الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 14

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

مُبَاحَاتُ الْحَجِّ:

١٠٩ - لَيْسَ لِلْحَجِّ مُبَاحَاتٌ خَاصَّةٌ بِهِ، سِوَى الْمُبَاحَاتِ الَّتِي لاَ تُخِل بِمَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ (فَانْظُرْ فِي الْمُصْطَلَحِ: إِحْرَامٌ: ف ٩٩ - ١٠٧) .

أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِالْحَجِّ:

١١٠ - تَتَنَاوَل هَذِهِ الأَْحْكَامُ الْمَوْضُوعَاتِ التَّالِيَةَ:

حَجُّ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ.

حَجُّ الصَّبِيِّ.

حَجُّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ.

الْحَجُّ عَنِ الْغَيْرِ.

الأَْوَّل - حَجُّ الْمَرْأَةِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ:

١١١ - تَخْتَصُّ الْمَرْأَةُ دُونَ الرَّجُل بِعِدَّةِ أَحْكَامٍ فِي الْحَجِّ، بَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِالإِْحْرَامِ، فَيُنْظَرُ فِيهِ، وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَسَبَقَتْ فِي مَوَاضِعِهَا.

وَنُبَيِّنُ هُنَا أَحْكَامًا أُخْرَى هَامَةً، هِيَ أَحْكَامُ حَجِّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَلَهُ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ نُبَيِّنُ حُكْمَهَا فِيمَا يَلِي:

أ - أَنْ تُحْرِمَ الْمَرْأَةُ بِالْحَجِّ مُفْرِدَةً أَوْ قَارِنَةً، ثُمَّ يَمْنَعَهَا الْحَيْضُ أَوِ النِّفَاسُ مِنْ أَدَاءِ الطَّوَافِ، فَإِنَّهَا تَمْكُثُ حَتَّى تَقِفَ بِعَرَفَةَ وَتَأْتِيَ بِكَافَّةِ أَعْمَال الْحَجِّ فِيمَا عَدَا الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ، فَإِذَا طَهُرَتْ تَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا وَتَسْعَى سَعْيًا وَاحِدًا إِنْ كَانَتْ مُفْرِدَةً. وَتَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَتَسْعَى سَعْيًا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِنْ

كَانَتْ قَارِنَةً، حَسْبَمَا يَجِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَطَوَافًا وَسَعْيًا وَاحِدًا لِلْقِرَانِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ اتِّفَاقًا (١) .

وَيَسْقُطُ عَنْهَا طَوَافُ الْقُدُومِ، أَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلأَِنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ وَقْتُهَا، وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَلِكَوْنِهِ عُذْرًا يَسْقُطُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا، إِلاَّ أَنْ يَزُول الْمَانِعُ وَيَتَّسِعَ الزَّمَنُ لِطَوَافِ الْقُدُومِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهَا (٢) .

ب - أَنْ تُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ تَحِيضَ أَوْ تُنْفَسَ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَلاَ يَتَّسِعُ الْوَقْتُ كَيْ تَطْهُرَ وَتَعْتَمِرَ قَبْل الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ:

قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تُحْرِمُ بِالْحَجِّ أَيْ تَنْوِيهِ وَتُلَبِّي، وَتُؤَدِّي أَعْمَال الْحَجِّ كَمَا ذَكَرْنَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُفْرِدَةِ، وَتُصْبِحُ بِهَذَا رَافِضَةً لِلْعُمْرَةِ، أَيْ مُلْغِيَةً لَهَا، وَتُحْتَسَبُ لَهَا حَجَّةً فَقَطْ، فَإِذَا أَرَادَتِ الْعُمْرَةَ تُهِل بِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ (٣) وَلَيْسَ لَهَا إِرْدَافُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ عِنْدَهُمْ (٤) .

أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالُوا: لاَ تُلْغِي الْعُمْرَةَ، بَل تُحْرِمُ بِالْحَجِّ، وَتُصْبِحُ قَارِنَةً، فَتُحْتَسَبُ لَهَا الْعُمْرَةُ، وَقَدْ كَفَى عَنْهَا طَوَافُ الْحَجِّ وَسَعْيُهُ تَبَعًا

_________

(١) المبسوط ٤ / ١٧٩، وشرح الهداية ٢ / ٢٢٣ - ٢٢٤.

(٢) الشرح الكبير ٢ / ٣٤.

(٣) المبسوط ٤ / ٣٥ و٣٦، وفتح القدير الموضع السابق.

(٤) انظر مصطلح إحرام (ف ٢٣ - ٢٧) .

لِمَذْهَبِهِمْ فِي طَوَافِ الْقَارِنِ وَسَعْيِهِ أَنَّهُمَا يُجْزِئَانِ عَنِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ قِرَانٍ) .

وَعَلَيْهَا هَدْيُ الْقِرَانِ عِنْدَهُمْ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ اتِّفَاقًا.

ج - لَوْ حَاضَتْ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ بَعْدَ أَنْ مَضَتْ عَلَيْهَا فَتْرَةٌ تَصْلُحُ لِلطَّوَافِ فَأَخَّرَتْ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ عَنْ وَقْتِهِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَجَبَ عَلَيْهَا دَمٌ بِهَذَا التَّأْخِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا إِذَا حَاضَتْ قَبْل يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ بِوَقْتٍ يَسِيرٍ لاَ يَكْفِي لِلإِْفَاضَةِ فَتَأَخَّرَ طَوَافُهَا عَنْ وَقْتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهَا وَلاَ إِثْمَ (١) .

وَلاَ يُتَصَوَّرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ذَلِكَ، لأَِنَّ وَقْتَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ الْوَاجِبَ يَمْتَدُّ عِنْدَهُمْ لآِخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلاَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ لاَ وَقْتَ يَلْزَمُ الْجَزَاءُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ عِنْدَهُمْ (٢) .

د - إِنْ حَاضَتْ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ فَإِنَّهَا تُتِمُّ أَعْمَال الْحَجِّ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ، وَيَسْقُطُ عَنْهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ، إِنْ فَارَقَتْ مَكَّةَ قَبْل أَنْ تَطْهُرَ

_________

(١) المغني ٣ / ٤٨١ - ٤٨٤.

(٢) وإذا خافت فوات الرفقة أو مواعيد السفر بانتظار الطهر فإنها تطوف طواف الزيارة وهي حائض بعد أن تتحفض وتغتسل غسل نظافة وعليها بدنة عند أبي حنيفة، وشاة عند أحمد، ولا شيء عليها عند ابن تيمية. والأخذ بهذا الرأي فيه توسعة وإزالة حرج في الظروف الحالية (الفتاوى

اتِّفَاقًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْفِدَاءُ بِتَرْكِهِ (١) .

حَجُّ الصَّبِيِّ:

١١٢ - لاَ يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الصَّبِيِّ قَبْل الْبُلُوغِ إِجْمَاعًا، لَكِنْ إِذَا فَعَلَهُ صَحَّ مِنْهُ، وَكَانَ نَفْلًا، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى إِذَا بَلَغَ إِجْمَاعًا.

وَتَتَفَاوَتُ كَيْفِيَّةُ إِحْرَامِ الصَّبِيِّ وَأَدَائِهِ الْمَنَاسِكَ بِتَفَاوُتِ سِنِّهِ هَل هُوَ مُمَيِّزٌ أَوْ لاَ.

وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مُصْطَلَحِ إِحْرَامٍ فَانْظُرْهُ (ف ١٣١ - ١٣٦) وَيُلْحَقُ بِالصَّبِيِّ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ الْمَجْنُونُ جُنُونًا مُطْبِقًا بِاتِّفَاقِهِمْ (٢) .

حَجُّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمِ الْمَرِيضِ:

١١٣ - إِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْل الإِْحْرَامِ أَحْرَمَ عَنْهُ رُفْقَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ مَعَ بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الأَْعْمَال فِي مُصْطَلَحِ إِحْرَامٍ (ف ١٣٨ - ١٤٢)، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ فَهَذَا حَمْلُهُ مُتَعَيَّنٌ عَلَى رُفَقَائِهِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:

١ - الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ: عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ بِالنِّسْبَةِ لِرُكْنِ الْوُقُوفِ، وَلاَ سِيَّمَا فِي مَذْهَبِ

_________

(١) شروح الهداية ٢ / ٢٢٤، وانظر المبسوط ٤ / ١٧٩، وانظر ما سبق طواف الوداع (ف ١٧٤) .

(٢) على تفاصيل في إفاقته وما يلزم فيها. انظر المسلك المتقسط ص ٧٨، والإيضاح ص ٥٥٦، والشرح الكبير ٢ / ٣، والمغني ٣ / ٢٤٩.

الْمَالِكِيَّةِ، وَمِثْلُهُ النَّائِمُ الْمَرِيضُ الَّذِي لَمْ يُفِقْ مُدَّةَ مُكْثِهِ حَتَّى دَفَعَ مَعَ النَّاسِ (١) .

٢ - يَحْمِل الْمُغْمَى عَلَيْهِ رِفَاقُهُ فِي الطَّوَافِ وَيَطُوفُونَ بِهِ، وَيُجْزِئُ الطَّوَافُ الْوَاحِدُ عَنِ الْحَامِل وَالْمَحْمُول، إِنْ نَوَاهُ الْحَامِل عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْمَحْمُول، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ.

أَمَّا الْمَرِيضُ النَّائِمُ فَإِنْ كَانَ الطَّوَافُ بِأَمْرِهِ وَحَمَلُوهُ مِنْ فَوْرِهِ، أَيْ مِنْ سَاعَتِهِ عُرْفًا وَعَادَةً يَجُوزُ، إِلاَّ بِأَنْ طَافُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِالطَّوَافِ بِهِ، أَوْ فَعَلُوهُ لَكِنْ لاَ مِنْ فَوْرِهِ فَلاَ يُجْزِيهِ الطَّوَافُ.

هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) . أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِمْ فَيُنْتَظَرُ بِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَيَسْتَوْفِيَ شُرُوطَ الطَّوَافِ، الَّتِي مِنْهَا الطَّهَارَتَانِ (انْظُرْ طَوَافٌ) .

٣ - وَيُمْكِنُ أَنْ يَسْعَى بِهِ بِاتِّفَاقِهِمْ، لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَالطَّهَارَتَيْنِ فِي السَّعْيِ.

٤ - وَيَحْلِقُ لَهُ رِفَاقُهُ، لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ.

٥ - وَيَرْمِي عَنْهُ رِفَاقُهُ، عَلَى التَّفْصِيل فِيهِ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: رَمْيٌ)

٦ - وَيَسْقُطُ عَنْهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ إِذَا سَافَرَ بِهِ رُفْقَتُهُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ.

الْحَجُّ عَنِ الْغَيْرِ:

مَشْرُوعِيَّةُ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ:

١١٤ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ

_________

(١) انظر مواهب الجليل ٣ / ٩٥.

(٢) المسلك المتقسط ص ١٠٠ - ١٠١.

وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ (١)

وَقَابِلِيَّتِهِ لِلنِّيَابَةِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي مَذْهَبِهِ إِلَى أَنَّ الْحَجَّ لاَ يَقْبَل النِّيَابَةَ لاَ عَنِ الْحَيِّ وَلاَ عَنِ الْمَيِّتِ، مَعْذُورًا أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ. وَقَالُوا: إِنَّ الأَْفْضَل أَنْ يَتَطَوَّعَ عَنْهُ وَلِيُّهُ بِغَيْرِ الْحَجِّ، كَأَنْ يُهْدِيَ أَوْ يَتَصَدَّقَ عَنْهُ، أَوْ يَدْعُوَ لَهُ، أَوْ يُعْتِقَ (٢) .

اسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَجِّ الإِْنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَبِالْعَقْل.

أَمَّا السُّنَّةُ: فَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَل يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَال: نَعَمْ (٣) .

_________

(١) أي أن (أل) هنا بديل عن الإضافة، وأصل العبارة " عن غيره " فحذف المضاف وعوضت (أل) عنه. وانظر للاستزادة في مسالة إدخال (أل) على غير وتعريفها بالإضافة جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري ١ / والكشاف للزمخشري ١ / ١٦ - ١٧ وغيرهما لمناسبة تفسير " غير المغضوب عليهم ".

(٢) انظر فتح القدير ٢ / ٣٠٨، ومغني المحتاج ١ / ٤٦٨ - ٤٦٩، والمغني ٣ / ٢٢٧ - ٢٢٨، ومواهب الجليل ٢ / ٥٤٣، وحاشية الدسوقي ١ / ١٨.

(٣) حديث ابن عباس: جاءت امرأة من خثعم. أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٦٦ - ط السلفية) مسلم (٢ / ٩٧٣ - ط الحلبي) .

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَال ﷺ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ . . اقْضُوا اللَّهَ، فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ (١) .

وَأَمَّا الْعَقْل، فَقَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: وَكَانَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ لاَ تَجْرِيَ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ، لِتَضَمُّنِهِ الْمَشَقَّتَيْنِ الْبَدَنِيَّةَ وَالْمَالِيَّةَ، وَالأُْولَى لَمْ تَقُمْ بِالآْمِرِ، لَكِنَّهُ تَعَالَى رَخَّصَ فِي إِسْقَاطِهِ بِتَحَمُّل الْمَشَقَّةِ الأُْخْرَى، أَعْنِي إِخْرَاجَ الْمَال عِنْدَ الْعَجْزِ الْمُسْتَمِرِّ إِلَى الْمَوْتِ، رَحْمَةً وَفَضْلًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَدْفَعَ نَفَقَةَ الْحَجِّ إِلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، بِخِلاَفِ حَال الْقُدْرَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْذُرْهُ لأَِنَّ تَرْكَهُ لَيْسَ إِلاَّ لِمُجَرَّدِ إِيثَارِ رَاحَةِ نَفْسِهِ عَلَى أَمْرِ رَبِّهِ، وَهُوَ بِهَذَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ، لاَ التَّخْفِيفَ فِي طَرِيقِ الإِْسْقَاطِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ دَوَامَهُ (أَيِ الْعُذْرِ) إِلَى الْمَوْتِ لأَِنَّ الْحَجَّ فَرْضُ الْعُمُرِ (٢) . . . "

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: هَذِهِ عِبَادَةٌ تَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ، فَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُ فِعْلِهِ فِيهَا مَقَامَ فِعْلِهِ، كَالصَّوْمِ إِذَا عَجَزَ عَنْهُ افْتَدَى بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ (٣) ".

_________

(١) حديث ابن عباس: أن امرأة من جهينة. . . أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٦٤ - ط السلفية) .

(٢) فتح القدير ٢ / ٣١٠.

(٣) المغني ٣ / ٢٢٨.

وَأَخَذَ الْمَالِكِيَّةُ بِالأَْصْل، وَهُوَ عَدَمُ جَرَيَانِ النِّيَابَةِ فِي الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ، كَالصَّوْمِ (١) .

شُرُوطُ الْحَجِّ الْفَرْضِ عَنِ الْغَيْرِ:

أَوَّلًا - شُرُوطُ وُجُوبِ الإِْحْجَاجِ:

١١٥ - يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ شُرُوطَ الأَْصِيل الْمَحْجُوجِ عَنْهُ لِحَجَّةِ الْفَرْضِ.

يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الإِْحْجَاجِ عَنِ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ - خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ -: الْعَجْزُ عَنْ أَدَاءِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.

وَيَشْمَل ذَلِكَ مَا يَلِي:

أ - كُل مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ وَحَضَرَهُ الْمَوْتُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ بِالإِْحْجَاجِ عَنْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. سَوَاءٌ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ، أَوِ النَّذْرِ، أَوِ الْقَضَاءِ.

وَلَمْ يُوقِفِ الشَّافِعِيَّةُ وُجُوبَ الإِْحْجَاجِ عَنْهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ إِجْرَاءً لِلْحَجِّ مَجْرَى الدُّيُونِ.

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَلاَ يُوجِبُونَ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةَ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ بِأَدَاءِ الْغَيْرِ عَنْهُ - كَمَا هُوَ أَصْل مَذْهَبِهِمُ الَّذِي عَرَفْنَاهُ - لَكِنْ إِذَا أَوْصَى نَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ لَمْ يُرْسَل مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ.

ب - مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ سَائِرُ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ وَاخْتَل شَيْءٌ مِنْ شُرُوطِ الأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ، يَجِبُ

_________

(١) مواهب الجليل في الموضع السابق، وفيه توسع، والتاج والإكليل لمختصر خليل ٣ / ٧.

عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يُوصِيَ بِالإِْحْجَاجِ عَنْهُ إِذَا لَمْ يُرْسِل مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ.

ج - مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى عَجَزَ عَنْ الأَْدَاءِ بِنَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فِي حَال حَيَاتِهِ، أَوْ يُوصِيَ بِالإِْحْجَاجِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.

وَيَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ بِالْمَوْتِ، أَوْ بِالْحَبْسِ، وَالْمَنْعِ، وَالْمَرَضِ الَّذِي لاَ يُرْجَى زَوَالُهُ كَالزَّمَانَةِ وَالْفَالِجِ، وَالْعَمَى وَالْعَرَجِ، وَالْهَرَمِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى الاِسْتِمْسَاكِ، وَعَدَمِ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَعَدَمِ الْمَحْرَمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ، إِذَا اسْتَمَرَّتْ هَذِهِ الآْفَاتُ إِلَى الْمَوْتِ (١) .

ثَانِيًا: شُرُوطُ النَّائِبِ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْحَجِّ:

١١٦ - اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لإِجْزَاءِ الْحَجِّ الْفَرْضِ عَنِ الأَْصِيل أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا، وَإِلاَّ كَانَتِ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ تُجْزِئْ عَنِ الأَْصِيل، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهُوَيْهِ (٢) .

وَاكْتَفَى الْحَنَفِيَّةُ بِأَهْلِيَّةِ الْمَأْمُورِ لِصِحَّةِ الْحَجِّ، بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا، فَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ

_________

(١) المسلك المتقسط ص ٢٨٧، والإيضاح في مناسك الحج للنووي وحاشيته للهيثمي ص ١٠٨ - ١٠٩، ومغني المحتاج ١ / ٤٦٨ - ٤٦٩، والمغني ٣ / ٢٢٧ - ٢٢٨، والفروع ٣ / ٢٤٥، ومواهب الجليل ٢ / ٥٤٣.

(٢) المجموع والمهذب ٧ / ٩٨، والإيضاح ص ١١٩، والمغني ٣ / ٢٤٥، والفروع ٣ / ٢٦٥ - ٢٦٦.

الْمَأْمُورُ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ (وَهُوَ الْمُسَمَّى صَرُورَةً)، (١) وَأَجَازُوا حَجَّ الْعَبْدِ، وَالْمُرَاهِقِ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَتَصِحُّ هَذِهِ الْحَجَّةُ الْبَدَلِيَّةُ وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الأَْصِيل، مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلآْمِرِ، وَالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْمُورِ إِنْ كَانَ تَحَقَّقَ وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَيْهِ. وَنَحْوُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ يَصِحُّ عَلَى الْقَوْل بِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَهُمْ، أَمَّا عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ فَيَحْرُمُ الْحَجُّ عَنْهُ (٢) .

اسْتَدَل الأَْوَّلُونَ: بِمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُول: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَال: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَال: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي. قَال: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَال: لاَ. قَال: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ (٣) .

وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِإِطْلاَقِ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ السَّابِقِ، فَإِنَّهُ ﷺ قَال لَهَا: حُجِّي عَنْ أَبِيكِ

_________

(١) الصرورة: من لم يحج.

(٢) المسلك المتقسط ص ٢٩٩، وفيه مناقشة حول المراهق ص ٣٠٠ - ٣٠١، وتنوير الأبصار مع شرحه وحاشيته ٢ / ٣٣١، ومواهب الجليل ٣ / ٥، والشرح الكبير ٢ / ١٨ - ٢٠.

(٣) حديث ابن عباس: " حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ". أخرجه أبو داود (٢ / ٤٠٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وابن ماجه (٢ / ٩٦٩ - ط الحلبي) وأعل بالإرسال كما في التلخيص لابن حجر (٢ / ٢٢١ - ط شركة الطباعة الفنية) ثم ذكر له طريقا آخر قواه به.