الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّ التَّغْرِيبَ جُزْءٌ مِنْ حَدِّ الزِّنَى، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، فَيُبْعَدَانِ عَنْ بَلَدِ الْجَرِيمَةِ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ إِذَا خِيفَ إِفْسَادُ الْمُغَرَّبِ غَيْرَهُ قُيِّدَ وَحُبِسَ فِي مَنْفَاهُ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: إِنَّ التَّغْرِيبَ جُزْءٌ مِنْ حَدِّ الزِّنَى أَيْضًا، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الرَّجُل دُونَ الْمَرْأَةِ فَلاَ تُغَرَّبُ خَشْيَةً عَلَيْهَا. وَيَنْبَغِي حَبْسُ الرَّجُل وُجُوبًا فِي مَنْفَاهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالأَْوْزَاعِيِّ لِلْمَنْقُول عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (٢) . وَقَال اللَّخْمِيُّ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إِذَا تَعَذَّرَ تَغْرِيبُ الْمَرْأَةِ سُجِنَتْ بِمَوْضِعِهَا عَامًا، لَكِنِ الْمُعْتَمَدُ الأَْوَّل (٣) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: إِنَّ التَّغْرِيبَ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ حَدِّ الزِّنَى، بَل هُوَ مِنْ بَابِ السِّيَاسَةِ وَالتَّعْزِيرِ، وَذَلِكَ مُفَوَّضٌ إِلَى الْحَاكِمِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ.
_________
(١) المغني لابن قدامة ٨ / ١٦٧ - ١٦٨، وحاشية القليوبي ٤ / ١٨١، وحاشية الباجوري ٢ / ٢٣١، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٢٣.
(٢) المدونة ٦ / ٢٣٦، وكفاية الطالب ٢ / ٢٦٥، ونيل الأوطار ٧ / ٩٥.
(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٢٢.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل عُمَرَ ﵁ بَعْدَ أَنْ نَفَى رَجُلًا وَلَحِقَ بِالرُّومِ: لاَ أَنْفِي بَعْدَهَا أَبَدًا. وَبِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً. وَقَالُوا: إِنَّ الْمُغَرَّبَ يَفْقِدُ حَيَاءَهُ بِابْتِعَادِهِ عَنْ بَلَدِهِ وَمَعَارِفِهِ فَيَقَعُ فِي الْمَحْظُورِ. لَكِنْ إِذَا رَأَى الْحَاكِمُ حَبْسَهُ فِي بَلَدِهِ مَخَافَةَ فَسَادِهِ فَعَل (١) .
ب - حَبْسُ مَنْ يَعْمَل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ:
٦٥ - لِلْفُقَهَاءِ عِدَّةُ أَقْوَالٍ فِي عُقُوبَةِ اللِّوَاطِ مِنْهَا قَوْلٌ بِحَبْسِهِمَا (٢) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (زِنًى، وَلِوَاطٌ) .
ج - حَبْسُ الْمُتَّهَمِ بِالْقَذْفِ:
٦٦ - مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى قَذْفِهِ حُبِسَ قَاذِفُهُ لاِسْتِكْمَال نِصَابِ الشَّهَادَةِ. وَمَنِ ادَّعَى عَلَى آخَرَ قَذْفَهُ وَبَيِّنَتُهُ فِي الْمِصْرِ يُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِيُحْضِرَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ حَتَّى قِيَامِ الْحَاكِمِ مِنْ مَجْلِسِهِ وَإِلاَّ خُلِّيَ سَبِيلُهُ بِغَيْرِ كَفِيلٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٩، والدر المختار وحاشيته ٤ / ١٤.
(٢) الاختيار ٤ / ٩١، وكفاية الطالب ٢ / ٢٦٨، وقيده بكونه بين ذكرين فإن كان بامرأة فحد الزني، وشرح المحلي على منهاج الطالبين ٤ / ١٧٩، والمغني ٨ / ١٨٧، والفتاوى لابن تيمية ٢٨ / ٣٣٥، وأسنى المطالب ٤ / ١٢٦، والروض المربع للبهوتي ٧ / ٣١٨.
الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِخِلاَفِ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِالْقَذْفِ: لاَ يُجْلَدُ بَل يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْقَذْفَ بَل الشَّتْمَ وَالسَّبَّ وَالْفُحْشَ فِي الْكَلاَمِ. وَقِيل: يُسْجَنُ سَنَةً لِيَحْلِفَ، وَقِيل: يُحَدُّ (١) .
د - حَبْسُ الْمُدْمِنِ عَلَى السُّكْرِ تَعْزِيرًا بَعْدَ حَدِّهِ:
٦٧ - رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَلْزَمَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ السِّجْنَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ جَلَدَ أَبَا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ، وَأَمَرَ بِحَبْسِهِ، فَأُوثِقَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ (٢) .
هـ - الْحَبْسُ لِلدِّعَارَةِ وَالْفَسَادِ الْخُلُقِيِّ:
٦٨ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ تَتَبُّعِ أَهْل الْفَسَادِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ بِالسَّجْنِ حَتَّى يَتُوبُوا. فَمَنْ قَبَّل أَجْنَبِيَّةً أَوْ عَانَقَهَا أَوْ مَسَّهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ بَاشَرَهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ يُحْبَسُ إِلَى ظُهُورِ تَوْبَتِهِ. وَمَنْ خَدَعَ الْبَنَاتِ وَأَخْرَجَهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤٥، وبدائع الصنائع ٧ / ٥٣، والمدونة ٥ / ١٨٢، ١٨٥، وتبصرة الحكام ١ / ٢٦٧، ٣٩١، ٤٠٧، وأسنى المطالب ٤ / ٣٦٣، وأحكام السوق ليحيى بن عمر ص ١٤٢، والقوانين الفقهية ص ٢٣٥.
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٣، والخراج ص ٣٣، والمصنف لعبد الرزاق ٩ / ٢٤٣ و٢٤٧.
وَأَفْسَدَهُنَّ عَلَى آبَائِهِنَّ حُبِسَ (١) .
وَتُحْبَسُ الْمَرْأَةُ الدَّاعِرَةُ وَالْقَوَّادَةُ وَتُضْرَبُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهَا (٢) .
و الْحَبْسُ لِلتَّخَنُّثِ:
٦٩ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى حَبْسِ الْمُخَنَّثِ تَعْزِيرًا لَهُ حَتَّى يَتُوبَ، وَنُقِل عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ يُحْبَسُ إِذَا خِيفَ بِهِ فَسَادُ النَّاسِ. وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِذَا نُفِيَ الْمُخَنَّثُ وَخِيفَ فَسَادُهُ يُحْبَسُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ (٣) .
ز - الْحَبْسُ لِلتَّرَجُّل:
٧٠ - ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُتَشَبِّهَةَ بِالرِّجَال تُحْبَسُ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؛ لأَِنَّ جِنْسَ هَذَا الْحَبْسِ مَشْرُوعٌ فِي جِنْسِ الْفَاحِشَةِ وَهُوَ الزِّنَى. وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ حَبْسُهَا عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ فَتُحْبَسُ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي دَارٍ وَتُمْنَعُ مِنَ الْخُرُوجِ (٤) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٦٧، وفتح القدير ٤ / ٢١٨، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٠٥، ومعين الحكام ص ١٧٦، وفتاوى ابن تيمية ١٥ / ٣١٣ - ٣١٤ و٣٤ / ١٧٨، والإفصاح لابن هبيرة ١ / ٣٩، والمعيار ٢ / ٣٤٦ - ٣٤٧.
(٢) الحسبة المذهبية في بلاد المغرب لموسى لقبال ص ٤٤، وأحكام السوق ليحيى بن عمر ص ١٣٣.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٦٧، وفتح القدير ٤ / ٢١٨، وأعلام الموقعين ٤ / ٣٧٧، وفتاوى ابن تيمية ١٥ / ٣١٠.
(٤) فتاوى ابن تيمية ١٥ / ٣١٣ - ٣١٤.
ح - الْحَبْسُ لِكَشْفِ الْعَوْرَاتِ فِي الْحَمَّامَاتِ:
٧١ - نَصَّ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ الْقَاضِي الأَْنْدَلُسِيُّ عَلَى سَجْنِ صَاحِبِ الْحَمَّامِ وَغَلْقِ حَمَّامِهِ إِذَا سَهَّل لِلنَّاسِ كَشْفَ عَوْرَاتِهِمْ وَرَضِيَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنَ الدُّخُول مَكْشُوفِي الْعَوْرَاتِ (١) .
ط - الْحَبْسُ لاِتِّخَاذِ الْغِنَاءِ صَنْعَةً:
٧٢ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى حَبْسِ الْمُغَنِّي حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً لِتَسَبُّبِهِ فِي الْفِتْنَةِ وَالْفَسَادِ غَالِبًا (٢) .
حَالاَتُ الْحَبْسِ بِسَبَبِ الاِعْتِدَاءِ عَلَى الْمَال:
أ - حَبْسُ الْعَائِدِ إِلَى السَّرِقَةِ بَعْدَ قَطْعِهِ:
٧٣ - إِذَا قُطِعَ السَّارِقُ ثُمَّ عَادَ إِلَى السَّرِقَةِ يُحْبَسُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِمَنْعِ ضَرَرِهِ عَنِ النَّاسِ، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي تَحْدِيدِ عَدَدِ الْمَرَّاتِ الَّتِي يُقْطَعُ أَوْ يُحْبَسُ بَعْدَهَا (٣) . (ر: سَرِقَةٌ) .
_________
(١) أحكام السوق ليحيى بن عمر ص ٨٨ و١١٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٦٧، والاختيار ٤ / ٦٦، وفتح القدير ٤ / ٢١٨.
(٣) بدائع الصنائع ٧ / ٦٣، ٨٦، والمبسوط ٢٤ / ٣٢، والمدونة ٦ / ٢٨٨، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٣٠٦، ٣٣٣، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٥١، ٨٦، والمغني ٨ / ٢٦٣، ٢٦٤ و٩ / ٣٢٨، ومنتهى الإرادات لابن النجار ٢ / ٥٨٣، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ٢١٩، وأسنى المطالب ٤ / ١٥٣، ٣٦٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٨٩، وحاشية الباجوري ٢ / ٢٤٥، وبداية المجتهد ٢ / ٤٥٣، وحاشية القليوبي ٤ / ١٩٨، وكفاية الطالب ٢ / ٢٧٥، والاختيار ٤ / ١١٠، والإنصاف ١٠ / ٢٨٦، والإفصاح لابن هبيرة ١ / ٣٩، والسياسة الشرعية ص ٩٩، والمصنف لعبد الرزاق ١٠ / ١٨٦، وكنز العمال ٥ / ٣١٣ و٣١٤ و٣١٦ و٣١٩.
ب - حَبْسُ السَّارِقِ تَعْزِيرًا لِتَخَلُّفِ مُوجِبِ الْقَطْعِ:
٧٤ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى حَالاَتٍ يُحْبَسُ فِيهَا السَّارِقُ لِتَخَلُّفِ مُوجِبَاتِ الْقَطْعِ وَمِنْ ذَلِكَ: حَبْسُ مَنِ اعْتَادَ سَرِقَةَ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، وَحَبْسُ مَنِ اعْتَادَ سَرِقَةَ بَزَابِيزِ الْمِيَضِ (صَنَابِيرِ الْمَاءِ) وَنِعَال الْمُصَلِّينَ. وَنَصُّوا عَلَى حَبْسِ الطَّرَّارِ وَالْقَفَّافِ وَالْمُخْتَلِسِ، وَمَنْ يَدْخُل الدَّارَ فَيَجْمَعُ الْمَتَاعَ فَيُمْسَكُ وَلَمَّا يُخْرِجْهُ. وَكُل سَارِقٍ انْتَفَى عَنْهُ الْقَطْعُ لِشُبْهَةٍ وَنَحْوِهَا يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ (١) .
ج - حَبْسُ الْمُتَّهَمِ بِالسَّرِقَةِ:
٧٥ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى حَبْسِ الْمُتَّهَمِ بِالسَّرِقَةِ لِوُجُودِ قَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي ذَلِكَ كَتَجَوُّلِهِ فِي مَوْضِعِ السَّرِقَةِ وَمُعَالَجَتِهِ أُمُورًا تُعْتَبَرُ مُقَدِّمَاتٍ لِذَلِكَ (٢) .
د - الْحَبْسُ لِحَالاَتٍ تَتَّصِل بِالْغَصْبِ:
٧٦ - يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ، فَإِنْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٩٣، والخراج ص ١٨٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٦٧ و٧٦، والفتاوى لابن تيمية ٣٥ / ٤٠٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٢٠، والقوانين الفقهية ص ٢١٩، وتهذيب الفروق للمالكي ٤ / ١٣٤، وعون المعبود ٤ / ٢٣٥، وتبصرة الحكام ١ / ٣٣١ و٢ / ١٦٢ - ١٦٣.
أَبَى حُبِسَ حَتَّى يَرُدَّهُ، فَإِنِ ادَّعَى هَلاَكَهُ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةً يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَاقِيًا لأَظْهَرَهُ، ثُمَّ يَقْضِي عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ. وَقِيل: بَل يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَلاَ يُحْبَسُ. وَمَنْ بَلَعَ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا أَوْ لُؤْلُؤَةً حُبِسَ حَتَّى يَرْمِيَهُ لِصَاحِبِهِ (١) .
هـ - الْحَبْسُ لِلاِخْتِلاَسِ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ:
٧٧ - ذَهَبَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ إِلَى حَبْسِ مَنِ اخْتَلَسَ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مَعَ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ (٢) .
و حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ:
٧٨ - نَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى حَبْسِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا (٣) .
ز - الْحَبْسُ لِلدَّيْنِ: مَشْرُوعِيَّةُ حَبْسِ الْمَدِينِ:
٧٩ - الْمَدِينُ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إِمَّا مُعْسِرٌ، وَإِمَّا مُوسِرٌ:
_________
(١) الدر المختار وحاشيته ٥ / ٢٨٢ - ٢٨٣ و٦ / ١٨٥، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٤٢، والقوانين الفقهية ص ٢١٧، وشرح المحلي على منهاج الطالبين ٣ / ٣٤، والمحلى لابن حزم ٥ / ١٦٦ ط المنيرية.
(٢) المغني ٨ / ٣٢٥، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٩٩.
(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤٩١، وتبصرة الحكام ٢ / ١٩١، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٠٣، ومنتهى الإرادات لابن النجار ١ / ٢٠٣.
فَالْمَدِينُ الَّذِي ثَبَتَ إِعْسَارُهُ يُمْهَل حَتَّى يُوسِرَ لِلآْيَةِ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) .
وَالْمَدِينُ الْمُوسِرُ يُعَاقَبُ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ الْحَال لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (٢) .
وَلِلْعُلَمَاءِ قَوْلاَنِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يُقْصَدُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الْحَدِيثِ الْحَبْسُ، وَهَذَا قَوْل شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَسَوَّارٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ وَغَيْرُهُمَا؛ لأَِنَّ الْحُقُوقَ لاَ تُخَلَّصُ فِي هَذِهِ الأَْزْمِنَةِ غَالِبًا إِلاَّ بِهِ وَبِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ (٣) .
الْقَوْل الثَّانِي: الْعُقُوبَةُ فِي الْحَدِيثِ هِيَ الْمُلاَزَمَةُ، حَيْثُ يَذْهَبُ الدَّائِنُ مَعَ الْمَدِينِ أَنَّى ذَهَبَ، وَهَذَا قَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَذَكَرُوا أَنَّ الْمَدِينَ لاَ يُحْبَسُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحْبِسْ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٠، وانظر شرح أدب القاضي للخصاف ٢ / ٣٥٠ - ٣٥١، وأخبار القضاة لوكيع ١ / ١١٢ و٢ / ٩.
(٢) تقدم تخريجه في الفقرة (٩) .
(٣) المغني ٤ / ٤٩٩، والإنصاف ٥ / ٢٧٥، والسياسة الشرعية ص ٤٣، والطرق الحكمية ص ٦٣، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٩٢، وحاشية القليوبي ٢ / ٢٩٢، والاختيار ٢ / ٨٩، والهداية ٣ / ٨٤، وسبل السلام ٣ / ٥٥ - ٥٦.
بِالدَّيْنِ، وَلَمْ يَحْبِسْ بَعْدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، بَل كَانُوا يَبِيعُونَ عَلَى الْمَدِينِ مَالَهُ (١) .
مَا يُحْبَسُ بِهِ الْمَدِينُ:
٨٠ - قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الدَّيْنَ إِلَى أَقْسَامٍ: مَا كَانَ بِالْتِزَامٍ بِعَقْدٍ كَالْكَفَالَةِ وَالْمَهْرِ الْمُعَجَّل، وَمَا كَانَ بِغَيْرِ الْتِزَامٍ إِلاَّ أَنَّهُ لاَزِمٌ، كَنَفَقَةِ الأَْقَارِبِ وَبَدَل الْمُتْلَفِ، وَمَا كَانَ عَنْ عِوَضٍ مَالِيٍّ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ. وَلَهُمْ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ فِيمَا يُحْبَسُ بِهِ الْمَدِينُ وَمَا لاَ يُحْبَسُ بِهِ (٢) .
وَذَكَرُوا أَنَّ أَقَل مِقْدَارٍ يُحْبَسُ بِهِ الْمَدِينُ الْمُمَاطِل فِي دَيْنِ آدَمِيٍّ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ. أَمَّا الدُّيُونُ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ فَلاَ حَبْسَ فِيهَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ (٣) .
الْمَدِينُ الَّذِي يُحْبَسُ:
٨١ - تُحْبَسُ الْمَرْأَةُ بِالدَّيْنِ إِنْ طَلَبَ غَرِيمُهَا ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ زَوْجَةً أَمْ أَجْنَبِيَّةً. وَاتَّجَهَ
_________
(١) المغني ٤ / ٤٩٩، والطرق الحكمية ص ٦٢ - ٦٤، وسبل السلام ٣ / ٥٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٨١، والطرق الحكمية ص ٦٣.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٩، والفتاوى الهندية ٣ / ٤٢٠، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩٧، وجواهر الإكليل ١ / ١٣٩، وفيض الإله للبقاعي ٢ / ٣٥، والأشباه للسيوطي ص ٤٩١.
بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُخَدَّرَةَ (الَّتِي تَلْزَمُ بَيْتَهَا وَلاَ تَبْرُزُ لِلرِّجَال) لاَ تُحْبَسُ فِي الدَّيْنِ، بَل يُسْتَوْثَقُ عَلَيْهَا وَيُوَكَّل بِهَا (١) .
وَيُحْبَسُ الزَّوْجُ بِدَيْنِ زَوْجَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا (٢) . وَيُحْبَسُ الْقَرِيبُ بِدَيْنِ أَقْرِبَائِهِ، حَتَّى الْوَلَدُ يُحْبَسُ بِدَيْنِ وَالِدَيْهِ لاَ الْعَكْسُ. وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ؛ لأَِنَّ مُوجِبَ الْحَبْسِ لاَ يَخْتَلِفُ بِالذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ (٣) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الصَّبِيَّ لاَ يُحْبَسُ بِالدَّيْنِ بَل يُؤَدَّبُ. وَفِي الْقَوْل الآْخَرِ لِلْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ يُحْبَسُ بِالدَّيْنِ إِذَا أَذِنَ لَهُ بِالْبَيْعِ وَظَلَمَ (٤) .
وَيُحْبَسُ الْمُسْلِمُ بِدَيْنِ الْكَافِرِ وَلَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا؛ لأَِنَّ مَعْنَى الظُّلْمِ مُتَحَقِّقٌ فِي مُمَاطَلَتِهِ (٥) .
_________
(١) فتاوى قاضي خان ٢ / ٣٥٣، والمدونة ٥ / ٢٠٥، والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٥١٧، وحاشية الجمل ٥ / ٣٤٦، والأشباه للسيوطي ص ٤٩١، وحاشية القليوبي ٢ / ٢٩٢.
(٢) المدونة ٥ / ٢٠٥.
(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١٧٣، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٨١، وفيض الإله للبقاعي ٢ / ٣٦، والأشباه للسيوطي ص ٤٩١.
(٤) المبسوط ٢٠ / ٩١، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٢٦، ومعين الحكام ص ١٧٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٨٠، وأسنى المطالب مع حاشية الرملي ٤ / ٣٠٦.
(٥) المبسوط ٢٠ / ٩١، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٨١، والإنصاف ١١ / ٢١٩، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٨١.