الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 42

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

الاِعْتِبَارَ بِالْوَزْنِ فَإِنْ كَانَ الْحَرِيرُ أَقَل وَزْنًا حَل، وَإِنْ كَانَ أَكْثَر حَرُمَ، وَإِنِ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ. الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الْحِل، لأَِنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا حَرَّمَ ثَوْبَ الْحَرِيرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِحَرِيرٍ (١) .

وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَخْلُوطِ بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ أَكْثَر مِنْهُ عِدَّةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِالْجَوَازِ، وَقَوْلٌ بِالْكَرَاهَةِ، وَقَوْلٌ بِالْحُرْمَةِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ لِمَا ثَبَتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (٢) .

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِيمَا اسْتَوَى فِيهِ الْحَرِيرُ وَغَيْرُهُ وَجْهَانِ. وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الأَْشْبَهُ التَّحْرِيمُ لأَِنَّ النِّصْفَ كَثِيرٌ. وَقَال الأَْثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَل عَنْ لُبْسِ الْخَزِّ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا (٣) . وَيُرَادُ بِالْخَزِّ هُنَا مَا كَانَ سُدَاهُ حَرِيرًا وَلُحْمَتُهُ صُوفًا أَوْ قُطْنًا أَوْ غَيْرَهُمَا.

وَأَطْلَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَوَازَ السُّدَى وَالْعَلَمِ مِنَ الْحَرِيرِ دُونَ تَقْيِيدٍ. فَعَنْهُ أَنَّهُ قَال: إِنَّمَا نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ قَزٍّ (٤) . قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا السُّدَى وَالْعَلَمُ فَلاَ نَرَى بِهِ

_________

(١) المجموع شرح المهذب ٤ / ٣٢٨، وحاشية الجمل ٢ / ٨٠، ٨١.

(٢) الدسوقي ١ / ٢١٩، وحاشية العدوي على الرسالة ٢ / ٤١٢.

(٣) المغني لابن قدامة ١ / ٤٢٢، ٤٢٣.

(٤) حديث: " نهى عن الثوب المصمت من قز " أخرجه أحمد (١ / ٢١٨ - ط الميمنية) والحاكم (٤ / ١٩٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) واللفظ لأحمد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

بَأْسًا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدُ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١) .

اسْتِعْمَال الْحَرِيرِ فِي غَيْرِ اللِّبَاسِ:

١٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللِّبَاسِ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا عَلَى الرِّجَال.

وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْل حُذَيْفَةَ ﵁: نَهَانَا النَّبِيُّ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُل فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. (٢)

وَقَوْل عَلِيٍّ ﵁: نَهَانِي رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ جُلُوسٍ عَلَى الْمَيَاثِرِ. (٣)

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ اسْتِعْمَال الْحَرِيرِ فِي الْبُسُطِ وَالاِفْتِرَاشِ وَالْوَسَائِدِ لأَِنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِاللُّبْسِ وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِرْفَقَةٌ مِنْ حَرِيرٍ عَلَى بِسَاطِهِ، وَلأَِنَّ فَرْشَهُ اسْتِخْفَافٌ بِهِ فَصَارَ كَالتَّصَاوِيرِ عَلَى الْبِسَاطِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ (٤) .

_________

(١) نيل الأوطار للشوكاني ٢ / ١٠١ - ط الحلبي.

(٢) حديث حذيفة ﵁: نهانا النبي ﷺ أن نشرب. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٢٩١ - ط السلفية) .

(٣) حديث علي ﵁: " نهاني عن لبس القسي. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٥٩ - ط الحلبي) .

(٤) حاشية ابن عابدين ٦ / ٣٥٥، ومواهب الجليل ١ / ٥٠٥، وحاشية الجمل على المنهج ٢ / ٨٠، ٨١، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٥٠، ١٥١.

كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ بِالْحَرِيرِ:

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ بِالْحَرِيرِ بَل صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ تَعْظِيمًا لَهَا (١) .

تَبْطِينُ الثِّيَابِ بِالْحَرِيرِ:

١٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَبْطِينِ الثِّيَابِ بِالْحَرِيرِ. لأَِنَّ لاَبِسَ الثَّوْبِ الْمُبَطَّنِ لاَبِسٌ لِلْحَرِيرِ حَقِيقَةً. وَمَعْنَى التَّنَعُّمِ حَاصِلٌ لِلتَّزَيُّنِ بِالْحَرِيرِ وَلُطْفِهِ.

وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِمَا إِذَا كَانَ كَثِيرًا. وَقَوْل الْمَالِكِيَّةِ قَرِيبٌ مِمَّا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ إِذْ قَيَّدُوا عَدَمَ الْجَوَازِ بِمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ (٢) .

اسْتِعْمَال الْحَرِيرِ رِبَاطًا لِلسَّرَاوِيل:

١٦ - وَهُوَ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ - التِّكَّةُ - تُكْرَهُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقِيل لاَ بَأْسَ بِهَا عِنْدَهُمْ. وَهَذَا الْقَوْل مُوَافِقٌ لِمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ.

وَتَحْرُمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ (٣) .

_________

(١) المراجع السابقة

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٣٠، ١٣١، وكشاف القناع ١ / ٢٥٦، ومواهب الجليل ١ / ٥٠٥، وحاشية الجمل ١ / ٨٤.

(٣) حاشية ابن عابدين ٦ / ٣٥٣، وحاشية الجمل ٢ / ٨٠، وكشاف القناع ١ / ٢٥٦، مواهب الجليل ١ / ٥٠٥.

عَصْبُ الْجِرَاحَةِ بِالْحَرِيرِ:

١٧ - قَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَابِدِينَ بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (١) .

وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِهِمْ تَصْرِيحًا بِذَلِكَ.

اسْتِعْمَالاَتٌ أُخْرَى:

١٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ خِيَاطَةِ الثِّيَابِ بِالْحَرِيرِ وَاِتِّخَاذِهِ كِيسًا لِلْمُصْحَفِ وَاِتِّخَاذِ الرَّايَةِ مِنْهُ، كَمَا يَجُوزُ حَشْوُ الْجِبَابِ وَالْفُرُشِ بِهِ. لأَِنَّهُ لاَ فَخْرَ فِيهِ وَلاَ خُيَلاَءَ وَلاَ عُجْبَ وَلَيْسَ لُبْسًا لَهُ وَلاَ افْتِرَاشًا إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَيَّدُوا الْجَوَازَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا أَمَّا إِذَا كَانَ كَثِيرًا فَلاَ يَجُوزُ (٢) .

وَيَجُوزُ اتِّخَاذُ خَيْطِ حَرِيرٍ وَشُرَّابَةٍ لِلْمِسْبَحَةِ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ مَنَعَ ذَلِكَ (٣) . وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ نَصًّا فِي إِبَاحَةُ ذَلِكَ أَوْ مَنْعِهِ.

وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ تَزْيِينَ الْجُدْرَانِ بِالْحَرِيرِ وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٤) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٦ / ٣٥٤.

(٢) حاشية ابن عابدين ٦ / ٣٥٤، بدائع الصنائع ٥ / ١٣٠، ١٣١، مواهب الجليل ١ / ٥٠٤، ٥٠٥، وحاشية الجمل ٢ / ٨٠، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٥١.

(٣) حاشية ابن عابدين ٦ / ٣٥٤، وحاشية الجمل ٢ / ٨٠، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٥٠، وكشاف القناع ١ / ٢٥٧.

(٤) حاشية ابن عابدين ٦ / ٣٥٤، ومواهب الجليل ١ / ٥٠٤، وحاشية الجمل ٢ / ٨٠ - ٨٤ شرح منتهى الإرادات ١ / ١٥٠.

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ

١٩ - تُذْكَرُ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَرِيرِ فِي بَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ أَوِ الْكَرَاهَةِ أَوِ الاِسْتِحْسَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَبَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، وَفِي بَعْضٍ آخَرَ كِتَابِ اللِّبَاسِ.

حَرِيمٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - لِلْحَرِيمِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: مَا حُرِّمَ فَلاَ يُنْتَهَكُ، وَالْحَرِيمُ أَيْضًا مَا يَتَجَرَّدُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ مِنْ ثِيَابِ، وَفِنَاءُ الدَّارِ أَوِ الْمَسْجِدِ، وَحَرِيمُ الرَّجُل مَا يُقَاتِل عَنْهُ وَيَحْمِيهِ، وَالْحَرِيمُ أَيْضًا الْحِمَى، وَجَمْعُهُ حُرُمٌ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَرِيمُ الشَّيْءِ: مَا حَوْلَهُ مِنْ حُقُوقِهِ وَمَرَافِقِهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مَالِكِهِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ (٢) .

وَعَرَّفَ الشَّافِعِيَّةُ الْحَرِيمَ بِأَنَّهُ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِتَمَامِ الاِنْتِفَاعِ وَإِنْ حَصَل أَصْل الاِنْتِفَاعِ بِدُونِهِ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْحِمَى:

٢ - الْحِمَى بِمَعْنَى الْمَحْمِيِّ، مَصْدَرٌ يُرَادُ بِهِ اسْمُ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢٧٩، ولسان العرب المحيط، والمصباح المنير مادة: (حرم) . وحاشية الدرر على الغرر ١ / ١٩٢ ط دار سعادت.

(٢) المراجع السابقة.

(٣) نهاية المحتاج ٥ / ٣٣٤ ط مصطفى البابي الحلبي.

الْمَفْعُول، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْحِمَايَةُ وَالتَّحْجِيرُ. يُقَال: هَذَا شَيْءٌ حِمًى. أَيْ مَحْظُورٌ لاَ يُقْرَبُ.

وَشَرْعًا: أَنْ يَحْمِيَ الإِْمَامُ أَرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ، فَيَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ رَعْيِ مَا فِيهَا مِنَ الْكَلأَِ لِيَخْتَصَّ بِهَا دُونَهُمْ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ لاَ لِنَفْسِهِ.

وَعَرَّفَ الْمَالِكِيَّةُ الْحِمَى الشَّرْعِيَّ بِقَوْلِهِمْ: أَنْ يَحْمِيَ الإِْمَامُ مَكَانًا خَاصًّا لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ.

وَحِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ (١) كَمَا فِي الْحَدِيثِ: الْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ (٢) .

فَالْحِمَى وَالْحَرِيمُ فِي بَعْضِ إِطْلاَقَاتِهِمَا اللُّغَوِيَّةِ مُتَّفِقَانِ. وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَمُخْتَلِفَانِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِحْيَاءُ حَرِيمِ الْبِئْرِ وَالنَّهْرِ، وَالْعَيْنِ، وَكُل مَمْلُوكٍ لاَ يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ (٣) . لأَِنَّهُ تَابِعٌ لِلْمَمْلُوكِ، فَلَوْ

_________

(١) الشرح الصغير ٤ / ٩٢، والقليوبي ٣ / ٩٢، ٩٣ ط دار إحياء الكتب العربية وشرح الزرقاني ٧ / ٦٦، ٦٧ ط دار الفكر، والمغني ٥ / ٥٨٠ ط الرياض.

(٢) حديث: " المعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٩٠ - ط السلفية) من حديث النعمان بن بشير.

(٣) حديث: " من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له " أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في فتح الباري لابن حجر (٥ / ١٩ - ط السلفية) وأعله بضعف أحد رواته. والحديث دون قوله " في غير حق مسلم " ذكر ابن حجر تخريجه في الفتح وقال: " في أسانيدها مقال، لكن يتقوى

جُوِّزَ إِحْيَاؤُهُ لَبَطَل الْمِلْكُ فِي الْعَامِرِ عَلَى أَهْلِهِ.

وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَمَلُّكُ حَرِيمِ الأَْرَاضِيِ الْعَامِرَةِ لأَِنَّهُ تَابِعٌ لِلْعَامِرِ، فَلاَ يُمْلَكُ، لَكِنَّ صَاحِبَ الأَْرَاضِيِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.

وَقَال الشَّافِعِيُّ: يُمْلَكُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْل الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ، وَالنَّهْرِ، لأَِنَّهُ مَكَانٌ اسْتَحَقَّهُ بِالإِْحْيَاءِ، فَمَلَكَهُ كَالْمَحْمِيِّ، وَلأَِنَّ مَعْنَى الْمِلْكِ مَوْجُودٌ فِيهِ، لأَِنَّهُ يَدْخُل فِي الْبَيْعِ يَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُهَا (١) .

٤ - وَالأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْحَرِيمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل لِلْبِئْرِ وَالْعَيْنِ وَكُل أَرْضٍ حَرِيمًا، بِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ (٢) .

_________

(١) تبيين الحقائق ٦ / ٣٦، ٣٧ ط دار المعرفة، والشرح الصغير ٤ / ٨٨، ٨٩ ط دار المعارف، وروضة الطالبين ٥ / ٢٨١، ٢٨٢، والمغني ٥ / ٥٦٦، ٥٦٧، ٥٦٩، وكشاف القناع ٤ / ١٩١، ١٩٢.

(٢) حديث: " من حفر " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٣١ ط عيسى الحلبي) والدارمي (٢ / ١٨٦ ط دار المحاسن) من حديث عبد الله بن مغفل. وأخرجه الحاكم (٤ / ٩٧ نشر الكتاب العربي) موصولا ومرسلا، وأخرجه أحمد (٢ / ٤٩٤ ط المكتب الإسلامي) من حديث أبي هريرة وهو حديث حسن بمجموع طرقه.

وَشُرُوطُ تَمَلُّكِ حَرِيمِ الْبِئْرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالْعُيُونِ، وَالأَْنْهَارِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى شُرُوطِ تَمَلُّكِ الأَْرْضِ الْمَوَاتِ بِإِحْيَائِهَا. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ) .

مِقْدَارُ الْحَرِيمِ:

٥ - يَخْتَلِفُ مِقْدَارُ الْحَرِيمِ بِاخْتِلاَفِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَرِيمُ كَالْبِئْرِ، وَالنَّهْرِ، وَالْعَيْنِ، وَالشَّجَرِ وَغَيْرِهَا، وَفِي كُلٍّ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أ - حَرِيمُ الْبِئْرِ:

٦ - اخْتَلَفَ الأَْئِمَّةُ فِي مِقْدَارِ حَرِيمِ الْبِئْرِ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَرِيمَ بِئْرِ الْعَطَنِ (١) أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا (٢) مِنْ كُل جَانِبٍ، وَقِيل مِنَ الْجَوَانِبِ كُلِّهَا: أَيْ مِنْ كُل جَانِبٍ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا

_________

(١) العطن مبرك الإبل، وبئر العطن هي التي ينزح منها الماء باليد (الاختيار ٣ / ٦٨) .

(٢) والمراد بالذراع هنا ذراع اليد، لأنه المتبادر عند الإطلاق وهو ست قبضات كل قبضة أربع أصابع. (ابن عابدين ٥ / ٢٧٩ وما بعدها، وكشاف القناع ٤ / ١٩٢) .

عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ وَالصَّحِيحُ الأَْوَّل، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحَرِيمِ دَفْعُ الضَّرَرِ، كَيْ لاَ يَحْفِرَ بِحَرِيمِهِ أَحَدٌ بِئْرًا أُخْرَى فَيَتَحَوَّل إِلَيْهَا مَاءُ بِئْرِهِ، وَهَذَا الضَّرَرُ لاَ يَنْدَفِعُ بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُل جَانِبٍ، فَإِنَّ الأَْرَاضِيَ تَخْتَلِفُ بِالصَّلاَبَةِ وَالرَّخَاوَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ يَحْتَاجُ أَنْ يَقِفَ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ لِيَسْتَقِيَ الْمَاءَ، وَإِلَى أَنْ يَبْنِيَ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ مَا يُرَكَّبُ عَلَيْهِ الْبَكَرَةُ، وَإِلَى أَنْ يَبْنِيَ حَوْضًا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ، وَإِلَى مَوْضِعٍ تَقِفُ فِيهِ مَوَاشِيهِ حَالَةَ الشُّرْبِ وَبَعْدَهُ، فَقَدَّرَهُ الشَّارِعُ بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةِ فِي بِئْرِ النَّاضِحِ - وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي يُنْزَعُ الْمَاءُ مِنْهَا بِالْبَعِيرِ - فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ، وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ حَرِيمَ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا، لِقَوْلِهِ ﵊: حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا (١) وَلأَِنَّهُ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَنْ يُسَيِّرَ دَابَّتَهُ لِلاِسْتِسْقَاءِ، وَأَمَّا بِئْرُ الْعَطَنِ فَالاِسْتِسْقَاءُ مِنْهُ بِالْيَدِ، فَقَلَّتِ الْحَاجَةُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّفَاوُتِ.

_________

(١) حديث: " حريم العين خمسمائة ذراع، وحريم بئر العطن. . . " أورده الزيلعي في نصب الراية (٤ / ٢٩٢ - ط المجلس العلمي) وقال: " غريب " وقد اصطلح في مقدمة كتابه أن قوله في الحديث " غريب " يعني به أنه لا أصل له.