الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
مُدَّةُ حَبْسِ الْمَدِينِ:
٨٢ - اخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ حَبْسِ الْمَدِينِ، وَالصَّحِيحُ تَفْوِيضُ ذَلِكَ لِلْقَاضِي؛ لأَِنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي احْتِمَال الْحَبْسِ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هِيَ شَهْرٌ.
وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ شَهْرَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ. وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ مَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إِلَى سِتَّةٍ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُؤَبَّدُ حَبْسُهُ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ إِذَا عَلِمَ يُسْرَهُ (١) . وَلَمْ نَجِدْ نَصًّا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
ح - الْحَبْسُ لِلتَّفْلِيسِ:
٨٣ - يَشْتَرِكُ الْمُفْلِسُ مَعَ الْمَدِينِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحْكَامِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَيَفْتَرِقُ عَنْهُ - بِحَسَبِ مَا ذَكَرُوهُ - فِي أَنَّ الْحَاكِمَ يَتَدَخَّل لِشَهْرِ الْمُفْلِسِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِعْلاَنِ عَجْزِهِ عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ وَجَعْل مَالِهِ الْمُتَبَقِّي لِغُرَمَائِهِ (٢) .
وَلاَ يُحْبَسُ الْمُعْسِرُ وَلَوْ طَلَبَ غُرَمَاؤُهُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) .
وَإِذَا كَانَ الْمُفْلِسُ مَجْهُول الْحَال لاَ يُعْرَفُ غِنَاهُ أَوْ فَقْرُهُ حُبِسَ بِطَلَبٍ مِنَ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَبِينَ
_________
(١) الاختيار ٢ / ٩٠، وشرح أدب القاضي للخصاف ٢ / ٣٦٧، والتاج للموّاق ٥ / ٤٨، والفروق للقرافي ٤ / ٦٩.
(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٨٧، ومنهاج الطالبين ٢ / ٢٨٥.
(٣) سورة البقرة / ٢٨٠.
أَمْرُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ كَفَالَتِهِ بِوَجْهٍ أَوْ بِمَالٍ حَتَّى تَزُول الْجَهَالَةُ. وَقَالُوا: إِذَا أَخْبَرَ بِإِعْسَارِهِ وَاحِدٌ مِنَ الثِّقَاتِ أُخْرِجَ مِنْ حَبْسِهِ (١) .
وَإِذَا حُبِسَ الْمُفْلِسُ الْمَجْهُول الْحَال وَظَهَرَ أَنَّ لَهُ مَالًا، أَوْ عُرِفَ مَكَانُهُ أُمِرَ بِالْوَفَاءِ. فَإِنْ أَبَى أُبْقِيَ فِي الْحَبْسِ - بِطَلَبِ غَرِيمِهِ - حَتَّى يَبِيعَ مَالَهُ وَيَقْضِيَ دَيْنَهُ. فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى عَدَمِ بَيْعِ مَالِهِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ بَاعَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَقَضَاهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْحَبْسِ فِي قَوْل الْجُمْهُورِ وَالصَّاحِبَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقِيل: يُخَيَّرُ الْحَاكِمُ بَيْنَ حَبْسِهِ لإِجْبَارِهِ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَ بَيْعِهِ عَلَيْهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ الْحَاكِمَ لاَ يُجِيبُ الْغُرَمَاءَ إِلَى بَيْعِ مَال الْمُفْلِسِ وَعُرُوضِهِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ تَخْسَرَ عَلَيْهِ وَيَتَضَرَّرَ. بَل يَقْضِي دَيْنَهُ بِجِنْسِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (٢) . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيُؤَبِّدُ حَبْسَهُ لِحَدِيثِ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (٣) .
وَإِذَا قَامَتِ الْقَرَائِنُ أَوِ الْبَيِّنَةُ عَلَى وُجُودِ مَالٍ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٢٦٤، والاختيار ٢ / ٩٠، وأسنى المطالب ٢ / ١٨٨، والروض المربع ٥ / ١٦٤، ومعين الحكام ص ٩٤.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٧٥، وبداية المجتهد ٢ / ٢٨٤، وأسنى المطالب ٢ / ١٨٧، والروض المربع ٥ / ١٦٨، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ٣٤٦.
(٣) الحديث تقدم تخريجه في الفقرة (٩) .
لِلْمَدِينِ الْمُفْلِسِ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ حُبِسَ حَتَّى يُظْهِرَهُ إِنْ طَلَبَ غَرِيمُهُ ذَلِكَ. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لِلْحَدِيثِ الآْنِفِ ذِكْرُهُ (١) .
حَبْسُ الْمُفْلِسِ بِطَلَبِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ:
٨٤ - إِنْ طَلَبَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ حَبْسَ الْمُفْلِسِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ وَأَبَى بَعْضُهُمْ حُبِسَ وَلَوْ لِوَاحِدٍ، فَإِنْ أَرَادَ الَّذِينَ لَمْ يَحْبِسُوا مُحَاصَّةَ الْحَابِسِ فِي مَال الْمُفْلِسِ الْمَحْبُوسِ فَلَهُمْ ذَلِكَ. وَلَهُمْ أَيْضًا إِبْقَاءُ حِصَصِهِمْ فِي يَدِ الْمُفْلِسِ الْمَحْبُوسِ. وَلَيْسَ لِلْغَرِيمِ الْحَابِسِ إِلاَّ حِصَّتُهُ (٢) .
ط - الْحَبْسُ لِلتَّعَدِّي عَلَى حَقِّ اللَّهِ أَوْ حُقُوقِ الْعِبَادِ:
٨٥ - شُرِعَ الْحَبْسُ فِي كُل تَعَدٍّ عَلَى حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى، كَالتَّعَامُل بِالرِّبَا، وَبَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْغِشِّ وَالاِحْتِكَارِ، أَوِ الزَّوَاجِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَ أُخْتَيْنِ، وَبَيْعِ الْوَقْفِ، وَفِي كُل تَعَدٍّ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ، كَمَنْعِ مُسْتَحِقِّي الْوَقْفِ مِنْ رِيعِهِ، وَالاِمْتِنَاعِ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَتَسْلِيمِ الأُْجْرَةِ، أَوْ بَدَل الْخُلْعِ، أَوِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْخَرَاجِ، أَوِ الْعُشْرِ، وَجَحْدِ الْوَدِيعَةِ، وَالْخِيَانَةِ فِي الْوَكَالَةِ، وَعَدَمِ الإِْنْفَاقِ عَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ مَا أَبْهَمَهُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ (٣) .
_________
(١) السياسة الشرعية لابن تيمية ص ٤٣.
(٢) المدونة ٥ / ٢٣٠.
(٣) الدر المختار وحاشيته ٥ / ٣٢١، ٣٨١، ٣٨٣ و٦ / ١٠، ٤٤٦، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٤٨، والسياسة الشرعية ص ٤٣، وتبصرة الحكام ٢ / ٢١٦، ٣٠٤.
ي - حَبْسُ الْكَفِيل لإِخْلاَلِهِ بِالْتِزَامَاتِهِ:
الْكَفَالَةُ نَوْعَانِ بِالْمَال وَبِالنَّفْسِ، وَتَتَّصِل بِالْحَبْسِ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلًا: حَبْسُ الْكَفِيل بِالْمَال لاِمْتِنَاعِهِ مِنَ الْوَفَاءِ:
٨٦ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَوَازِ حَبْسِ الْكَفِيل بِمَالٍ مُسْتَحَقٍّ إِذَا لَمْ يُوفِ الْمَكْفُول مَا عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ مُعْسِرًا، وَذَلِكَ لِتَخَلُّفِهِ عَمَّا الْتَزَمَهُ، وَلأَِنَّ ذِمَّتَهُ مَضْمُومَةٌ إِلَى ذِمَّةِ الْمَكْفُول بِالْمُطَالَبَةِ، فَلِذَا جَازَ حَبْسُهُ إِلاَّ إِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُهُ. وَهَذَا مُقْتَضَى كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، بَل نُقِل الإِْجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ. وَالأَْصْل فِي هَذَا حَدِيثُ: الْحَمِيل غَارِمٌ (١) . وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي قَوْلُهُ: لاَ يُحْبَسُ الْكَفِيل إِذَا غَابَ الْمَكْفُول حَيْثُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِحْضَارُهُ (٢) .
ثَانِيًا: حَبْسُ الْكَفِيل بِالنَّفْسِ:
٨٧ - تُعْرَفُ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ أَيْضًا بِكَفَالَةِ الْوَجْهِ وَالْبَدَنِ، وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:
_________
(١) حديث: " الحميل غارم " ذكره ابن الأثير في جامع الأصول (٧ / ٦١ - ط دار الملاح) ضمن حديث طويل، وعزاه إلى رزين، وهو في سنن أبي داود (٣ / ٦٢٢ - ط عزت عبيد دعاس) وابن ماجه (٢ / ٨٠٤ - ط الحلبي) والشطر المذكور ليس فيهما.
(٢) المبسوط ٢٠ / ٨٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣١٦ و٣٨١، وحاشية الرملي ٢ / ٢٤٧، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٦، والروض المربع ٥ / ١٠٠، واختلاف الفقهاء للطبري ٢ / ٢٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤٩١.
النَّوْعُ الأَْوَّل: الْكَفَالَةُ بِذَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ بَعْدَ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يُنْتَظَرُ تَزْكِيَتُهُمَا، وَهَذِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ بِالإِْجْمَاعِ، بَل يُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لاِسْتِكْمَال الإِْجْرَاءَاتِ؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ لاَ تُسْتَوْفَى مِنَ الْكَفِيل إِذَا تَعَذَّرَ إِحْضَارُ الْمَكْفُول، فَضْلًا عَنْ أَنَّهَا لاَ تَقْبَل النِّيَابَةَ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْكَفَالَةُ بِإِحْضَارِ نَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ أَوْ حَدٌّ لآِدَمِيٍّ، كَقَذْفٍ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَهَذِهِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّ فِيهَا حَقَّ الْعَبْدِ، وَيَحْتَمِل إِسْقَاطُهُ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْكَفَالَةُ بِالْمَال وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الأَْمْصَارِ، فَيَجُوزُ كَفَالَةُ الْمَحْبُوسِ أَوْ مُسْتَحِقِّ الْحَبْسِ فِي ذَلِكَ (١) .
أَحْوَال الْكَفِيل بِالنَّفْسِ:
٨٨ - تَنْتَظِمُ أَحْوَال الْكَفِيل بِالنَّفْسِ الْحَالاَتِ التَّالِيَةَ:
الْحَالَةَ الأُْولَى: إِذَا تَعَهَّدَ الْكَفِيل بِإِحْضَارِ الْمَكْفُول مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ الْمَال، أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكَفَالَةِ، فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُحْبَسُ لِمُمَاطَلَتِهِ إِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُحْضِرِ الْمَكْفُول، وَلاَ يُقْبَل مِنْهُ بَذْل الْمَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٠٨، والهداية ٣ / ٧٢ و٧٤، والقوانين الفقهية ص ٢١٤، والمغني ٤ / ٦١٦، وحاشية الباجوري ١ / ٣٨٢.
لاِشْتِرَاطِهِ إِحْضَارَ النَّفْسِ لاَ غَيْرِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يُحْبَسُ بَل يُلْزَمُ بِإِحْضَارِ الْمَكْفُول، أَوْ يَغْرَمُ الْمَال (١) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا تَعَهَّدَ الْكَفِيل بِإِحْضَارِ الْمَكْفُول وَصَرَّحَ بِضَمَانِهِ الْمَال إِذَا تَخَلَّفَ، فَإِنَّهُ لاَ يُحْبَسُ بَل يَغْرَمُ الْمَال إِذَا لَمْ يُحْضِرِ الْمَكْفُول فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ، وَهَذَا قَوْل فُقَهَاءِ مَذَاهِبِ الأَْمْصَارِ. فَإِنْ مَاطَل فِي الدَّفْعِ وَكَانَ مُوسِرًا حُبِسَ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ شَغَل ذِمَّتَهُ كَشَغْلِهِ ذِمَّةَ الْمَكْفُول.
وَذَكَرُوا أَنَّ السَّجَّانَ وَنَحْوَهُ مِمَّنِ اسْتُحْفِظَ عَلَى بَدَنِ الْغَرِيمِ بِمَنْزِلَةِ كَفِيل الْوَجْهِ، فَيَنْبَغِي عَلَيْهِ إِحْضَارُهُ (٢) . فَإِنْ أَطْلَقَهُ وَتَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ عُومِل بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَالَتَيْنِ الآْنِفَتَيْنِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا تَعَهَّدَ الْكَفِيل بِإِحْضَارِ النَّفْسِ الَّتِي كَفَلَهَا فِي الْقِصَاصِ وَالْحَدِّ الَّذِي هُوَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩٠ و٢٩٥، والاختيار ٢ / ١٦٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١١٤، والقوانين الفقهية ص ٢١٤، وأسنى المطالب ٢ / ٢٤٤، والمحلي على منهاج الطالبين ٢ / ٣٢٨، والروض المربع للبهوتي ٥ / ١١٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩٧، ٢٩٩، والهداية ٣ / ٧١، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٥، وجواهر الإكليل ٢ / ١١٤، والروض المربع ٥ / ١١٣، والمحلي على المنهاج ٢ / ٣٢٨، والسياسة الشرعية ص ٤٣، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٤٩، والفتاوى لابن تيمية ٢٩ / ٥٥٦، وغاية المنتهى ٢ / ١٠٩.
حَقٌّ لآِدَمِيٍّ وَقَصَّرَ فَلَمْ يُحْضِرْهَا فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ يُحْبَسُ إِلَى حُضُورِ الْمَكْفُول أَوْ مَوْتِهِ (١) .
الْحَبْسُ لِحَالاَتٍ تَتَّصِل بِالْقَضَاءِ وَالأَْحْكَامِ:
أ - حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ تَوَلِّي الْقَضَاءِ:
٨٩ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ حَبْسَ الْمُمْتَنِعِ مِنْ تَوَلِّي الْقَضَاءِ إِذَا تَعَيَّنَ لَهُ حَتَّى يَقْبَلَهُ لِتَخَلُّفِهِ عَنِ الْوَاجِبِ الشَّرْعِيِّ، وَصِيَانَةً لِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ أَفْتَى الإِْمَامُ مَالِكٌ (٢) .
ب - حَبْسُ الْمُسِيءِ إِلَى هَيْئَةِ الْقَضَاءِ:
٨٩ م - لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِحَبْسِ وَضَرْبِ مَنْ قَال: لاَ أُخَاصِمُ الْمُدَّعِيَ عِنْدَكَ، أَوِ اسْتَهْزَأَ بِهِ وَرَمَاهُ بِمَا لاَ يُنَاسِبُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ. وَلَهُ حَبْسُ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَضَرْبُهُمَا إِذَا تَشَاتَمَا أَمَامَهُ (٣) .
وَقَال سُحْنُونٌ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَشْهَبَ: لِلْقَاضِي حَبْسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَأْدِيبُهُ إِذَا قَال فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ: لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى لَدَدِهِ وَلاَ بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي، وَبِنَحْوِهِ قَال الشَّافِعِيُّ (٤) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩٢ و٢٩٩، والهداية ٣ / ٧٠، وحاشية القليوبي ٢ / ٣٢٨.
(٢) الخرشي ٧ / ١٤٠، وحاشية الصعيدي على كفاية الطالب ٢ / ٢٧٨، وتبصرة الحكام ١ / ١٢ - ١٣.
(٣) المعيار ٢ / ٥١٥، وتبصرة الحكام ١ / ٣٠١، والمغني لابن قدامة ٩ / ٤٣ - ٤٤، والفتاوى الهندية ٣ / ٤٢٠، وأسنى المطالب ٤ / ٢٩٩.
(٤) تبصرة الحكام ١ / ٢٩٩ و٣٠١، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٢٨، والأم للشافعي ٦ / ٢١٥.
ج - حَبْسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ حَتَّى يُعَدَّل الشُّهُودُ:
٩٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي حَبْسَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَتَثَبَّتَ مِنَ الدَّعْوَى بِحُجَّةٍ كَامِلَةٍ فِيمَا كَانَ أَقْصَى عُقُوبَةٍ فِيهِ غَيْرَ الْحَبْسِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، حَيْثُ أَقْصَى الْعُقُوبَةِ فِيهَا الْقَتْل وَالْقَطْعُ وَالْجَلْدُ، فَيَحْبِسُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِخَاصَّةٍ فِي حَقِّ الآْدَمِيِّ حَتَّى يَكْشِفَ الْقَاضِي عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ وَظِيفَتِهِ بَعْدَ أَنْ أَتَى الْمُدَّعِي بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الْبَيِّنَةِ.
فَمَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ يُحْبَسُ حَتَّى تَظْهَرَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ فِي ذَلِكَ. وَمَنِ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَذَفَهُ وَبَيِّنَتُهُ فِي الْمِصْرِ حُبِسَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِيُحْضِرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ حَتَّى يَقُومَ الْحَاكِمُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَإِلاَّ خَلَّى سَبِيلَهُ بِدُونِ كَفِيلٍ. فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ غَائِبَةً أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ فَلاَ يُحْبَسُ، فَإِذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا حَبَسَهُ (١) .
د - حَبْسُ صَاحِبِ الدَّعْوَى الْكَيْدِيَّةِ:
٩١ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ قَامَ بِشَكْوَى بِغَيْرِ حَقٍّ وَانْكَشَفَ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٢ / ١٧٣، والهداية ٢ / ١٠١، وبدائع الصنائع ٧ / ٥٣، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٥، والعناية للبابرتي ٥ / ٤٠١، والقوانين لابن جزي ص ٢١٩، وأسنى المطالب ٤ / ٣٦٣، ومنتهى الإرادات ٢ / ٥٨٣، والمغني ٩ / ٣٢٨، والمدونة ٥ / ١٨٥.
فَإِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ، وَأَقَل ذَلِكَ الْحَبْسُ لِيَنْدَفِعَ بِذَلِكَ أَهْل الْبَاطِل (١) .
هـ - حَبْسُ شَاهِدِ الزُّورِ:
٩٢ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ شَاهِدَ الزُّورِ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ طَوِيلًا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ. وَزَادَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ مَنْ يُلَقِّنُ شَهَادَةَ الزُّورِ لِغَيْرِهِ يُحْبَسُ وَيُضْرَبُ. وَالْمَنْقُول عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ ضَرَبَ شَاهِدَ الزُّورِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَسَخَّمَ وَجْهَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُطَافَ بِهِ فِي الأَْسْوَاقِ ثُمَّ أَطَال حَبْسَهُ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (٢) .
و حَبْسُ الْمُقِرِّ لآِخَرَ بِمَجْهُولٍ لاِمْتِنَاعِهِ مِنْ تَفْسِيرِهِ:
٩٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لآِخَرَ بِمَجْهُولٍ وَامْتَنَعَ مِنْ تَفْسِيرِهِ حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَهُ، سَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِ مِنْ نَفْسِهِ ابْتِدَاءً أَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ.
وَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ لِلُزُومِهِ، وَلأَِنَّ كَلاَمَ الْعَاقِل مَحْمُولٌ عَلَى الْجَدِّ لاَ
_________
(١) معين الحكم للطرابلسي ص ١٩٦ - ١٩٧، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٥٠٣، والقوانين الفقهية ص ٢٠٣، وفيض الإله للبقاعي ٢ / ٣٢٥، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٨٣، والإنصاف للمرداوي ١٠ / ٢٤٨، وفتاوى ابن تيمية ٢٨ / ٣٤٣ - ٣٤٤، والمدونة ٥ / ٢٠٣، والمغني لابن قدامة ٩ / ٢٦١، والسنن للبيهقي ١٠ / ١٤١ - ١٤٢، والمصنف لعبد الرزاق ٨ / ٣٢٥.
الْهَزْل. لَكِنْ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي تَوْضِيحِ مَا أَبْهَمَهُ؛ لأَِنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ. وَيَحْلِفُ يَمِينًا أَنَّهُ مَا نَوَى إِلاَّ ذَلِكَ صِيَانَةً لِحُقُوقِ النَّاسِ. وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ مُضَعَّفٍ إِلَى أَنَّ الْمُقِرَّ بِمَجْهُولٍ لاَ يُحْبَسُ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ تَفْسِيرِهِ؛ لإِمْكَانِ حُصُول الْغَرَضِ بِغَيْرِ الْحَبْسِ (١) .
حَالاَتُ الْحَبْسِ بِسَبَبِ الاِعْتِدَاءِ عَلَى نِظَامِ الدَّوْلَةِ:
أ - حَبْسُ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ:
٩٤ - الْمَنْقُول عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَقْتُل الْجَاسُوسَ الْمُسْلِمَ بَل يُعَزِّرُهُ بِمَا يَرَاهُ. وَنَصَّ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى حَبْسِهِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ. وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: يُطَال سَجْنُهُ وَيُنْفَى مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ.
وَقَال مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَسُحْنُونٌ: لِلْحَاكِمِ قَتْل الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ إِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ الْمَصْلَحَةَ، وَبِهِ قَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَسَبَبُ الاِخْتِلاَفِ فِي عُقُوبَةِ الْجَاسُوسِ
_________
(١) المغني ٥ / ١٨٧، والإنصاف ١٢ / ٢٠٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٠٦، وأسنى المطالب ٢ / ٣٠٠، ومعين الحكام ص ١٩٩، وشرح المحلي على منهاج الطالبين ٣ / ١١.