الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 28

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

أَنْوَاعُ الْحُدُودِ:

الْحُدُودُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ:

أ - الرَّجْمُ:

٣٠ - الرَّجْمُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّانِي إِذَا كَانَ مُحْصَنًا (١)، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (زِنًى وَرَجْمٌ) .

ب - الْجَلْدُ:

٣١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ الزَّانِي الْبِكْرِ مِائَةُ جَلْدَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (٢)﴾ .

وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ فِي عُقُوبَةِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْجَلْدَ لاَ يَجْتَمِعُ مَعَ الرَّجْمِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ وَغَيْرَهُمَا، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ جَلَدَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلأَِنَّ الْحَدَّ إِنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ، وَلاَ تَأْثِيرَ لِلزَّجْرِ بِالضَّرْبِ مَعَ الرَّجْمِ، وَاخْتَارَ هَذَا مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الأَْثْرَمُ.

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٤٥، ١٤٦، والبدائع ٧ / ٣٩ وما بعدها، وشرح الزرقاني ٨ / ٨٢، وروضة الطالبين ١٠ / ٨٦، والمغني ٨ / ١٦١.

(٢) سورة النور / ٢.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْجَلْدَ يَجْتَمِعُ مَعَ الرَّجْمِ وَبِهِ قَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِسْحَاقُ، فَيُجْلَدُ الزَّانِي الْمُحْصَنُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُرْجَمُ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عُبَادَةَ قَال ﷺ: الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (١) . وَبِفِعْل عَلِيٍّ ﵁، وَهُوَ أَنَّهُ جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثُمَّ رَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَال جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ. وَبِهِ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجَلْدَ عُقُوبَةُ الْقَذْفِ وَالشُّرْبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ فِي الشُّرْبِ وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي أَبْوَابِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (٢)، وَ(ر: قَذْفٌ) وَ(شُرْبٌ) .

ج - التَّغْرِيبُ:

٣٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَ الْجَلْدِ تَغْرِيبُ الزَّانِي الْبِكْرِ، فَالتَّغْرِيبُ عِنْدَهُمْ يُعْتَبَرُ حَدًّا كَالْجَلْدِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْبِكْرُ

_________

(١) حديث عبادة: " الثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣١٦ - ط الحلبي) .

(٢) ابن عابدين ٣ / ١٤٥، ١٤٦، والبدائع ٧ / ٣٩ وما بعدها، والشرح الصغير ٤ / ٤٥٥، وبداية المجتهد ٢ / ٤٣٥، وشرح الزرقاني ٨ / ٨٢، ٨٣، وروضة الطالبين ١٠ / ٨٦، والمغني ٨ / ١٦٠، ١٦١، ١٨٦، ١٨٧.

بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ (١)، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَبِهِ قَال ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ ﵄، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ.

إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، فَيَقُولُونَ بِتَغْرِيبِ الرَّجُل دُونَ الْمَرْأَةِ، لأَِنَّ الْمَرْأَةَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى حِفْظٍ وَصِيَانَةٍ، فَلاَ يَجُوزُ تَغْرِيبُهَا إِلاَّ بِمَحْرَمٍ، وَهُوَ يُفْضِي إِلَى تَغْرِيبِ مَنْ لَيْسَ بِزَانٍ، وَنَفْيِ مَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ، وَلأَِنَّهَا عَوْرَةٌ، وَفِي نَفْيِهَا تَضْيِيعٌ لَهَا وَتَعْرِيضُهَا لِلْفِتْنَةِ، وَلِهَذَا نُهِيَتْ عَنِ السَّفَرِ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ التَّغْرِيبَ لَيْسَ وَاجِبًا، وَلَيْسَ حَدًّا كَالْجَلْدِ، وَإِنَّمَا هِيَ عُقُوبَةٌ تَعْزِيرِيَّةٌ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَلْدِ إِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً، لأَِنَّ عَلِيًّا ﵁ قَال: حَسْبُهُمَا مِنَ الْفِتْنَةِ أَنْ يُنْفَيَا.

وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ غَرَّبَ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فِي الْخَمْرِ إِلَى خَيْبَرَ، فَلَحِقَ بِهِرَقْل فَتَنَصَّرَ، فَقَال عُمَرُ ﵁ لاَ أُغَرِّبُ مُسْلِمًا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا، وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْجَلْدِ دُونَ التَّغْرِيبِ،

_________

(١) حديث: " البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣١٦ - ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت.

فَإِيجَابُ التَّغْرِيبِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ (١) . وَيُرْجَعُ لِتَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى مَوْطِنِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. وَ(ر: زِنًى) و(َتَغْرِيبٌ) .

د - الْقَطْعُ:

٣٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ السَّرِقَةَ مُوجِبَةٌ لِلْقَطْعِ بِالنَّصِّ، وَالإِْجْمَاعِ.

أَمَّا النَّصُّ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ (٢)﴾ .

وَلِقَوْلِهِ ﷺ: تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (٣) .

وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ فِي الْجُمْلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَل الْقَطْعِ وَمَوْضِعِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (٤) وَالتَّفْصِيل فِي " سَرِقَةٌ ".

وَكَذَلِكَ يُقْطَعُ الْمُحَارِبُ مِنْ خِلاَفٍ إِذَا أَخَذَ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٤٧، والبدائع ٧ / ٣٩، وحاشية الزرقاني ٨ / ٨٣، والشرح الصغير ٤ / ٤٥٧، وبداية المجتهد ٢ / ٤٣٦، وروضة الطالبين ١٠ / ٨٧ وما بعدها، والمغني ٨ / ١٦٦ وما بعدها.

(٢) سورة المائدة / ٣٨.

(٣) حديث: " تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٩٦ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣١٢ - ط الحلبي) من حديث عائشة واللفظ للبخاري.

(٤) البدائع ٧ / ٥٥، والقوانين الفقهية / ٣٥٢، وروضة الطالبين ٨ / ٢٤٠، وكشاف القناع ٤ / ٤٧.

الْمَال وَلَمْ يَقْتُل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبِهِ قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الإِْمَامَ مُخَيَّرٌ فِي عِقَابِهِ بِأَيَّةِ عُقُوبَةٍ جَاءَتْ بِهَا آيَةُ الْمُحَارَبَةِ مَا عَدَا النَّفْيَ، فَلاَ تَخْيِيرَ فِيهِ (١)، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (حِرَابَةٌ) .

هـ - الْقَتْل وَالصُّلْبُ:

٣٤ - إِذَا قَتَل الْمُحَارِبُ وَأَخَذَ الْمَال فَإِنَّهُ يُقْتَل وَيُصْلَبُ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ، وَبِهِ قَال سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الزُّهْرِيُّ.

وَإِذَا قَتَل وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَال فَإِنَّهُ يُقْتَل وَلاَ يُصْلَبُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ يُصْلَبُ، لأَِنَّهُ مُحَارِبٌ يَجِبُ قَتْلُهُ، فَيُصْلَبُ كَاَلَّذِي أَخَذَ الْمَال (٢) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (تَصْلِيبٌ) .

وَالْقَتْل كَذَلِكَ عُقُوبَةٌ حَدِّيَّةٌ لِلرِّدَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل. وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (٣) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَكْحُولٌ،

_________

(١) البدائع ٧ / ٩٣، والقوانين الفقهية / ٣٥٥، وبداية المجتهد ٢ / ٤٥٥، وروضة الطالبين ١٠ / ١٥٦، والمغني ٨ / ٢٨٨، ٢٩٣، ٢٩٤.

(٢) المراجع السابقة.

(٣) حديث: " من بدل دينه فاقتلوه " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٢٦٧ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.

وَحَمَّادٌ، وَاللَّيْثُ، وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُقْتَل بِالرِّدَّةِ، بَل تُجْبَرُ عَلَى الإِْسْلاَمِ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ، لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ نَهَى عَنْ قَتْل الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ (١) .

وَلأَِنَّهَا لاَ تُقْتَل بِالْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ، فَلاَ تُقْتَل بِالطَّارِئِ كَالصَّبِيِّ (٢) .

وَفِي قَتْل الْبُغَاةِ، وَهُمُ الْمُحَارِبُونَ عَلَى التَّأْوِيل خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَغْيٌ (٣» .

شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَدِّ:

٣٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحَدَّ لاَ يَجِبُ إِلاَّ عَلَى مُكَلَّفٍ، وَهُوَ الْعَاقِل الْبَالِغُ، لأَِنَّهُ إِذَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْ غَيْرِ الْعَاقِل الْبَالِغِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَسَقَطَ الإِْثْمُ عَنْهُ فِي الْمَعَاصِي، فَالْحَدُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى.

وَأَمَّا الإِْسْلاَمُ فَالأَْصْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّينَ وَلاَ تُقَامُ عَلَى

_________

(١) حديث: " نهى عن قتل المرأة الكافرة ". من ذلك ما ورد في حديث عبد الله بن عمر: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان. أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٤٨ - ط السلفية) .

(٢) البدائع ٧ / ١٣٥، وبداية المجتهد ٢ / ٤٥٩، ومواهب الجليل ٦ / ٢٨١، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٩٩، وروضة الطالبين ١٠ / ٧٥.

(٣) بداية المجتهد ٢ / ٤٥٨.

مُسْتَأْمَنٍ، إِلاَّ حَدُّ الْقَذْفِ فَيُقَامُ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ. وَلاَ يُقَامُ عَلَى الْكَافِرِ حَدُّ الشُّرْبِ عِنْدَهُمْ.

وَفِي حَدِّ الزِّنَى تَفْصِيلٌ: قَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا زَنَى الْحَرْبِيُّ (الْمُسْتَأْمَنُ) بِذِمِّيَّةٍ تُحَدُّ الذِّمِّيَّةُ وَلاَ يُحَدُّ الْحَرْبِيُّ. وَإِذَا زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْتَأْمَنَةٍ يُحَدُّ الذِّمِّيُّ وَلاَ تُحَدُّ الْمُسْتَأْمَنَةُ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ كِلاَهُمَا يُحَدَّانِ.

وَقَال مُحَمَّدٌ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى: لاَ تُحَدُّ الذِّمِّيَّةُ أَيْضًا لأَِنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعَةٌ لِلرَّجُل فَامْتِنَاعُ الْحَدِّ فِي حَقِّ الأَْصْل يُوجِبُ امْتِنَاعَهُ فِي حَقِّ الْفَرْعِ (١) .

وَتَفْصِيل كُل حَدٍّ فِي مُصْطَلَحِهِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْل وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِإِسْلاَمِهِ.

أَمَّا حَدُّ الزِّنَى فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ فِيهِ فَقَطْ وَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِلاَّ إِذَا اغْتَصَبَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً فَإِنَّهُ يُقْتَل لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ. وَكَذَلِكَ لَوِ ارْتَكَبَ جَرِيمَةَ اللِّوَاطِ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ. وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَوْفَى مِنَ الذِّمِّيِّ مَا ثَبَتَ وَلَوْ حَدَّ زِنًى أَوْ قَطْعَ سَرِقَةٍ، وَلاَ يُحَدُّ بِشُرْبِ خَمْرٍ لِقُوَّةِ أَدِلَّةِ حِلِّهِ فِي عَقِيدَتِهِمْ. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي إِحْصَانِ الرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا.

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٥٥، وحاشية الطحطاوي ٢ / ٣٩٦، والبدائع ٧ / ٣٩، ٤٠.

(٢) الدسوقي ٤ / ٣١٤، ٣٢١، والمواق ٦ / ٢٩٤، والفواكه الدواني ٢ / ٢٨٤، والقوانين الفقهية / ٣٤٦.

وَلاَ يُقَامُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ حَدُّ الزِّنَى عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَيُحَدُّ الْكَافِرُ حَدَّ الْقَذْفِ ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ مُعَاهَدًا (١) .

وَتَفْصِيل كُل حَدٍّ فِي مُصْطَلَحِهِ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِذَا رُفِعَ إِلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ مَنْ فَعَل مُحَرَّمًا يُوجِبُ عُقُوبَةً مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْقَتْل فَعَلَيْهِ إِقَامَةُ حَدِّهِ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيَّيْنِ فَجَرَا بَعْدَ إِحْصَانِهِمَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا (٢) .

وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهُ كَشُرْبِ خَمْرٍ لَمْ يُحَدَّ، وَإِنْ تَحَاكَمَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ خِلاَفٍ. وَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ بِالسَّرِقَةِ. وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: لاَ يُقْطَعُ الْمُسْتَأْمَنُ.

وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ حَدُّ الزِّنَى عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ.

وَدَلِيل وُجُوبِ الْقَطْعِ أَنَّهُ حَدٌّ يُطَالَبُ بِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ كَحَدِّ الْقَذْفِ (٣) .

وَلاَ يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلَى مَنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَبِهَذَا قَال عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ، لِقَوْل عُمَرَ وَعُثْمَانَ

_________

(١) قليوبي ٣ / ٢٥٦، و٤ / ١٨٠، والمهذب ٢ / ٢٦٩، ومغني المحتاج ٣ / ٢٥٦، و٤ / ١٤٧.

(٢) حديث ابن عمر: أتي رسول الله ﷺ بيهوديين. أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٢٨ - ط السلفية) .

(٣) المغني ٨ / ٢١٤، ٢٦٨.

وَعَلِيٍّ ﵃: لاَ حَدَّ إِلاَّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ. فَإِنِ ادَّعَى الزَّانِي الْجَهْل بِالتَّحْرِيمِ وَكَانَ يُحْتَمَل أَنْ يَجْهَلَهُ كَحَدِيثِ الْعَهْدِ بِالإِْسْلاَمِ، قُبِل مِنْهُ، لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ كَالْمُسْلِمِ النَّاشِئِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يُقْبَل مِنْهُ، لأَِنَّ تَحْرِيمَ الزِّنَى لاَ يَخْفَى عَلَى مَنْ هُوَ كَذَلِكَ (كَمَا أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى مُكْرَهَةٍ) . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ .

وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٢) .

وَعَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً اسْتُكْرِهَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ (٣) .

_________

(١) سورة النور / ٣٣.

(٢) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس، وقال البوصيري: " إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع "، وذكر طرقها السخاوي في المقاصد (ص ٢٢٩ - ٢٣٠ - ط مكتبة الخانجي) ثم قال: " مجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلا ".

(٣) حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه أن امرأة استكرهت فدرأ عنها الحد. ذكر ابن قدامة في المغني (٨ / ١٨٦ - ط الرياض) وعزاه إلى الأثرم.

وَفِي حَدِّ الْمُكْرَهِ عَلَى الزِّنَى خِلاَفٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (إِكْرَاهٌ (١» وَ(ر: زِنًى) وَهُنَاكَ شُرُوطٌ أُخْرَى لِوُجُوبِ كُل حَدٍّ فُصِّل، الْكَلاَمُ عَلَيْهَا فِي أَبْوَابِهَا.

مَا يُرَاعَى فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ:

يُرَاعَى فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ أُمُورٌ مِنْهَا مَا يَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ:

مَا يُرَاعَى فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا:

الإِْمَامَةُ:

٣٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقِيمُ الْحَدَّ إِلاَّ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ، وَهِيَ صِيَانَةُ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ. وَالإِْمَامُ قَادِرٌ عَلَى الإِْقَامَةِ لِشَوْكَتِهِ، وَمَنَعَتِهِ، وَانْقِيَادِ الرَّعِيَّةِ لَهُ قَهْرًا وَجَبْرًا، كَمَا أَنَّ تُهْمَةَ الْمَيْل وَالْمُحَابَاةِ وَالْتَوَانِي عَنِ الإِْقَامَةِ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّهِ، فَيُقِيمُهَا عَلَى وَجْهِهِ فَيَحْصُل الْغَرَضُ الْمَشْرُوعُ بِيَقِينٍ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقِيمُ الْحُدُودَ، وَكَذَا

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٤١ وما بعدها، والبدائع ٧ / ٣٩ وما بعدها، ٦٧، ٩١، والفتاوى الهندية ٢ / ١٤٣، والتاج والإكليل على مواهب الجليل ٦ / ٢٩١، ٢٩٤، والقوانين الفقهية / ٣٤٦، ٣٤٧، ٣٥١، ٣٥٣، وبداية المجتهد ٢ / ٤٤٠، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٠، ٩٥، ١٤٢، ١٦٩، والمغني ٨ / ١٨٥، ١٨٧، وكشاف القناع ٦ / ٧٨، ٩٧.