الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
الْمُسْلِمِ تَعَدُّدُ الأَْقْوَال فِي حَادِثَةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ قُبَيْل فَتْحِ مَكَّةَ، حِينَ كَتَبَ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ النَّبِيِّ إِلَيْهِمْ (١) .
ب - حَبْسُ الْبُغَاةِ:
٩٥ - يُحْبَسُ الْبُغَاةُ، وَهُمُ الْخَارِجُونَ عَلَى الْحَاكِمِ فِي الْحَالاَتِ التَّالِيَةِ:
الْحَالَةُ الأُْولَى: إِذَا تَأَهَّبُوا لِلْقِتَال: إِذَا قَامَ الْبُغَاةُ بِأَعْمَالٍ تَدُل عَلَى إِرَادَةِ الْخُرُوجِ عَلَى الإِْمَامِ كَشِرَاءِ السِّلاَحِ وَالاِجْتِمَاعِ لِلثَّوْرَةِ وَالتَّأَهُّبِ لِلْقِتَال جَازَ لِلْحَاكِمِ أَخْذُهُمْ وَحَبْسُهُمْ وَلَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا حَقِيقَةً؛ لأَِنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْخُرُوجِ مَعْصِيَةٌ يَنْبَغِي زَجْرُهُمْ عَنْهَا؛ فَضْلًا عَنْ أَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا لأَفْسَدُوا فِي الأَْرْضِ وَفَاتَ دَفْعُ شَرِّهِمْ (٢) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَخْذُهُمْ أَثْنَاءَ الْقِتَال: إِذَا أُمْسِكَ الْبُغَاةُ أَثْنَاءَ الْقِتَال حُبِسُوا، وَلاَ يُطْلَقُ سَرَاحُهُمْ إِنْ خِيفَ انْحِيَازُهُمْ إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى أَوْ عَوْدَتُهُمْ لِلْقِتَال. وَسَبَبُ حَبْسِهِمْ كَسْرُ قُلُوبِ الآْخَرِينَ وَتَفْرِيقُ جَمْعِهِمْ (٣) .
_________
(١) زاد المعاد ٢ / ٦٨، ٣ / ٢١٥، والفروع ٦ / ١١٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٧٧٢، والخراج ص ٢٠٥، وتبصرة الحكام ٢ / ١٩٤، والحسبة لابن تيمة ص ٢٨، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٦، والأقضية لابن فرج ص ٣٥.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٤٠، ومعين الحكام ص ١٩٠، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٠٩.
(٣) الاختيار ٤ / ١٥٢، وبدائع الصنائع ٧ / ١٤١، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٩٩، وحاشية الباجوري ٢ / ٢٥٦، والإنصاف ١٠ / ٣١٥.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: تَتَبُّعُهُمْ بَعْدَ الْقِتَال وَحَبْسُهُمْ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَتَبُّعِ الْبُغَاةِ الْهَارِبِينَ وَحَبْسِهِمْ، وَلَهُمْ فِي هَذَا قَوْلاَنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يَجُوزُ لِلإِْمَامِ تَتَبُّعُهُمْ وَحَبْسُهُمْ إِنْ كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ يَنْحَازُونَ إِلَيْهَا، وَهَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. وَنُسِبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الإِْمَامَ يَتَتَبَّعُهُمْ وَيَحْبِسُهُمْ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ. وَبِهِ قَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ تَتَبُّعُهُمْ وَحَبْسُهُمْ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ يَنْحَازُونَ إِلَيْهَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُمْ وَقَدْ حَصَل. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْمَنْقُول عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (٢) .
وَقْتُ الإِْفْرَاجِ عَنِ الْبُغَاةِ الْمَحْبُوسِينَ:
٩٦ - لِلْفُقَهَاءِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ فِي وَقْتِ الإِْفْرَاجِ عَنِ الْبُغَاةِ الْمَحْبُوسِينَ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يَجِبُ الإِْفْرَاجُ عَنْهُمْ بَعْدَ تَوَقُّفِ الْقِتَال، وَلاَ يَجُوزُ اسْتِمْرَارُ حَبْسِهِمْ. لَكِنْ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ أَنْ لاَ يَعُودُوا إِلَى الْقِتَال. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الْحَنَابِلَةِ.
_________
(١) الخراج ص ٢٣٢، ومعين الحكام ص ١٩١، وحاشية عميرة ٤ / ١٧٢، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٦٠، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٣٠٠، والمغني ٨ / ١١٤، وبداية المجتهد ٢ / ٤٥٨.
(٢) الخراج ص ٢٣٢، والمغني ٨ / ١٤٤.
الْقَوْل الثَّانِي: يَجُوزُ حَبْسُهُمْ بَعْدَ الْقِتَال وَلاَ يُخَلَّى عَنْهُمْ إِلاَّ بِظُهُورِ تَوْبَتِهِمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، وَعَلاَمَةُ ذَلِكَ عَوْدَتُهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَقَوْل بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ.
الْقَوْل الثَّالِثُ: يَجُوزُ حَبْسُهُمْ بَعْدَ الْقِتَال، وَيَجِبُ إِطْلاَقُ سَرَاحِهِمْ إِذَا أُمِنَ عَدَمُ عَوْدَتِهِمْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ.
الْقَوْل الرَّابِعُ: يَجُوزُ اسْتِمْرَارُ حَبْسِهِمْ بَعْدَ الْقِتَال مُعَامَلَةً لَهُمْ بِالْمِثْل حَتَّى يُتَوَصَّل إِلَى اسْتِخْلاَصِ أَسْرَى أَهْل الْعَدْل، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لِلْحَنَابِلَةِ (١) .
مَشْرُوعِيَّةُ اتِّخَاذِ مَوْضِعٍ لِلْحَبْسِ:
٩٧ - لِلْفُقَهَاءِ قَوْلاَنِ فِي جَوَازِ اتِّخَاذِ الْحَاكِمِ مَوْضِعًا لِلْحَبْسِ فِيهِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ إِفْرَادُ مَوْضِعٍ لِيَحْبِسَ فِيهِ، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ، بَل إِنَّ بَعْضَهُمْ اعْتَبَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ.
وَقَال آخَرُونَ: إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ (٢) . وَاسْتَدَلُّوا
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٤٠ - ١٤١، وبداية المجتهد ٢ / ٤٥٨، والمغني ٨ / ١١٥، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٦٠، وحاشية الباجوري ٢ / ٢٥٠، والخراج ص ٢٣٢، والقوانين الفقهية ص ٢٣٨، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٨١، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٩٩.
(٢) تبصرة الحكام ٢ / ١٥٠، ونيل الأوطار ٨ / ٣١٦، ومعين الحكام ص ١٩٦ - ١٩٧، وأسنى المطالب ٤ / ٣٠٦، والبحر الزخار ٥ / ١٣٨، ٢١١.
لِهَذَا بِفِعْل عُمَرَ ﵁ حِينَ اشْتَرَى لَهُ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ دَارًا لِلسَّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ. كَمَا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَوَّل مَنْ أَحْدَث سِجْنًا فِي الإِْسْلاَمِ وَجَعَلَهُ فِي الْكُوفَةِ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَتَّخِذُ الْحَاكِمُ مَوْضِعًا يُخَصِّصُهُ لِلْحَبْسِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَلاَ لِخَلِيفَتِهِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ سِجْنٌ. وَلَكِنْ إِذَا لَزِمَ الأَْمْرُ يُعَوِّقُ بِمَكَانٍ مِنَ الأَْمْكِنَةِ أَوْ يَأْمُرُ الْغَرِيمَ بِمُلاَزَمَةِ غَرِيمِهِ كَمَا فَعَل النَّبِيُّ ﷺ. وَهَذَا قَوْل بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَآخَرِينَ غَيْرِهِمْ (٢) .
اتِّخَاذُ السِّجْنِ فِي الْحَرَمِ:
٩٨ - لِلْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي اتِّخَاذِ السِّجْنِ فِي الْحَرَمِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يَجُوزُ اتِّخَاذُ السِّجْنِ فِي الْحَرَمِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِخَبَرِ شِرَاءِ عُمَرَ ﵁
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٦ - ٣٧٧، والمبسوط ٢٠ / ٨٩، والطرق الحكمية ص ١٠٣، والأقضية لابن فرج ص ١١ - ١٢، وتبصرة الحكام ٢ / ٣١٦ - ٣١٧، والبحر الزخار ٥ / ١٣٨، والتراتيب الإدارية للكتاني ١ / ٢٩٩.
(٢) فتاوى ابن تيمية ٣٥ / ٣٩٩، والطرق الحكمية ص ١٠٣، وتبصرة الحكام ٢ / ٣١٦ - ٣١٧، ومعين الحكام ص ١٩٦.
السِّجْنَ بِمَكَّةَ، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَحِل أَنْ يُسْجَنَ أَحَدٌ فِي حَرَمِ مَكَّةَ؛ لأَِنَّ تَطْهِيرَ الْحَرَمِ مِنَ الْعُصَاةِ وَاجِبٌ لِلآْيَةِ: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢) وَظَاهِرُهُ يَدُل عَلَى حُرْمَةِ اتِّخَاذِ السِّجْنِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ (٣) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: يُكْرَهُ اتِّخَاذُ السِّجْنِ فِي الْحَرَمِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ طَاوُسٍ وَكَانَ يَقُول: لاَ يَنْبَغِي لِبَيْتِ عَذَابٍ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ رَحْمَةٍ. وَيَقْصِدُ حَرَمَ مَكَّةَ (٤) .
تَصْنِيفُ السُّجُونِ بِحَسَبِ الْمَحْبُوسِينَ:
أ - إِفْرَادُ النِّسَاءِ بِسِجْنٍ مُنْعَزِلٍ عَنْ سِجْنِ الرِّجَال:
٩٩ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلنِّسَاءِ مَحْبِسٌ عَلَى حِدَةٍ إِجْمَاعًا، وَلاَ يَكُونُ مَعَهُنَّ رَجُلٌ لِوُجُوبِ سَتْرِهِنَّ وَتَحَرُّزًا مِنَ الْفِتْنَةِ. وَالأَْوْلَى أَنْ تَقُومَ النِّسَاءُ عَلَى سِجْنِ مَثِيلاَتِهِنَّ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٤ / ٢٥٧، والمجموع ٩ / ٢٦٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، وتبصرة الحكام ٢ / ٣١٦، والمحلى لابن حزم ٨ / ١٧١، وفتح الباري ٥ / ٧٥ - ٧٦.
(٢) سورة البقرة / ١٢٥.
(٣) المحلى لابن حزم ٧ / ٢٦٢ الطبعة المنيرية.
(٤) فتح الباري ٥ / ٧٥.
جَازَ اسْتِعْمَال الرَّجُل الْمَعْرُوفِ بِالصَّلاَحِ عَلَى مَحْبِسِهِنَّ لِيَحْفَظَهُنَّ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سِجْنٌ مُعَدٌّ لِلنِّسَاءِ حُبِسَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدَ أَمِينَةٍ خَالِيَةٍ عَنِ الرِّجَال أَوْ ذَاتِ رَجُلٍ أَمِينٍ كَزَوْجٍ أَوْ أَبٍ أَوِ ابْنٍ مَعْرُوفٍ بِالْخَيْرِ وَالصَّلاَحِ (١) .
ب - إِفْرَادُ الْخُنْثَى بِحَبْسٍ خَاصٍّ:
١٠٠ - إِذَا حُبِسَ الْخُنْثَى الْمُشْكِل فَلاَ يَكُونُ مَعَ الرِّجَال وَلاَ النِّسَاءِ، بَل يُحْبَسُ وَحْدَهُ أَوْ عِنْدَ مَحْرَمٍ، وَلاَ يَنْبَغِي حَبْسُهُ مَعَ الرِّجَال وَلاَ النِّسَاءِ (٢) .
ج - حَبْسُ غَيْرِ الْبَالِغِينَ (الأَْحْدَاثِ):
حَبْسُ غَيْرِ الْبَالِغِينَ فِي قَضَايَا الْمُعَامَلاَتِ الْمَالِيَّةِ:
١٠١ - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ إِذَا مَارَسَ التِّجَارَةَ أَوِ اسْتَهْلَكَ مَال غَيْرِهِ فَلاَ يُحْبَسُ بِدَيْنٍ فِي مُعَامَلَتِهِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ. وَلاَ يَمْنَعُ هَذَا مِنْ تَأْدِيبِهِ بِغَيْرِ
_________
(١) البحر الزخار ٥ / ١٣٨، والمبسوط ٢٠ / ٩٠، والدر المختار ٥ / ٥٧٩، والفتاوى الهندية ٣ / ٤١٤، وجواهر الإكليل للآبي ٢ / ٩٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٨٠، ٢٨١، والمدونة ٥ / ٢٠٦.
(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ٢٨٠، وحاشية الصعيدي على كفاية الطالب ٢ / ٢٠١.
الْحَبْسِ. وَصَحَّحَ السَّرَخْسِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ حَبْسَ الْوَلِيِّ لِتَقْصِيرِهِ فِي حِفْظِ وَلَدِهِ، وَلأَِنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِأَدَاءِ الْمَال عَنْهُ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ يُحْبَسُ بِالدَّيْنِ وَنَحْوِهِ تَأْدِيبًا لاَ عُقُوبَةً؛ لأَِنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَيَتَحَقَّقُ ظُلْمُهُ، وَلِئَلاَّ يَعُودَ إِلَى مِثْل الْفِعْل وَيَتَعَدَّى عَلَى أَمْوَال النَّاسِ. وَعَلَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل الْحَبْسَ عَلَى وُجُودِ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ لِلْحَدَثِ، لِيَضْجَرَ فَيُسَارِعَ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ (١) .
حَبْسُ غَيْرِ الْبَالِغِينَ فِي الْجَرَائِمِ:
١٠٢ - نَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ لاَ يُحْبَسُ بِارْتِكَابِهِ الْجَرَائِمَ وَنَحْوَهَا. وَقَال آخَرُونَ بِجَوَازِ حَبْسِ الْفَاجِرِ غَيْرِ الْبَالِغِ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ لاَ الْعُقُوبَةِ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَ الْحَبْسُ أَصْلَحَ لَهُ مِنْ إِرْسَالِهِ، وَكَانَ فِيهِ تَأْدِيبُهُ وَاسْتِصْلاَحُهُ، وَمِنَ الْجَرَائِمِ الَّتِي نَصُّوا عَلَى الْحَبْسِ فِيهَا الرِّدَّةُ، فَيُحْبَسُ الصَّبِيُّ الْمُرْتَدُّ حَتَّى يَتُوبَ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَكَذَا الْبَغْيُ، فَيُحْبَسُ صِبْيَانُ الْبُغَاةِ الْمُقَاتِلُونَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ (٢) .
_________
(١) المبسوط ٢٠ / ٩١، والفتاوى الهندية ٣ / ٤١٣، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٢٦، وأسنى المطالب وحاشيته للرملي ٤ / ٣٠٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٨٠، ومعين الحكام ص ١٧٤.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٥٧، ٥ / ٤٢٦، والمعيار ٢ / ٢٥٨، و٨ / ٤١٨، والمغني لابن قدامة ٨ / ١١٥، والإنصاف ١٠ / ٣١٦، ومعين الحكام ص ١٧٤، وبدائع الصنائع ٧ / ٦٣، وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٨، ومغني المحتاج للشربيني ٤ / ١٢٧.
مَكَانُ حَبْسِ غَيْرِ الْبَالِغِينَ:
١٠٣ - تَدُل أَكْثَرُ النُّصُوصِ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَبْسُ الْحَدَثِ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ وَلِيِّهِ. عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ حَبْسُهُ فِي السِّجْنِ إِلاَّ إِذَا خَشِيَ عَلَيْهِ مَا يُفْسِدُهُ فَيَتَوَجَّبُ حَبْسُهُ عِنْدَ أَبِيهِ لاَ فِي السِّجْنِ (١) .
د - تَمْيِيزُ حَبْسِ الْمَوْقُوفِينَ عَنْ حَبْسِ الْمَحْكُومِينَ:
١٠٤ - حَبْسُ الْمَوْقُوفِينَ هُوَ حَبْسُ أَهْل الرِّيبَةِ وَالتُّهَمَةِ، وَهُوَ مِنْ سُلْطَةِ الْوَالِي؛ لأَِنَّهُ مِنِ اخْتِصَاصِهِ كَمَا فِي قَوْل الزُّبَيْرِيِّ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ. وَحَبْسُ الْمَحْكُومِينَ هُوَ حَبْسُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَقَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَهُوَ مِنْ سُلْطَةِ الْقَاضِي. وَالْمَعْمُول بِهِ فِي الْقَدِيمِ تَمَيُّزُ حَبْسِ الْوَالِي الَّذِي يَضُمُّ أَهْل الرِّيبَةِ وَالْفَسَادِ (الْمَوْقُوفِينَ) عَنْ حَبْسِ الْقَاضِي الَّذِي يَضُمُّ الْمَحْكُومِينَ. وَيَخْتَلِفُ سِجْنُ الْوَالِي عَنْ سِجْنِ الْقَاضِي، فَلِلْمَحْبُوسِ فِي سِجْنِ الْوَالِي تَوْكِيل غَيْرِهِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَنْهُ أَمَامَ الْقَاضِي
_________
(١) الدر المختار ٤ / ٢٥٣، والمعيار ٨ / ٢٥٢، ٢٥٨، وأحكام السوق ليحيى بن عمر ص ١٣٥، والفتاوى لابن تيمية ٣٤ / ١٧٩، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٨٠، وحاشية الصعيدي على كفاية الطالب ٢ / ٣٠١.
إِذَا مُنِعَ مِنَ الْخُرُوجِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ فِي سِجْنِ الْقَاضِي لإِمْكَانِ خُرُوجِهِ بِإِذْنِهِ، وَمِثْل ذَلِكَ التَّوْكِيل فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَى الْمَحْبُوسِ (١) .
- تَمْيِيزُ الْحَبْسِ فِي قَضَايَا الْمُعَامَلاَتِ عَنِ الْحَبْسِ فِي الْجَرَائِمِ:
١٠٥ - مَيَّزَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَبْسِ بَيْنَ الْمَحْبُوسِ فِي الْمُعَامَلاَتِ كَالدَّيْنِ، وَبَيْنَ الْمَحْبُوسِ فِي الْجَرَائِمِ، كَالسَّرِقَةِ، وَالتَّلَصُّصِ، وَالاِعْتِدَاءِ عَلَى الأَْبْدَانِ، وَكَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى أَنْ لاَ يَجْتَمِعَ هَؤُلاَءِ بِأُولَئِكَ فِي حَبْسِ وَاحِدٍ خَوْفًا مِنَ الْعَدْوَى، فَضْلًا عَنْ أَنَّ لأَِصْحَابِ كُل حَبْسٍ مُعَامَلَةً تُنَاسِبُ جَرِيمَةَ كُلٍّ مِنْهُمْ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٨، ٤٩٩، ٥١٢، ٥١٣، وتبصرة الحكام ١ / ٣٠٤، ولسان الحكام ص ٢٥١، والإنصاف ١٢ / ٩٠، وحاشية القليوبي ٤ / ٣٣٢، والمدونة ٥ / ٤٨٩، والمنتظم لابن الجوزي ٧ / ٢٥٦، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٩، والخراج ص ١٦٣، ١٩٠، والطبقات لابن سعد ٥ / ٣٥٦، والدر المختار وحاشيته ٥ / ٣٧٨، ٤٩٩، ٥١٢، والروضة للنووي ٤ / ١٤٠، وأسنى المطالب ٢ / ١٨٩، والمغني لابن قدامة ٩ / ٤٨.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩٣، ٢٧٠، وشرح أدب القاضي للخصاف ٢ / ٣٧٥، وخبايا الزوايا للزركشي ص ٢٦٩، والمنتظم لابن الجوزي ٧ / ٢٥٦، وطبقات ابن سعد ٥ / ٣٥٦، والفتاوى الهندية ٤ / ٤١٤، وأسنى المطالب ٤ / ٣٠٦.
و- التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَحْبُوسِينَ بِحَسَبِ تَجَانُسِ جَرَائِمِهِمْ:
١٠٦ - صَنَّفَ الْفُقَهَاءُ نُزَلاَءَ سُجُونِ الْجَرَائِمِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَصْنَافٍ: أَهْل الْفُجُورِ (الْمَفَاسِدِ الْخُلُقِيَّةِ) وَأَهْل التَّلَصُّصِ (السَّرِقَاتِ وَنَحْوِهَا)، وَأَهْل الْجِنَايَاتِ (الاِعْتِدَاءِ عَلَى الأَْبْدَانِ)، وَجَعَل أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي هَذَا التَّقْسِيمَ عُنْوَانَ فَصْلٍ أَفْرَدَهُ فِي كِتَابِهِ (١) .
ز - تَصْنِيفُ الْحَبْسِ إِلَى جَمَاعِيٍّ وَفَرْدِيٍّ:
١٠٧ - الظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الأَْصْل فِي الْحَبْسِ كَوْنُهُ جَمَاعِيًّا، وَقَالُوا: لاَ يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجْمَعَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ فِي مَوْضِعٍ تَضِيقُ عَنْهُمْ غَيْرَ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ، وَقَدْ يَرَى بَعْضُهُمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ وَيُؤْذَوْنَ فِي الْحَرِّ وَالصَّيْفِ.
وَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ عَزْل السَّجِينِ وَحَبْسُهُ مُنْفَرِدًا فِي غُرْفَةٍ يُقْفَل عَلَيْهِ بَابُهَا إِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٠، والخراج ص ١٦١، والخطط للمقريزي ٢ / ١٨٧ - ١٨٩، وبدائع الزهور لابن إياس ٢ / ٦ الطبعة الأولى.
(٢) المبسوط للسرخسي ٢٠ / ٩٠، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٧ و٣٧٩، والفتاوى الهندية ٣ / ٤١٩، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٨١، وحاشية القليوبي ٢ / ٢٩٢، وحاشية الرملي ٢ / ١٨٩، والإفصاح لابن هبيرة ١ / ٣٩، والتراتيب الإدارية للكتاني ١ / ٢٩٥، والمغني ٨ / ١٢٤، وفتاوى ابن تيمية ١٥ / ٣١٠.