الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
ح - الْحَبْسُ بِالإِْقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ فِي الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ:
١٠٨ - يَجُوزُ الْحَبْسُ بِالإِْقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ فِي الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ مَنْ ضَرَبَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ عُزِّرَ، وَصَحَّ حَبْسُهُ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ بِأَنْ يُمْنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهُ. وَلِلإِْمَامِ حَبْسُ الْعَائِنِ فِي مَنْزِل نَفْسِهِ سِيَاسَةً وَيُمْنَعُ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ (١) .
حَبْسُ الْمَرِيضِ:
١٠٩ - بَحَثَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسْأَلَةِ حَبْسِ الْمَدِينِ الْمَرِيضِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الْجُمْهُورِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمَرَضَ لاَ يُعْتَبَرُ مِنْ مَوَانِعِ الْحَبْسِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمَرِيضَ الْمَدِينَ لاَ يُحْبَسُ، بَل يُوَكَّل بِهِ وَيُسْتَوْثَقُ عَلَيْهِ. أَمَّا الْجَانِي الْمَرِيضُ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَا يَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَبْسِهِ (٢) .
إِخْرَاجُ الْمَرِيضِ مِنْ سِجْنِهِ إِذَا خِيفَ عَلَيْهِ:
١١٠ - إِذَا مَرِضَ الْمَحْبُوسُ فِي سِجْنِهِ وَأَمْكَنَ عِلاَجُهُ فِيهِ فَلاَ يَخْرُجُ لِحُصُول الْمَقْصُودِ (٣) . وَلاَ
_________
(١) الدر المختار ٤ / ٦٦، وفتح الباري ١٠ / ٢٠٥، وشرح النووي لمسلم ١ / ١٧٣، وحاشية الصعيدي على كفاية الطالب ٢ / ٤١٠، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٣٦٤، وحاشية الباجوري ٢ / ٢٢٧، وإعانة الطالبين للبكري ٤ / ١٣٢، والفروع ٦ / ١١٢.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٨، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٢٨١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤٩١، وحاشية الجمل ٥ / ٣٤٦، والإنصاف ٥ / ٢٧٧ - ٢٨٠.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٨، والهداية ٣ / ٢٣١، وشرح أدب القاضي للخصاف ٢ / ٣٧٤ - ٣٧٥.
يُمْنَعُ الطَّبِيبُ وَالْخَادِمُ مِنَ الدُّخُول عَلَيْهِ لِمُعَالَجَتِهِ وَخِدْمَتِهِ؛ لأَِنَّ مَنْعَهُ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ يُفْضِي إِلَى هَلاَكِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَلِلْفُقَهَاءِ أَقْوَالٌ فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحَبْسِ إِذَا لَمْ تُمْكِنْ مُعَالَجَتُهُ وَرِعَايَتُهُ فِيهِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يُخْرَجُ مِنْ حَبْسِهِ لِلْعِلاَجِ وَالْمُدَاوَاةِ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَالْخَصَّافِ وَابْنِ الْهُمَامِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ يُخْرَجُ إِلاَّ بِكَفِيلٍ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
الْقَوْل الثَّالِثُ: يُعَالَجُ فِي الْحَبْسِ وَلاَ يُخْرَجُ، وَالْهَلاَكُ فِي الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
وَقَدِ اهْتَمَّ الْمُسْلِمُونَ مُنْذُ الْقَدِيمِ بِرِعَايَةِ الْمَرْضَى فِي السُّجُونِ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُمَّالِهِ: انْظُرُوا مَنْ فِي السُّجُونِ وَتَعَهَّدُوا الْمَرْضَى.
وَفِي زَمَنِ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِرِ خُصِّصَ بَعْضُ الأَْطِبَّاءِ لِلدُّخُول عَلَى الْمَرْضَى فِي السُّجُونِ كُل يَوْمٍ، وَحَمْل الأَْدْوِيَةِ وَالأَْشْرِبَةِ لَهُمْ وَرِعَايَتِهِمْ وَإِزَاحَةِ عِلَلِهِمْ (١) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٨، والفتاوى الهندية ٤ / ٤١٨، ٥ / ٦٣، وشرح أدب القاضي للخصاف ٢ / ٣٧٥، وفتح القدير ٥ / ٤٧١، وجواهر الإكليل ٢ / ٩٣، وأسنى المطالب ٤ / ١٣٣، وحاشية القليوبي ٢ / ٢٩٢، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٨١ - ٢٨٢، وطبقات ابن سعد ٥ / ٣٥٦، وعيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ٣٠١ - ٣٠٢.
لِلْفُقَهَاءِ قَوْلاَنِ فِي تَمْكِينِ الْمَحْبُوسِ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يُمْنَعُ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ لِيَضْجَرَ قَلْبُهُ وَيَنْزَجِرَ إِنْ رَأَى الْحَاكِمُ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ، هَذَا قَوْل أَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقَوْل عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ لأَِهَمِّيَّتِهَا، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلاَمِ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَبِهِ قَال الْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ السَّرَخْسِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْبُوَيْطِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ (٢) .
١١٢ - وَإِذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ الْجُمُعَةِ فِي السِّجْنِ وَأَمْكَنَ أَدَاؤُهَا فِيهِ لَزِمَتِ السُّجَنَاءَ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ حَزْمٍ، وَقَالُوا: يُقِيمُهَا لَهُمْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، والمبسوط ٢٠ / ٩٠، ٢٣٦، والمغني ٢ / ٣٣٩، والمعيار ١ / ٤١٦، والقوانين الفقهية ص ٥٥، وأسنى المطالب ٢ / ١٨٨، وحاشية الرملي ١ / ٢٦٢، وحاشية الباجوري ١ / ٢١٢.
(٢) غاية المنتهى للكرمي ١ / ٢٠٦، وحاشية الباجوري ١ / ٢١٢، وروضة الطالبين ٤ / ١٤٠، وطبقات الشافعية للسبكي ١ / ٢٧٦، والفوائد البهية للكنوي ص ١٣٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٩٤، وحاشية الشرواني ٥ / ١٤٣.
مَنْ يَصْلُحُ لَهَا مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَهْل الْبَلَدِ، وَيُتَّجَهُ وُجُوبُ نَصْبِهِ عَلَى الْحَاكِمِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول بِالْجُمُعَةِ عَلَى أَهْل السُّجُونِ، وَخَالَفَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فَقَال: لَيْسَ عَلَى أَهْل السُّجُونِ جُمُعَةٌ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ جَوَازُ فِعْل الْمَحْبُوسِينَ لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوُا الظُّهْرَ فُرَادَى (١) .
تَشْغِيل الْمَحْبُوسِ:
١١٣ - لِلْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي تَمْكِينِ الْمَحْبُوسِ مِنَ الْعَمَل فِي الْحَبْسِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ مِنَ الْعَمَل فِي حَبْسِهِ وَيُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ (٢) .
الْقَوْل الثَّانِي: يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ مِنَ الْعَمَل فِي حَبْسِهِ وَلاَ يُمَكَّنُ مِنْهُ؛ لِئَلاَّ يَهُونَ عَلَيْهِ الْحَبْسُ وَلِيَضْجَرَ قَلْبُهُ فَيَنْزَجِرَ، وَإِلاَّ صَارَ الْحَبْسُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَانُوتِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِ
_________
(١) الهداية ١ / ٦٣، والمبسوط ٢ / ٣٦، وحاشية الباجوري ١ / ١٦٣ - ١٦٤، وحاشية الرملي ١ / ٢٦٢، والمحلى لابن حزم ٥ / ٤٩ - ٥٠، والمصنف لابن أبي شيبة ٢ / ١٦٠.
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٤١٨، والدر المختار وحاشيته ٥ / ٣٧٩، وأسنى المطالب مع حاشية الرملي ٢ / ١٨٨ - ١٨٩ و١٩٤، والبحر الزخار ٥ / ٨٢، والمغني ٤ / ٤٩٥.
الْحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَال غَيْرُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ (١) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: يُتْرَكُ تَمْكِينُ الْمَحْبُوسِ مِنَ الْعَمَل فِي حَبْسِهِ لِتَقْدِيرِ الْحَاكِمِ وَاجْتِهَادِهِ، وَبِهِ قَال الْمُرْتَضَى (٢) .
أَحْكَامُ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَحْبُوسِ:
١١٤ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الْعَدِيدَ مِنْ أَحْكَامِ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَحْبُوسِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالأُْمُورِ الْمَالِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ وَالْجِنَائِيَّةِ وَالأَْحْوَال الشَّخْصِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا بَيَانُهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
التَّصَرُّفَاتُ الْمَالِيَّةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْمَحْبُوسِ:
بَيْعُ الْمَحْبُوسِ مَالَهُ مُكْرَهًا:
١١٥ - لِلْمَحْبُوسِ التَّصَرُّفُ بِمَالِهِ بَيْعًا أَوْ شِرَاءً وَنَحْوَهُ بِحَسَبِ مَا يَرَى؛ لأَِنَّ الْحَبْسَ لاَ يُوجِبُ بُطْلاَنَ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ. فَإِنْ أُكْرِهَ بِالْحَبْسِ عَلَى الْبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ أَوِ التَّأْجِيرِ فَلَهُ الْفَسْخُ بَعْدَ زَوَال الإِْكْرَاهِ لاِنْعِدَامِ الرِّضَا (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ إِكْرَاهٌ.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٧٨، والفتاوى الهندية ٣ / ٤١٨، ٥ / ٦٣، والبحر الزخار ٥ / ٨٢.
(٢) البحر الزخار ٥ / ٨٢، وترى اللجنة أن الأخذ بهذا الرأي هو الأوفق إذا روعي في ذلك المصلحة العامة والخاصة.
(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١٧٤، والمغني ٤ / ٤٨٤ - ٤٨٦، والاختيار ٢ / ١٠٥، والهداية ٣ / ٢٢٢، وجواهر الإكليل ١ / ٣٤٠.
الرُّجُوعُ عَلَى الْمَحْبُوسِ بِالْمَال الْمَدْفُوعِ عَنْهُ لِتَخْلِيصِهِ:
١١٦ - ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ فَدَفَعَ عَنْهُ قَرِيبُهُ مَا خَلَّصَهُ بِهِ مِنَ الْحَبْسِ ثُمَّ سَكَتَ وَلَمْ يُطَالِبْهُ بِالْمَدْفُوعِ حَتَّى مَاتَ، فَقَامَ وَلَدُهُ يُطَالِبُ بِالْمَدْفُوعِ وَأَنَّهُ سَلَفٌ، وَالْمَحْبُوسُ الْمُفْتَدَى يَدَّعِي أَنَّهُ هِبَةٌ، فَالْحُكْمُ أَنَّ عَلَى مُدَّعِي الْهِبَةِ الْبَيِّنَةَ، وَلاَ حُجَّةَ بِسُكُوتِ الدَّافِعِ عَنْهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ لَزِمَ فِي ذِمَّتِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ إِذَا أُكْرِهَ قَرِيبٌ أَوْ صَدِيقٌ وَنَحْوُهُ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ عَنْ مَحْبُوسٍ فَدَفَعَهُ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَحْبُوسِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ؛ لأَِنَّ الإِْكْرَاهَ وَالدَّفْعَ بِسَبَبِهِ، فَلاَ يَذْهَبُ الْمَال هَدْرًا، وَلأَِنَّ النُّفُوسَ وَالأَْمْوَال يَعْتَرِيهَا مِنَ الضَّرَرِ وَالْفَسَادِ مَا لاَ يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِأَدَاءِ مَالٍ عَنْهَا. وَلَوْ عَلِمَ الْمُؤَدِّي أَنَّهُ لاَ يَسْتَرِدُّ مَا دَفَعَهُ مِنَ الْمَحْبُوسِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ لَمْ يَفْعَل، وَإِذَا لَمْ يُقَابِل الْمَحْبُوسُ الإِْحْسَانَ بِمِثْلِهِ فَهُوَ ظَالِمٌ، وَالظُّلْمُ حَرَامٌ، وَالأَْصْل فِي هَذَا اعْتِبَارُ الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ فِي التَّصَرُّفَاتِ (١) .
رَهْنُ الْمُفْلِسِ الْمَحْبُوسِ مَالَهُ:
١١٧ - الأَْصْل عَدَمُ تَمْكِينِ الْمُفْلِسِ الْمَحْبُوسِ مِنَ التَّصَرُّفِ بِمَالِهِ أَوْ رَهْنِهِ، فَإِنْ وَقَعَ تَصَرُّفُهُ لَمْ يَبْطُل
_________
(١) المعيار ٥ / ١٨٤، والمظالم المشتركة لابن تيمية ص ٤٦ - ٤٨.
بَل يُوقَفُ عَلَى نَظَرِ الْحَاكِمِ وَالْغُرَمَاءِ. وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَال الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُمْنَعُ مِنَ الرَّهْنِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، وَإِنَّمَا لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي حَبْسِهِ لِيُضْجِرَهُ فَيُسَارِعَ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ (١) .
مَا يَجِبُ عَلَى الْمُودَعِ إِذَا عَجَزَ عَنْ رَدِّ الْوَدِيعَةِ إِلَى مَالِكِهَا الْمَحْبُوسِ:
١١٨ - إِذَا طَرَأَ عُذْرٌ لِلْمُودَعِ كَسَفَرٍ أَوْ خَوْفِ حَرِيقٍ وَهَدْمٍ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إِلَى مَالِكِهَا، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ مَحْبُوسًا لاَ يَصِل إِلَيْهِ سَلَّمَهَا إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً كَزَوْجَتِهِ وَأَجِيرِهِ، وَإِلاَّ دَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَوْدَعَهَا ثِقَةً وَأَشْهَدَ بَيِّنَةً عَلَى عُذْرِهِ؛ لأَِنَّهُ يَدَّعِي ضَرُورَةً مُسْقِطَةً لِلضَّمَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالصَّاحِبَيْنِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا مَا لَمْ يَنْهَهُ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَدِيعَةٌ) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٧٤، والهداية ٣ / ٢٣٠، والشرح الكبير ٣ / ٢٦٥، وحاشية القليوبي ٢ / ٢٨٥، وغاية المنتهى للكرمي ٢ / ١٢٦ - ١٢٩، وأسنى المطالب ٣ / ٢٤٥، ومنهاج الطالبين ٣ / ٣٠٨، والإنصاف ٨ / ٣٩٢.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٢٤، وأسنى المطالب وحاشية الرملي ٣ / ٧٦، والهداية ٣ / ١٧٣، وتبيين الحقائق للزيلعي ٥ / ٧٩، والإنصاف ٦ / ٣٢٦ - ٣٢٩.
هِبَةُ الْمَحْبُوسِ الْمَحْكُومِ بِقَتْلِهِ مَالَهُ لِغَيْرِهِ:
١١٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْسِيرَ أَوِ الْمَحْبُوسَ عِنْدَ مَنْ عَادَتُهُ الْقَتْل إِذَا وَهَبَ مَالَهُ لِغَيْرِهِ لاَ تَصِحُّ عَطِيَّتُهُ إِلاَّ مِنَ الثُّلُثِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ مَرَضِ الْمَوْتِ.
تَمْكِينُ الْمَحْبُوسِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ:
١٢٠ - لِلْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي تَمْكِينِ الْمَحْبُوسِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي الْحَبْسِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَوْضِعٌ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَإِلاَّ مُنِعَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَاسْتَظْهَرَهُ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ قَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ فَكَذَا شَهْوَةُ الْفَرْجِ؛ إِذْ لاَ مُوجِبَ لِسُقُوطِ حَقِّهِ فِي الْوَطْءِ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَصْلُحَ الْمَوْضِعُ سَكَنًا لِمِثْل الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ (٢) .
_________
(١) المغني ٦ / ٨٨، وكشاف القناع ٤ / ٣٢٥، والشرح الكبير مع الدسوقي ٣ / ٣٠٦ - ٣٠٧، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٦٦١، وأسنى المطالب ٣ / ٣٨، وحاشية القليوبي ٣ / ١٦٣ - ١٦٤.
(٢) المغني ٧ / ٣٤ - ٣٥، والهداية ٣ / ٢٣١، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٣٢ و٥ / ٣٧٨، وشرح أدب القاضي للخصاف ٢ / ٣٧٦ - ٣٧٧، وأسنى المطالب مع حاشية الرملي ٢ / ١٨٨، ٤ / ٣٠٦، وحاشية القليوبي ٣ / ٣٠٠، وفتح القدير ٥ / ٤٧١، والفتاوى الهندية ٣ / ٤١٨ و٥ / ٦٣، والفتاوى البزازية ٥ / ٢٢٥، والبحر الزخار ٥ / ١٣٩.
الْقَوْل الثَّانِي: يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ؛ لأَِنَّ مِنْ غَايَاتِ الْحَبْسِ إِدْخَال الضِّيقِ وَالضَّجَرِ عَلَى قَلْبِهِ لِرَدْعِهِ وَزَجْرِهِ، وَلاَ تَضْيِيقَ مَعَ تَمْكِينِهِ مِنَ اللَّذَّةِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّرَفُّهِ، وَالْوَطْءُ إِنَّمَا هُوَ لِذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَوَائِجِ الأَْصْلِيَّةِ كَالطَّعَامِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْل بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: أَنَّ الْمَحْبُوسَ لاَ يُمْنَعُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ فِي مَكَانٍ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِذَا حُبِسَ بِحَقِّهَا؛ لأَِنَّهَا إِذَا شَاءَتْ لَمْ تَحْبِسْهُ، فَلاَ تُفَوِّتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فِي الْوَطْءِ (١) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: الأَْصْل فِي وَطْءِ الْمَحْبُوسِ زَوْجَتَهُ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلاَ يُمْنَعُ مِنْهُ إِلاَّ إِذَا اقْتَضَتْ ذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ وَرَآهُ الْقَاضِي كَمَا لَوْ رَأَى مَنْعَهُ مِنْ مُحَادَثَةِ الأَْصْدِقَاءِ أَوْ قَفْل بَابِ الْحَبْسِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
إِنْفَاقُ الْمَحْبُوسِ عَلَى زَوْجَتِهِ:
١٢١ - لاَ يَمْنَعُ الْحَبْسُ مِنْ إِنْفَاقِ الْمَحْبُوسِ عَلَى زَوْجَتِهِ؛ لأَِنَّهُ وُجِدَ الاِحْتِبَاسُ وَالتَّمْكِينُ مِنْ
_________
(١) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٢٨١، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٠٥، ومعيد النعم للسبكي ص ١٠٩، والمواضع السابقة في فتح القدير وحاشية ابن عابدين والفتاوى الهندية والفتاوى البزازية.
(٢) حاشية القليوبي ٢ / ٣٩٢، وأسنى المطالب مع حاشية الرملي ٢ / ١٨٨، ٤ / ٣٠٦، وحاشية الجمل ٥ / ٣٤٦، وحاشية الشبراملسي ٤ / ٣٢٤ طبعة مصطفى البابي الحلبي.
جِهَتِهَا، وَمَا تَعَذَّرَ فَهُوَ مِنْ جِهَتِهِ. وَقَدْ فَوَّتَ حَقَّ نَفْسِهِ فَلاَ يَمْنَعُ الْحَبْسُ مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا.
وَنَصَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ إِذَا حُبِسَ الزَّوْجُ بِحَقِّهَا لِفَوَاتِ التَّمْكِينِ مِنْ قِبَلِهَا. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: لاَ تَسْقُطُ النَّفَقَةُ لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَالٌ وَأَخْفَاهُ عَنْهَا (١) .
إِنْفَاقُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ الْمَحْبُوسَةِ:
١٢٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ الْمَحْبُوسَةِ فِي دَيْنٍ وَلَوْ ظُلْمًا بِأَنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً لِفَوَاتِ الاِحْتِبَاسِ وَكَوْنِ الاِمْتِنَاعِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُمَاطِلَةً، سَوَاءٌ كَانَ الْحَبْسُ فِي دَيْنِ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ الاِمْتِنَاعَ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٦٠، ٣٩٠، ٥٧٨، والشرح الكبير للدردير ٢ / ٥١٧، والمعيار ٣ / ٢٣٢، وبدائع الصنائع ٧ / ١٧٥، وغاية المنتهى للكرمي ٣ / ٢٣١، ٢٣٩، وأسنى المطالب ٣ / ٤٣٤، وحاشية القليوبي ٢ / ٢٩٠، ٤ / ٧٨.
(٢) الهداية ٢ / ٣٤، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٥٧٨، والإنصاف ٩ / ٣٨١، وغاية المنتهى ٣ / ٢٣٠، وحاشية القليوبي ٤ / ٧٨، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٥١٧، وأسنى المطالب ٣ / ٤٣٤.