الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقِصَاصُ:
٢ - الْقِصَاصُ لُغَةً الْمُمَاثَلَةُ، وَاصْطِلاَحًا: أَنْ يُوقَعَ عَلَى الْجَانِي مِثْل مَا جَنَى كَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ وَالْجُرْحِ بِالْجُرْحِ (١) . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَْلْبَابِ (٢)﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ (٣)﴾ . فَالْقِصَاصُ غَيْرُ الْحَدِّ لأَِنَّهُ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ وَجَبَتْ حَقًّا لِلْعِبَادِ.
ب - التَّعْزِيرُ:
٣ - أَصْلُهُ مِنَ الْعَزْرِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الرَّدِّ وَالْمَنْعِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ مُعَاوَدَةِ الْقَبِيحِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى التَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى
_________
(١) مختار الصحاح مادة: (قص) والتعريفات للجرجاني، والاختيار ٤ / ٧٩ و٥ / ٢٤.
(٢) سورة البقرة / ١٧٩.
(٣) سورة البقرة / ١٧٨.
﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ (١)﴾، فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ (٢) .
وَشَرْعًا: تَأْدِيبٌ دُونَ الْحَدِّ، فَالتَّعْزِيرُ فِي بَعْضِ إِطْلاَقَاتِهِ اللُّغَوِيَّةِ حَدٌّ. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَلَيْسَ بِحَدٍّ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ (٣) .
ج - الْعُقُوبَةُ:
٤ - الْعُقُوبَةُ مِنْ عَاقَبْتُ اللِّصَّ مُعَاقَبَةً وَعِقَابًا، وَالاِسْمُ الْعُقُوبَةُ، وَهِيَ الأَْلَمُ الَّذِي يَلْحَقُ الإِْنْسَانَ مُسْتَحِقًّا عَلَى الْجِنَايَةِ، وَيَكُونُ بِالضَّرْبِ، أَوِ الْقَطْعِ، أَوِ الرَّجْمِ، أَوِ الْقَتْل، سُمِّيَ بِهَا لأَِنَّهَا تَتْلُو الذَّنْبَ مِنْ تَعَقَّبَهُ إِذَا تَبِعَهُ، فَالْعُقُوبَةُ أَعَمُّ مِنَ الْحُدُودِ (٤) .
د - الْجِنَايَةُ:
٥ - الْجِنَايَةُ لُغَةً: اسْمٌ لِمَا يُكْتَسَبُ مِنَ الشَّرِّ، وَشَرْعًا: اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ وَقَعَ عَلَى مَالٍ أَوْ نَفْسٍ (٥) . فَبَيْنَ الْجِنَايَةِ وَالْحَدِّ عَلَى الإِْطْلاَقِ
_________
(١) سورة الفتح / ٩.
(٢) المصباح المنير ومختار الصحاح مادة: (عزر) وابن عابدين ٣ / ١٧٧ والطحطاوي ٢ / ٤١٠.
(٣) الاختيار ٤ / ٧٩، والطحطاوي ٢ / ٤١٠، وشرح الزرقاني ٨ / ١١٥.
(٤) ابن عابدين ٣ / ١٤٠، والطحطاوي ٢ / ٣٨٨، والمصباح المنير مادة: (عقب) .
(٥) ابن عابدين ٥ / ٣٣٩.
الْمَجَازِيِّ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ إِذْ كُل حَدٍّ جِنَايَةٌ وَلَيْسَ كُل جِنَايَةٍ حَدًّا، وَأَمَّا عَلَى الإِْطْلاَقِ الأَْوَّل فَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - إِقَامَةُ الْحُدُودِ فَرْضٌ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ وَدَلِيل ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ، وَالْمَعْقُول.
أَمَّا الْكِتَابُ فَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فِي الزِّنَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (١)﴾ .
وَفِي السَّرِقَةِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا (٢)﴾ الآْيَةَ وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا (٣) . . .﴾ وَفِي قَطْعِ الطَّرِيقِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآْيَةَ (٤) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْعَسِيفِ (٥) وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ.
_________
(١) سورة النور / ٢.
(٢) سورة المائدة / ٣٨.
(٣) سورة النور / ٤.
(٤) سورة المائدة / ٣٣.
(٥) حديث ماعز والغامدية أخرجه مسلم (صحيح مسلم ٣ / ١٣٢١ - ١٣٢٢) ط الحلبي.
وَقَدْ وَقَعَ الإِْجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَهُوَ أَنَّ الطِّبَاعَ الْبَشَرِيَّةَ، وَالشَّهْوَةَ النَّفْسَانِيَّةَ مَائِلَةٌ إِلَى قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَاقْتِنَاصِ الْمَلاَذِ، وَتَحْصِيل مَقْصُودِهَا وَمَحْبُوبِهَا مِنَ الشُّرْبِ وَالزِّنَى وَالتَّشَفِّي بِالْقَتْل وَأَخْذِ مَال الْغَيْرِ، وَالاِسْتِطَالَةِ عَلَى الْغَيْرِ بِالشَّتْمِ وَالضَّرْبِ، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ شَرْعَ هَذِهِ الْحُدُودِ حَسْمًا لِهَذَا الْفَسَادِ، وَزَجْرًا عَنِ ارْتِكَابِهِ، لِيَبْقَى الْعَالَمُ عَلَى نَظْمِ الاِسْتِقَامَةِ، فَإِنَّ إِخْلاَءَ الْعَالَمِ عَنْ إِقَامَةِ الزَّاجِرِ يُؤَدِّي إِلَى انْحِرَافِهِ، وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لاَ يَخْفَى (١) .
وَلِذَا قَال صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَالْمَقْصِدُ الأَْصْلِيُّ مِنْ شَرْعِهِ الاِنْزِجَارُ عَمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْعِبَادُ (٢) .
أَنْوَاعُ الْحُدُودِ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَا يُطَبَّقُ عَلَى جَرِيمَةِ كُلٍّ مِنَ الزِّنَى وَالْقَذْفِ، وَالسُّكْرِ، وَالسَّرِقَةِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ يُعْتَبَرُ حَدًّا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا سِتَّةٌ، وَذَلِكَ بِإِضَافَةِ حَدِّ الشُّرْبِ لِلْخَمْرِ خَاصَّةً. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْحُدُودَ سَبْعَةٌ، فَيُضِيفُونَ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الرِّدَّةَ وَالْبَغْيَ، فِي حِينِ يَعْتَبِرُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٤٠، والاختيار ٤ / ٧٩، والطحطاوي ١ / ٣٨٨، والفتاوى الهندية ٢ / ١٤٣.
(٢) فتح القدير ٥ / ٣ ط دار إحياء التراث العربي.
الْقِصَاصَ أَيْضًا مِنَ الْحُدُودِ، حَيْثُ قَالُوا: الْحُدُودُ ثَمَانِيَةٌ وَعَدُّوهُ بَيْنَهَا. وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ قَتْل تَارِكِ الصَّلاَةِ عَمْدًا مِنَ الْحُدُودِ (١)
أَوْجُهُ الْخِلاَفِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ:
٨ - أ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْمَامَ لاَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ بِخِلاَفِ الْقِصَاصِ.
ب - لاَ تُورَثُ الْحُدُودُ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَيُورَثُ. وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي (الْقَذْفُ) .
ج - لاَ يَصِحُّ الْعَفْوُ فِي الْحُدُودِ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلاَفِ الْقِصَاصِ.
د - التَّقَادُمُ لاَ يَمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ بِالْقَتْل فِي الْقِصَاصِ بِخِلاَفِ الْحُدُودِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ.
هـ - يَثْبُتُ الْقِصَاصُ بِالإِْشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ مِنَ الأَْخْرَسِ بِخِلاَفِ الْحُدُودِ.
ولاَ تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِي الْحُدُودِ، وَتَجُوزُ فِي الْقِصَاصِ.
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٤٠، والطحطاوي ٢ / ٣٨٨، والشرح الصغير ٤ / ٤٢٥ ط دار المعارف، والتاج والإكليل على مواهب الجليل ٦ / ٢٧٦، و٣١٩، والمنثور في القواعد ٢ / ٣٩ وما بعدها، وكشاف القناع ٦ / ٧٧، ٨٩، ١٠٤، ١١٦، ١٢٨، ١٤٩، والمغني ٨ / ١٥٦ وما بعدها، وتبصرة الحكام ٢ / ١٣٥ ط دار الكتب العلمية والقليوبي ٤ / ٢٠١.
ز - لاَ تَتَوَقَّفُ الْحُدُودُ - مَا عَدَا حَدَّ الْقَذْفِ - عَلَى الدَّعْوَى بِخِلاَفِ الْقِصَاصِ.
ح - يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنِ الإِْقْرَارِ فِي الْحُدُودِ وَلاَ تَجُوزُ فِي الْقِصَاصِ.
وَمَرَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْحُدُودَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلاَفِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ لِلْعَبْدِ،
وَالتَّفْصِيل فِي أَبْوَابِ الْحُدُودِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (١)، وَ(ر: قِصَاصٌ) .
أَوْجُهُ الْخِلاَفِ بَيْنَ التَّعْزِيرِ وَالْحُدُودِ:
٩ - يَخْتَلِفُ التَّعْزِيرُ عَنِ الْحُدُودِ فِي أُمُورٍ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: (تَعْزِيرٌ) .
تَدَاخُل الْحُدُودِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ مِنَ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ (إِذَا وَقَعَ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ) وَشُرْبِ الْخَمْرِ إِذَا تَكَرَّرَ قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ، أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
أَمَّا إِذَا وَقَعَ الْقَذْفُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ وَاحِدٍ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَذْفٌ) . وَالأَْصْل قَاعِدَةُ: إِذَا اجْتَمَعَ أَمْرَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَقْصُودُهُمَا، دَخَل أَحَدُهُمَا فِي الآْخَرِ غَالِبًا، وَعَلَى هَذَا فَيُكْتَفَى بِحَدٍّ وَاحِدٍ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٥٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١٤٥، ١٧٤، والفتاوى الهندية ٢ / ١٦٧.
لِجِنَايَاتٍ اتَّحَدَ جِنْسُهَا بِخِلاَفِ مَا اخْتَلَفَ جِنْسُهَا، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ هُوَ الزَّجْرُ وَأَنَّهُ يَحْصُل بِحَدٍّ وَاحِدٍ.
وَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، ثُمَّ حَدَثَتْ مِنْهُ جِنَايَةٌ أُخْرَى فَفِيهَا حَدُّهَا، لِعُمُومِ النُّصُوصِ وَلِوُجُودِ الْمُوجِبِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ سُئِل عَنِ الأَْمَةِ تَزْنِي قَبْل أَنْ تُحْصَنَ قَال: إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا (١) .
وَلأَِنَّ تَدَاخُل الْحُدُودِ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ اجْتِمَاعِهَا، وَهَذَا الْحَدُّ الثَّانِي وَجَبَ بَعْدَ سُقُوطِ الأَْوَّل بِاسْتِيفَائِهِ (٢) .
وَفِي حَالَةِ اجْتِمَاعِ الْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ كَمَا لَوْ زَنَى، وَسَرَقَ وَشَرِبَ الْخَمْرَ، أَوِ اجْتِمَاعِهَا مَعَ الْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (تَدَاخُلٌ) (وَتَعْزِيرٌ) .
عَدَمُ جَوَازِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ:
١١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ
_________
(١) حديث: " إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٢٩ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٧٢، ١٧٦، والبدائع ٧ / ٥٥، ٥٦، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١٤٧، ١٤٨، والقوانين الفقهية ٢٣٤، والتاج والإكليل على مواهب الجليل ٦ / ٣١٣، ٣١٤، وروضة الطالبين ١٠ / ١٦٦، والمغني ٨ / ٢١٣، ونيل المآرب ٢ / ٣٥٤.
الشَّفَاعَةُ فِي الْحُدُودِ بَعْدَ وُصُولِهَا لِلْحَاكِمِ، وَالثُّبُوتِ عِنْدَهُ، لأَِنَّهُ طَلَبُ تَرْكِ الْوَاجِبِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ حِينَ شَفَعَ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَال: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى (١) . وَقَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي خَلْقِهِ (٢) .
وَأَمَّا قَبْل الْوُصُول إِلَيْهِ، فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَ الرَّافِعِ لَهُ إِلَى الْحَاكِمِ لِيُطْلِقَهُ، لأَِنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ قَبْل ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ. فَالْوُجُوبُ لاَ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْل.
وَقَال مَالِكٌ: إِنْ عُرِفَ بِشَرٍّ وَفَسَادٍ فَلاَ أُحِبُّ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ أَحَدٌ، وَلَكِنْ يُتْرَكُ لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ (٣) .
أَثَرُ التَّوْبَةِ عَلَى الْحُدُودِ:
١٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالرِّدَّةِ يَسْقُطَانِ بِالتَّوْبَةِ إِذَا تَحَقَّقَتْ تَوْبَةُ
_________
(١) حديث: " أتشفع في حد من حدود الله " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٨٧ - ط السلفية) من حديث عائشة.
(٢) أثر ابن عمر: " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله " أخرجه ابن أبي شيبة (٩ / ٤٦٦ - ط الدر السلفية - بمبى) .
(٣) ابن عابدين ٣ / ١٤٠، والطحطاوي ٢ / ٣٨٨، والشرح الصغير ٤ / ٤٨٩، والقوانين الفقهية ٣٤٩، ٣٥٤، ومواهب الجليل ٦ / ٣٢٠، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٥، والمغني ٨ / ٢٨١، ٢٨٢.
الْقَاطِعِ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ حَدُّ تَرْكِ الصَّلاَةِ عِنْدَ مَنِ اعْتَبَرَهُ حَدًّا، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ بَقِيَّةَ الْحُدُودِ بَعْدَ رَفْعِهَا إِلَى الْحَاكِمِ لاَ تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، أَمَّا قَبْل ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى أَنَّهُ لاَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَوْ كَانَ قَبْل الرَّفْعِ إِلَى الإِْمَامِ. لِئَلاَّ يُتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى إِسْقَاطِ الْحُدُودِ وَالزَّوَاجِرِ (٢) .
سُقُوطُ الْحُدُودِ بِالشُّبْهَةِ:
١٣ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَالشُّبْهَةُ مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْفَاعِل: كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً ظَنَّهَا حَلِيلَتَهُ. أَوْ فِي الْمَحَل: بِأَنْ يَكُونَ لِلْوَاطِئِ فِيهَا مِلْكٌ أَوْ شُبْهَةُ مِلْكٍ كَالأَْمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ. أَوْ فِي الطَّرِيقِ: بِأَنْ يَكُونَ حَرَامًا عِنْدَ
_________
(١) سورة المائدة / ٣٤.
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٤٠، والطحطاوي ٢ / ٣٨١، والشرح الصغير ٤ / ٤٨٩، والقوانين الفقهية ٣٥٤، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٧، والمنثور في القواعد ١ / ٤٢٥، ٤٢٦، والمغني ٨ / ٢٩٦، ٢٩٧.
قَوْمٍ، حَلاَلًا عِنْدَ آخَرَ. وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَى " شُبْهَةٌ ".
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ (١) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإِْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ (٢) . وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَتَلَقَّتْهُ الأُْمَّةُ بِالْقَبُول (٣) .
سُقُوطُ الْحُدُودِ بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ:
١٤ - إِذَا ثَبَتَتِ الْحُدُودُ بِالإِْقْرَارِ، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، إِذَا كَانَ الْحَدُّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالزِّنَى،
_________
(١) حديث: " ادرءوا الحدود بالشبهات " أخرجه السمعاني كما في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص ٣٠ - ط السعادة) ونقل عن ابن حجر أنه قال: " في سنده من لا يعرف ".
(٢) حديث: " ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ٣٣ - ط الحلبي) من حديث عائشة، وضعفه ابن حجر في التلخيص (٤ / ٥٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٣» ابن عابدين ٣ / ١٤٩، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١٤٢، والقوانين الفقهية ٣٤٧، والأشباه والنطائر للسيوطي ١٢٢، والمنثور في القواعد ٢ / ٢٢٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٢، ٩٣، وكشاف القناع ٦ / ٩٦.