الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦ الصفحة 55

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦

نَفَقَةٌ (١)، وَلأَِنَّ الْمَيِّتَ إِنْ كَانَ لَهُ مِيرَاثٌ انْتَقَل إِلَى الْوَرَثَةِ، فَنَفَقَةُ الْحَمْل نَصِيبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِيرَاثٌ لَمْ يَلْزَمْ وَارِثَ الْمَيِّتِ الإِْنْفَاقُ عَلَى حَمْل امْرَأَتِهِ كَمَا بَعْدَ الْوِلاَدَةِ.

وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: لَهَا النَّفَقَةُ فِي جَمِيعِ الْمَال. (٢)

١١ - أَمَّا الْحَامِل مِنَ الزِّنَى فَعِنْدَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ نِكَاحِهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا الزَّانِي يَحِل وَطْؤُهَا وَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ لاَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا اتِّفَاقًا، وَلاَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ؛ لأَِنَّ النَّفَقَةَ وَإِنْ وَجَبَتْ مَعَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ لَكِنْ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ مِنَ الدُّخُول مِنْ جِهَتِهَا، وَهُنَا يُوجَدُ مَانِعٌ. (٣)

خُرُوجُ جَمِيعِ الْحَمْل:

١٢ - الْوَضْعُ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ انْفِصَال جَمِيعِ الْحَمْل، حَتَّى إِذَا خَرَجَ أَكْثَرُ الْوَلَدِ لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ، فَتَصِحُّ مُرَاجَعَتُهَا وَلاَ تَحِل لِلأَْزْوَاجِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ،

_________

(١) حديث: " ليس للحامل المتوفى عنها زوجها نفقة " أخرجه الدارقطني في سننه (٤ / ٢١ - ط دار المحاسن بمصر) من حديث جابر بن عبد الله، وأعله شمس الحق العظيم آبادي، بتدليس راو فيه.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٦٧٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥١٥، وحاشية القليوبي ٤ / ٨٠، ٨١، والمغني لابن قدامة ٧ / ٦٠٨.

(٣) فتح القدير ٢ / ٣٨١.

وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ) . وَقَال ابْنُ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهَا تَحِل بِوَضْعِ ثُلُثَيِ الْحَمْل بِنَاءً عَلَى تَبَعِيَّةِ الأَْقَل لِلأَْكْثَرِ. (١)

وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَحْرِ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ أَكْثَرُ الْوَلَدِ يَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَلاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ. . . وَلاَ تَحِل لِلأَْزْوَاجِ أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْكُل فِي حَقِّ انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ احْتِيَاطًا، وَلاَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُل فِي حَقِّ حِلِّهَا لِلأَْزْوَاجِ احْتِيَاطًا. (٢)

١٣ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَمْل إِذَا كَانَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إِلاَّ بِوَضْعِ الآْخَرِ؛ لأَِنَّ الْحَمْل اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ، وَالْعِدَّةُ شُرِعَتْ لِمَعْرِفَةِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْحَمْل، فَإِذَا عُلِمَ وُجُودُ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ فَقَدْ تَيَقَّنَ وُجُودُ الْمُوجِبِ لِلْعِدَّةِ، وَانْتَفَتِ الْبَرَاءَةُ الْمُوجِبَةُ لاِنْقِضَائِهَا. (٣) وَهَذَا إِذَا كَانَ بَيْنَ وَضْعِ الْحَمْل الأَْوَّل وَالأَْخِيرِ أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ (٤) يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (عِدَّةٌ) .

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٢ / ٦٠٤، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٤، وحاشية القليوبي ٤ / ٤٢ - ٤٤، وحاشية الجمل ٤ / ٤٤٦، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٨٠، ٤٧٤.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٦٠٤.

(٣) ابن عابدين ٢ / ٦٤، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٤، وحاشية الجمل ٤ / ٤٤٦، والمغني لابن قدامة ٧ / ٤٧٤، ٤٧٥.

(٤) نفس المراجع.

١٤ - وَالْمُرَادُ بِالْحَمْل الَّذِي تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَوْ كَانَ مَيِّتًا أَوْ مُضْغَةً تُصُوِّرَتْ، وَلَوْ صُورَةً خَفِيَّةً تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الثِّقَاتِ مِنَ الْقَوَابِل، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) . وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مُضْغَةً لَمْ تُتَصَوَّرْ لَكِنْ شَهِدَ الثِّقَاتُ مِنَ الْقَوَابِل أَنَّهَا مَبْدَأُ خِلْقَةِ آدَمِيٍّ لَوْ بَقِيَتْ لَتُصُوِّرَتْ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِحُصُول بَرَاءَةِ الرَّحِمِ بِهِ. (١)

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ؛ لأَِنَّ الْحَمْل اسْمٌ لِنُطْفَةٍ مُتَغَيِّرَةٍ، فَإِذَا كَانَ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً لَمْ تَتَغَيَّرْ وَلَمْ تُتَصَوَّرْ فَلاَ يُعْرَفُ كَوْنُهَا مُتَغَيِّرَةً إِلاَّ بِاسْتِبَانَةِ بَعْضِ الْخَلْقِ.

أَمَّا إِذَا أَلْقَتْ نُطْفَةً أَوْ عَلَقَةً أَوْ دَمًا أَوْ وَضَعَتْ مُضْغَةً لاَ صُورَةَ فِيهَا فَلاَ تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِهِ عِنْدَهُمْ. (٢)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ دَمًا اجْتَمَعَ بِحَيْثُ إِذَا صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْحَارُّ لَمْ يَذُبْ يُعْتَبَرُ حَمْلًا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ. (٣)

وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (عِدَّةٌ) .

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٦٠٤، وحاشية القليوبي ٤ / ٤٣، ٤٤، والمغني ٧ / ٤٧٦، ٤٧٧.

(٢) نفس المراجع.

(٣) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٤.

تَصَرُّفَاتُ الْحَامِل:

١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ الْحَامِل لَهَا أَهْلِيَّةٌ تَامَّةٌ وَلاَ تُحَدُّ تَصَرُّفَاتُهَا بِسَبَبِ الْحَمْل، وَلاَ تُعْتَبَرُ مَرِيضَةً مَرَضَ الْمَوْتِ إِلاَّ إِذَا جَاءَهَا الطَّلْقُ؛ (١) لأَِنَّهُ أَلَمٌ شَدِيدٌ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ سَائِرِ الأَْمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ. وَأَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَلاَ أَلَمَ بِهَا، وَاحْتِمَال وُجُودِهِ خِلاَفُ الْعَادَةِ، فَلاَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِاحْتِمَالِهِ الْبَعِيدِ، كَمَا لاَ يُعْتَبَرُ احْتِمَال الإِْسْقَاطِ فِي كُل سَاعَةٍ. (٢)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ الْحَامِل بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ تُعْتَبَرُ مَرِيضَةً مَرَضَ الْمَوْتِ؛ لأَِنَّهَا تَتَوَقَّعُ الْوِلاَدَةَ كُل سَاعَةٍ.

وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لِلْحَجْرِ عَلَى الْحَامِل أَنْ تَكُونَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ بِيَوْمٍ كَامِلٍ عَلَى الأَْقَل، فَلَوْ تَبَرَّعَتْ بَعْدَ السِّتَّةِ وَقَبْل تَمَامِ الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ فِي السَّابِعِ بِأَنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ كَانَ تَبَرُّعُهَا مَاضِيًا. (٣) وَحَيْثُ اعْتُبِرَتِ الْحَامِل

_________

(١) الطلق: وجع الولادة، أي الوجع الذي لا يسكن حتى تلد أو تموت. وقيل: وإن سكن، لأن الوجع يسكن تارة، ويهيج أخرى. (المصباح المنير، وابن عابدين ٢ / ٥٢٤) .

(٢) ابن عابدين ٢ / ٥٢٤، وتبيين الحقائق للزيلعي ٢ / ٢٤٩، وحاشية القليوبي ٣ / ١٦٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٦٣، وكشاف القناع ٤ / ٣٢٥، والمغني لابن قدامة ٦ / ٨٦.

(٣) جواهر الإكليل ٢ / ١٠١، ١٠٢، والمغني لابن قدامة ٦ / ٨٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٠٦.

مَرِيضَةً مَرَضَ الْمَوْتِ، يَنْفُذُ تَبَرُّعُهَا بِمَا لاَ يَزِيدُ عَنِ الثُّلُثِ، كَالْوَصِيَّةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ مَرَضِ الْمَوْتِ. (١)

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي بَحْثِ: (مَرَضُ الْمَوْتِ) .

اسْتِيفَاءُ الْحُدُودِ مِنَ الْحَامِل:

١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى حَامِلٍ حَتَّى تَضَعَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَمْل مِنْ زِنًى أَمْ غَيْرِهِ، فَلاَ تُقْتَل إِذَا ارْتَدَّتْ، وَلاَ تُرْجَمُ إِذَا زَنَتْ، وَلاَ تُقْطَعُ إِذَا سَرَقَتْ، وَلاَ تُجْلَدُ إِذَا قَذَفَتْ أَوْ شَرِبَتْ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي غَامِدٍ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، طَهِّرْنِي، قَال وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ زِنًى. قَال: أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَال لَهَا: ارْجِعِي حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ، قَال: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَال: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: إِذًا لاَ نَرْجُمُهَا، وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ تُرْضِعُهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ فَقَال: إِلَيَّ إِرْضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَال: فَرَجَمَهَا (٢) .

وَلأَِنَّ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا فِي حَال حَمْلِهَا إِتْلاَفًا لِمَعْصُومٍ، وَلاَ سَبِيل إِلَيْهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْحَدُّ رَجْمًا

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٥٢١ - ٥٢٤،، والمراجع السابقة.

(٢) حديث: " المرأة من بني غامد. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٢١ - ١٣٢٣ - ط عيسى الحلبي) من حديث بريدة.

أَمْ غَيْرَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ تَلَفُ الْوَلَدِ مِنْ سِرَايَةِ الضَّرْبِ وَالْقَطْعِ، وَرُبَّمَا سَرَى إِلَى نَفْسِ الْمَضْرُوبِ وَالْمَقْطُوعِ، فَيَفُوتُ الْوَلَدُ بِفَوَاتِهِ. (١)

فَإِذَا وَضَعَتِ الْوَلَدَ، فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لاَ يُؤَخَّرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ أَوْ يَتَكَفَّل بِرَضَاعِهِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ تُحَدُّ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ، وَهُوَ اللَّبَنُ أَوَّل النِّتَاجِ لاِحْتِيَاجِ الْوَلَدِ إِلَيْهِ غَالِبًا. أَمَّا إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ أَوْ يَتَكَفَّل بِرَضَاعِهِ تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. (٢)

وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا، فَإِذَا وَضَعَتِ الْوَلَدَ وَانْقَطَعَ النِّفَاسُ وَكَانَتْ قَوِيَّةً يُؤْمَنُ تَلَفُهَا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ عَلَيْهَا التَّلَفُ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَقْوَى، فَيُسْتَوْفَى الْحَدُّ عَلَى وَجْهِ الْكَمَال مِنْ غَيْرِ خَوْفِ فَوَاتِهِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ)؛ لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ انْطَلَقَتْ فَوَلَدَتْ غُلاَمًا، فَجَاءَتْ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال لَهَا: انْطَلِقِي فَتَطَهَّرِي مِنَ الدَّمِ (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٣، ١٤٨، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل ٦ / ٢٥٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٣، وحاشية القليوبي ٤ / ١٢٤، ١٨٣، وروضة الطالبين ٩ / ٢٢٦، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٧١، ١٧٢.

(٢) المراجع السابقة.

(٣) حديث: " أن المرأة انطلقت. . . " سبق تخريجه بهذا المعنى ف / ١٦.

وَالتَّعْزِيرُ بِالْجَلْدِ وَنَحْوِهِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَدِّ جَلْدًا مِنْ حَيْثُ التَّأْخِيرُ وَعَدَمُهُ. (١)

وَيُعْتَبَرُ قَوْلُهَا إِنِ ادَّعَتِ الْحَمْل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِقَبُول النَّبِيِّ ﷺ قَوْل الْغَامِدِيَّةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُقْبَل قَوْلُهَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا، بَل بِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْحَمْل. وَمِثْل الْحُدُودِ حُكْمُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ. (٢) (ر: حَدٌّ، قِصَاصٌ) .

الاِعْتِدَاءُ عَلَى الْحَامِل:

١٧ - الاِعْتِدَاءُ عَلَى الْحَامِل بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ جَرِيمَةٌ كَالاِعْتِدَاءِ عَلَى أَيِّ إِنْسَانٍ يُنْظَرُ حُكْمُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (جِنَايَةٌ) فَإِذَا تَسَبَّبَ الاِعْتِدَاءُ فِي سُقُوطِ الْجَنِينِ مَيِّتًا فَفِيهِ غُرَّةٌ اتِّفَاقًا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةِ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ. فَقَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْل عَلَى عَصَبَتِهَا (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٤٨، وكشاف القناع ٦ / ٨٢، والقليوبي ٤ / ١٨٣، والمغني ٨ / ١٧٢.

(٢) المراجع السابقة، وابن عابدين ٣ / ١٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٣، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل ٦ / ٢٥٣، والقليوبي ٤ / ١٢٤.

(٣) حديث: " قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٠٩ - ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة.

وَتَجِبُ الْغُرَّةُ أَيْضًا إِذَا أَسْقَطَتْهُ الْحَامِل بِدَوَاءٍ أَوْ فِعْلٍ كَضَرْبِ بَطْنِهَا مَثَلًا. وَالْغُرَّةُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ قِيمَتُهَا نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ أُمِّ الْجَنِينِ، تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ وَمَنْ مَعَهُمْ إِذَا كَانَ الاِعْتِدَاءُ عَمْدًا حَيْثُ يَقُولُونَ بِوُجُوبِهَا فِي مَال الْجَانِي. (ر غُرَّةٌ) .

١٨ - وَإِذَا أَلْقَتْ بِهِ حَيًّا حَيَاةً مُحَقَّقَةً بِأَنِ اسْتَهَل صَارِخًا مَثَلًا ثُمَّ مَاتَ بِسَبَبِ الاِعْتِدَاءِ فَدِيَةٌ كَامِلَةٌ وَكَفَّارَةٌ اتِّفَاقًا، إِذَا كَانَ الاِعْتِدَاءُ خَطَأً، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَمْدًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ) .

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ إِذَا كَانَ عَمْدًا. (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (إِجْهَاضٌ، جَنِينٌ، غُرَّةٌ) .

مَوْتُ الْحَامِل وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ حَيٌّ:

١٩ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ قَوْل سُحْنُونٍ وَابْنِ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - بِأَنَّ الْحَامِل إِذَا مَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ حَيٌّ شُقَّ بَطْنُهَا وَيُخْرَجُ وَلَدُهَا؛ لأَِنَّهُ اسْتِبْقَاءُ حَيٍّ بِإِتْلاَفِ جُزْءٍ مِنَ الْمَيِّتِ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا اضْطُرَّ إِلَى أَكْل جُزْءٍ مِنَ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، ٣٧٩، وحاشية القليوبي ٤ / ١٥٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٧، ٢٧٢، وأسنى المطالب ٤ / ٨٩، وبداية المجتهد ٢ / ٤٠٧، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٩٩، ٣٠٠، ٨١١ - ٨١٥.

الْمَيِّتِ، وَإِحْيَاءُ نَفْسٍ أَوْلَى مِنْ صِيَانَةِ مَيِّتٍ، وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ شَقُّ بَطْنِ الْمَيِّتِ لإِخْرَاجِ مَال الْغَيْرِ مِنْهُ، فَلإِبْقَاءِ الْحَيِّ أَوْلَى. (١)

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُبْقَرُ بَطْنُ حَامِلٍ عَنْ جَنِينٍ، وَلَوْ رُجِيَ خُرُوجُهُ حَيًّا؛ لأَِنَّ هَذَا الْوَلَدَ لاَ يَعِيشُ عَادَةً وَلاَ يَتَحَقَّقُ أَنْ يَحْيَا، فَلاَ يَجُوزُ هَتْكُ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لأَِمْرٍ مَوْهُومٍ، (٢) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ (٣) .

وَفَصَّل النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ فَقَال: إِنْ رُجِيَ حَيَاةُ الْجَنِينِ وَجَبَ شَقُّ بَطْنِهَا وَإِخْرَاجُهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ، فَإِنْ لَمْ تُرْجَ حَيَاتُهُ فَثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا لاَ تُشَقُّ لَكِنَّهَا لاَ تُدْفَنُ حَتَّى يَمُوتَ الْجَنِينُ. (٤)

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٦٠٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٢٩، والمهذب للشيرازي ١ / ١٤٥.

(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٤٢٩، وجواهر الإكليل ١ / ١١٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٥١.

(٣) حديث: " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي. . . " أخرجه أحمد (٦ / ١٠٥ - ط المكتب الإسلامي) وأبو داود (٣ / ٥٤٣ - ط عزت عبيد الدعاس) وابن ماجه (١ / ١٦١٦ - ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة ﵂. قال ابن حجر: حسنه ابن القطان. وذكر القشيري (أي ابن دقيق العيد) أنه على شرط مسلم. أهـ. تلخيص الحبير ٣ / ٥٤ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٤) المجموع للنووي ٥ / ٣٠٢، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٩. ملحوظة: العمدة في هذه المسألة قول ثقات الأطباء، فإن غلب على الظن أن الجنين يحيا يجوز إخراجه بشق البطن، بل يجب.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ قُدِرَ عَلَى إِخْرَاجِهِ بِحِيلَةٍ غَيْرِ شَقِّ الْبَطْنِ، كَأَنْ يَسْطُوَ عَلَيْهِ الْقَوَابِل فَيُخْرِجْنَهُ فُعِل. أَمَّا إِنْ مَاتَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا وَهِيَ حَيَّةٌ جَازَ قَطْعُ الْجَنِينِ لإِنْقَاذِ حَيَاةِ الأُْمِّ بِلاَ خِلاَفٍ. (١) (ر. إِجْهَاضٌ) .

غُسْل وَتَكْفِينُ الْحَامِل:

٢٠ - إِنْ مَاتَتِ امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ أَنْ يُغَسِّلَهَا وَيُكَفِّنَهَا الْمُسْلِمُ، وَالْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي جَوَازِ الْغُسْل شَامِلٌ لِسَائِرِ الْكُفَّارِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ تَغْسِيل وَتَكْفِينُ الْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا؛ لأَِنَّ الْغُسْل تَعْظِيمٌ لِلْمَيِّتِ وَتَطْهِيرٌ لَهُ، وَالْكَافِرُ لاَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْثَرْ فِي كَلاَمِهِمْ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْحَامِل إِذَا مَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ مِنْ مُسْلِمٍ.

وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ الْجَوَازِ مُطْلَقًا؛ حَيْثُ قَالُوا: بِعَدَمِ حُرْمَةِ جَنِينِ الْحَامِل حَتَّى يُولَدَ صَارِخًا. هَذَا، وَلاَ يَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَيْهَا وَلاَ الدُّعَاءُ لَهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. (٢)

_________

(١) المراجع السابقة (اللجنة) .

(٢) البدائع ١ / ٣٠٣، وجواهر الإكليل ١ / ١١٦، ١١٧، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ١ / ٤٢٦، ٤٢٧، ٤٣٠، والمجموع للنووي ٥ / ١٤٤، ١٥٣، وكشاف القناع ٢ / ١٢٦.