الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦ الصفحة 60

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦

ط - حَبْسُ مَنْ يُمَارِسُ الطِّبَّ مِنْ غَيْرِ الْمُخْتَصِّينَ:

٥٤ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الطَّبِيبَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ وَأَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُحْجَرُ عَلَى الطَّبِيبِ الْجَاهِل، وَذَلِكَ بِمَنْعِهِ مِنْ عَمَلِهِ حِسًّا مَخَافَةَ إِفْسَادِ أَبْدَانِ النَّاسِ (١) .

حَالاَتُ الْحَبْسِ بِسَبَبِ الاِعْتِدَاءِ عَلَى الدِّينِ وَشَعَائِرِهِ:

أ - الْحَبْسُ لِلرِّدَّةِ:

٥٥ - إِذَا ثَبَتَتْ رِدَّةُ الْمُسْلِمِ حُبِسَ حَتَّى تُكْشَفَ شُبْهَتُهُ وَيُسْتَتَابَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الْحَبْسِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّ حَبْسَ الْمُرْتَدِّ لاِسْتِتَابَتِهِ قَبْل قَتْلِهِ وَاجِبٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أُخْبِرَ عَنْ قَتْل رَجُلٍ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمٍ فَقَال لِقَاتِلِيهِ: أَفَلاَ حَبَسْتُمُوهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَقَدَّمْتُمْ لَهُ خُبْزًا، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قَتَلْتُمُوهُ. . اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي. فَلَوْ كَانَ

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٣٣، والقوانين الفقهية ص ٢٢١، والمعيار ٢ / ٥٠٢، وبدائع الصنائع ٧ / ١٦٩، والاختيار للموصلي ٢ / ٩٦.

حَبْسُهُ غَيْرَ وَاجِبٍ لَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وَلَمَا تَبَرَّأَ مِنْ عَمَلِهِمْ، وَقَدْ سَكَتَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْل عُمَرَ فَكَانَ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا. ثُمَّ إِنَّ اسْتِصْلاَحَ الْمُرْتَدِّ مُمْكِنٌ بِحَبْسِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ فَلاَ يَجُوزُ إِتْلاَفُهُ قَبْل ذَلِكَ. وَبِنَحْوِ هَذَا فَعَل عَلِيٌّ ﵁ (١) .

الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ حَبْسَ الْمُرْتَدِّ لاِسْتِتَابَتِهِ قَبْل قَتْلِهِ مُسْتَحَبٌّ لاَ وَاجِبٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَنْقُول عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَطَاوُسٍ، وَبِهِ قَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِحَدِيثِ: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (٢) وَلأَِنَّهُ يَعْرِفُ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ، وَقَدْ جَاءَتْ رِدَّتُهُ عَنْ تَصْمِيمٍ وَقَصْدٍ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلاَ يَجِبُ حَبْسُهُ لاِسْتِتَابَتِهِ بَل يُسْتَحَبُّ طَمَعًا فِي رُجُوعِهِ الْمَوْهُومِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَْشْعَرِيَّ بَعَثَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُخْبِرُهُ بِفَتْحِ تُسْتَرَ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ قَوْمٍ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ: مَا أَخْبَارُهُمْ؟ فَقَال

_________

(١) الخرشي ٨ / ٦٥، وأسنى المطالب ٤ / ١٢٢، والإنصاف ١٠ / ٣٢٨، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٢٤ - ١٢٥، وفتح الباري ١٢ / ٢٦٩، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٥٦، وخبر عمر أخرجه مالك في الموطأ كما في جامع الأصول ٣ / ٤٨٠، وأبو يوسف في والخراج ص ١٩٥، والبيهقي ٨ / ٢٠٧، والشافعي كما في نيل الأوطار ٨ / ٢، وعبد الرزاق في مصنفه ١٠ / ١٦٥، وفيه أيضا ١٠ / ١٦٤ قصة مماثلة وقعت مع عثمان ﵁.

(٢) حديث: " من بدل دينه فاقتلوه " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٢٦٧ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.

أَنَسٌ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَنِ الإِْسْلاَمِ وَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ مَا سَبِيلُهُمْ إِلاَّ الْقَتْل. فَقَال عُمَرُ: لأَنْ آخُذَهُمْ سِلْمًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. فَقَال أَنَسٌ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِمْ؟ قَال عُمَرُ: أَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى الإِْسْلاَمِ فَإِنْ فَعَلُوا وَإِلاَّ اسْتَوْدَعْتُهُمُ السِّجْنَ. وَيُرْوَى فِي هَذَا أَيْضًا أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْيَمَنَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا مُوثَقًا فَقَال: مَا هَذَا؟ قَال: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمٍ، ثُمَّ دَعَاهُ إِلَى الْجُلُوسِ فَقَال مُعَاذٌ: لاَ أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَل هَذَا - ثَلاَثَ مَرَّاتٍ - قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِل (١) .

وَفِي الْمُرْتَدِّ الَّذِي يُحْبَسُ، وَمُدَّةِ حَبْسِهِ وَمَسَائِل أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالْمُرْتَدِّ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (رِدَّةٌ) .

ب - الْحَبْسُ لِلزَّنْدَقَةِ:

٥٦ - يُطْلَقُ لَفْظُ الزِّنْدِيقِ عَلَى كُل مَنْ أَسَرَّ الْكُفْرَ وَأَظْهَرَ الإِْيمَانَ حَتَّى بَدَرَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى خَبِيئَةِ نَفْسِهِ (٢) . وَلِلْعُلَمَاءِ قَوْلاَنِ فِي حُكْمِ الزِّنْدِيقِ:

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٣٤، والاختيار ٤ / ١٤٥، والخراج ص ١٩٥، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٢٤، وفتح الباري ١٢ / ٢٦٩، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٨٣، وخبر أنس بن مالك أخرجه البيهقي ٨ / ٢٠٧، وعبد الرزاق ١٠ / ١٦٦، وخبر معاذ بن جبل متفق عليه كما في اللؤلؤ والمرجان برقم ١١٩٨.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٨٤، الطبعة الأولى، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٥٧، وحاشية القليوبي ٣ / ١٤٨.

الْقَوْل الأَْوَّل: إِذَا عُثِرَ عَلَى الزِّنْدِيقِ يُقْتَل وَلاَ يُسْتَتَابُ، وَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي دَعْوَى التَّوْبَةِ إِلاَّ إِذَا جَاءَ تَائِبًا قَبْل أَنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَوْل اللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ.

وَعِلَّةُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لاَ تَظْهَرُ مِنْهُ عَلاَمَةٌ تُبَيِّنُ رُجُوعَهُ وَتَوْبَتَهُ؛ لأَِنَّهُ كَانَ مُظْهِرًا لِلإِْسْلاَمِ مُسِرًّا لِلْكُفْرِ، فَإِذَا أَظْهَرَ الإِْسْلاَمَ لَمْ يَزِدْ جَدِيدًا (١) .

الْقَوْل الثَّانِي: الزِّنْدِيقُ يُحْبَسُ لِلاِسْتِتَابَةِ كَالْمُرْتَدِّ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَابْنِ لُبَابَةَ. اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُل الْمُنَافِقِينَ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِهِمْ، فَهُوَ الأُْسْوَةُ فِي إِبْقَائِهِمْ عَلَى الْحَيَاةِ وَاسْتِتَابَتِهِمْ كَالْمُرْتَدِّينَ (٢) .

ج - حَبْسُ الْمُسِيءِ إِلَى بَيْتِ النُّبُوَّةِ:

٥٧ - مَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنْ أَهْل بَيْتِ النُّبُوَّةِ يُضْرَبُ وَيُشَهَّرُ وَيُحْبَسُ طَوِيلًا؛ لاِسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ

_________

(١) كفاية الطالب ٢ / ٢٥٩، والقوانين لابن جزي ص ٢٣٩، ومعين الحكام ص ١٩٣، وغياث الأمم ص ٢٣١، وشرح المحلي على منهاج الطالبين ٤ / ١٧٧، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٢٦.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٢ و٤ / ٢٢٥، وشرح المحلي٤ / ١٧٧، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٢٦ - ١٢٧، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٨٣.

الرَّسُول ﷺ (١) . وَمَنْ شَتَمَ الْعَرَبَ أَوْ لَعَنَهُمْ أَوْ بَنِي هَاشِمٍ سُجِنَ وَضُرِبَ. وَمَنِ انْتَسَبَ كَذِبًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ضُرِبَ وَسُجِنَ وَشُهِّرَ بِهِ لاِسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّهِ ﵊، وَلاَ يُخَلَّى عَنْهُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ. وَمَنْ شَتَمَ عَائِشَةَ ﵂ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ يُسْجَنُ لِلاِسْتِتَابَةِ وَإِلاَّ قُتِل لِرِدَّتِهِ وَكُفْرِهِ. وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِهَا فَعَلَيْهِ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ وَالسَّجْنُ الطَّوِيل. وَمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ أَوِ انْتَقَصَهُمْ أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ يُحْبَسُ وَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ فِي السِّجْنِ (٢) .

د - الْحَبْسُ لِتَرْكِ الصَّلاَةِ:

٥٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ جُحُودًا وَاسْتِخْفَافًا كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، يُحْبَسُ لِلاِسْتِتَابَةِ وَإِلاَّ يُقْتَل. وَقَدْ ذَكَرُوا: أَنَّ تَرْكَ الصَّلاَةِ يَحْصُل بِتَرْكِ صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ يَخْرُجُ وَقْتُهَا دُونَ أَدَائِهَا مَعَ الإِْصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ (٣) .

وَمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ كَسَلًا وَتَهَاوُنًا مَعَ اعْتِقَادِ

_________

(١) الشفاء ٢ / ٣٣٢، والقوانين الفقهية ص ٢٤٠.

(٢) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٣١٢، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٦٩ و٢٣٥، والشفاء ٢ / ٣٣٢، ومعين الحكام ص ١٩٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٨٢، ومنح الجليل لعليش ٤ / ٤٨٤، ٤٨٦، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٨٥.

(٣) الاختيار ١ / ٣٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧٨، ومنهاج الطالبين ١ / ٣١٩، ومنتهى الإرادات لابن النجار ١ / ٥٢، وكفاية الطالب ٢ / ٢٦٠.

وُجُوبِهَا يُدْعَى إِلَيْهَا، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى تَرْكِهَا فَفِي عُقُوبَتِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: يُحْبَسُ تَارِكُ الصَّلاَةِ كَسَلًا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لِلاِسْتِتَابَةِ وَإِلاَّ قُتِل حَدًّا لاَ كُفْرًا، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَوَكِيعٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (١) .

الْقَوْل الثَّانِي: يُحْبَسُ تَارِكُ الصَّلاَةِ كَسَلًا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لِلاِسْتِتَابَةِ وَإِلاَّ قُتِل كُفْرًا وَرِدَّةً، حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ مَنْ جَحَدَهَا وَأَنْكَرَهَا لِعُمُومِ حَدِيثِ: بَيْنَ الرَّجُل وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ (٢) وَهَذَا قَوْل عَلِيٍّ ﵁ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ (٣) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: يُحْبَسُ تَارِكُ الصَّلاَةِ كَسَلًا وَلاَ يُقْتَل بَل يُضْرَبُ فِي حَبْسِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ، وَهُوَ الْمَنْقُول عَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسِ

_________

(١) بداية المجتهد ١ / ٩٠، والفروق للقرافي ٤ / ٧٩، ومنهاج الطالبين ٣ / ١٦ - ١٧، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٤ / ٣٠٦، والمغني لابن قدامة ٢ / ٤٤٢، والحسبة لابن تيمية ص ٨.

(٢) حديث: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " أخرجه مسلم (١ / ٨٨ - ط الحلبي) من حديث جابر عبد الله.

(٣) المغني ٢ / ٤٤٢، والمجموع للنووي ٣ / ١٦ - ١٧.

بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالْمَارِقِ مِنَ الدِّينِ التَّارِكِ الْجَمَاعَةَ (١) وَتَارِكُ الصَّلاَةِ كَسَلًا لَيْسَ أَحَدَ الثَّلاَثَةِ، فَلاَ يَحِل دَمُهُ بَل يُحْبَسُ لاِمْتِنَاعِهِ مِنْهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا (٢) .

هـ - الْحَبْسُ لاِنْتِهَاكِ حُرْمَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ:

٥٩ - مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ جُحُودًا وَاسْتِهْزَاءً حُبِسَ لِلاِسْتِتَابَةِ وَإِلاَّ قُتِل؛ لأَِنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ.

وَمَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ كَسَلًا وَتَهَاوُنًا لَمْ يَزُل عَنْهُ وَصْفُ الإِْسْلاَمِ وَلاَ يُقْتَل بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ بَل يُعَاقَبُ بِالْحَبْسِ، وَيُمْنَعُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ نَهَارًا لِيَحْصُل لَهُ صُورَةُ الصِّيَامِ، وَرُبَّمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَنْوِيَهُ فَيَحْصُل لَهُ حِينَئِذٍ حَقِيقَتُهُ. وَنَصَّ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى أَنَّهُ يُحْبَسُ مُدَّةَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ (٣) .

_________

(١) حديث: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس. . . " أخرجه البخاري (٩ / ٦ - ط محمد على صبيح) من حديث عبد الله بن مسعود.

(٢) المغني لابن قدامة ٢ / ٤٤٢، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٤٨، والمجموع ٣ / ١٦ - ١٧، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٥٣٢، والسياسة الشرعية لابن تيمية ص ٧٥.

(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٧٦، وفتح القدير ٤ / ٢١٨، وحاشية الرملي ٤ / ٣٠٦، والفروق للقرافي ٤ / ٧٩، وجواهر الإكليل للآبي ١ / ١٥٤ و٢ / ٢٧٨، والتذكار في أفضل الأذكار للقرطبي ص ٦٩، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٢٢.

وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ يُضْرَبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، ثُمَّ يُحْبَسُ وَيُضْرَبُ عِشْرِينَ جَلْدَةً تَعْزِيرًا لِحَقِّ رَمَضَانَ. وَهَذَا قَوْل بَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَنْقُول عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (١) .

و الْحَبْسُ بِسَبَبِ الْعَمَل بِالْبِدْعَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا:

حَبْسُ الْبِدْعِيِّ الدَّاعِيَةِ:

٦٠ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْبِدْعِيَّ الدَّاعِيَةَ يُمْنَعُ مِنْ نَشْرِ بِدْعَتِهِ، وَيُضْرَبُ وَيُحْبَسُ بِالتَّدَرُّجِ، فَإِذَا لَمْ يَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ جَازَ قَتْلُهُ سِيَاسَةً وَزَجْرًا؛ لأَِنَّ فَسَادَهُ أَعْظَمُ وَأَعَمُّ، إِذْ يُؤَثِّرُ فِي الدِّينِ وَيُلَبِّسُ أَمْرَهُ عَلَى الْعَامَّةِ. وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُحْبَسُ وَلَوْ مُؤَبَّدًا حَتَّى يَكُفَّ عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى بِدْعَتِهِ وَلاَ يُقْتَل، وَبِهَذَا قَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .

حَبْسُ الْمُبْتَدِعِ غَيْرِ الدَّاعِيَةِ:

٦١ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَبْسِ الْمُبْتَدِعِ غَيْرِ الدَّاعِيَةِ وَضَرْبِهِ إِذَا لَمْ يَنْفَعْ مَعَهُ الْبَيَانُ وَالنُّصْحُ، وَقَال آخَرُونَ: يُعَزَّرُ.

_________

(١) غاية البيان ص ٤٠١، والمصنف لعبد الرزاق ٧ / ٣٨٢ و٩ / ٢٣١.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٤٣، وتبصرة الحكام ٢ / ٤٢٦، والسياسة الشرعية ص ١١٤، والإنصاف ١٠ / ٢٤٩، وكشاف القناع للبهوتي ٦ / ١٢٦، والطرق الحكمية ص ١٠٥.

وَاتَّجَهَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ قَتْلِهِ إِذَا لَمْ يَتُبْ. وَقَدْ حَبَسَ عُمَرُ ﵁ صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ وَضَرَبَهُ مِرَارًا لِتَتَبُّعِهِ مُشْكِل الْقُرْآنِ وَمُتَشَابِهَهُ بِقَصْدِ إِرْسَاءِ مَبْدَأِ الاِبْتِدَاعِ وَالْكَيْدِ فِي الدِّينِ مُخَالِفًا بِذَلِكَ قَوَاعِدَ التَّسْلِيمِ لِكَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا كَانَ يَفْعَل الصَّحَابَةُ (١) .

ز - الْحَبْسُ لِلتَّسَاهُل فِي الْفَتْوَى وَنَحْوِهِ:

حَبْسُ الْمُفْتِي الْمَاجِنِ:

٦٢ - نَصَّ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَبْسِ وَتَأْدِيبِ الْمُتَجَرِّئِ عَلَى الْفَتْوَى إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا. وَنَقَل مَالِكٌ عَنْ شَيْخِهِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَال: بَعْضُ مَنْ يُفْتِي هَاهُنَا أَحَقُّ بِالسِّجْنِ مِنَ السُّرَّاقِ. وَسُئِل بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَنْ رَجُلٍ يَقُول: إِنَّ الاِسْتِمْرَارَ فِي شُرْبِ الدُّخَانِ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَى فَمَاذَا يَلْزَمُهُ؟ فَأَجَابَ: يَلْزَمُهُ التَّأْدِيبُ اللاَّئِقُ بِحَالِهِ كَالضَّرْبِ أَوِ السِّجْنِ لِتَجَرُّئِهِ عَلَى الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَغْيِيرِهِ لَهَا؛ لأَِنَّ حُرْمَةَ الزِّنَى قَطْعِيَّةٌ إِجْمَاعِيَّةٌ، وَفِي حُرْمَةِ الدُّخَانِ خِلاَفٌ (٢) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٤٣، ونسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض للخفاجي ٤ / ٤٧٣، وبداية المجتهد ٢ / ٤٥٨، والأقضية لابن فرج ص ١١، وتبصرة الحكام ٢ / ٣١٧، ومعين الحكام ص ١٩٧، وشرح الشفا لعلي القاري ٤ / ٤٧٣، والفتاوى لابن تيمية ١٣ / ٣١١، والتذكار للقرطبي ص ٢٠٨.

(٢) فتح العلي المالك لعليش ١ / ٥٩ و١٩١ و٢ / ٢٩٧، والمعيار ٢ / ٥٠٢.

ح - الْحَبْسُ لِلاِمْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الْكَفَّارَاتِ:

٦٣ - ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ أَدَاءِ الْكَفَّارَاتِ يُحْبَسُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُحْبَسُ بَل يُؤَدَّبُ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الظِّهَارِ: إِنَّ الْمَرْأَةَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا إِذَا خَافَتْ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا زَوْجُهَا قَبْل الْكَفَّارَةِ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِ رَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْحَاكِمِ لِيَمْنَعَهُ مِنْهَا، وَيُؤَدِّبُهُ إِنْ رَأَى ذَلِكَ. فَإِنْ أَصَرَّ الْمُظَاهِرُ عَلَى امْتِنَاعِهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِهَا بِحَبْسِهِ وَضَرْبِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الزَّوْجَةِ إِلَى أَنْ يُكَفِّرَ أَوْ يُطَلِّقَ؛ لأَِنَّ حَقَّ الْمُعَاشَرَةِ يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ لاَ إِلَى خَلَفٍ، فَاسْتَحَقَّ الْحَبْسَ لاِمْتِنَاعِهِ (٢) .

حَالاَتُ الْحَبْسِ بِسَبَبِ الاِعْتِدَاءِ عَلَى الأَْخْلاَقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ:

أ - حَبْسُ الْبِكْرِ الزَّانِي بَعْدَ جَلْدِهِ:

٦٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْبِكْرِ الزَّانِي مِائَةُ جَلْدَةٍ لِلآْيَةِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣) . وَاخْتَلَفُوا فِي نَفْيِهِ الْوَارِدِ فِي قَوْلِهِ ﷺ لِرَجُلٍ زَنَى ابْنُهُ: وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ (٤) .

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤٩١، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩٧، وجواهر الإكليل ١ / ١٣٩.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤٦٩ و٥ / ٣٧٨، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢١٨.

(٣) سورة النور / ٦.

(٤) حديث: " على ابنك جلد مائة وتغريب عام " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٦٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٢٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد.