الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
مِنْ غَيْرِ اسْتِخْبَارِهَا عَنْ حَجِّهَا لِنَفْسِهَا قَبْل ذَلِكَ، وَتَرْكُ الاِسْتِفْصَال يَتَنَزَّل مَنْزِلَةَ عُمُومِ الْمَقَال.
ثَالِثًا: شُرُوطُ صِحَّةِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ عَنِ الْغَيْرِ:
١١٧ - أ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَأْمُرَ الأَْصِيل بِالْحَجِّ عَنْهُ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيِّ.
أَمَّا الْمَيِّتُ فَلاَ يَجُوزُ حَجُّ الْغَيْرِ عَنْهُ بِدُونِ وَصِيَّتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (١) .
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ، إِذَا حَجَّ أَوْ أَحَجَّ عَنْ مُوَرِّثِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ، وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُفَصِّل فِي حَقِّ السَّائِل هَل أَوْصَى أَوْ لَمْ يُوصِ، وَهُوَ وَارِثٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجٌّ وَجَبَ الإِْحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ تَرِكَتِهِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ أَمْ لاَ، كَمَا تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَمْ لاَ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ اسْتُحِبَّ لِوَارِثِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، فَإِنْ حَجَّ عَنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْسَل مَنْ حَجَّ عَنْهُ سَقَطَ الْحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ حَجَّ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْوَارِثُ،
_________
(١) المسلك المتقسط ص ٢٨٨، والدر بشرحه وحاشيته ٢ / ٣٢٨، وشرح الكبير ٢ / ١٨ - ١٩، وإجزاء تبرع الأجنبي بحجة الفرض عمن لم يوص، رواية مرجوحة عند الحنفية. انظر رد المحتار ٢ / ٣٢٨، ٣٤، ٣٧.
كَمَا يُقْضَى دَيْنُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَارِثِ (١) "
وَمَأْخَذُهُمْ تَشْبِيهُ النَّبِيِّ ﷺ الْحَجَّ بِالدَّيْنِ، فَأَجْرَوْا عَلَى قَضَاءِ الْحَجِّ أَحْكَامَ الدُّيُونِ. فَإِذَا مَاتَ وَالْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ يَجِبُ الإِْحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ الْمَال وَلَوْ لَمْ يُوصِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى وَفَاءِ الدُّيُونِ، عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ ضَاقَ مَالُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحَاصُّ نَفَقَةُ الْحَجِّ مِنَ الدَّيْنِ، وَيُؤْخَذُ لِلْحَجِّ حِصَّتُهُ فَيَحُجُّ بِهَا مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ (٢) .
ب - أَنْ تَكُونَ نَفَقَةُ الْحَجِّ مِنْ مَال الآْمِرِ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، سِوَى دَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، فَهُمَا عَلَى الْحَاجِّ عِنْدَهُمْ. لَكِنْ إِذَا تَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْحَجِّ عَنْ مُورَثِهِ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِالإِْحْجَاجِ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٣) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَجَازُوا أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالْحَجِّ عَنْ غَيْرِ الْمَيِّتِ مُطْلَقًا، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ (٤) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالأَْمْرُ عِنْدَهُمْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ
_________
(١) شرح المنهاج بحاشيتي قليوبي وعميرة ٢ / ٩٠، والسياق منها، والإيضاح مع حاشيته ص ٢٠٩، والمجموع ٧ / ٧٨، والمغني لابن ٣ / ٢٤١، والفروع ٣ / ٢٤٩.
(٢) المغني ٣ / ٢٤٤، والفروع ٣ / ٢٥١.
(٣) رد المحتار ٢ / ٣٢٨، والتنوير وشروحه ٢ / ٣٣٨ - ٣٣٩، وانظر المسلك المتقسط ص ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٤) كما سبق إشارة لذلك في الشرط السابق، وانظر الفروع ٣ / ٢٥٠ وفيه قوله: " تجوزا لنيابة بلا مال ".
تَابِعٌ لِلْوَصِيَّةِ، وَلِتَنْفِيذِهَا بِعَقْدِ الإِْجَارَةِ، أَوْ لِتَبَرُّعِ النَّائِبِ، لاَ لإِسْقَاطِ الْفَرِيضَةِ عَنِ الْمَيِّتِ.
وَأَمَّا الْحَيُّ الْمَعْضُوبُ: إِذَا بُذِل لَهُ الْمَال أَوِ الطَّاعَةُ فَلاَ يَلْزَمُهُ قَبُول ذَلِكَ لِلإِْحْجَاجِ عَنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ بَذَل لَهُ وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِلأُْجْرَةِ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ فِي الأَْصَحِّ. وَلَوْ وَجَدَ مَالًا أَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل وَرَضِيَ بِهِ الأَْجِيرُ لَزِمَهُ الاِسْتِئْجَارُ، لأَِنَّهُ مُسْتَطِيعٌ، وَالْمِنَّةُ فِيهِ لَيْسَتْ كَالْمِنَّةِ فِي الْمَال.
وَلَوْ لَمْ يَجِدْ أُجْرَةً وَبَذَل لَهُ وَلَدُهُ الطَّاعَةَ بِأَنْ يَذْهَبَ هُوَ بِنَفْسِهِ لِلْحَجِّ عَنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، وَهُوَ الإِْذْنُ لَهُ فِي ذَلِكَ، لأَِنَّ الْمِنَّةَ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ كَالْمِنَّةِ فِي الْمَال. لِحُصُول الاِسْتِطَاعَةِ، وَكَذَا الأَْجْنَبِيُّ فِي الأَْصَحِّ.
وَيُشْتَرَطُ لِلُزُومِ قَبُول طَاعَتِهِمْ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَنْ يَثِقَ بِالْبَازِل، وَأَنْ لاَ يَكُونَ عَلَيْهِ حَجٌّ وَلَوْ نَذْرًا، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُمْ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَا مَعْضُوبَيْنِ (٢) .
ج - يُشْتَرَطُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ وَطَنِهِ إِنِ اتَّسَعَ ثُلُثُ التَّرِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
_________
(١) لما هو مقرر عندهم في شرط الاستطاعة للزاد وآلة الركوب.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٤٦٩ - ٤٧٠.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُعْتَبَرُ اتِّسَاعُ جَمِيعِ مَال الْمَيِّتِ، لأَِنَّهُ دَيْنٌ وَاجِبٌ، فَكَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَال كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ. لَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ قَضَاؤُهُ عَنْهُ مِنَ الْمِيقَاتِ لأَِنَّ الْحَجَّ يَجِبُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْحَجُّ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ مِنْهُ (١) ".
د - النِّيَّةُ: أَيْ نِيَّةُ الْحَاجِّ الْمَأْمُورِ أَدَاءَ الْحَجِّ عَنِ الأَْصِيل.
بِأَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ وَيَقُول بِلِسَانِهِ (وَالتَّلَفُّظُ أَفْضَل): أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ عَنْ فُلاَنٍ، وَلَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ عَنْ فُلاَنٍ.
وَإِنِ اكْتَفَى بِنِيَّةِ الْقَلْبِ كَفَى ذَلِكَ، اتِّفَاقًا. وَلَوْ نَسِيَ اسْمَهُ وَنَوَى أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ عَنِ الشَّخْصِ الْمَقْصُودِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ يَصِحُّ، وَيَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الأَْصِيل (٢) .
هـ - أَنْ يَحُجَّ الْمَأْمُورُ بِنَفْسِهِ: نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. فَلَوْ مَرِضَ الْمَأْمُورُ أَوْ حُبِسَ فَدَفَعَ الْمَال إِلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ لاَ يَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ، وَالْحَاجُّ الأَْوَّل وَالثَّانِي ضَامِنَانِ لِنَفَقَةِ الْحَجِّ، إِلاَّ إِذَا قَال الآْمِرُ
_________
(١) المسلك ص ٢٩١، والشرح الكبير ٢ / ١٩، وشرح المنهاج ٢ / ٩٠، والمغني ٣ / ٢٤١، والفروع ٣ / ٢٤٩، والمهذب ٧ / ٨٨، والمجموع ٧ / ٨٩.
(٢) المسلك ص ٢٩٢، ومواهب الجليل ٣ / ٧ وفيه التصريح بالاتفاق، والمجموع ٧ / ٧٩.
بِالْحَجِّ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ فَلَهُ، حِينَئِذٍ أَنْ يَدْفَعَ الْمَال إِلَى غَيْرِهِ، وَيَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الآْمِرِ (١) .
وأَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِ الشَّخْصِ الَّذِي يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ. وَلَوْ أَمَرَهُ بِالإِْفْرَادِ فَقَرَنَ عَنِ الآْمِرِ فَيَقَعُ ذَلِكَ عَنِ الآْمِرِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالصَّاحِبَيْنِ اسْتِحْسَانًا، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَهُوَ مُخَالِفٌ ضَامِنٌ مِنَ النَّفَقَاتِ وَلاَ يَقَعُ عَنِ الآْمِرِ. أَمَّا إِذَا أَمَرَهُ بِالإِْفْرَادِ فَتَمَتَّعَ عَنِ الآْمِرِ لَمْ يَقَعْ حَجُّهُ عَنْهُ وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ، وَيَضْمَنُ اتِّفَاقًا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ. وَسَوَّى الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ إِذَا فُعِلاَ وَكَانَ الإِْفْرَادُ يُجْزِئُ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنَ الْوَصِيِّ لاَ الأَْصِيل. وَصَحَّحَ الْحَنَابِلَةُ الْحَجَّ عَنِ الأَْصِيل فِي كُل الْحَالاَتِ وَيَرْجِعُ عَلَى الأَْجِيرِ بِفَرْقِ أُجْرَةِ الْمَسَافَةِ، أَوْ تَوْفِيرِ الْمِيقَاتِ (٢) .
حَجُّ النَّفْل عَنِ الْغَيْرِ:
مَشْرُوعِيَّتُهُ:
١١٨ - اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَجِّ النَّفْل عَنِ الْغَيْرِ بِإِطْلاَقٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحْمَدَ. وَأَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا مَعَ الْكَرَاهَةِ فِيهِ وَفِي النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ الْمَنْذُورِ.
_________
(١) المسلك ص ٢٩٣، والشرح الكبير ٢ / ٢٠، ومغني المحتاج ١ / ٤٧٠ في إجازة العين، وحاشية الإيضاح ص ١٢١ - ١٢٢، والمجموع ٧ / ٢٠٣.
(٢) المسلك المتقسط ص ٢٩٢، والشرح الكبير ٢ / ١٦، والمجموع ٧ / ١١٤ - ١١٥، والمغني ٣ / ٢٣٤ - ٢٣٥.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَفَصَّلُوا وَقَالُوا: لاَ تَجُوزُ الاِسْتِنَابَةُ فِي حَجِّ النَّفْل عَنْ حَيٍّ لَيْسَ بِمَعْضُوبٍ، وَلاَ عَنْ مَيِّتٍ لَمْ يُوصِ بِهِ.
أَمَّا الْمَيِّتُ الَّذِي أَوْصَى بِهِ وَالْحَيُّ الْمَعْضُوبُ إِذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، فَفِيهِ قَوْلاَنِ مَشْهُورَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ:
أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الأُْجْرَةَ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ عَدَمُ الْجَوَازِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا جَازَ الاِسْتِنَابَةُ فِي الْفَرْضِ لِلضَّرُورَةِ، وَلاَ ضَرُورَةَ، فَلَمْ تَجُزِ الاِسْتِنَابَةُ فِيهِ، كَالصَّحِيحِ، وَيَقَعُ عَنِ الأَْجِيرِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ الأُْجْرَةَ.
وَيَدُل لِلْجُمْهُورِ عَلَى صِحَّةِ حَجِّ النَّفْل عَنِ الْغَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ بِنَفْسِهِ أَنَّهَا حَجَّةٌ لاَ تَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا كَالْمَعْضُوبِ.
وَلأَِنَّهُ يُتَوَسَّعُ فِي النَّفْل مَا لاَ يُتَوَسَّعُ فِي الْفَرْضِ، فَإِذَا جَازَتِ النِّيَابَةُ فِي الْفَرْضِ فَلأَنْ تَجُوزَ فِي النَّفْل أَوْلَى.
شُرُوطُهُ:
١١٩ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ حَجِّ النَّفْل عَنِ الْغَيْرِ:
الإِْسْلاَمُ، وَالْعَقْل، وَالتَّمْيِيزُ، وَقَيَّدَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِالْمُرَاهِقِ، وَأَنْ يَكُونَ النَّائِبُ قَدْ حَجَّ الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ آخَرُ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
كَمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْحَاجِّ النَّائِبِ الْحَجَّةَ عَنِ الأَْصِيل (١) .
الاِسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ:
مَشْرُوعِيَّتُهُ:
١٢٠ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَهُوَ الأَْشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى الْجَوَازِ، وَبِهِ أَخَذَ الْمَالِكِيَّةُ، مُرَاعَاةً لِخِلاَفِ الشَّافِعِيَّةِ فِي جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي حَجِّ النَّفْل (٣) .
فَلَوْ عُقِدَتِ الإِْجَارَةُ لِلْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ فَهِيَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَاطِلَةٌ، لَكِنَّ الْحَجَّةَ عَنِ الأَْصِيل صَحِيحَةٌ، عَلَى التَّحْقِيقِ فِي الْمَذْهَبِ، وَيُسَمُّونَ الأَْجِيرَ: مَأْمُورًا، وَنَائِبًا، وَقَالُوا لَهُ نَفَقَةُ الْمِثْل فِي مَال الأَْصِيل، لأَِنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ لِمَنْفَعَةِ الأَْصِيل فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ (٤) .
_________
(١) انظر بحث الحج النفل عن الغير في المسلك المتقسط ص ٢٩٩، والمغني ٣ / ٢٣٠، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ١٨، والمهذب وشرحه المجموع ٧ / ٩٢ - ٩٤.
(٢) المسلك المتقسط ص ٢٨٨، ورد المحتار ٢ / ٢٢٨ - ٢٢٩، والمغني ٣ / ٢٣١، والفروع ٣ / ٢٥٢، ٢٥٤.
(٣) المجموع ٧ / ١٠٢، ومغني المحتاج ١ / ٤٧٠، والشرح الكبير ٢ / ١٩.
(٤) انظر تفصيل التحقيق والمناقشات حوله في المسلك المتقسط وإرشاد الساري بذيله ص ٢٨٨ - ٢٨٩، ورد المحتار ٢ / ٣٢٩ - ٣٣٠، وانظر فتح القدير ٢ / ٣١٣.
الإِْخْلاَل بِأَرْكَانِ الْحَجِّ:
١٢١ - لاَ يَتِمُّ الْحَجُّ إِنْ أُخِل بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ. ثُمَّ إِنْ تُرِكَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَانِعٍ قَاهِرٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
تَرْكُ رُكْنٍ مِنَ الْحَجِّ بِمَانِعٍ قَاهِرٍ: (الإِْحْصَارُ):
١٢٢ - تَرْكُ رُكْنٍ أَوْ أَكْثَر مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِمَانِعٍ قَاهِرٍ سَبَقَ بَحْثُهُ تَفْصِيلًا فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْصَارٌ) .
تَرْكُ رُكْنٍ مِنَ الْحَجِّ لاَ بِمَانِعٍ قَاهِرٍ:
أَوَّلًا: تَرْكُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: (الْفَوَاتُ):
١٢٣ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِأَنْ " طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ. وَيُسَمَّى ذَلِكَ (الْفَوَاتَ) ". ثُمَّ إِنْ أَرَادَ التَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ فَيَتَحَلَّل بِأَعْمَال الْعُمْرَةِ (١) .
عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (فَوَاتٌ) .
ثَانِيًا: تَرْكُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ:
١٢٤ - طَوَافُ الزِّيَارَةِ رُكْنٌ لاَ يَسْقُطُ بِتَرْكِهِ إِذَا فَاتَ وَقْتُهُ، وَلاَ يَنْجَبِرُ بِشَيْءٍ، وَيَظَل الْحَاجُّ مُحْرِمًا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّحَلُّل الأَْكْبَرِ (مُصْطَلَحُ إِحْرَامٌ ف ١٢٤)، حَتَّى يُؤَدِّيَهُ.
_________
(١) الهداية وفتح القدير ٢ / ٣٠٣، وشرح المنهاج ٢ / ١٥١، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٣٨، والمغني ٣ / ٥٢٨.
فَإِنْ تَرَكَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ شُرُوطِهِ، أَوْ رُكْنًا، وَلَوْ شَوْطًا أَوْ أَقَل مِنْ شَوْطٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ وَيُؤَدِّيَهُ.
وَإِذَا رَجَعَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِإِحْرَامِهِ الأَْوَّل، لاَ يَحْتَاجُ إِلَى إِحْرَامٍ جَدِيدٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ عَنِ النِّسَاءِ إِلَى أَنْ يَعُودَ وَيَطُوفَ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالْحَنَفِيَّةِ مَعَهُمْ عَلَى وَجْهِ الإِْجْمَال.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُجَدِّدُ إِحْرَامَهُ لِيَطُوفَ فِي إِحْرَامٍ صَحِيحٍ " أَيْ إِنَّهُ يَدْخُل مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ (١) .
أَمَّا تَفْصِيل مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ: فَفِيهِ فُرُوعٌ. اخْتُصُّوا بِهَا بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي شُرُوطِ الطَّوَافِ وَرُكْنِهِ وَوَاجِبَاتِهِ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ طَوَافٍ) .
ثَالِثًا: تَرْكُ السَّعْيِ:
١٢٥ - السَّعْيُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ رُكْنٌ لاَ يَحِل الْحَاجُّ مِنَ الإِْحْرَامِ بِدُونِهِ، فَمَنْ تَرَكَهُ عَادَ لأَِدَائِهِ لِزَامًا عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ فِي الرُّجُوعِ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجُمْهُورِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَإِنَّهُ يَحِل بِدُونِ سَعْيٍ، لأَِنَّ السَّعْيَ وَاجِبٌ عِنْدَهُمْ، يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ (ف ٥٦)، فَإِنْ أَرَادَ أَدَاءَهُ فَإِنَّهُ يَدْخُل مَكَّةَ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ مُعْتَمِرًا، ثُمَّ يَأْتِي بِالسَّعْيِ، وَإِنْ تَرَكَ ثَلاَثَةَ أَشْوَاطٍ فَأَقَل صَحَّ سَعْيُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ لِكُل شَوْطٍ صَدَقَةٌ نِصْفُ
_________
(١) كما وضحه في الفروع ٣ / ٥٢٥، والمغني ٣ / ٤٦٥.
صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ. . (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: سَعْيٌ) .
الإِْخْلاَل بِوَاجِبَاتِ الْحَجِّ:
١٢٦ - يَجِبُ عَلَى مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ الْفِدَاءُ، وَهُوَ ذَبْحُ شَاةٍ، بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، جَبْرًا لِلنَّقْصِ الْحَادِثِ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ، إِلاَّ إِذَا تَرَكَهُ لِعُذْرٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا.
وَمَا صَرَّحُوا بِالْعُذْرِ فِيهِ: تَرْكُ الْمَشْيِ فِي الطَّوَافِ أَوْ فِي السَّعْيِ، لِمَرَضٍ أَوْ كِبَرِ سِنٍّ، عَلَى الْقَوْل بِوُجُوبِ الْمَشْيِ فِيهِمَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَعْذُورِ أَنْ يَطُوفَ أَوْ يَسْعَى مَحْمُولًا، وَلاَ فِدَاءَ عَلَيْهِ.
وَثَمَّةَ مَسَائِل تَحْتَاجُ لإِيضَاحٍ خَاصٍّ لِحُكْمِ تَرْكِهَا، وَهِيَ:
أَوَّلًا: تَرْكُ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ:
١٢٧ - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِعُذْرٍ أَنَّهُ لاَ فِدَاءَ عَلَيْهِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِثُبُوتِ الْعُذْرِ فِي تَرْكِ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، كَالْمَرَضِ، وَالضَّعْفِ الْجِسْمِيِّ كَمَا فِي الشَّيْخِ الْفَانِي، وَكَذَا خَوْفُ الزِّحَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَضَعَفَةِ الأَْهْل.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِالْعُذْرِ لِمَنِ انْتَهَى إِلَى عَرَفَاتٍ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَاشْتَغَل بِالْوُقُوفِ عَنِ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الأَْصْحَابِ، وَلَوْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مَكَّةَ وَطَافَ الإِْفَاضَةَ بَعْدَ