الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 29

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لإِِقَامَةِ الْحَدِّ (١) .

أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الإِْقَامَةِ:

٣٧ - لَوْ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ بِالْفِسْقِ أَوِ الرِّدَّةِ، أَوِ الْجُنُونِ، أَوِ الْعَمَى، أَوِ الْخَرَسِ، أَوْ حَدِّ الْقَذْفِ، أَوْ غَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ بِحَيْثُ يَنْقُصُ النِّصَابُ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ اعْتِرَاضَ أَسْبَابِ الْجَرْحِ عَلَى الشَّهَادَةِ عِنْدَ إِمْضَاءِ الْحَدِّ بِمَنْزِلَةِ اعْتِرَاضِهَا عِنْدَ الْقَضَاءِ بِهِ، وَاعْتِرَاضُهَا عِنْدَ الْقَضَاءِ يُبْطِل الشَّهَادَةَ، فَكَذَا عِنْدَ الإِْمْضَاءِ فِي بَابِ الْحُدُودِ. ر: (قَذْفٌ) .

هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ (٢) .

شُرُوطٌ تَخُصُّ بَعْضَ الْحُدُودِ:

الْبِدَايَةُ مِنَ الشُّهُودِ فِي حَدِّ الرَّجْمِ:

٣٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الزِّنَى إِذَا ثَبَتَ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٥٨، والفتاوى الهندية ٢ / ١٤٣، والبدائع ٧ / ٥٧، والتاج والإكليل على مواهب الجليل ٦ / ٢٩٦، ٢٩٧، وبداية المجتهد ٢ / ٤٤٤ - ٤٤٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٩٩، وكشاف القناع ٦ / ٧٨.

(٢) البدائع ٧ / ٥٩، والمغني ٩ / ٢٠٥، والتبصرة ١ / ٢٦٠، والدسوقي ٤ / ١٧٩.

بِالشُّهُودِ، فَالْبِدَايَةُ مِنْهُمْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ حُضُورُهُمْ، وَابْتِدَاؤُهُمْ بِالرَّجْمِ، وَهَذَا لأَِنَّ الرَّجْمَ أَحَدُ نَوْعَيِ الْحَدِّ فَيُعْتَبَرُ بِالنَّوْعِ الآْخَرِ وَهُوَ الْجَلْدُ، وَالْبِدَايَةُ مِنَ الشُّهُودِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهِ فَكَذَا فِي الرَّجْمِ.

وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْبِدَايَةَ مِنَ الشُّهُودِ شَرْطٌ فِي حَدِّ الرَّجْمِ، حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ الشُّهُودُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ مَاتُوا، أَوْ غَابُوا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ، لاَ يُقَامُ الرَّجْمُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: يَرْجِمُ الشُّهُودُ أَوَّلًا، ثُمَّ الإِْمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ. وَكَلِمَةُ: ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الزِّنَى زِنَاءَانِ: زِنَى سِرٍّ وَزِنَى عَلاَنِيَةٍ؛ فَزِنَى السِّرِّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ، فَيَكُونَ الشُّهُودُ أَوَّل مَنْ يَرْمِي، وَزِنَى الْعَلاَنِيَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْحَبَل أَوِ الاِعْتِرَافُ، فَيَكُونُ الإِْمَامُ أَوَّل مَنْ يَرْمِي.

وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا.

وَلأَِنَّ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ احْتِيَاطًا فِي دَرْءِ الْحَدِّ، لأَِنَّ الشُّهُودَ إِذَا بَدَءُوا بِالرَّجْمِ، رُبَّمَا اسْتَعْظَمُوا فِعْلَهُ، فَيَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ، فَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.

وَإِنْ ثَبَتَ الزِّنَى بِالاِعْتِرَافِ، فَالْخِلاَفُ فِي

حُضُورِ الإِْمَامِ، وَالْبِدَايَةِ مِنْهُ كَالْخِلاَفِ فِي حُضُورِ الشُّهُودِ وَالْبِدَايَةِ مِنْهُمْ (١) .

عَدَمُ خَوْفِ الْهَلاَكِ مِنَ إِقَامَةِ الْجَلْدِ:

٣٩ - يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي إِقَامَةِ الْجَلْدِ خَوْفُ الْهَلاَكِ.

لأَِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحُدُودِ شُرِعَ زَاجِرًا لاَ مُهْلِكًا، وَفِي الْجَلْدِ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَجَلْدِ الْمَرِيضِ، وَالنُّفَسَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى: زِنًى " " وَقَذْفٌ (٢) ".

الدَّعْوَى فِي الْحُدُودِ وَالشَّهَادَةُ بِهَا:

٤٠ - الْحُدُودُ - سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ - لاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى لأَِنَّهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَتُقْبَل الشَّهَادَةُ فِيهَا حِسْبَةً، وَإِنَّمَا شُرِطَتْ الدَّعْوَى فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَإِنْ كَانَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ غَالِبًا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ الْمَقْذُوفَ يُطَالِبُ الْقَاذِفَ دَفْعًا لِلْعَارِ عَنْ نَفْسِهِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا فَيَحْصُل مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحَدِّ.

وَاخْتَلَفُوا فِي السَّرِقَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ

_________

(١) البدائع ٧ / ٥٨، وابن عابدين ٣ / ١٤٥، ١٤٦، ومواهب الجليل ٦ / ٢٩٥، والقوانين الفقهية ٣٤٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٩، والمغني ٨ / ١٥٩، ١٧٠، ١٧١، ٢١١.

(٢) ابن عابدين ٣ / ١٤٨، والبدائع ٧ / ٥٩، وبداية المجتهد ٢ / ٤٣٨ ط دار المعرفة، والمغني ٨ / ١٧٣.

وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْطَعُ حَتَّى يَدَّعِيَهُ الْمَالِكُ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ يُقْطَعُ، وَبِهِ قَال أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لِعُمُومِ الآْيَةِ، وَلأَِنَّ مُوجِبَ الْقَطْعِ قَدْ ثَبَتَ (١) .

وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْحُدُودِ سِوَى الْقَذْفِ فَتَجُوزُ بِلاَ دَعْوَى مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِشَهَادَةِ أَبِي بَكْرَةَ، وَأَصْحَابِهِ عَلَى الْمُغِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى، وَلِشَهَادَةِ الْجَارُودِ وَصَاحِبِهِ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهَا دَعْوَى، وَلأَِنَّ الْحَقَّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ تَفْتَقِرِ الشَّهَادَةُ بِهِ إِلَى تَقَدُّمِ دَعْوَى كَالْعِبَادَاتِ. وَلأَِنَّ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ إِنَّمَا تَكُونُ مِنَ الْمُسْتَحَقِّ، وَهَذَا لاَ حَقَّ فِيهِ لأَِحَدٍ مِنَ الآْدَمِيِّينَ فَيَدَّعِيهِ (٢) .

التَّأْخِيرُ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ:

لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحَدَّ تَجِبُ إِقَامَتُهُ عَلَى الْفَوْرِ إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ كَالْمَرَضِ وَمَا شَابَهَهُ، وَالْحَمْل، وَالسُّكْرِ.

١ - إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْمَرِيضِ وَمَنْ شَابَهَهُ:

٤١ - الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ هُوَ أَنَّ الرَّجْمَ لاَ يُؤَخَّرُ لِلْمَرَضِ لأَِنَّ نَفْسَهُ مُسْتَوْفَاةٌ، فَلاَ

_________

(١) البدائع ٧ / ٥٦، وروضة الطالبين ١٠ / ١٤٤، والمغني ٨ / ٢٠٨، ٢١٧، ٢٨٤.

(٢) البدائع ٧ / ٥٢، والمغني ٨ / ٢٠٨.

فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحِيحِ، وَقِيل: إِنْ ثَبَتَ الْحَدُّ بِالإِْقْرَارِ أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ، لأَِنَّهُ رُبَّمَا رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الرَّمْيِ، وَمِثْل هَذَا الْخِلاَفِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْمِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ.

وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ الْجَلْدَ أَوِ الْقَطْعَ، فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ تَأْخِيرَهُ وَهُوَ قَوْل الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَقَال جُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ: يُقَامُ الْحَدُّ وَلاَ يُؤَخَّرُ، كَمَا قَال أَبُو بَكْرٍ فِي النُّفَسَاءِ، وَهَذَا قَوْل إِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي مَرَضِهِ، وَلأَِنَّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لاَ يُؤَخَّرُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.

وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ كَانَ الْجَانِي ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ لاَ يَحْتَمِل السِّيَاطَ، فَهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَال، إِذْ لاَ غَايَةَ تُنْتَظَرُ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا يُضْرَبُ ضَرْبًا يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ، كَالْقَضِيبِ الصَّغِيرِ وَشِمْرَاخِ النَّخْل. فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: جُمِعَ ضِغْثٌ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً.

وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (جَلْدٌ (١» .

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٤٨، والتاج والإكليل على مواهب الجليل ٦ / ٢٩٦، وبداية المجتهد ٢ / ٤٣٨، والقليوبي ٤ / ١٨٣، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٩، ١٠٠، ١٠١، وكشاف القناع ٦ / ٨٢، ٨٦، والمغني ٨ / ١٧٣.

٢ - إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْحُبْلَى:

٤٢ - قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ رَجْمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى حُبْلَى وَلَوْ مِنْ زِنًى حَتَّى تَضَعَ، لِئَلاَّ يَتَعَدَّى إِلَى الْحَمْل، لأَِنَّهُ نَفْسٌ مُحْتَرَمَةٌ لاَ جَرِيمَةَ مِنْهُ.

ثُمَّ إِنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ، ثُمَّ إِذَا سَقَتْهُ اللِّبَأَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، أَوْ تَكَفَّل أَحَدٌ بِرَضَاعِهِ رُجِمَتْ، وَإِلاَّ تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ لِيَزُول عَنْهُ الضَّرَرُ. لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ بَعْدَمَا فَطَمَتِ الْمَوْلُودَ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَال: لاَ نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقَال لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ، إِلَيَّ رَضَاعُهُ، فَرَجَمَهَا (١) .

وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا، فَتُحَدُّ بَعْدَ الْوَضْعِ وَانْقِطَاعِ النِّفَاسِ إِذَا كَانَتْ قَوِيَّةً يُؤْمَنُ مَعَهُ تَلَفُهَا، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَال: إِنَّ أَمَةً لِرَسُول اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال: أَحْسَنْتَ (٢)

أَمَّا إِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ

_________

(١) حديث: الغامدية. . . . أخرجه مسلم (صحيح مسلم ٣ / ١٣٢١ - ١٣٢٢ - ط الحلبي) .

(٢) حديث علي: أن أمه لرسول الله ﷺ زنت. . . . أخرجه مسلم (٣ / ١٣٣٠ - ط الحلبي) .

عَلَيْهَا، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَقْوَى لِيُسْتَوْفَى الْحَدُّ عَلَى وَجْهِ الْكَمَال مِنْ غَيْرِ خَوْفِ فَوَاتِهِ (١) .

٣ - إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى السَّكْرَانِ:

٤٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى السَّكْرَانِ تُؤَخَّرُ حَتَّى يَصْحُوَ لِيَحْصُل الْمَقْصُودُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَهُوَ الزَّجْرُ، وَالرَّدْعُ، لأَِنَّ غَيْبُوبَةَ الْعَقْل أَوْ غَلَبَةَ النَّشْوَةِ وَالطَّرَبِ تُخَفِّفُ الأَْلَمَ (٢) .

إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ:

٤٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَحْرُمُ إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ، لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ فِي الْمَسَاجِدِ (٣) .

وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: ﴿

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٤٨، ومواهب الجليل ٦ / ٢٩٦، والقليوبي ٤ / ١٨٣، وكشاف القناع ٦ / ٨٢، ٨٣، والمغني ٨ / ١٧١ وما بعدها.

(٢) ابن عابدين ٣ / ١٦٣، ١٦٤، ومواهب الجليل ٦ / ٣١٧، والقليوبي ٤ / ٢٠٤، وروضة الطالبين ١٠ / ١٧٣، والمغني ٨ / ١٧٣، وكشاف القناع ٦ / ٨٢، ٨٣.

(٣) حديث: " نهى عن إقامة الحد في المساجد " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٦٧ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وأعل إسناده البوصيري. ويشهد له ما بعده.

لاَ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ (١) وَلأَِنَّ تَعْظِيمَ الْمَسْجِدِ وَاجِبٌ. وَفِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهِ تَرْكُ تَعْظِيمِهِ (٢) .

وَلاَ خِلاَفَ فِي إِقَامَتِهَا فِي الْحَرَمِ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ مُوجِبَ الْحَدِّ فِيهِ، أَمَّا مَنِ ارْتَكَبَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ وَلَجَأَ إِلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُسْتَوْفَى فِيهِ حَدٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (٣)﴾، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا (٤) (أَيْ مَكَّةَ) . وَقَالُوا: يُقَاطَعُ فَلاَ يُبَايَعُ وَلاَ يُشَارَى وَلاَ يُطْعَمُ وَلاَ يُؤْوَى وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ فَيُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَدُّ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ تُسْتَوْفَى الْحُدُودُ فِيهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَ الْمِغْفَرَ، جَاءَهُ رَجُلٌ

_________

(١) حديث: " لا تقام الحدود في المساجد " أخرجه الترمذي (٤ / ١٩ - ط الحلبي) وابن ماجه (٢ / ٨٦٧ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس، وفي إسناده ضعف كذلك، كما في التلخيص لابن حجر (٤ / ٧٧ - ط شركة الطباعة الفنية)، وهو حسن لطرقه.

(٢) البدائع ٧ / ٦٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٢٣ ط مصطفى البابي الحلبي، والشرح الصغير ٤ / ٢٠١، وروضة الطالبين ١٠ / ١٧٣، وكشاف القناع ٦ / ٨٠.

(٣) سورة آل عمران / ٩٧.

(٤) حديث " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ١٩٧ - ط السلفية) من حديث أبي شريح.

فَقَال: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَال: اقْتُلُوهُ (١) .

مَا يُرَاعَى عِنْدَ اسْتِيفَاءِ كُل نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُدُودِ:

أ - حَدُّ الرَّجْمِ:

يُرَاعَى فِي اسْتِيفَاءِ الرَّجْمِ مَا يَلِي:

٤٥ - أَنْ يَكُونَ الرَّجْمُ فِي مَكَانٍ وَاسِعٍ، لأَِنَّهُ أَمْكَنُ فِي رَجْمِهِ، وَلِئَلاَّ يُصِيبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُحِيطُونَ بِالْمَرْجُومِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَصْطَفُّونَ كَصُفُوفِ الصَّلاَةِ لِرَجْمِهِ، كُلَّمَا رَجَمَ قَوْمٌ تَنَحَّوْا وَرَجَمَ آخَرُونَ، وَأَنْ يَكُونَ الرَّجْمُ بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ قَدْرَ مَا يُطِيقُ الرَّامِي بِدُونِ تَكَلُّفٍ، لاَ بِكَبِيرَةٍ خَشْيَةَ التَّشْوِيهِ أَوِ التَّذْفِيفِ (الإِْجْهَازُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً) وَلاَ بِصَغِيرَةٍ خَشْيَةَ التَّعْذِيبِ.

وَيُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ إِلَى صَدْرِهَا، هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ: وَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ لَدَى الْمَالِكِيَّةِ، لِكَوْنِهِ أَسْتَرَ لَهَا، وَجَازَ تَرْكُهُ لِسَتْرِهَا بِثِيَابِهَا.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُحْفَرُ لَهَا لأَِنَّ أَكْثَرَ الأَْحَادِيثِ عَلَى تَرْكِهِ.

_________

(١) سبل السلام ٤ / ٥٤ ط مصطفى البابي الحلبي، والمغني ٨ / ٢٣٦ - ٢٣٩ وحديث: " أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه مغفر " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٦٥ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٩٠ - ط الحلبي) .

وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ الْحَدُّ بِالإِْقْرَارِ لَمْ يُحْفَرْ لَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ حُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، قَال أَبُو الْخَطَّابِ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي. لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: رَجَمَ امْرَأَةً فَحَفَرَ لَهَا (١) وَلأَِنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى تَمْكِينِهَا مِنَ الْهَرَبِ لِكَوْنِ الْحَدِّ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ فَلاَ يَسْقُطُ بِفِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا، بِخِلاَفِ الثَّابِتِ بِالإِْقْرَارِ، فَإِنَّهَا تُتْرَكُ عَلَى حَالٍ لَوْ أَرَادَتِ الْهَرَبَ تَمَكَّنَتْ مِنْهُ، لأَِنَّ رُجُوعَهَا عَنْ إِقْرَارِهَا مَقْبُولٌ.

وَأَمَّا الرَّجُل فَلاَ يُحْفَرُ لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: يُحْفَرُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ الْمُقِرِّ لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ لَمْ يَحْفِرْ لِمَاعِزٍ، قَال أَبُو سَعِيدٍ ﵁: لَمَّا أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِ مَاعِزٍ خَرَجْنَا بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَوَاَللَّهِ مَا حَفَرْنَا لَهُ وَلاَ أَوْثَقْنَاهُ، وَلَكِنْ قَامَ لَنَا (٢) . وَلأَِنَّ الْحَفْرَ لَهُ، وَدَفْنَ بَعْضِهِ عُقُوبَةٌ لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ فِي حَقِّهِ، فَوَجَبَ أَنْ لاَ تَثْبُتَ (٣) .

_________

(١) حديث: " إن النبي ﷺ رجم امرأة فحفر لها. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣٢٣ - الحلبي) من حديث بريدة.

(٢) حديث أبي سعيد: " لما أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣٢٠ - ط الحلبي) والبيهقي (٨ / ٢٢١ - ط دائرة المعارف العثمانية) واللفظ للبيهقي.

(٣) ابن عابدين ٣ / ١٤٧، والبدائع ٧ / ٥٩، والدسوقي ٤ / ٣٢٠، والشرح الصغير ٤ / ٤٥٥، والقوانين الفقهية / ٣٤٨، ٣٤٩، والقليوبي ٤ / ١٨٣، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٩، وكشاف القناع ٦ / ٨٤، والمغني ٨ / ١٥٩.