الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
حِرْفَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِرْفَةُ اسْمٌ مِنَ الاِحْتِرَافِ وَهُوَ الاِكْتِسَابُ، يُقَال: هُوَ يَحْرِفُ لِعِيَالِهِ وَيَحْتَرِفُ.
وَالْمُحْتَرَفُ: الصَّانِعُ، وَفُلاَنٌ حَرِيفِيٌّ، أَيْ مُعَامِلِيٌّ، وَجَمْعُهُ حُرَفَاءُ.
وَالْمُحَرِّفُ: الَّذِي نَمَا مَالُهُ وَصَلُحَ، وَالاِسْمُ: الْحِرْفَةُ.
وَالْحِرْفَةُ: الصِّنَاعَةُ وَجِهَةُ الْكَسْبِ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: لَمَّا اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ ﵄ قَال: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مُؤْنَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَسَيَأْكُل آل أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَال، وَأحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ (١) .
أَرَادَ بِاحْتِرَافِهِ لِلْمُسْلِمِينَ نَظَرَهُ فِي أُمُورِهِمْ وَتَثْمِيرَ مَكَاسِبِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ الْحِرْفَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَهُمْ يَعْتَبِرُونَ كُل مَا كَانَ طَرِيقًا لِلاِكْتِسَابِ حِرْفَةً وَمِنْ ذَلِكَ الْوَظَائِفُ.
_________
(١) أثر عائشة أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٠٢ ط السلفية) .
(٢) لسان العرب والمصباح المنير ومختار الصحاح مادة (حرف) .
يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: الْوَظَائِفُ تُعْتَبَرُ مِنَ الْحَرْفِ، لأَِنَّهَا صَارَتْ طَرِيقًا لِلاِكْتِسَابِ. وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: الْحِرْفَةُ هِيَ مَا يُتَحَرَّفُ بِهِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ مِنَ الصَّنَائِعِ وَغَيْرِهَا (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - صَنْعَةٌ - كَسْبٌ - عَمَلٌ - مِهْنَةٌ:
هَذِهِ الأَْلْفَاظُ تُرَادِفُ الْحِرْفَةَ بِمَعْنَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُكْتَسَبُ بِهَا.
وَقَدْ يَكُونُ الْكَسْبُ وَالْعَمَل وَالْمِهْنَةُ أَعَمَّ مِنَ الْحِرْفَةِ إِذْ قَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهَا حِرْفَةً وَقَدْ لاَ يَكُونُ. وَالْحِرْفَةُ أَعَمُّ مِنَ الصَّنْعَةِ. إِذِ الصَّنْعَةُ تَكُونُ فِي الْعَمَل بِالْيَدِ فِي حِينِ أَنَّ الْحِرْفَةَ قَدْ تَكُونُ بِالْيَدِ قَدْ تَكُونُ بِالْعَقْل وَالتَّفْكِيرِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَعَانِي هَذِهِ الأَْلْفَاظِ فِي أَبْحَاثِ (احْتِرَافٌ - اكْتِسَابٌ - امْتِهَانٌ) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْقِيَامِ بِالْحِرَفِ:
٣ - الْقِيَامُ بِالْحِرَفِ فِي الْجُمْلَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَدْ يَنْقَلِبُ إِلَى فَرْضِ عَيْنٍ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: احْتِرَافٌ فِقْرَةُ ١٠.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحِرْفَةِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أَوَّلًا: الصَّلاَةُ بِثِيَابِ الْحِرْفَةِ:
٤ - طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاَةِ.
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٣٢١ ومنح الجليل ١ / ٧١١ ونهاية المحتاج ٦ / ٢٥٣.
وَمَنْ كَانَتْ حِرْفَتُهُ تُصِيبُ النَّجَاسَةُ بِسَبَبِهَا ثَوْبَهُ، أَوْ بَدَنَهُ كَالْجَزَّارِ وَالْكَنَّاسِ فَإِنَّهُ يَجْعَل لِنَفْسِهِ ثَوْبًا طَاهِرًا لِلصَّلاَةِ فِيهِ، أَوْ يَجْتَهِدُ فِي إِبْعَادِ ثَوْبِهِ عَنِ النَّجَاسَةِ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ إِعْدَادُ ثَوْبٍ آخَرَ، وَتَعَذَّرَ إِبْعَادُ ثَوْبِهِ عَنِ النَّجَاسَةِ. وَغَلَبَ وُصُول النَّجَاسَةِ لِلثَّوْبِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِيهِ، وَيُعْفَى عَنِ النَّجَاسَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ. بِهَذَا صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: مَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا نَجِسًا قَال أَحْمَدُ: يُصَلِّي فِيهِ وَلاَ يُصَلِّي عُرْيَانًا وَهُوَ قَوْل الْمُزَنِيِّ. وَقَال الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: يُصَلِّي عُرْيَانًا وَلاَ يُعِيدُ لأَِنَّهَا سُتْرَةٌ نَجِسَةٌ فَلَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلاَةُ فِيهَا كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهَا، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ جَمِيعُ الثَّوْبِ نَجِسًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِعْلَيْنِ، لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ فِي كِلاَ الْفِعْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ صَلاَتُهُ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ أَوْلَى، لأَِنَّهُ بِالصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ النَّجَسِ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فِي الصَّلاَةِ وَخَارِجَهَا (١) .
ثَانِيًا: وَقْتُ الصَّلاَةِ لِلْمُحْتَرِفِ:
٥ - الصَّلاَةُ فِي أَوْقَاتِهَا وَاجِبَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ. وَصَاحِبُ الْحِرْفَةِ إِذَا كَانَ أَجِيرًا خَاصًّا لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَمْنَعُهُ مِنْ أَدَاءِ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلاَةِ وَلاَ يَحْتَاجُ لإِِذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي
_________
(١) الاختيار ١ / ٤٦ ومنح الجليل ١ / ٣٨ والمهذب ١ / ٦٧ ومنتهى الإرادات ١ / ١٤٥.
ذَلِكَ، وَلاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِ. وَفِي أَدَاءِ السُّنَنِ خِلاَفٌ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِجَارَةٌ، صَلاَةٌ) .
ثَالِثًا: صِيَامُ أَصْحَابِ الْحِرَفِ:
٦ - صِيَامُ رَمَضَانَ فَرْضٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، وَلاَ يُعْفَى مِنْ أَدَاءِ الصِّيَامِ فِي وَقْتِهِ إِلاَّ أَصْحَابَ الأَْعْذَارِ الْمُرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْفِطْرِ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لأَِصْحَابِ الْحِرَفِ فَمُفَادُ نُصُوصِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ لِعَمَلِهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، أَوْ خَشِيَ تَلَفَ الْمَال إِنْ لَمْ يُعَالِجْهُ، أَوْ سَرِقَةَ الزَّرْعِ إِنْ لَمْ يُبَادِرْ لِحَصَادِهِ، فَلَهُ أَنْ يَعْمَل مَعَ الصَّوْمِ وَلَوْ أَدَّاهُ الْعَمَل إِلَى الْفِطْرِ حِينَ يَخَافُ الْجَهْدَ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْعَمَل لِيَقْدِرَ عَلَى إِتْمَامِ الصَّوْمِ، وَإِذَا أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ.
وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ النُّصُوصِ فِي ذَلِكَ:
فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ الْفَتَاوَى: سُئِل عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ الْمُحْتَرِفِ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوِ اشْتَغَل بِحِرْفَتِهِ يَلْحَقُهُ مَرَضٌ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ لِلنَّفَقَةِ هَل يُبَاحُ لَهُ الأَْكْل قَبْل أَنْ يَمْرَضَ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَنْعِ، وَهَكَذَا حَكَاهُ عَنْ
_________
(١) المجلة مادة / ٤٩٥ وابن عابدين ٥ / ٧٠ ونهاية المحتاج ٥ / ٢٧٩ وكشاف القناع ٤ / ٢ - ٢٥.
أُسْتَاذِهِ الْوَبَرِيِّ. وَسُئِل أَبُو حَامِدٍ عَنْ خَبَّازٍ يَضْعُفُ فِي آخِرِ النَّهَارِ هَل لَهُ أَنْ يَعْمَل هَذَا الْعَمَل قَال: لاَ، وَلَكِنْ يَخْبِزُ نِصْفَ النَّهَارِ وَيَسْتَرِيحُ الْبَاقِيَ، فَإِنْ قَال لاَ يَكْفِيهِ كُذِّبَ بِأَيَّامِ الشِّتَاءِ فَإِنَّهَا أَقْصَرُ فَمَا يَفْعَلُهُ فِيهَا يَفْعَلُهُ الْيَوْمَ.
وَقَال الرَّمْلِيُّ فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى: لَوْ ضَعُفَ عَنِ الصَّوْمِ لاِشْتِغَالِهِ بِالْمَعِيشَةِ، فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ لِكُل يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ إِذَا لَمْ يُدْرِكْ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُمْكِنُهُ الصَّوْمُ فِيهَا وَإِلاَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَعَلَى هَذَا الْحَصَادُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ مَعَ الصَّوْمِ وَيَهْلِكُ الزَّرْعُ بِالتَّأْخِيرِ، لاَ شَكَّ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ وَالْقَضَاءِ، وَكَذَا الْخَبَّازُ وَفِي تَكْذِيبِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ طُول النَّهَارِ وَقِصَرَهُ لاَ دَخْل لَهُ فِي الْكِفَايَةِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْتَرِفِ - حَيْثُ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ مَا مَرَّ مِنْ تَفَقُّهَاتِ الْمَشَايِخِ لاَ مِنْ مَنْقُول الْمَذْهَبِ - أَنْ يُقَال: إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ لاَ يَحِل لَهُ الْفِطْرُ، لأَِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَال مِنَ النَّاسِ فَالْفِطْرُ أَوْلَى، وَإِلاَّ فَلَهُ الْعَمَل بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ، كَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ صِيَامَهُ مَعَ الْعَمَل سَيُؤَدِّيهِ إِلَى الْفِطْرِ يَحِل لَهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْعَمَل فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُؤَدِّيهِ إِلَى الْفِطْرِ، وَكَذَا لَوْ خَافَ هَلاَكَ زَرْعِهِ أَوْ سَرِقَتَهُ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْمَل لَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا. وَلَوْ آجَرَ نَفْسَهُ فِي الْعَمَل مُدَّةً مَعْلُومَةً فَجَاءَ رَمَضَانُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ الْفِطْرَ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ إِذَا لَمْ يَرْضَ الْمُسْتَأْجِرُ بِفَسْخِ الإِْجَارَةِ، كَمَا فِي الظِّئْرِ
فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الإِْرْضَاعُ بِالْعَقْدِ، وَيَحِل لَهَا الإِْفْطَارُ إِذَا خَافَتْ عَلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى (١) .
وَفِي التَّاجِ وَالإِْكْلِيل مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ: نَقَل ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُعَالِجُ مِنْ صَنْعَتِهِ فَيَعْطَشُ فَيُفْطِرُ، فَقَال: لاَ يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّفُوا مِنْ عِلاَجِ الصَّنْعَةِ مَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْفَرَائِضِ وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ. فَقَال ابْنُ مُحْرِزٍ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا شَدَّدَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ فِي كِفَايَةٍ مِنْ عَيْشِهِ أَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ مِنَ التَّسَبُّبِ مَا لاَ يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الْفِطْرِ، وَإِلاَّ كُرِهَ لَهُ. بِخِلاَفِ رَبِّ الزَّرْعِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ.
وَفِي نَوَازِل الْبُرْزُلِيُّ: الْفَتْوَى عِنْدَنَا أَنَّ الْحَصَادَ الْمُحْتَاجَ لَهُ الْحَصَّادُ، أَيْ وَلَوْ أَدَّى بِهِ إِلَى الْفِطْرِ وَإِلاَّ كُرِهَ لَهُ، بِخِلاَفِ رَبِّ الزَّرْعِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا لِحِرَاسَةِ مَالِهِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال (٢) .
وَفِي حَاشِيَةِ الْجَمَل مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: يُبَاحُ تَرْكُ الصَّوْمِ لِنَحْوِ حَصَادٍ، أَوْ بِنَاءٍ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ تَبَرُّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرِ الأَْمْرُ فِيهِ وَقَدْ خَافَ عَلَى الْمَال إِنْ صَامَ وَتَعَذَّرَ الْعَمَل لَيْلًا، أَوْ لَمْ يَكْفِهِ فَيُؤَدِّي لِتَلَفِهِ أَوْ نَقْصِهِ نَقْصًا لاَ يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١١٤ - ١١٥.
(٢) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب ٢ / ٣٩٥.
إِبَاحَةُ الْفِطْرِ لإِِنْقَاذِ مُحْتَرَمٍ، خِلاَفًا لِمَنْ أَطْلَقَ فِي نَحْوِ الْحَصَادِ الْمَنْعَ، وَلِمَنْ أَطْلَقَ الْجَوَازَ.
وَلَوْ تَوَقَّفَ كَسْبُهُ لِنَحْوِ قُوتِهِ الْمُضْطَرِّ إِلَيْهِ هُوَ أَوْ مُمَوِّنُهُ عَلَى فِطْرِهِ، فَظَاهِرٌ أَنَّ لَهُ الْفِطْرَ لَكِنْ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ (١) .
وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: قَال أَبُو بَكْرٍ الآْجُرِّيُّ: مَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ فَإِنْ خَافَ بِالصَّوْمِ تَلَفًا أَفْطَرَ وَقَضَى إِنْ ضَرَّهُ تَرْكُ الصَّنْعَةِ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكُهَا أَثِمَ بِالْفِطْرِ وَيَتْرُكُهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْتِفِ التَّضَرُّرُ بِتَرْكِهَا فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ بِالْفِطْرِ لِلْعُذْرِ (٢) .
رَابِعًا: مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّكَاةِ:
٧ - أ - يَرَى الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي آلاَتِ الْعَمَل لِلْمُحْتَرِفِينَ، لأَِنَّهَا مِنَ الْحَاجَاتِ الأَْصْلِيَّةِ الَّتِي لاَ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ. يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مِلْكُ نِصَابٍ فَارِغٍ عَنْ دَيْنٍ وَعَنْ حَاجَتِهِ الأَْصْلِيَّةِ، لأَِنَّ الْمَشْغُول بِهَا كَالْمَعْدُومِ، وَالْحَاجَةَ الأَْصْلِيَّةَ هِيَ مَا يَدْفَعُ الْهَلاَكَ عَنِ الإِْنْسَانِ تَحْقِيقًا كَالنَّفَقَةِ، وَدُورِ السُّكْنَى، وَآلاَتِ الْحَرْبِ، وَكَآلاَتِ الْحِرْفَةِ، وَكُتُبِ الْعِلْمِ لأَِهْلِهَا. . هَذَا إِذَا كَانَتْ آلاَتُ الْحِرَفِ لَمْ تُقْتَنَ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ وَإِلاَّ فَفِيهَا الزَّكَاةُ كَبَاقِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ (٣)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (زَكَاةٌ) .
_________
(١) حاشية الجمل ٢ / ٣٣٢.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٣١٠.
(٣) ابن عابدين ٢ / ٦ - ٩ والبدائع ٢ / ١٣ وجواهر الإكليل ١ / ١٣٣ ومنتهى الإرادات ١ / ٤٠٩.
ب - مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْفَقِيرَ مِنَ الأَْصْنَافِ الْمُسْتَحِقَّةِ لِلزَّكَاةِ.
وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَنَّ مَنْ لَهُ حِرْفَةٌ يَكْسِبُ مِنْهَا مَا يَكْفِيهِ فَلاَ يُعْتَبَرُ فَقِيرًا وَلاَ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ.
أَمَّا إِنْ كَانَ مَا يَكْسِبُهُ مِنْ حِرْفَتِهِ لاَ يَكْفِيهِ فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ تَمَّامَ كِفَايَتِهِ، وَيُصَدَّقُ إِنِ ادَّعَى كَسَادَ الْحِرْفَةِ.
وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ حِرْفَةً وَيَحْتَاجُ إِلَى الآْلَةِ فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ ثَمَنَ آلَةِ حِرْفَتِهِ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَكَذَا إِنْ كَانَ يُحْسِنُ تِجَارَةً فَيُعْطَى رَأْسَ مَالٍ يَكْفِيهِ رِبْحُهُ غَالِبًا بِاعْتِبَارِ عَادَةِ بَلَدِهِ.
وَيَعْتَبِرُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ مَنْ كَانَ يَمْلِكُ أَقَل مِنْ نِصَابٍ، وَإِنْ كَانَ مُكْتَسِبًا، لأَِنَّهُ فَقِيرٌ، وَالْفُقَرَاءُ هُمْ مِنَ الْمَصَارِفِ، وَلأَِنَّ حَقِيقَةَ الْحَاجَةِ لاَ يُوقَفُ عَلَيْهَا، فَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَى دَلِيلِهَا وَهُوَ فَقْدُ النِّصَابِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (زَكَاةٌ) .
خَامِسًا: الْحَجُّ بِالنِّسْبَةِ لأَِصْحَابِ الْحِرَفِ:
٨ - مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ الاِسْتِطَاعَةُ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ زَادًا وَرَاحِلَةً لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
_________
(١) الهداية ١ / ١١٤ ومنح الجليل ١ / ٣٧٠ ونهاية المحتاج ٦ / ١٥٩ وكشاف القناع ٢ / ٢٨٦ والمغني ٢ / ٦٦٣.
لَكِنْ مَنْ كَانَ صَاحِبَ حِرْفَةٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْتَسِبَ مِنْهَا أَثْنَاءَ سَفَرِهِ لِلْحَجِّ مَا يَكْفِيهِ فَهَل يُعْتَبَرُ مُسْتَطِيعًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ؟
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مُسْتَطِيعًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ إِذَا كَانَتِ الْحِرْفَةُ لاَ تُزْرِي بِهِ وَيَكْتَسِبُ مِنْهَا، أَثْنَاءَ سَفَرِهِ وَعَوْدَتِهِ مَا يَكْفِيهِ وَعَلِمَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ كَسَادِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مُسْتَطِيعًا وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، لأَِنَّ الاِسْتِطَاعَةَ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.
لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجَّ لأَِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إِسْقَاطِ الْفَرْضِ بِمَشَقَّةٍ لاَ يُكْرَهُ تَحَمُّلُهَا، فَاسْتُحِبَّ لَهُ إِسْقَاطُ الْفَرْضِ كَالْمُسَافِرِ إِذَا قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ. وَخُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَجٌّ) .
سَادِسًا: الْقِيَامُ بِالْحِرَفِ فِي الْمَسَاجِدِ:
٩ - لِلْمَسَاجِدِ حُرْمَةٌ لأَِنَّهَا بُيُوتُ اللَّهِ أُقِيمَتْ لِلْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ، وَيَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنْ كُل مَا يَشْغَل عَنْ ذَلِكَ.
لَكِنْ هَل يُعْتَبَرُ الْقِيَامُ بِالْحِرَفِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ تِجَارَةً أَمْ صِنَاعَةً فِي الْمَسَاجِدِ مُنَافِيًا لِحُرْمَتِهَا؟
_________
(١) الشلبي على الزيلعي ٢ / ٤ وفتح القدير ٢ / ٣٢٢ ومنح الجليل ١ / ٤٣٧ والمهذب ١ / ٢٠٤ وكشاف القناع ٢ / ٣٨٨.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَنْعِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا جَمِيعًا بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْبَيْعِ وَالاِشْتِرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ (١) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ. وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ (٢)
وَقَدْ رَأَى عُمَرُ ﵁ رَجُلًا (يُسَمَّى الْقَصِيرَ) يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَال لَهُ: يَا هَذَا إِنَّ هَذَا سُوقُ الآْخِرَةِ فَإِنْ أَرَدْتَ الْبَيْعَ فَاخْرُجْ إِلَى سُوقِ الدُّنْيَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْمَنْعِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْكَرَاهَةِ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّحْرِيمِ.
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَكِفِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ
_________
(١) حديث: " نهى النبي ﷺ عن البيع والاشتراء في المسجد " أخرجه الترمذي (٢ / ١٣٩ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر، وقال: حديث حسن.
(٢) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع. . . " أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٢٢٠ - ط الرسالة) والحاكم (٢ / ٥٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.