الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 37

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلاَ تَحِل لأَِحَدٍ قَبْلِي وَلاَ تَحِل لأَِحَدٍ بَعْدِي (١) .

وَجْهُ تَسْمِيَةِ الْحَرَمِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ ﷾ حَرَّمَ فِيهِ كَثِيرًا مِمَّا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ فِي غَيْرِهِ، كَالصَّيْدِ وَقَطْعِ النَّبَاتِ وَنَحْوِهِمَا.

ب - الْمَدِينَةُ وَمَا حَوْلَهَا، كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا لاَ يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ. مَنْ أَحْدَث حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٢) .

وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُدُودِهِ.

أَوَّلًا: حَرَمُ مَكَّةَ:

أ - دَلِيل تَحْرِيمِهِ:

٢ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا أَيِ الْحَرَمَ الْمَكِّيَّ حَرَامٌ بِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ.

وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ مِنْهَا:

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ (٣)﴾

قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَيْ جُعِلَتْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا أَمِنُوا فِيهِ مِنَ السَّبْيِ وَالْغَارَةِ وَالْقَتْل (٤) .

_________

(١) حديث: " إن الله حرم مكة فلم تحل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٦ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.

(٢) حديث: " إن الله حرم مكة فلم تحل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٦ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.

(٣) سورة العنكبوت / ٦٧.

(٤) القرطبي ١٣ / ٣٦٤.

وَمِنْهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِل لأَِحَدٍ قَبْلِي وَلاَ تَحِل لأَِحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ (٢) .

وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي حِكْمَتِهِ وُجُوهًا مِنْهَا: الْتِزَامُ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ أَحْكَامٍ، وَتَبْيِينُ مَا اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الْبَرَكَاتِ (٣) .

ب - تَحْدِيدُ حَرَمِ مَكَّةَ::

٣ - حَدُّ الْحَرَمِ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عِنْدَ التَّنْعِيمِ وَهُوَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَمْيَالٍ. وَفِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَوْ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ. وَمَبْدَأُ التَّنْعِيمِ مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا، وَيُقَال لَهَا بُيُوتُ نِفَارٍ، وَيُعْرَفُ الآْنَ بِمَسْجِدِ عَائِشَةَ، فَمَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَالتَّنْعِيمِ حَرَمٌ. وَالتَّنْعِيمُ مِنَ الْحِل.

وَمِنْ جِهَةِ الْيَمَنِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ أَضَاةِ لِبْنٍ (بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَشِفَاءِ الْغَرَامِ) وَمِنْ جِهَةِ جُدَّةَ عَشَرَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ مُنْقَطَعِ الأَْعْشَاشِ لآِخِرِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَهِيَ مِنَ الْحَرَمِ.

وَمِنْ جِهَةِ الْجِعْرَانَةِ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ فِي شِعْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ.

_________

(١) حديث: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٧ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٨٦ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس واللفظ لمسلم.

(٢) حديث: " إن الله حرم مكة فلم تحل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٦ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.

(٣) إعلام الساجد ٦٣ - ٦٥ والقليوبي ٢ / ١٣٨.

وَمِنْ جِهَةِ الْعِرَاقِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عَلَى ثَنِيَّةٍ بِطَرَفِ جَبَل الْمُقَطَّعِ، وَذُكِرَ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَمْيَالٍ.

وَمِنْ جِهَةِ الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَاتٍ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ طَرَفِ عُرَنَةَ.

وَلَعَل الاِخْتِلاَفَ فِي تَحْدِيدِ الأَْمْيَال يَرْجِعُ إِلَى الاِخْتِلاَفِ فِي تَحْدِيدِ أَذْرُعِ الْمِيل وَأَنْوَاعِهَا (١) .

وَابْتِدَاءُ الأَْمْيَال مِنَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ (٢) .

هَذَا وَقَدْ حُدِّدَ الْحَرَمُ الْمَكِّيُّ الآْنَ مِنْ مُخْتَلَفِ الْجِهَاتِ بِأَعْلاَمٍ بَيِّنَةٍ مُبَيِّنَةٍ عَلَى أَطْرَافِهِ مِثْل الْمَنَارِ مَكْتُوبٍ عَلَيْهَا اسْمُ الْعَلَمِ بِاللُّغَاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَالأَْعْجَمِيَّةِ.

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَعْلاَمُ الْحَرَمِ) .

دُخُول الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ

أ - الدُّخُول بِقَصْدِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ:

٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ دُخُول الْحَرَمِ بِقَصْدِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمَوَاقِيتِ الْمُحَدَّدَةِ أَوْ قَبْلَهَا. وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ وَيُحْرِمَ مِنْهُ. فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَيْهِ

_________

(١) البدائع ٢ / ١٦٤، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٥٥، ١٥٦، ومواهب الجليل ٣ / ١٧١، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٤، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٤٥، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٨، وإعلام الساجد ٦٣ - ٦٥، وكشاف القناع ٢ / ٤٧٣، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٨٢، وشفاء الغرام ١ / ٥٤ وما بعدها.

(٢) مطالب أولي النهى ٢ / ٣٨٢.

دَمٌ سَوَاءٌ أَتَرَكَ الْعَوْدَ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، عَامِدًا كَانَ أَمْ نَاسِيًا. إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا خَافَ فَوَاتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوِ الْمَرَضِ الشَّاقِّ فَيُحْرِمُ مِنْ مَكَانِهِ وَعَلَيْهِ الدَّمُ (١) .

وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْرَامٌ) .

ب - الدُّخُول لأَِغْرَاضٍ أُخْرَى:

٥ - يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ دَاخِل الْمَوَاقِيتِ (بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَالْحَرَمِ) أَنْ يَدْخُل الْحَرَمَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِحَاجَتِهِ، لأَِنَّهُ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ لِحَوَائِجِهِ فَيُحْرَجُ فِي ذَلِكَ، وَالْحَرَجُ مَرْفُوعٌ، فَصَارَ كَالْمَكِّيِّ إِذَا خَرَجَ ثُمَّ دَخَل، بِخِلاَفِ مَا إِذَا دَخَل لِلْحَجِّ لأَِنَّهُ لاَ يَتَكَرَّرُ، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً. وَكَذَا لأَِدَاءِ الْعُمْرَةِ لأَِنَّهُ الْتَزَمَهَا لِنَفْسِهِ.

كَمَا يَجُوزُ لِمَنْ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْحِل (دَاخِل الْمَوَاقِيتِ) أَنْ يَدْخُل الْحَرَمَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْحَرَمِ، كَالآْفَاقِيِّ الْمُفْرِدِ بِالْعُمْرَةِ، وَالْمُتَمَتِّعِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

كَذَلِكَ يَجُوزُ دُخُول الْحَرَمِ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ لِحَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ كَالْحَطَّابِينَ وَالصَّيَّادِينَ وَنَحْوِهِمَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَفِي وُجُوبِ الإِْحْرَامِ عَلَى مَنْ تَتَكَرَّرُ حَاجَتُهُ مَشَقَّةٌ (٢) .

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ١٣٩، وجواهر الإكليل ١ / ١٧٠، ومغني المحتاج ١ / ٤٧٤، والمغني ٣ / ٢٦٨

(٢) الاختيار ١ / ١٤١، ١٤٢، ابن عابدين ٢ / ١٥٥، والمجموع ٧ / ١٠ وما بعدها والشرح الصغير ٢ / ٢٣ - ٢٥، وكشاف القناع ٢ / ٤٠٢، ٤٠٣.

٦ - أَمَّا الآْفَاقِيُّ (١) وَمَنْ فِي حُكْمِهِ - غَيْرُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ - مِمَّنْ يَمُرُّونَ عَلَى الْمَوَاقِيتِ إِذَا أَرَادُوا دُخُول الْحَرَمِ لِحَاجَةٍ أُخْرَى غَيْرِ النُّسُكِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) يَرَوْنَ وُجُوبَ الإِْحْرَامِ عَلَيْهِمْ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُمْ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.

وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُول الْحَرَمِ لِلآْفَاقِيِّ أَيْضًا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ (٢) .

وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَتَفْصِيلُهُ كَالتَّالِي:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: الآْفَاقِيُّ إِذَا أَرَادَ دُخُول الْحَرَمِ بِغَيْرِ النُّسُكِ كَمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ أَوِ النُّزْهَةِ أَوِ التِّجَارَةِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ إِلاَّ مُحْرِمًا، لأَِنَّ فَائِدَةَ التَّأْقِيتِ هَذَا، لأَِنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الإِْحْرَامِ عَلَى الْمَوَاقِيتِ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَال: لاَ تُجَاوِزِ الْمُوَقَّتَ إِلاَّ بِإِحْرَامٍ (٣)

_________

(١) القياس أن ينسب إلى المفرد فـ " أفقي " ونسب إلى المفرد أيضا بفتحتين على غير قياس فقيل أفقي، وكثر في كلام الفقهاء النسبة إلى الجمع فقالوا " آفاقي " (انظر المصباح المنير والمراجع المذكورة أدناه) .

(٢) الاختيار ١ / ١٤١، وابن عابدين ٢ / ١٥٤، والشرح الصغير ٢ / ٢٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٧٤، وكشاف القناع ٢ / ٤٠٢.

(٣) حديث: " لا تجاوز الموقت إلا بإحرام " أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٢١٦ - ط القدسي) من حديث عبد الله بن عباس، وقال: " رواه الطبراني في الكبير وفيه خصيف، وفيه كلام " وقد وثقه جماعة.

فَإِنْ جَاوَزَهَا الآْفَاقِيُّ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَعَلَيْهِ شَاةٌ. فَإِنْ عَادَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ سَقَطَ الدَّمُ.

أَمَّا لَوْ قَصَدَ مَوْضِعًا مِنَ الْحِل، كَخَلِيصٍ وَجُدَّةَ حَل لَهُ مُجَاوَزَتُهُ بِلاَ إِحْرَامٍ. فَإِذَا حَل بِهِ الْتَحَقَ بِأَهْلِهِ فَلَهُ دُخُول الْحَرَمِ بِلاَ إِحْرَامٍ. قَالُوا: وَهُوَ الْحِيلَةُ لِمُرِيدِ ذَلِكَ بِقَصْدٍ أَوْلَى، كَمَا إِذَا كَانَ قَصْدُهُ لِجَدَّةٍ مَثَلًا لِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ يَدْخُل مَكَّةَ ثَانِيًا، إِذْ لَوْ كَانَ قَصْدُهُ الأَْوَّلِيُّ دُخُول مَكَّةَ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالْحِل فَلاَ يَحِل لَهُ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِدُونِ إِحْرَامٍ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ كُل مُكَلَّفٍ حُرٍّ أَرَادَ دُخُول مَكَّةَ فَلاَ يَدْخُلُهَا إِلاَّ بِإِحْرَامٍ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ وُجُوبًا، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَعَدِّي الْمِيقَاتِ بِلاَ إِحْرَامٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَرَدِّدِينَ أَوْ يَعُودُ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا مِنْ مَكَان قَرِيبٍ (أَيْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) لَمْ يَمْكُثْ فِيهِ كَثِيرًا فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُول مَكَّةَ أَوِ الْحَرَمَ أَوْ أَرَادَ نُسُكًا تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ. . إِلاَّ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ لِدُخُولِهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ

_________

(١) الاختيار ١ / ١٤١، وابن عابدين ٢ / ١٥٤.

(٢) الشرح الصغير ٢ / ٢٤.

الْمِغْفَرُ (١) . أَوْ لِخَوْفٍ، أَوْ حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ كَحَطَّابٍ، وَنَاقِل الْمِيرَةِ، وَلِصَيْدٍ، وَاحْتِشَاشٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَكِّيٍّ يَتَرَدَّدُ إِلَى قَرْيَتِهِ بِالْحِل (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ -: إِنَّ مَنْ أَرَادَ دُخُول مَكَّةَ لِحَاجَةٍ لاَ تَتَكَرَّرُ كَزِيَارَةٍ، أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ رِسَالَةٍ، أَوْ كَانَ مَكِّيًّا عَائِدًا مِنْ سَفَرِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ. وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْحْرَامُ. وَعَلَى كُلٍّ فَقَدْ نَصُّوا أَنَّهُ لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ثُمَّ أَرَادَ النُّسُكَ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ وَلاَ يُكَلَّفُ الْعَوْدَ إِلَى الْمِيقَاتِ (٣) .

دُخُول الْكَافِرِ لِلْحَرَمِ:

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ السُّكْنَى وَالإِْقَامَةُ فِي الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا (٤)﴾

وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْحَرَمُ بِدَلِيل قَوْلِهِ ﷾ بَعْدَهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (٥)﴾ أَيْ إِنْ خِفْتُمْ فَقْرًا وَضَرَرًا بِمَنْعِهِمْ مِنَ الْحَرَمِ وَانْقِطَاعِ مَا كَانَ يَحْصُل

_________

(١) حديث: " دخل ﷺ يوم فتح مكة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٥٩ - السلفية) . ومسلم (٢ / ٩٩٠ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.

(٢) كشاف القناع ٢ / ٤٠٢، ٤٠٣.

(٣) المجموع ٧ / ١٠ - ١٢، ومغني المحتاج ١ / ٤٧٤.

(٤) سورة التوبة / ٢٨.

(٥) سورة التوبة / ٢٨.

لَكُمْ بِمَا يَجْلِبُونَهُ إِلَيْكُمْ مِنَ الْمَكَاسِبِ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَلَبَ إِنَّمَا يُجْلَبُ إِلَى الْبَلَدِ وَالْحَرَمِ، لاَ إِلَى الْمَسْجِدِ نَفْسِهِ.

وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُ، فَعُوقِبُوا بِالْمَنْعِ مِنْ دُخُولِهِ بِكُل حَالٍ (١) . ﷺ

وَاخْتَلَفُوا فِي اجْتِيَازِ الْكَافِرِ الْحَرَمَ بِصِفَةٍ مُؤَقَّتَةٍ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى مَنْعِ دُخُول الْكُفَّارِ إِلَى الْحَرَمِ مُطْلَقًا، لِعُمُومِ الآْيَةِ. فَإِنْ أَرَادَ كَافِرٌ الدُّخُول إِلَى الْحَرَمِ مُنِعَ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ مِيرَةٌ أَوْ تِجَارَةٌ خَرَجَ إِلَيْهِ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ وَلَمْ يُتْرَكْ هُوَ يَدْخُل. وَإِنْ كَانَ رَسُولًا إِلَى إِمَامٍ بِالْحَرَمِ خَرَجَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُ رِسَالَتَهُ وَيُبَلِّغُهَا إِيَّاهُ. فَإِنْ قَال: لاَ بُدَّ لِي مِنْ لِقَاءِ الإِْمَامِ وَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ خَرَجَ إِلَيْهِ الإِْمَامُ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالدُّخُول.

وَإِذَا أَرَادَ مُشْرِكٌ دُخُول الْحَرَمِ لِيُسْلِمَ فِيهِ مُنِعَ مِنْهُ حَتَّى يُسْلِمَ قَبْلَهُ (٢) .

قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَإِذَا دَخَل الْمُشْرِكُ الْحَرَمَ بِغَيْرِ إِذْنٍ عُزِّرَ وَلَمْ يُسْتَبَحْ بِهِ قَتْلُهُ، وَإِنْ دَخَلَهُ بِإِذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ وَيُنْكَرُ عَلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ (٣) .

_________

(١) تفسير الأحكام للجصاص ٣ / ٨٨، وتفسير القرطبي ٨ / ١٠٤، والزرقاني ٣ / ١٤٢، والحطاب ٣ / ٣٨١، والجمل ٥ / ٢١٥، والمغني ٨ / ٥٢٩ - ٥٣١.

(٢) المراجع السابقة، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٩٥.

(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦٧، ولأبي يعلى ص ١٩٥.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ دُخُول الْحَرَمِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ جَوَازُ دُخُولِهِ عَلَى إِذْنِ مُسْلِمٍ وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (١) .

يَقُول الْجَصَّاصُ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (٢)﴾: يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ دُخُول سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الآْيَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ خَاصًّا فِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَمْنُوعِينَ مِنْ دُخُول مَكَّةَ وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ، لأَِنَّهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ ذِمَّةٌ، وَكَانَ لاَ يُقْبَل مِنْهُمُ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ أَوِ السَّيْفُ وَهُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ. أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْعُهُمْ مِنْ دُخُول مَكَّةَ لِلْحَجِّ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً (٣)﴾ الآْيَةَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ خَشْيَةُ الْعَيْلَةِ لاِنْقِطَاعِ تِلْكَ الْمَوَاسِمِ بِمَنْعِهِمْ مِنَ الْحَجِّ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِالتِّجَارَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ (٤) .

مَرَضُ الْكَافِرِ فِي الْحَرَمِ وَمَوْتُهُ:

٨ - تَقَدَّمَ أَنَّ الْكَافِرَ لاَ يَجُوزُ لَهُ الدُّخُول إِلَى الْحَرَمِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. فَلَوْ دَخَل مَسْتُورًا وَمَرِضَ أُخْرِجَ إِلَى الْحِل. وَإِذَا مَاتَ فِي الْحَرَمِ حَرُمَ دَفْنُهُ فِيهِ،

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٦٩، وتفسير الجصاص ٣ / ٨٨.

(٢) سورة التوبة / ٢٨.

(٣) سورة التوبة / ٢٨.

(٤) تفسير الأحكام للجصاص ٣ / ٨٨.

فَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ قَبْرُهُ وَنُقِل إِلَى الْحِل، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ فَيُتْرَكُ كَمَا تُرِكَ أَمْوَاتُ الْجَاهِلِيَّةِ (١) .

الْقِتَال فِي الْحَرَمِ:

٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ دَخَل الْحَرَمَ مُقَاتِلًا وَبَدَأَ الْقِتَال فِيهِ، يُقَاتَل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ (٢)﴾ .

وَكَذَلِكَ مَنِ ارْتَكَبَ فِي الْحَرَمِ جَرِيمَةً مِنْ جَرَائِمِ الْحُدُودِ أَوِ الْقِصَاصِ مِمَّا يُوجِبُ الْقَتْل فَإِنَّهُ يُقْتَل فِيهِ اتِّفَاقًا لاِسْتِخْفَافِهِ بِالْحَرَمِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفِقْرَةِ التَّالِيَةِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي قِتَال الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةِ عَلَى أَهْل الْعَدْل فِي الْحَرَمِ إِذَا لَمْ يَبْدَءُوا بِالْقِتَال. فَذَهَبَ طَاوُسٌ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَقَوْل الْقَفَّال وَالْمَاوَرْدِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ قِتَالُهُمْ فِي الْحَرَمِ مَعَ بَغْيِهِمْ. وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُطْعَمُونَ وَلاَ يُسْقَوْنَ وَلاَ يُؤْوَوْنَ وَلاَ يُبَايَعُونَ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنَ الْحَرَمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ

_________

(١) تفسير القرطبي ٧ / ١٠٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦٧، ولأبي يعلى ص ١٩٥، والمغني ٨ / ٥٣١.

(٢) سورة البقرة / ١٩١.