الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
وَفَرَّقَ النَّوَوِيُّ بَيْنَ حَبْسِ الزَّوْجَةِ الْمُقِرَّةِ بِدَيْنٍ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا وَبَيْنَ حَبْسِ مَنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى اسْتِدَانَتِهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ الْمَحْبُوسَةِ بِسَبَبِ رِدَّتِهَا (١) .
احْتِسَابُ مُدَّةِ حَبْسِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ فِي الإِْيلاَءِ:
١٢٣ - إِذَا آلَى الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَكَانَ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ حُسِبَتْ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ إِيلاَئِهِ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ وَلَيْسَتْ مِنْ جِهَتِهَا. وَإِنْ طَرَأَ الْحَبْسُ بَعْدَ الإِْيلاَءِ لَمْ تَنْقَطِعِ الْمُدَّةُ بَل تُحْسَبُ أَيْضًا، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٢) .
أَمَّا إِذَا كَانَتْ زَوْجَةُ الْمُولِي مَحْبُوسَةً أَوْ طَرَأَ الْحَبْسُ عَلَيْهَا بَعْدَ الإِْيلاَءِ فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ، وَلاَ تُحْسَبُ مُدَّةُ الْحَبْسِ مِنْ مُهْلَةِ الأَْشْهُرِ الأَْرْبَعَةِ لِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ مِنْ جِهَتِهَا كَالْمَرِيضَةِ، وَتَسْتَأْنِفُ الْمُدَّةَ عِنْدَ زَوَال الْعُذْرِ. وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْقَوْل الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ: إِنَّ الْحَبْسَ يُحْتَسَبُ كَالْحَيْضِ (٣) .
_________
(١) روضة الطالبين للنووي ٤ / ١٤٠، والهداية ٢ / ٣٨.
(٢) المغني ٧ / ٣٢١، والفتاوى الهندية ١ / ٤٨٦، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٤٣٧، وأسنى المطالب ٣ / ٣٥٥.
(٣) الإنصاف ٩ / ١١٤، والأم للشافعي ٥ / ٢٩٢، وأسنى المطالب ٣ / ٣٥٥، والشرح الكبير ٢ / ٤٣٥ - ٤٣٧، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٢.
فَيْئَةُ الْمَحْبُوسِ مِنَ الإِْيلاَءِ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوَطْءُ:
١٢٤ - الأَْصْل أَنْ تَحْصُل الْفَيْئَةُ مِنَ الإِْيلاَءِ بِالْوَطْءِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) . فَإِنْ كَانَ الْمُولِي مَحْبُوسًا وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوَطْءُ فَفَيْئَتُهُ بِلِسَانِهِ كَأَنْ يَقُول: فِئْتُ إِلَيْهَا أَوْ مَتَى قَدَرْتُ فَعَلْتُهُ. يَعْنِي الْوَطْءَ.
وَإِذَا كَانَتِ الْمَحْبُوسَةُ زَوْجَتَهُ يَكُونُ الْفَيْءُ بِالْوَعْدِ بِلِسَانِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا زَال الْمَانِعُ، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَعِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الْمَحْبُوسُ مَظْلُومًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْخَلاَصِ وَإِلاَّ فَفَيْئَتُهُ بِالْوَطْءِ.
وَقَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لاَ يَكُونُ الْفَيْءُ إِلاَّ بِالْجِمَاعِ فِي حَال الْعُذْرِ وَغَيْرِهِ (٢) .
تَأْخِيرُ الْمَحْبُوسِ مُلاَعَنَةَ زَوْجَتِهِ وَنَفْيَهُ الْوَلَدَ:
١٢٥ - يُشْتَرَطُ فِي اللِّعَانِ الْفَوْرِيَّةُ وَعَدَمُ تَأْخِيرِ الزَّوْجِ نَفْيَ الْوَلَدِ حَال الْعِلْمِ بِذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْحَبْسَ مِنْ أَعْذَارِ تَأْخِيرِ
_________
(١) القوانين الفقهية ص ١٦٠، وجواهر الإكليل ١ / ٣٦٩، والروض الندي للبعلي ص ٤١٤، والهداية ٢ / ١١، ومنهاج الطالبين للنووي ٤ / ١٣.
(٢) المغني ٧ / ٣٢٧، والشرح الكبير للدردير ٢ / ٤٣٧، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٣٢، والفتاوى الهندية ١ / ٤٨٦، والأم للشافعي ٥ / ٢٩٣، وأسنى المطالب ٣ / ٣٥٥.
اللِّعَانِ. فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَبْسِ قَصِيرَةً كَيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَأَخَّرَ الْمَحْبُوسُ نَفْيَهُ لَيْلًا عَنْ أَمَامِ الْحَاكِمِ لَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ بِالتَّأْخِيرِ. وَإِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ طَوِيلَةً أَرْسَل إِلَى الْحَاكِمِ لِيَبْعَثَ إِلَيْهِ نَائِبًا يُلاَعِنُ عِنْدَهُ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ أَشْهَدَ عَلَى نَفْيِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل سَقَطَ نَفْيُهُ وَبَطَل خِيَارُهُ؛ لأَِنَّ عَدَمَ تَصَرُّفِهِ يَتَضَمَّنُ إِقْرَارَهُ بِالنَّسَبِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ مُصْطَلَحُ: (لِعَانٌ) .
التَّصَرُّفَاتُ الْقَضَائِيَّةُ وَالْحُكْمِيَّةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْمَحْبُوسِ:
خُرُوجُ الْمَحْبُوسِ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ تَعَذُّرُ ذَلِكَ:
١٢٦ - إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى مَحْبُوسٍ حَقًّا يُخْرِجُهُ الْقَاضِي لِسَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالإِْجَابَةِ عَنْهَا ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَى الْحَبْسِ وَلاَ يُوَكِّل عَنْهُ أَحَدًا فِي الْخُصُومَةِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمَحْبُوسِ الْخُرُوجُ جَازَ لَهُ اسْتِحْسَانًا تَوْكِيل مَنْ يُجِيبُ عَنْهُ (٢) .
_________
(١) الاختيار ٣ / ١٧١، والإنصاف ٩ / ٢٥٦، ٢٥٧، وكفاية الطالب ٢ / ٩٠، ومنهاج الطالبين ٤ / ٣٧، ومغني المحتاج للشربيني ٤ / ٣٢، والمغني ٧ / ٤٢٥، وأسنى المطالب مع حاشية الرملي ٣ / ٣٨٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٦٣.
(٢) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٨، ٥١٢، وروضة الطالبين ٤ / ١٤٠، وأسنى المطالب ٢ / ١٨٩، والمغني ٩ / ٤٩، والخرشي ٥ / ٢٨١، وتبصرة الحكام ١ / ٣٠٤.
خُرُوجُ الْمَحْبُوسِ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ تَعَذُّرُ ذَلِكَ:
١٢٧ - إِذَا مُنِعَ الْمَحْبُوسُ مِنَ الْخُرُوجِ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي جَازَ لَهُ اسْتِحْسَانًا تَوْكِيل مَنْ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ. (١)
١٢٧ م - إِجَابَةُ دَعْوَةِ الْمَحْبُوسِ لِلإِْشْهَادِ عَلَى تَصَرُّفِهِ:
نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَحْبُوسَ إِذَا دَعَا رَجُلًا لِيُشْهِدَهُ عَلَى تَصَرُّفِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ لأَِجْل عُذْرِ الْمَحْبُوسِ وَحَتَّى لاَ تَضِيعَ الْحُقُوقُ. (٢)
مَا لاَ يَجُوزُ تَأْدِيبُ الْمَحْبُوسِ بِهِ:
١٢٨ - شُرِعَ التَّأْدِيبُ لِلتَّقْوِيمِ وَالإِْصْلاَحِ لاَ الإِْهَانَةِ وَالإِْتْلاَفِ وَاحْتِقَارِ مَعَانِي الآْدَمِيَّةِ، وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ الْمُعَاقَبَةِ لِلْمَحْبُوسِ أَوْ غَيْرِهِ بِعِدَّةِ أُمُورٍ، مِنْهَا:
أ - التَّمْثِيل بِالْجِسْمِ:
١٢٩ - لاَ تَجُوزُ الْمُعَاقَبَةُ بِجَدْعِ أَنْفٍ، أَوْ أُذُنٍ، أَوْ
_________
(١) الدر المختار وحاشيته ٥ / ٤٩٩، ولسان الحكام لابن الشحنة ٢٥١، وتبصرة الحكام ١ / ٣٠٤، والإنصاف ١٢ / ٩٠، والمغني ٩ / ٢٠٧، وحاشية القليوبي ٤ / ٣٣٢.
(٢) أسنى المطالب مع حاشيته للرملي ٤ / ٣٧٢، ومنهاج الطالبين مع حاشية القليوبي ٤ / ٣٢٩.
اصْطِلاَمِ شَفَةٍ، وَقَطْعِ أَنَامِل، وَكَسْرِ عَظْمٍ، وَلَمْ يُعْهَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدِ الصَّحَابَةِ، وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ لاَ يَكُونُ بِالإِْتْلاَفِ. (١)
وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّمْثِيل بِالأَْسْرَى فَقَال فِي وَصِيَّتِهِ لأُِمَرَاءِ السَّرَايَا: وَلاَ تُمَثِّلُوا. (٢)
ب - ضَرْبُ الْوَجْهِ وَنَحْوِهِ:
١٣٠ - لاَ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ التَّأْدِيبُ بِمَا فِيهِ الإِْهَانَةُ وَالْخَطَرُ، كَضَرْبِ الْوَجْهِ وَمَوْضِعِ الْمَقَاتِل، وَكَذَا جَعْل الأَْغْلاَل فِي أَعْنَاقِ الْمَحْبُوسِينَ، وَكَذَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يَمُدَّ الْمَحْبُوسَ عَلَى الأَْرْضِ عِنْدَ ضَرْبِهِ، سَوَاءٌ كَانَ لِلْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (٣)
ج - التَّعْذِيبُ بِالنَّارِ وَنَحْوِهَا:
١٣١ - يَحْرُمُ التَّأْدِيبُ بِإِحْرَاقِ الْجِسْمِ أَوْ بَعْضِهِ بِقَصْدِ الإِْيلاَمِ وَالتَّوْجِيعِ إِلاَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْعُقُوبَةِ فَتَجُوزُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَلاَ يَجُوزُ خَنْقُ الْمَحْبُوسِ وَعَصْرُهُ وَغَطُّهُ فِي الْمَاءِ (٤) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٢٠، والمغني ٨ / ٣٢٦، والبحر الزخار ٥ / ٢١٢، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٣٥٤.
(٢) حديث: " ولا تمثلوا. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٥٧ - ط الحلبي) من حديث بريدة الأسلمي.
(٣) الفتاوى الهندية ٣ / ٤١٤.
(٤) السياسة الشرعية ص ١٥٢، وفتح الباري ٦ / ١٥٠، والمغني ٧ / ١١٩.
د - التَّجْوِيعُ وَالتَّعْرِيضُ لِلْبَرْدِ وَنَحْوِهِ:
١٣٢ - لاَ يَجُوزُ الْحَبْسُ فِي مَكَانٍ يُمْنَعُ فِيهِ الْمَحْبُوسُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، أَوْ فِي مَكَانٍ حَارٍّ أَوْ تَحْتَ الشَّمْسِ أَوْ فِي مَكَانٍ بَارِدٍ، أَوْ فِي بَيْتٍ تُسَدُّ نَوَافِذُهُ وَفِيهِ دُخَانٌ، أَوْ يُمْنَعُ مِنَ الْمَلاَبِسِ فِي الْبَرْدِ. فَإِنْ مَاتَ الْمَحْبُوسُ فَالدِّيَةُ عَلَى الْحَابِسِ وَقِيل: الْقَوَدُ. (١)
هـ - التَّجْرِيدُ مِنَ الْمَلاَبِسِ:
١٣٣ - تَحْرُمُ الْمُعَاقَبَةُ بِالتَّجْرِيدِ مِنَ الثِّيَابِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ. (٢)
و الْمَنْعُ مِنَ الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا:
١٣٤ - يَنْبَغِي تَمْكِينُ الْمَحْبُوسِ مِنَ الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ، وَلاَ تَجُوزُ مُعَاقَبَتُهُ بِالْمَنْعِ مِنْهُمَا. (٣)
_________
(١) المغني ٧ / ٦٤٣، وشرح المحلي مع حاشية القليوبي ٤ / ٩٧، و٢٠٥، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٩، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢١، وغاية المنتهى للكرمي ٣ / ٣١٧، والخراج ص ١١٨، ١٣٥، والفتاوى الهندية ٣ / ٤١٤، والتراتيب الإدارية للكتاني ١ / ٢٩٥، وأسنى المطالب ٤ / ٤ و٤٦، والإنصاف ٩ / ٤٣٩.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٩، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٣، ٥ / ٣٧٩، والإنصاف ١٠ / ٢٤٨، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٠٤.
(٣) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٢٨٢، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٠٥، والإنصاف ١٠ / ٢٤٨، والدر المختار مع حاشيته ٥ / ٣٧٨ - ٣٧٩.
وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مَنْعُ الْمَحْبُوسِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ. (١)
ز - السَّبُّ وَالشَّتْمُ:
١٣٥ - لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَوْ غَيْرِهِ التَّأْدِيبُ بِاللَّعْنِ وَالسَّبِّ الْفَاحِشِ وَسَبِّ الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ التَّأْدِيبُ بِقَوْلِهِ: يَا ظَالِمُ يَا مُعْتَدِي وَنَحْوَهُ. (٢)
ح - أُمُورٌ أُخْرَى تَحْرُمُ الْمُعَاقَبَةُ بِهَا:
١٣٦ - تَحْرُمُ الْمُعَاقَبَةُ بِالإِْقَامَةِ فِي الشَّمْسِ أَوْ صَبِّ الزَّيْتِ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ حَلْقِ اللِّحْيَةِ وَكَذَا إِغْرَاءُ الْحَيَوَانِ كَالسَّبُعِ وَالْعَقْرَبِ بِالْمَحْبُوسِ لِيُؤْذِيَهُ.
وَسُئِل مَالِكٌ عَنْ تَعْذِيبِ الْمَحْبُوسِ بِالدُّهْنِ وَالْخَنَافِسِ (حَشَرَاتٌ سَوْدَاءُ كَالْجُعْل) فَقَال: لاَ يَحِل هَذَا، إِنَّمَا هُوَ السَّوْطُ أَوِ السِّجْنُ. (٣)
وَفِي الْجُمْلَةِ لاَ تَجُوزُ مُعَاقَبَةُ الْمَحْبُوسِ بِقَصْدِ إِتْلاَفِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ؛ لأَِنَّ التَّأْدِيبَ لاَ يَكُونُ بِذَلِكَ. (٤)
_________
(١) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٢٨٢.
(٢) الشرح الكبير ٤ / ٣٥٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٦، وحاشية سعدي جلبي ٤ / ٢١٢، وغاية المنتهى ٣ / ٣١٦، وبدائع الصنائع ٧ / ٦٤.
(٣) الخراج ص ١٣٥، وأسنى المطالب ٤ / ٩، والمغني ٧ / ٦٤١، والخراج ص ١١٨، وتبصرة الحكام ٢ / ١٤٧.
(٤) المغني ٨ / ٣٦٢، والسياسة الشرعية ص ١١٧، والخرشي ٨ / ١١٠، وفتح القدير ٥ / ٤٧١.
إِخْرَاجُ الْمَحْبُوسِ لإِصَابَتِهِ بِالْجُنُونِ:
١٣٧ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَحْبُوسَ إِذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ وَجُنَّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَبْسِ لِعَدَمِ إِدْرَاكِهِ الضِّيقَ الْمَقْصُودَ مِنْ حَبْسِهِ، وَيَسْتَمِرُّ خُرُوجُهُ إِلَى أَنْ يَعُودَ لَهُ عَقْلُهُ. فَإِنْ عَادَ لَهُ عَقْلُهُ عَادَ لِلْحَبْسِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو بَكْرٍ الإِْسْكَافِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ لاَ يَمْنَعُ التَّعْزِيرَ - وَالْحَبْسُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ؛ لأَِنَّ الْغَايَةَ مِنْهُ التَّأْدِيبُ وَالزَّجْرُ، فَإِنْ تَعَطَّل جَانِبُ التَّأْدِيبِ بِالْجُنُونِ فَلاَ يَنْبَغِي تَعَطُّل جَانِبِ الزَّجْرِ مَنْعًا لِلْغَيْرِ. (١)
هُرُوبُ الْمَحْبُوسِ:
١٣٨ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ غَيْرُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ السَّجَّانَ وَنَحْوَهُ مِمَّنْ اسْتُحْفِظَ عَلَى بَدَنِ الْمَحْبُوسِ الْمَدِينِ بِمَنْزِلَةِ كَفِيل الْوَجْهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِحْضَارُهُ لِلْخُصُومَةِ، فَإِنْ أَطْلَقَهُ وَتَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ هَرَبَ يُحْضِرُهُ الدَّائِنُ.
وَإِذَا أَرَادَ الْمَحْبُوسُ الْهَرَبَ وَهَجَمَ عَلَى حَارِسِهِ لِيُؤْذِيَهُ فَإِنَّهُ يُعَامِلُهُ كَالصَّائِل، وَقَدْ ذَكَرَ
_________
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٢٨٢، وبدائع الصنائع ٧ / ٦٣ - ٦٤، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٨ و٤٢٦، وأسنى المطالب مع حاشية الرملي ٢ / ١٨٩، ٣٠٦، وحاشية القليوبي ٣ / ٢٦٠، والبحر الزخار ٥ / ٨٢.
الْفُقَهَاءُ أَنَّ الصَّائِل يُوعَظُ وَيُزْجَرُ وَيُخَوَّفُ وَيُنَاشَدُ بِاللَّهِ لَعَلَّهُ يَكُفُّ عَنِ الأَْذَى وَالْعُدْوَانِ. فَإِنْ لَمْ يَنْكَفَّ وَأَرَادَ نَفْسَ الْحَارِسِ أَوْ مَالَهُ فَيَدْفَعُهُ بِأَسْهَل مَا يَعْلَمُ دَفْعَهُ بِهِ كَالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ. فَإِنْ لَمْ يَحْصُل إِلاَّ بِالْقَتْل فَلَهُ ذَلِكَ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمَصُول عَلَيْهِ جَرْحُ الصَّائِل إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ مِنْهُ بِلاَ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ؛ ارْتِكَابًا لأَِخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
وَقَدْ قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي جُنْدٍ قَاتَلُوا عَرَبًا نَهَبُوا أَمْوَال تُجَّارٍ لِيَرُدُّوهُ إِلَيْهِمْ: هُمْ مُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمْ بِقَوَدٍ وَلاَ دِيَةٍ وَلاَ كَفَّارَةٍ. وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لاَ يَسْقُطُ الأَْمْرُ عَنِ الْجُنْدِيِّ بِظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يُفِيدُ. (١)
صِفَاتُ السَّجَّانِ وَنَحْوِهِ:
أ - الأَْمَانَةُ:
١٣٩ - الأَْمَانَةُ هِيَ الثِّقَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ السَّجَّانِ كَوْنَهُ ثِقَةً لِيُحَافِظَ عَلَى الْمَحْبُوسِينَ وَيُتَابِعَ أَحْوَالَهُمْ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩٩، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٤٩، والفتاوى لابن تيمية ٢٩ / ٥٦، وغاية المنتهى ٢ / ١٠٩، وحاشية القليوبي ٢٠٦ - ٢٠٧، ٣٠٢، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٧، والإنصاف ١٠ / ٣٠٣، وأسنى المطالب ٤ / ١٦٧، والفروع لابن مفلح ٦ / ١٤٧.
(٢) القاموس المحيط، والمصباح المنير: مادة: (وثق) وانظر الخراج ص ١٦٢.
ب - الْكِيَاسَةُ:
١٤٠ - الْكِيَاسَةُ هِيَ الْعَقْل وَالْفِطْنَةُ وَذَكَاءُ الْقَلْبِ، وَقَدْ جَاءَتْ هِيَ وَالَّتِي قَبْلَهَا فِي قَوْل عَلِيٍّ ﵁ أَلاَ تَرَانِي كَيِّسًا مُكَيِّسًا بَنَيْتُ بَعْدَ نَافِعٍ مُخَيِّسًا بَابًا حَصِينًا وَأَمِينًا كَيِّسًا. وَالأَْمِينُ وَالْكَيِّسُ صِفَتَانِ لِلسَّجَّانِ (١) .
ح - الصَّلاَحُ:
١٤١ - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُبَاشِرُ الْحَبْسِ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ وَالصَّلاَحِ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي مُبَاشِرِ سِجْنِ النِّسَاءِ. (٢)
د - الرِّفْقُ:
١٤٢ - مِنْ صِفَاتِ السَّجَّانِ الرِّفْقُ بِالْمَحْبُوسِينَ لِئَلاَّ يَظْلِمَهُمْ وَيَمْنَعَهُمْ مِمَّا لاَ يَقْتَضِيهِ الْحَبْسُ. (٣)
هـ - اللِّيَاقَةُ الْبَدَنِيَّةُ:
١٤٣ - اسْتَعْمَل عَلِيٌّ ﵁ قَوْمًا مِنَ
_________
(١) الصحاح، والقاموس، والمصباح، والمعجم الوسيط: مادة (كيس) و(ظرف) وانظر حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، وفتح القدير ٥ / ٤٧١.
(٢) الخراج ص ١٦٢، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٨٠، والمدونة ٥ / ٢٠٦، والفتاوى الهندية ٥ / ٤١٤.
(٣) معيد النعم للسبكي ص ١٤٢.