ فِي جَزَاءِ الإِْحْرَامِ. يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَامٌ: ف ١٦٠ - ١٦٤) .

وَفِي الزَّيْلَعِيِّ وَلاَ يُجْزِيهِ الصَّوْمُ لأَِنَّهُ غَرَامَةٌ كَغَرَامَةِ الأَْمْوَال وَشَجَرِ الْحَرَمِ. وَالْجَامِعُ أَنَّهُمَا ضَمَانُ الْمَحَل لاَ جَزَاءُ الْفِعْل (١) .

١٤ - وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ وَلاَ لِلْحَلاَل أَكْل لَحْمِ صَيْدِ الْحَرَمِ الْبَرِّيِّ، وَلاَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. أَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ فَحَلاَلٌ أَكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ وَالْحَلاَل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا (٢)﴾ .

أَمَّا إِذَا صَادَ الْحَلاَل صَيْدًا خَارِجَ الْحَرَمِ فَهَل

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٢١٧، الزيلعي ٢ / ٦٨ - ٦٩، والمغني ٣ / ٣٤٥، ٣٤٦، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٥ - ١٩٨ ومغني المحتاج ١ / ٥٢٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٩٤.

(٢) سورة المائدة / ٩٦.