الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
لَقَّنَهُ الرُّجُوعَ (١)، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا لِلسُّقُوطِ بِالرُّجُوعِ مَا كَانَ لِلتَّلْقِينِ فَائِدَةٌ. وَلأَِنَّهُ يُورِثُ الشُّبْهَةَ، وَالرُّجُوعُ عَنِ الإِْقْرَارِ قَدْ يَكُونُ نَصًّا، وَقَدْ يَكُونُ دَلاَلَةً، بِأَنْ يَأْخُذَ النَّاسُ فِي رَجْمِهِ، فَيَهْرُبَ وَلاَ يَرْجِعُ، أَوْ يَأْخُذَ الْجَلاَّدُ فِي الْجَلْدِ فَيَهْرُبَ، وَلاَ يَرْجِعُ، فَلاَ يُتَعَرَّضُ لَهُ، لأَِنَّ الْهَرَبَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دَلاَلَةُ الرُّجُوعِ.
وَاسْتَثْنَوْا حَدَّ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، لأَِنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ، وَهُوَ لاَ يَحْتَمِل السُّقُوطَ بِالرُّجُوعِ بَعْدَمَا ثَبَتَ كَالْقِصَاصِ.
وَإِذَا ثَبَتَ الْحَدُّ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الْحَمْل فِي الزِّنَى - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ - لَمْ يَسْقُطْ بِالرُّجُوعِ (٢) .
وَيَسْقُطُ الْحَدُّ بِرُجُوعِ الشُّهُودِ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ إِذَا كَانَ الْبَاقِي أَقَل مِنَ النِّصَابِ بَعْدَ الْقَضَاءِ، قَبْل الإِْمْضَاءِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي " كِتَابُ الشَّهَادَاتِ " مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
سُقُوطُ الْحُدُودِ بِمَوْتِ الشُّهُودِ:
١٥ - يَسْقُطُ حَدُّ الرَّجْمِ خَاصَّةً بِمَوْتِ الشُّهُودِ -
_________
(١) حديث ماعز. أخرجه مسلم (٣ / ١٣١٩ - ط الحلبي) من حديث جابر بن سمرة.
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٤٠، والبدائع ٧ / ٦١، ٦٢، والتاج والإكليل على مواهب الجليل ٦ / ٢٩٤، والشرح الصغير ٤ / ٤٥٣، ٤٥٤، والقوانين الفقهية ص ٣٤٩، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٧، ٩٨، والمنثور في القواعد ٢ / ٤٠، والمغني ٨ / ١٩٧، ١٩٨.
عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُونَ لإِِقَامَةِ الْحَدِّ الْبِدَايَةَ بِالشُّهُودِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ - لأَِنَّ بِالْمَوْتِ قَدْ فَاتَتِ الْبِدَايَةُ عَلَى وَجْهٍ لاَ يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ، فَسَقَطَ الْحَدُّ ضَرُورَةً (١) .
سُقُوطُ الْحُدُودِ بِالتَّكْذِيبِ وَغَيْرِهِ:
١٦ - تَكْذِيبُ الْمَزْنِيِّ بِهَا لِلْمُقِرِّ بِالزِّنَى قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَتَكْذِيبُ الْمَقْذُوفِ شُهُودَهُ عَلَى الْقَذْفِ، وَهِيَ الْبَيِّنَةُ بِأَنْ يَقُول: شُهُودِي زُورٌ، وَادِّعَاءُ النِّكَاحِ وَالْمَهْرِ قَبْل إِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَى تُعْتَبَرُ مِنْ مُسْقِطَاتِ الْحُدُودِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَدْ فُصِّلَتْ فِي أَبْوَابِهَا (٢) . وَ(ر: زِنًى، قَذْفٌ) .
عَدَمُ إِرْثِ الْحُدُودِ:
١٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُورَثُ، وَكَذَا لاَ يُؤْخَذُ عَنْهَا عِوَضٌ، وَلاَ صُلْحَ فِيهَا وَلاَ عَفْوَ، لأَِنَّهَا حَقُّ الشَّرْعِ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ حَدَّ الْقَذْفِ، لأَِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ عِنْدَهُمْ حَقُّ الْعَبْدِ فَيُورَثُ وَيَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ.
وَالْحَنَابِلَةُ مَعَ الشَّافِعِيَّةِ فِي جَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ: فَقَال فِي رِوَايَةٍ: لَهُ الْعَفْوُ مَا لَمْ يَبْلُغِ الإِْمَامَ، فَإِنْ بَلَغَهُ فَلاَ عَفْوَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: قَال: لَهُ
_________
(١) البدائع ٧ / ٦١، ٦٢، وابن عابدين ٣ / ١٤٥.
(٢) البدائع ٧ / ٦١.
الْعَفْوُ مُطْلَقًا، بَلَغَ ذَلِكَ الإِْمَامَ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (قَذْفٌ) .
التَّلَفُ بِسَبَبِ الْحَدِّ:
١٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ إِذَا أُتِيَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَنَّهُ لاَ يُضْمَنُ مَنْ تَلِفَ بِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ فَعَلَهَا بِأَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ، فَلاَ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَلأَِنَّهُ نَائِبٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَأْمُورٌ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ، وَفِعْل الْمَأْمُورِ لاَ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ. وَإِنْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ فَتَلِفَ وَجَبَ الضَّمَانُ بِغَيْرِ خِلاَفٍ (٢) .
الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِلذُّنُوبِ:
١٩ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْحَدَّ الْمُقَدَّرَ فِي ذَنْبٍ كَفَّارَةٌ لِذَلِكَ الذَّنْبِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، الْحَدُّ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، بَل الْمُطَهِّرُ التَّوْبَةُ، فَإِذَا حُدَّ وَلَمْ يَتُبْ يَبْقَى عَلَيْهِ إِثْمُ الْمَعْصِيَةِ عِنْدَهُمْ (٣)، كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٧٣، والقوانين الفقهية ٣٥٠، وروضة الطالبين ١٠ / ١٠٦، ١٠٧، والمغني ٨ / ٢١٧ ط الرياض، وكشاف القناع ٦ / ١٠٤.
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٨٩، والحطاب ٦ / ٣٢١، والقوانين الفقهية ٣٣٠، وروضة الطالبين ١٠ / ١٠١، ١٠٢، وكشاف القناع ٦ / ٨٣، والمغني ٨ / ٣١١.
(٣) البابرتي المطبوع مع فتح القدير ٥ / ٣ ط دار إحياء التراث العربي، وحاشية البجيرمي ٤ / ١٤٠ ط مصطفى البابي الحلبي، وفتح الباري ١٢ / ٨٤.
فِي حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١)﴾ .
الإِْثْبَاتُ فِي الْحُدُودِ:
٢٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ تَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الإِْقْرَارِ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ كَعِلْمِ الإِْمَامِ وَقَرِينَةِ الْحَبَل وَغَيْرِهِمَا:
أَوَّلًا - الْبَيِّنَةُ وَشُرُوطُهَا فِي الْحُدُودِ:
تَنْقَسِمُ شُرُوطُ الْبَيِّنَةِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
١ - مَا يَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا:
٢١ - وَهِيَ الذُّكُورَةُ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ. وَالأَْصَالَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَذْهَبُ لَدَى الْحَنَابِلَةِ، فَلاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلاَ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، لِتَمَكُّنِ زِيَادَةِ شُبْهَةٍ فِيهَا، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الأَْصَالَةِ، وَهَذَا إِذَا تَعَذَّرَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ مِنَ الشَّاهِدِ الأَْوَّل لِمَرَضٍ أَوْ غَيْبَةٍ أَوْ مَوْتٍ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٌ) .
_________
(١) سورة المائدة / ٣٣.
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٤٢، والبدائع ٧ / ٤٦، ٤٧، والشرح الصغير ٤ / ٤٥٤، والقوانين الفقهية ٣٠٦، ومواهب الجليل ٦ / ١٧٩، وبداية المجتهد ٢ / ٤٦٤، وشرح الزرقاني ٧ / ١٩٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٥، ٩٧، والمغني ٨ / ١٩٨، ٩ / ٢٠٦، ٢٠٧، ونيل المآرب ٢ / ٣٥٨.
مَا تَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ الْحُدُودِ:
أ - عَدَدُ الأَْرْبَعَةِ:
٢٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حَدِّ الزِّنَى أَنْ لاَ يَقِل عَدَدُ الشُّهُودِ عَنْ أَرْبَعَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (١)﴾ .
وَقَال سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟، قَال: نَعَمْ (٢) .
ب - اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ:
٢٣ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مُجْتَمِعِينَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ يَشْهَدُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَدُّونَ وَإِنْ كَثُرُوا.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ
_________
(١) سورة النساء / ١٥.
(٢) مقالة " سعد بن عبادة ". أخرجها مسلم (٢ / ١١٣٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وانظر: ابن عابدين ٣ / ١٤٢، والشرح الصغير ٤ / ٢٦٥، وبداية المجتهد ٢ / ٤٦٤، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٧، ونيل المآرب ٢ / ٣٥٨.
شُهَدَاءَ (١) . . .﴾ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَجَالِسَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْبَتِّيُّ (٢) .
ج - عَدَمُ التَّقَادُمِ:
٢٤ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الشُّهُودَ لَوْ شَهِدُوا بِزِنًى قَدِيمٍ، وَجَبَ الْحَدُّ، لِعُمُومِ الآْيَةِ. وَلأَِنَّ التَّأْخِيرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْبَةٍ، وَالْحَدُّ لاَ يَسْقُطُ بِمُطْلَقِ الاِحْتِمَال، فَإِنَّهُ لَوْ سَقَطَ بِكُل احْتِمَالٍ لَمْ يَجِبْ حَدٌّ أَصْلًا (٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَدَمَ التَّقَادُمِ فِي الْبَيِّنَةِ شَرْطٌ، وَذَلِكَ فِي حَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ لأَِحْمَد.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الشَّاهِدَ إِذَا عَايَنَ الْجَرِيمَةَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ (٤)﴾ وَبَيْنَ السَّتْرِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ لِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٥)
_________
(١) سورة النور / ١٣.
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٤٢، والبدائع ٧ / ٤٨، والشرح الصغير ٤ / ٢٦٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٨، والمغني ٨ / ٢٠٠، ونيل المآرب ٢ / ٣٥٨.
(٣) الشرح الصغير ٤ / ٢٤٩، والقوانين الفقهية ٣٥٤، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٨، والمغني ٨ / ٢٠٧.
(٤) سورة الطلاق / ٢.
(٥) حديث: " من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ". أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٦ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.
فَلَمَّا لَمْ يَشْهَدْ عَلَى فَوْرِ الْمُعَايَنَةِ دَل ذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِ جِهَةِ السَّتْرِ، فَإِذَا شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ دَل عَلَى أَنَّ الضَّغِينَةَ حَمَلَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ، فَإِنَّمَا شَهِدُوا عَنْ ضِغْنٍ، وَلاَ شَهَادَةَ لَهُمْ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا. وَلأَِنَّ التَّأْخِيرَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يُورِثُ تُهْمَةً، وَلاَ شَهَادَةَ لِلْمُتَّهَمِ (١) .
وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ وَشُرُوطٌ فِيهَا خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي (شَهَادَةٌ) (وَزِنًى) .
ثَانِيًا - الإِْقْرَارُ:
٢٥ - شُرُوطُ الإِْقْرَارِ فِي الْحُدُودِ قِسْمَانِ:
شُرُوطٌ تَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا: وَهِيَ الْبُلُوغُ وَالْعَقْل وَالنُّطْقُ، فَلاَ يَصِحُّ إِقْرَارُ الصَّبِيِّ، لأَِنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْحَدِّ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ جِنَايَةً، وَفِعْل الصَّبِيِّ لاَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ جِنَايَةً.
وَكَذَلِكَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الإِْقْرَارُ بِالْخِطَابِ وَالْعِبَارَةِ دُونَ الْكِتَابِ وَالإِْشَارَةِ، لأَِنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالْبَيَانِ الْمُتَنَاهِي، وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ
_________
(١) البدائع ٧ / ٤٦، والمغني ٨ / ٢٠٧.
بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالزِّنَى (١) .
وَيُقْبَل إِقْرَارُ الأَْخْرَسِ بِالإِْشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَلاَ تُقْبَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَتَفْصِيلُهُ فِي: (إِقْرَارٌ) .
شُرُوطٌ تَخُصُّ بَعْضَ الْحُدُودِ مِنْهَا:
أ - تَكْرَارُ الإِْقْرَارِ:
٢٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُقِرَّ الزَّانِي أَوِ الزَّانِيَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَبِهَذَا قَال الْحَكَمُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِسْحَاقُ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ تَكْرَارَ الإِْقْرَارِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيُكْتَفَى بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَحَمَّادُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَجَمَاعَةٌ. لأَِنَّ الإِْقْرَارَ إِنَّمَا صَارَ حُجَّةً فِي الشَّرْعِ لِرُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ، وَهَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ التَّكْرَارِ وَالتَّوْحِيدِ سَوَاءٌ، وَلأَِنَّ الرَّسُول ﷺ قَال: اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا (٢) فَعَلَّقَ الرَّجْمَ عَلَى مُجَرَّدِ الاِعْتِرَافِ.
_________
(١) البدائع ٧ / ٤٩، ٥٠، والقوانين الفقهية / ٣٤٩، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٥، والمغني ٨ / ١٩١، ١٩٨.
(٢) حديث: " أغد يا أنيس إلى امرأة هذا. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٦٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٢٤ - ١٣٢٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني.
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَرَّ بِالزِّنَى، فَأَعْرَض عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ إِلَى الأَْرْبَعِ (١)، فَلَوْ كَانَ الإِْقْرَارُ مَرَّةً مُوجِبًا لِلْحَدِّ لَمَا أَخَّرَهُ إِلَى الأَْرْبَعِ (٢) .
ب - اشْتِرَاطُ عَدَدِ الْمَجَالِسِ:
٢٧ - اخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ عَدَدِ مَجَالِسِ الإِْقْرَارِ عِنْدَ مَنِ اشْتَرَطَ تَكْرَارَهُ، وَكَوْنِ الإِْقْرَارِ بَيْنَ يَدَيِ الإِْمَامِ، وَكَوْنِ الزَّانِي وَالْمَزْنِيِّ بِهَا مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى دَعْوَى الشُّبْهَةِ، وَكَوْنِ الزَّانِي مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ وُجُودُ الزِّنَى، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ فِي كُل حَدٍّ مِنَ الْحُدُودِ وَفِي مُصْطَلَحِ: (إِقْرَارٌ (٣» .
أَثَرُ عِلْمِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِي الْحُدُودِ:
٢٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ
_________
(١) حديث ماعز. سبق تخريجه ف ١٤.
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٤٣، ١٤٤، والبدائع ٧ / ٤٩، ومواهب الجليل ٦ / ٢٩٤، والتاج والإكليل على مواهب الجليل ٦ / ٢٩٤، والشرح الصغير ٤ / ٤٥٣، والقوانين الفقهية / ٣٤٩، وشرح الزرقاني ٨ / ٨١ ط دار الفكر، وبداية المجتهد ٢ / ٤٣٨، ٤٣٩ ط دار المعرفة، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٥، ١٤٣، والقليوبي ٤ / ١٨١، والمغني ٨ / ١٩١، ١٩٢، وسبل السلام ٤ / ٥ ط المكتبة التجارية الكبرى.
(٣) البدائع ٧ / ٥٠، ٥١، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٥، والمغني ٨ / ٢٠٧، ٢٠٨، ٢٨٠.
فِي قَوْلٍ: إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ بِعِلْمِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (١)﴾ وَقَال أَيْضًا: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (٢)﴾ وَبِهِ قَال أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ: لَهُ إِقَامَتُهُ
بِعِلْمِهِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ. لأَِنَّهُ إِذَا جَازَتْ لَهُ إِقَامَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ وَالاِعْتِرَافِ الَّذِي لاَ يُفِيدُ إِلاَّ الظَّنَّ، فَمَا يُفِيدُ الْعِلْمُ هُوَ أَوْلَى (٣) .
مَدَى ثُبُوتِ الْحُدُودِ بِالْقَرَائِنِ:
٢٩ - تَخْتَلِفُ الْقَرَائِنُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْحُدُودِ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا - مِنْ حَدٍّ لآِخَرَ.
فَالْقَرِينَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الزِّنَى: هِيَ ظُهُورُ الْحَمْل فِي امْرَأَةٍ غَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ أَوْ لاَ يُعْرَفُ لَهَا زَوْجٌ.
وَالْقَرِينَةُ فِي الشُّرْبِ: الرَّائِحَةُ، وَالْقَيْءُ، وَالسُّكْرُ، وَوُجُودُ الْخَمْرِ عِنْدَ الْمُتَّهَمِ، وَفِي السَّرِقَةِ وُجُودُ الْمَال الْمَسْرُوقِ عِنْدَ الْمُتَّهَمِ، وَوُجُودُ أَثَرٍ لِلْمُتَّهَمِ فِي مَوْضِعِ السَّرِقَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَفِي كُلٍّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ فُصِّلَتْ فِي مَوَاطِنِهَا (٤)، وَتُنْظَرُ فِي كُل حَدٍّ مِنَ الْحُدُودِ وَفِي مُصْطَلَحِ: (قَرِينَةٌ) .
_________
(١) سورة النساء / ١٥.
(٢) سورة النور / ١٣.
(٣) ابن عابدين ٥ / ٣٥٣، وكشاف القناع ٦ / ٨٠، والمغني ٨ / ٢١٠.
(٤) التاج والإكليل على مواهب الجليل ٦ / ٢٩٦، والشرح الصغير ٤ / ٤٥٤، والقوانين الفقهية / ٣٥٣، والمغني ٨ / ٢١٠، ٢١١، ٢٧٨، ٣٠٩.