الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
لِتِجَارَةٍ كُرِهَ، وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَثْنَاءَ الاِعْتِكَافِ بِعَدَمِ إِحْضَارِ السِّلْعَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَإِلاَّ كُرِهَ، لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مُحْرَزٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَفِيهِ شَغْلُهُ بِهَا.
وَلَمْ يُفَرِّقِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَيْنَ الْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ (١) .
١٠ - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْقِيَامِ بِالصَّنْعَةِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، لَكِنْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّمَا يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ عَمَل الصِّنَاعَاتِ مَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ آحَادُ النَّاسِ مِمَّا يَتَكَسَّبُ بِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ يَشْمَل الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِثْل إِصْلاَحِ آلاَتِ الْجِهَادِ مِمَّا لاَ امْتِهَانَ لِلْمَسْجِدِ فِي عَمَلِهِ فِيهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ الصَّنَائِعُ فِي الْمَسْجِدِ كَالْخِيَاطَةِ وَالْكِتَابَةِ مَا لَمْ يَكْثُرْ، فَإِنْ أَكْثَرَ مِنْهَا كُرِهَتْ لِحُرْمَتِهِ، إِلاَّ كِتَابَةَ الْعِلْمِ ثُمَّ قَالُوا: تُكْرَهُ الْحِرْفَةُ كَخِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا فِي الْمَسْجِدِ كَالْمُعَاوَضَةِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ بِلاَ حَاجَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ صِيَانَةً لَهُ (٣) .
_________
(١) الهداية وفتح القدير والعناية ٢ / ٣١٢ ومنح الجليل ٤ / ٢٢ وجواهر الإكليل ٢ / ٢٠٣، ومغني المحتاج ١ / ٤٥٢، ونهاية المحتاج ٣ / ٢١٤ وأسنى المطالب ١ / ٤٣٤، وكشاف القناع ٢ / ٣٦٦ - ٣٦٧ والمغني ٣ / ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٢) أشباه ابن نجيم ص ٣٧٠ ومنح الجليل ٤ / ٢٠ - ٢٢.
(٣) أسنى المطالب ١ / ٤٣٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٥٢، ٢ / ٣٧١، وأشباه السيوطي ص ٤٥١.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ التَّكَسُّبُ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّنْعَةِ كَخِيَاطَةٍ وَغَيْرِهَا قَلِيلًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ كَثِيرًا لِحَاجَةٍ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يُرَاعِي الْمَسْجِدَ بِكَنْسٍ أَوْ رَشٍّ وَنَحْوِهِ أَمْ لَمْ يَكُنْ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التِّجَارَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ مَكَانًا لِلْمَعَايِشِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ.
وَقُعُودُ الصُّنَّاعِ وَالْفَعَلَةِ فِيهِ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يُكْرِيهِمْ بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْبَضَائِعِ فِيهِ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يَشْتَرِيهَا، وَعَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْمَسَاجِدُ إِنَّمَا بُنِيَتْ لِلذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالصَّلاَةِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ خَرَجَ إِلَى مَعَاشِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَْرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل اللَّهِ﴾ . وَيَجِبُ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ عَنْ عَمَل صَنْعَةٍ لِتَحْرِيمِهَا فِيهِ.
وَلاَ يُكْرَهُ الْيَسِيرُ مِنَ الْعَمَل فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ التَّكَسُّبِ كَرَقْعِ ثَوْبِهِ وَخَصْفِ نَعْلِهِ وَمِثْل أَنْ يَنْحَل شَيْءٌ يَحْتَاجُ إِلَى رَبْطٍ فَيَرْبِطَهُ، أَوْ أَنْ يَنْشَقَّ قَمِيصُهُ فَيَخِيطَهُ.
وَيَحْرُمُ فِعْل ذَلِكَ لِلتَّكَسُّبِ (١) .
سَابِعًا: اعْتِبَارُ الْحِرْفَةِ فِي النِّكَاحِ:
١١ - الْكَفَاءَةُ فِي الْحِرْفَةِ مُعْتَبَرَةٌ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الرِّجَال لِلنِّسَاءِ، لأَِنَّ
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٣٦٦ - ٣٦٧، والمغني ٣ / ٢٠٣.
الْمَرْأَةَ الشَّرِيفَةَ تُعَيَّرُ بِذَلِكَ، وَلاَ تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُل، لأَِنَّ الْوَلَدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ أَبِيهِ لاَ أُمِّهِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِي الأُْمِّ.
وَقَدْ بَنَى الْفُقَهَاءُ اعْتِبَارَ الْكَفَاءَةِ فِي الْحِرْفَةِ عَلَى الْعُرْفِ وَعَادَةِ أَهْل الْبِلاَدِ.
هَذَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْحِرْفَةِ هُوَ عُرْفُ بَلَدِ الزَّوْجَةِ لاَ بَلَدِ الْعَقْدِ، لأَِنَّ الْمَدَارَ عَلَى عَارِهَا وَعَدَمِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالنِّسْبَةِ لِعُرْفِ بَلَدِهَا، أَيِ الَّتِي هِيَ بِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ (١) .
وَاعْتِبَارُ الْحِرْفَةِ فِي الْكَفَاءَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَلاَ يَضُرُّ زَوَالُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ كُفْئًا وَقْتَ الْعَقْدِ ثُمَّ زَالَتِ الْكَفَاءَةُ لَمْ يُفْسَخِ الْعَقْدُ.
لَكِنْ لَوْ بَقِيَ أَثَرُ الْحِرْفَةِ لَمْ يَكُنْ كُفْئًا.
أَمَّا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ حَال الْعَقْدِ غَيْرَ كُفْءٍ فِي حِرْفَتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ النِّكَاحِ أَوْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نِكَاحٌ - كَفَاءَةٌ) .
كَوْنُ الاِنْتِفَاعِ بِالْحِرْفَةِ مَهْرًا:
١٢ - يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنْ يَكُونَ
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٣٢١، والبدائع ٢ / ٣٢٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٥٠، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٥٣ - ٢٥٤ والمغني ٦ / ٤٨٥ - ٤٨٧ وكشاف القناع ٥ / ٦٨.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣١٧، ٣١٨، ٣٢٢ - ٣٢٣، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٥٠ - ٢٥١ والمغني ٦ / ٤٨٠، ٤٨١.
الاِنْتِفَاعُ بِالْحِرْفَةِ مَهْرًا، فَيَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُل الْمَرْأَةَ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ، وَبِنَاءِ دَارٍ وَتَعْلِيمِ صَنْعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُل مَا هُوَ مُبَاحٌ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ شُعَيْبٍ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (١)﴾ . وَلأَِنَّ مَنْفَعَةَ الْحُرِّ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا فِي الإِْجَارَةِ فَجَازَتْ صَدَاقًا (٢)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلاَفٌ مُلَخَّصُهُ أَنَّ مَا هُوَ مَالٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ عَلَيْهَا، وَمَا لاَ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ لاَ يَجُوزُ وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجُ الْحُرُّ عَلَى خِدْمَتِهِ إِيَّاهَا سَنَةً، لأَِنَّ مَوْضُوعَ الزَّوْجِيَّةِ أَنْ تَكُونَ هِيَ خَادِمَةً لَهُ لاَ بِالْعَكْسِ. لأَِنَّ خِدْمَةَ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ - كَمَا قِيل قَلْبٌ لِلأَْوْضَاعِ - لأَِنَّ الْمَفْرُوضَ أَنْ تَخْدُمَهُ هِيَ لاَ الْعَكْسُ. وَأَمَّا إِذَا سَمَّى إِيجَارَ بَيْتٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِ الأَْعْيَانِ فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خِدْمَةً أَوْ لاَ كَرَعْيِ غَنَمِهَا أَوْ زِرَاعَةِ أَرْضِهَا، فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ قَدِ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ الأَْرْجَحُ (٣) .
_________
(١) سورة القصص / ٢٧.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٣٨ - ٢٣٩ وكشاف القناع ٥ / ١٢٩ والمغني ٦ / ٦٨٣.
(٣) حاشية ابن عابدين - طبعة بولاق الأولى ٢ / ٣٣٣ - ٣٣٤، وفتح القدير ٣ / ٢٢٤، ٢٢٥.
وَقَالُوا: إِذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا هُوَ سَنَةً مَثَلًا فَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فَاسِدَةٌ وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إِمَّا مَهْرُ الْمِثْل فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، أَوْ قِيمَةُ خِدْمَتِهِ الْمُدَّةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا فِي عَقْدِ الزَّوَاجِ (١) .
كَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي جَعْل الصَّدَاقِ خِدْمَتَهُ لَهَا فِي زَرْعٍ أَوْ فِي بِنَاءِ دَارٍ أَوْ تَعْلِيمِهَا فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ أَصْبَغُ. قَال اللَّخْمِيُّ: وَعَلَى قَوْل مَالِكٍ يُفْسَخُ النِّكَاحُ قَبْل الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْل. وَقَال ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْقَوْل بِالْمَنْعِ: النِّكَاحُ صَحِيحٌ قَبْل الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ، وَيَمْضِي بِمَا وَقَعَ بِهِ مِنَ الْمَنَافِعِ لِلاِخْتِلاَفِ فِيهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ (٢) .
ثَامِنًا: شَهَادَةُ أَهْل الْحِرَفِ:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى رَدِّ شَهَادَةِ صَاحِبِ الْحِرْفَةِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْمُنَجِّمِ وَالْعَرَّافِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْحِرْفَةِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الرِّبَا كَالصَّائِغِ وَالصَّيْرَفِيِّ إِذَا لَمْ يَتَوَقَّيَا ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُول شَهَادَةِ أَصْحَابِ الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ، كَالْحَائِكِ، وَالْحَجَّامِ، وَالزَّبَّال. فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ تُقْبَل
_________
(١) المرجعين السابقين.
(٢) الدسوقي ٢ / ٣٠٩.
شَهَادَتُهُمْ، لأَِنَّهُ قَدْ تَوَلَّى هَذِهِ الْحِرَفَ قَوْمٌ صَالِحُونَ فَمَا لَمْ يُعْلَمِ الْقَادِحُ لاَ يُبْنَى عَلَى ظَاهِرِ الصِّنَاعَةِ، فَالْعِبْرَةُ لِلْعَدَالَةِ لاَ لِلْحِرْفَةِ، فَكَمْ مِنْ دَنِيءِ الصِّنَاعَةِ أَتْقَى مِنْ ذِي مَنْصِبٍ وَوَجَاهَةٍ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (١)﴾ .
لَكِنْ يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْحِرَفِ مِمَّنْ لاَ تَلِيقُ بِهِ، وَرَضِيَهَا اخْتِيَارًا بِأَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَلَمْ يَتَوَقَّفْ قُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِهِ عَلَيْهَا لَمْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، لأَِنَّ ذَلِكَ يَدُل عَلَى قِلَّةِ الْمُبَالاَةِ وَعَلَى خَبَلٍ فِي عَقْلِهِ، وَتُقْبَل إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْوَجْهُ الآْخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ، لأَِنَّ الْقِيَامَ بِهَذِهِ الْحِرَفِ يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ فِي الْحِرْفَةِ مُبَاشَرَةُ النَّجَاسَةِ (٢) .
كَمَا أَنَّ شَهَادَةَ الأَْجِيرِ الْخَاصِّ لِمُسْتَأْجِرِهِ لاَ تُقْبَل، لأَِنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَلاَ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلاَ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَلاَ الزَّوْجِ
_________
(١) سورة الحجرات / ١٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٧٨، والاختيار ٢ / ١٤٧، والدسوقي ٤ / ١٦٦، ومنح الجليل ٤ / ٢٢٠، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٨٥، والمهذب ٢ / ٣٢٦، ومغني المحتاج ٤ / ٤٣٢، وكشاف القناع ٦ / ٤٢٤، والمغني ٩ / ١٦٩ ويجدر التنبه إلى أن اعتبار المهنة دنيئة أو غير دنيئة مرده إلى العرف.
لاِمْرَأَتِهِ، وَلاَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَلاَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلاَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَلاَ الأَْجِيرِ لِمَنِ اسْتَأْجَرَهُ (١) .
وَلأَِنَّ الأَْجِيرَ يَسْتَحِقُّ الأُْجْرَةَ فِي مُدَّةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَصَارَ كَالْمُسْتَأْجَرِ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَتُقْبَل شَهَادَتُهُ لِمُسْتَأْجِرِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَانَ الأَْجِيرُ مُبَرَّزًا فِي الْعَدَالَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِي عِيَال الْمَشْهُودِ لَهُ (٢) .
تَاسِعًا: بَيْعُ آلَةِ الْحِرْفَةِ عَلَى الْمُفْلِسِ وَإِجْبَارُهُ عَلَى الاِحْتِرَافِ:
١٤ - مِنَ الأَْحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ بَيْعُ مَالِهِ لِسَدَادِ دُيُونِ الْغُرَمَاءِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيْعِ آلَةِ الْحِرْفَةِ لِلْمُحْتَرِفِ.
فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُبَاعُ آلَةُ حِرْفَتِهِ لِسَدَادِ دُيُونِهِ.
وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهَا أَوْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهَا.
_________
(١) حديث " لا تجوز شهادة الوالد لولده " ذكره ابن الهمام في فتح القدير (٦ / ٣١ - ط الميمنية) وعزاه إلى الخصاف، وذكر إسناده، وفيه يزيد بن أبي زياد الشامي وهو ضعيف كما في التهذيب لابن حجر (١١ / ٣٢٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) .
(٢) الاختيار ٢ / ١٤٧، وفتح القدير ٦ / ٤٧٧ ط دار إحياء التراث، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٥٣، ومنح الجليل ٤ / ٢٢٢، والدسوقي ٤ / ١٦٩ وترى اللجنة أن العبرة في قبول الشهادة وردها اطمئنان القاضي إلى عدالة وصدق الشاهد.
فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا لَهَا أَوْ قَلَّتْ قِيمَتُهَا فَلاَ تُبَاعُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تُتْرَكُ لَهُ آلَةُ حِرْفَتِهِ وَلاَ تُبَاعُ.
وَلَمْ يُعْثَرْ عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَإِذَا فُرِّقَ مَال الْمُفْلِسِ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ، وَكَانَتْ لَهُ صَنْعَةٌ فَهَل يُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى التَّكَسُّبِ أَوْ إِيجَارِ نَفْسِهِ لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ؟
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَلاَ يُلْزَمُ بِتَجْرٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ إِيجَارِ نَفْسِهِ لِتَوْفِيَةِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ لِغُرَمَائِهِ مِنْ دُيُونِهِمْ، لأَِنَّ الدُّيُونَ إِنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ لاَ بِبَدَنِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (١)﴾، وَلِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ (٢)، وَلأَِنَّ هَذَا تَكَسُّبٌ لِلْمَال، فَلاَ يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، كَقَبُول الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ. وَقَال اللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُجْبَرُ الصَّانِعُ - لاَ التَّاجِرُ - عَلَى الْعَمَل إِنْ كَانَ غُرَمَاؤُهُ قَدْ عَامَلُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لِلْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْحَاكِمَ يُجْبِرُهُ عَلَى الْكَسْبِ (٣) .
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٠.
(٢) حديث: " تصدقوا عليه " أخرجه مسلم (٣ / ١١٩١ - ط الحلبي) .
(٣) الزيلعي ٥ / ١٩٩، ومنح الجليل ٣ / ١٣١، ونهاية المحتاج ٤ / ٣١٩ وأسنى المطالب ٢ / ١٩٣، والمغني ٤ / ٤٩٣ - ٤٩٤.
عَاشِرًا: تَضْمِينُ أَصْحَابِ الْحِرَفِ:
١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْحِرْفَةِ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالٍ، أَوْ مَا هَلَكَ بِعَمَلِهِ إِذَا كَانَ الْهَلاَكُ بِسَبَبِ إِهْمَالٍ مِنْهُ أَوْ تَعَدٍّ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ أَجِيرًا خَاصًّا أَمْ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا، أَمَّا مَا هَلَكَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ (إِجَارَةٌ ف ١٠٧ - ١٣٣ وَضَمَانٌ)
حَادِيَ عَشَرَ: التَّسْعِيرُ عَلَى أَهْل الْحِرَفِ:
١٦ - لاَ يَجُوزُ التَّسْعِيرُ عَلَى أَهْل الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ إِلاَّ إِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى حِرْفَةِ طَائِفَةٍ كَالْفِلاَحَةِ، وَالنِّسَاجَةِ، وَالْبِنَاءِ وَغَيْرِهَا. فَإِنَّ وَلِيَّ الأَْمْرِ يُجْبِرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِأُجْرَةِ الْمِثْل، وَهَذَا مِنَ التَّسْعِيرِ الْوَاجِبِ كَمَا يَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَسْعِيرٌ ف ١٤) .
حَرْقٌ
انْظُرْ: إِحْرَاقٌ.
_________
(١) الطرق الحكمية ص ٢٩٧.
حَرَمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَرَمُ بِفَتْحَتَيْنِ مِنْ حَرُمَ الشَّيْءُ حَرَمًا وَحَرَامًا وَحَرُمَ حَرَمًا وَحَرَامًا أَيِ امْتَنَعَ فِعْلُهُ.
وَمِنْهُ الْحَرَامُ بِمَعْنَى الْمَمْنُوعِ. وَالْحُرْمَةُ مَا لاَ يَحِل انْتِهَاكُهُ. وَالْحُرْمَةُ أَيْضًا الْمَهَابَةُ، وَهِيَ اسْمٌ بِمَعْنَى الاِحْتِرَامِ، مِثْل الْفُرْقَةِ وَالاِفْتِرَاقِ، وَالْجَمْعُ حُرُمَاتٌ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ الْحَرَمُ عَلَى أُمُورٍ:
أ - مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ إِطْلاَقِ كَلِمَةِ الْحَرَمِ يَقُول الْمَاوَرْدِيُّ: (أَمَّا الْحَرَمُ فَمَكَّةُ وَمَا طَافَ بِهَا مِنْ جَوَانِبِهَا إِلَى أَنْصَابِ الْحَرَمِ (٢» وَعَلَى ذَلِكَ فَمَكَّةُ جُزْءٌ مِنَ الْحَرَمِ. قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ (٣)﴾ هِيَ مَكَّةُ، وَهُمْ قُرَيْشٌ. أَمَّنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا (٤) .
_________
(١) المصباح المنير والمفردات للراغب الأصبهاني والقاموس المحيط.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٥٦، ١٦٤.
(٣) سورة العنكبوت / ٦٧.
(٤) شفاء الغرام ١ / ٥٤، وتفسير القرطبي ١٣ / ٣٦٣، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٧، والقليوبي ٢ / ١٣٨.