الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
وَقْتُ طَوَافِ الْقُدُومِ:
٩٠ - يَبْدَأُ وَقْتُ طَوَافِ الْقُدُومِ حِينَ دُخُول مَكَّةَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَادِرَ بِهِ قَبْل اسْتِئْجَارِ الْمَنْزِل وَنَحْوِ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَآخِرُ وَقْتِهِ وُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ مُطَالَبٌ بِطَوَافِ الْفَرْضِ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ (١) .
كَيْفِيَّةُ طَوَافِ الْقُدُومِ:
٩١ - كَيْفِيَّةُ طَوَافِ الْقُدُومِ كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ اضْطِبَاعَ فِيهِ وَلاَ رَمَل، وَلاَ سَعْيَ لأَِجْلِهِ، إِلاَّ إِذَا أَرَادَ تَقْدِيمَ سَعْيِ الْحَجِّ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُسَنُّ لَهُ عِنْدَئِذٍ الاِضْطِبَاعُ وَالرَّمَل فِي الطَّوَافِ، لأَِنَّ الرَّمَل وَالاِضْطِبَاعَ سُنَّةٌ فِي كُل طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ (٢) .
ثَانِيًا: خُطَبُ الإِْمَامِ:
٩٢ - وَهِيَ سُنَّةٌ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَأَرْبَعَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ،
_________
(١) انظر مناقشة هامة لهذا الاتجاه في المغني ٣ / ٤٤٣.
(٢) انظر في طواف القدوم مع الإحالات السابقة: الهداية وشروحها ٢ / ١٥٥، ١٩١، والبدائع ٢ / ١٤٦ - ١٤٧، وشرح الرسالة ١ / ٤٦٥، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٦٥، والشرح الكبير ٢ / ٣٣ - ٣٤، والمهذب ٨ / ١٢، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٠٤ - ٤٠٥، والمغني ٣ / ٤٤٢ - ٤٤٣، والكافي ١ / ٦٠٨ - ٦٠٩، والمقنع وشرحه ص ٤٥٥، ونيل الأوطار ٥ / ٣٨.
وَتُؤَدَّى الْخُطَبُ كُل وَاحِدَةٍ خُطْبَةً وَاحِدَةً بَعْدَ صَلاَةِ الظُّهْرِ، إِلاَّ خُطْبَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنَّهَا خُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَال قَبْل الصَّلاَةِ.
وَيَفْتَتِحُ الْخُطْبَةَ بِالتَّلْبِيَةِ إِنْ كَانَ مُحْرِمًا، وَبِالتَّكْبِيرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا.
الْخُطْبَةُ الأُْولَى:
٩٣ - تُسَنُّ هَذِهِ الْخُطْبَةُ فِي مَكَّةَ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَبْل يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهَا أَنْ يُعَلِّمَهُمُ الْمَنَاسِكَ (١) . عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ قَبْل التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ خَطَبَ النَّاسَ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَنَاسِكِهِمْ (٢) .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
٩٤ - وَتُسَنُّ هَذِهِ الْخُطْبَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ، قَبْل الصَّلاَةِ اتِّفَاقًا، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ.
_________
(١) هذه الخطبة مندوبة في قول عند المالكية، لكن رجح في مواهب الجليل سنيتها ٣ / ١١٧ وأنها خطبتان بعد الزوال، وقيل ضحى.
(٢) حديث ابن عمر: " كان رسول الله ﷺ إذا كان قبل يوم التروية. . . " أخرجه البيهقي (٥ / ١١١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وجود إسناده النووي، المجموع (٨ / ٨٠، ٨٨ - ط المنيرية) وانظر شرح المنهاج ٢ / ١١٢ - ١١٣، والهداية ٢ / ١٦١، والمسلك المتقسط ص ١٢٥ مع إرشاد الساري بذيله، والشرح الكبير ٢ / ٤٣، ورجح أنها خطبتان.
وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ خُطْبَتَانِ يُفْصَل بَيْنَهُمَا بِجَلْسَةٍ كَمَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، يُبَيِّنُ لَهُمْ فِي أُولاَهُمَا مَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْمَنَاسِكِ وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى إِكْثَارِ الدُّعَاءِ وَالاِبْتِهَال، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُهِمُّهُمْ مِنَ الأُْمُورِ الضَّرُورِيَّةِ لِشُؤُونِ دِينِهِمْ، وَاسْتِقَامَةِ أَحْوَالِهِمْ (١) .
الْخُطْبَةُ الثَّالِثَةُ:
٩٥ - الْخُطْبَةُ الثَّالِثَةُ تَكُونُ بِمِنًى فِي الْيَوْمِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا تَكُونُ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ.
اسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى (٢) .
وَأَجَابَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْخُطْبَةِ التَّعْلِيمُ وَإِجَابَةٌ عَنْ أَسْئِلَةٍ وُجِّهَتْ إِلَيْهِ ﷺ وَيَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ اشْتِغَالٍ بِأَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ وَهِيَ الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ (٣) .
_________
(١) الهداية وفتح القدير ٢ / ١٦٣، والمسلك المتقسط الموضع السابق، والمهذب ٨ / ٨٨، وشرح المنهاج ٢ / ١١٣.
(٢) حديث: " خطب يوم النحر بمنى " أخرجه أبو داود (٢ / ٤٨٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث الهرماس بن زياد الباهلي، قال الشوكاني في نيل الأوطار (٣ / ٣٠٦ - ط المطبعة العثمانية) " رجال إسناده ثقات ".
(٣) نيل الأوطار ٣ / ٣٠٧، وانظر الهداية بشرحها ٢ / ١٦١، ومواهب الجليل ٣ / ١١٧، وشرح المنهاج ٢ / ١٢١، والمغني ٣ / ٤٤٥، والفروع ٣ / ٥١٦.
الْخُطْبَةُ الرَّابِعَةُ:
٩٦ - زَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ خُطْبَةً رَابِعَةً: هِيَ بِمِنًى ثَانِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا جَوَازَ النَّفْرِ فِيهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَيُوَدِّعُهُمْ (١) .
ثَالِثًا: الْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ:
٩٧ - يُسَنُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيُصَلِّيَ بِمِنًى خَمْسَ صَلَوَاتٍ هِيَ: الظُّهْرُ، وَالْعَصْرُ، وَالْمَغْرِبُ، وَالْعِشَاءُ، وَالْفَجْرُ، وَذَلِكَ سُنَّةٌ بِاتِّفَاقِ الأَْئِمَّةِ (٢) .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ (٣) .
_________
(١) شرح المنهاج الصفحة السابقة ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٣، والفروع ٣ / ٥٢٠.
(٢) الهداية وفتح القدير ٢ / ١٦١ - ١٦٢، والمسلك المتقسط ص ٥١، ١٢٧ - ١٢٨ وشرح المنهاج الموضع السابق، والمغني ٣ / ٤٠٦، وشرح الحطاب ٣ / ١٥٧ فقد نبه على أنها من السنن، وإن عبر خليل عنها بالندب. وانظر شرح الرسالة بحاشيته ١ / ٤٧٢ - ٤٧٣.
(٣) حديث جابر: " فلما كان يوم التروية. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٩ - ١٩٢ - ط الحلبي) .
رَابِعًا: السَّيْرُ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ:
٩٨ - السَّيْرُ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ صَبَاحًا بَعْدَ طُلُوعِ شَمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .
وَالأَْصْل فِيهِ فِعْلُهُ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ (٢) وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ فَسَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ. . . فَأَجَازَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ. . (٣)
خَامِسًا: الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ:
٩٩ - يُسَنُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يَبِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ عِيدِ النَّحْرِ، وَيَمْكُثَ بِهَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ يَقِفَ لِلدُّعَاءِ وَيَمْكُثَ فِيهَا حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا، ثُمَّ يَدْفَعَ إِلَى مِنًى فَهَذَا سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٤) .
_________
(١) المسلك المتقسط ص ٥١، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٦، والشرح الكبير ٢ / ٤٣ مع تنبيه الحطاب على سنيته ٣ / ١١٧، والمغني ٣ / ٤٠٧.
(٢) أي طلعت الشمس والنبي ﷺ بمنى، فسار إلى عرفة بعد طلوعها.
(٣) حديث جابر: " ثم مكث قليلا. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٩ - ط الحلبي) .
(٤) المسلك المتقسط ص ٥١ - ٥٢، والمجموع ٨ / ١٢٩، والشرح الكبير ٢ / ٤٤، والمغني ٣ / ٤٢٣، أما التعبير بوجوب المبيت فالمراد به ما يصدق على الوقف فتنبه.
إِنَّمَا الْوَاجِبُ الْوُقُوفُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ لِفِعْلِهِ ﷺ: قَال جَابِرٌ: حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ. . . (١)
مُسْتَحَبَّاتُ الْحَجِّ:
١٠٠ - مُسْتَحَبَّاتُ الْحَجِّ يَحْصُل بِهَا الأَْجْرُ لَكِنْ دُونَ أَجْرِ السُّنَّةِ، وَلاَ يَلْزَمُ تَارِكَهَا الإِْسَاءَةُ بِخِلاَفِ السُّنَّةِ.
وَمُسْتَحَبَّاتُ الْحَجِّ كَثِيرَةٌ نَذْكُرُ طَائِفَةً هَامَةً مِنْهَا فِيمَا يَلِي (٢):
أَوَّلًا: الْعَجُّ:
١٠١ - وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ بِاعْتِدَالٍ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِلرِّجَال، عَمَلًا بِحَدِيثِ السَّائِل: أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَل؟ قَال ﷺ: الْعَجُّ، وَالثَّجُّ (٣) .
_________
(١) حديث جابر: " حتى أتى المزدلفة فصلى بها. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٩١ - ط الحلبي) .
(٢) اعتمدنا في ذلك على سرد المسلك المتقسط ص ٥٢ - ٥٣، وننبه إلى أن الشافعية يسوون المستحب بالسنة.
(٣) حديث: " أفضل الحج: العج والثج " أخرجه الترمذي (٣ / ١٨٠ - ط الحلبي) من حديث أبي بكر الصديق، وأعله بالانقطاع ولكن له شاهد من حديث عبد الله بن مسعود عند أبي يعلى في مجمع الزوائد للهيثمي (٣ / ٢٢٤ - ط القدسي) وقال: (وفيه رجل ضعيف) .
ثَانِيًا: الثَّجُّ:
١٠٢ - وَهُوَ ذَبْحُ الْهَدْيِ تَطَوُّعًا
، لِمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ جِدًّا، حَتَّى بَلَغَ مَجْمُوعُ هَدْيِهِ فِي حَجَّتِهِ مِائَةً مِنَ الإِْبِل (١) .
قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ بِحَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ أَنْ يُهْدِيَ هَدْيًا مِنَ الأَْنْعَامِ، وَنَحْرُهُ هُنَاكَ، وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ الْمَوْجُودِينَ فِي الْحَرَمِ (٢) "
ثَالِثًا: الْغُسْل لِدُخُول مَكَّةَ لِلآْفَاقِيِّ:
١٠٣ - وَذَلِكَ عِنْدَ ذِي طُوًى، كَمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَدَاخِل مَكَّةَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ: كَانَ يَغْتَسِل لِدُخُول مَكَّةَ (٣) ".
رَابِعًا: الْغُسْل لِلْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْل:
١٠٤ - صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، حَتَّى جَعَل
_________
(١) حديث: بلغ مجموع هديه في حجته مائة من الإبل. ورد ذلك في حديث جابر في صحيح مسلم (٢ / ٨٨٩ - ٨٩٢ - ط الحلبي) .
(٢) المجموع ٨ / ٢٦٩، وانظر الهداية وشرحها ٢ / ٣٢٢ و٨ / ٧٦ - ٧٧، والمسلك المتقسط ص ٥٢، وصرح الحنابلة بأنه سنة، انظر مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى ٢ / ٤٦١.
(٣) حديث: " كان يغتسل لدخول مكة " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٣٥ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩١٩ - ط الحلبي) وانظر المسلك المتقسط ص ٥٢، والشرح الكبير ٢ / ٣٨، ومغني المحتاج ١ / ٤٨٣، والمغني ٣ / ٣٦٨.
الشَّافِعِيَّةُ التَّيَمُّمَ بَدِيلًا عَنْهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْمَاءِ
قَال النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِل بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْل، لِلْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَلِلْعِيدِ، وَلِمَا فِيهَا مِنَ الاِجْتِمَاعِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْمَاءِ تَيَمَّمَ كَمَا سَبَقَ (١) ".
خَامِسًا: التَّعْجِيل بِطَوَافِ الإِْفَاضَةِ:
١٠٥ - وَذَلِكَ بِأَدَائِهِ يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ، اتِّبَاعًا لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ. كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (٢)
سَادِسًا: الإِْكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّلْبِيَةِ وَالأَْذْكَارِ الْمُتَكَرِّرَةِ فِي الأَْحْوَال:
١٠٦ - كَالأَْدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ فِي الْمَنَاسِكِ، وَلاَ سِيَّمَا وُقُوفُ عَرَفَةَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَهَذَا بِهِ رَوْحُ شَعَائِرِ الْحَجِّ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّمَا جُعِل رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ (٣) .
_________
(١) المجموع ٨ / ١٢٩، والمسلك المتقسط الموضع السابق، زاد الشافعية الغسل للرمي في أيام التشريق، وجعلوا أغسال الحج سبعة انظر مغني المحتاج ١ / ٤٧٨ - ٤٧٩.
(٢) حديث: " أدى طواف الإفاضة في يوم النحر. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٩٢ - ط الحلبي)، وانظر المسلك المتقسط، الشرح الكبير ٢ / ٤٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٠٣، وعبر عنه بالأفضل، والمغني ٣ / ٤٤٠ - ٤٤١.
(٣) حديث: " إنما جعل رمي الجمار والسعي. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٤٤٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس والترمذي (٣ / ٢٣٧ - ط الحلبي) من حديث عائشة، وذكر الذهبي في الميزان (٣ / ٨ - ط الحلبي) تضعيف أحد رواته، ثم ذكر من مناكير هذا الحديث.
سَابِعًا: التَّحْصِيبُ:
١٠٧ - وَهُوَ النُّزُول بِوَادِي الْمُحَصَّبِ، أَوِ الأَْبْطُحِ (١) فِي النَّفْرِ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْمَنَاسِكِ، وَيَقَعُ الْمُحَصَّبُ عِنْدَ مَدْخَل مَكَّةَ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، إِلَى الْمَقْبَرَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْحَجُونِ. وَقَدِ اتَّصَل بِنَاءُ مَكَّةَ بِهِ فِي زَمَنِنَا بَل تَجَاوَزَهُ لِمَا وَرَاءَهُ.
وَالتَّحْصِيبُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، بِأَنْ يَنْزِل الْحَاجُّ فِيهِ فِي نَفْرِهِ مِنْ مِنًى وَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ (٢) . اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّمَا نَزَل رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُحَصَّبَ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ فَمَنْ شَاءَ نَزَلَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْهُ (٣)
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى السُّنِّيَّةِ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِل غَدًا فِي حَجَّتِهِ. قَال: وَهَل تَرَكَ عَقِيلٌ لَنَا مِنْ دَارٍ ثُمَّ قَال: نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِي
_________
(١) سمي محصبا لكثرة الحصباء فيه وهي الحصي الصغيرة، كذا سمي الأبطح من البطحاء وهي الحصي الصغار، وكان مسيلا لوادي مكة تجرف السيسول الرمال والحصي. ويقع الآن بين القصر الملكي وجبانة المعلى.
(٢) شرح الرسالة ١ / ٤٨١، والشرح الكبير ٢ / ٥٢ - ٥٣، والمهذب بشرحه ٨ / ١٩٥ - ١٩٦، والمغني ٣ / ٤٥٧.
(٣) حديث عائشة: " إنما نزل رسول الله ﷺ المحصب. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٩١ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٥١ - ط الحلبي) .
كِنَانَةَ، حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ (١)
وَحَيْثُ أَصْبَحَ الْمُحَصَّبُ الآْنَ ضِمْنَ الْبُنْيَانِ فَيَمْكُثُ الْحَاجُّ فِيهِ مَا تَيَسَّرَ تَحْصِيلًا لِلسُّنَةِ قَدْرَ الإِْمْكَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي يُثِيرُ تِلْكَ الذِّكْرَى مِنْ جِهَادِ النَّبِيِّ ﷺ.
مَمْنُوعَاتُ الْحَجِّ:
١٠٨ - مَمْنُوعَاتُ الْحَجِّ أَقْسَامٌ: مَكْرُوهَاتٌ، وَمُحَرَّمَاتٌ، وَمُفْسِدَاتٌ.
أَمَّا الْمَكْرُوهَاتُ: فَهِيَ تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَلْزَمُ فِيهِ الإِْسَاءَةُ، وَلاَ يَجِبُ فِدَاءٌ.
وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ: فَيَدْخُل فِيهَا تَرْكُ الْوَاجِبَاتِ، وَيُسَمِّيهِ الْحَنَفِيَّةُ: مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ. وَحُكْمُهُ إِثْمُ مَنِ ارْتَكَبَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَلُزُومُ الْفِدَاءِ فِيهِ اتِّفَاقًا عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:
أَمَّا الْمُفْسِدَاتُ وَسَائِرُ مُحَرَّمَاتِ الْحَجِّ فَإِنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالإِْحْرَامِ لاَ تَخْتَصُّ بِالْحَجِّ (٢) . (انْظُرْ فِي الْمُصْطَلَحِ: إِحْرَامٌ ف ٥٥ وَمَا بَعْدُ وَ١٧١ - ١٧٣) .
_________
(١) حديث: " وهل ترك عقيل لنا من دار. . " أخرجه مسلم (٢ / ٩٥٢ - ط الحلبي) وأبو داود (٢ / ٥١٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، واللفظ لأبي داود.
(٢) كما أوضح ذلك رحمة الله السندي في لباب المناسك وعلي القاري في شرحه " المسلك المتقسط " ص ٥٣.