الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
حَامِلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَامِل فِي اللُّغَةِ الْحُبْلَى وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ حَمَل الشَّيْءَ حَمْلًا، وَالْحَمْل أَيْضًا مَا يُحْمَل فِي الْبَطْنِ مِنَ الْوَلَدِ وَجَمْعُهُ أَحْمَالٌ وَحِمَالٌ، يُقَال: حَمِلَتِ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ وَحَمَلَتْ بِهِ عَلِقَتْ فَهِيَ حَامِلٌ بِغَيْرِ هَاءٍ؛ لأَِنَّهَا صِفَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالإِْنَاثِ، وَرُبَّمَا قِيل: حَامِلَةٌ. وَتُسْتَعْمَل فِي كُل أُنْثَى مِنَ الإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ. يُقَال: حَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، وَكُل بَهِيمَةٍ تَلِدُ حَبَلًا إِذَا حَمِلَتْ بِالْوَلَدِ، فَهِيَ حُبْلَى. وَقَال بَعْضُهُمُ: الْحَبَل مُخْتَصٌّ بِالآْدَمِيَّاتِ، وَأَمَّا الْحَمْل فَيَشْمَل الآْدَمِيَّاتِ وَالْبَهَائِمَ وَالشَّجَرَ، وَيُقَال فِيهَا: (حَمْلٌ) بِالْمِيمِ. (١)
أَمَّا حَمْل الْمَتَاعِ فَيُقَال فِيهِ: حَامِلٌ لِلذَّكَرِ، وَحَامِلَةٌ بِالْهَاءِ لِلأُْنْثَى؛ لأَِنَّهَا صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَالْحِمْل: مَا يُحْمَل عَلَى الظَّهْرِ وَنَحْوِهِ. (٢)
وَتُنْظَرُ أَحْكَامُ حَمْل الْمَتَاعِ فِي مُصْطَلَحِ: (حَمْلٌ) (وَإِجَارَةٌ) .
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، مادتي: (حول، وحبل) .
(٢) متن اللغة، والمصباح المنير، ولسان العرب مادة: (حمل) وفتح القدير ٦ / ٢٦٦، وابن عابدين ٢ / ١١٦.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْحَائِل:
٢ - الْحَائِل هِيَ الأُْنْثَى الَّتِي لَمْ تَحْمِل فَهِيَ مُقَابِل الْحَامِل. (١)
أَحْكَامُ الْحَامِل:
أَوَّلًا: بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ:
دَمُ الْحَامِل:
٣ - الْغَالِبُ عَدَمُ نُزُول الدَّمِ مِنَ الْحَامِل؛ لأَِنَّ فَمَ الرَّحِمِ يَنْسَدُّ بِالْحَبَل عَادَةً، وَلاَ يَنْفَتِحُ إِلاَّ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ حَيْثُ يَنْدَفِعُ النِّفَاسُ. فَإِذَا رَأَتِ الْحَامِل دَمًا حَال الْحَمْل وَقَبْل الْمَخَاضِ يَكُونُ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ اعْتَبَرُوا الدَّمَ النَّازِل مِنَ الْحَامِل قَبْل وِلاَدَتِهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ نِفَاسًا.
وَالاِسْتِحَاضَةُ لاَ تُسْقِطُ الصَّلاَةَ، وَلاَ تُحَرِّمُ الصَّوْمَ اتِّفَاقًا، وَلاَ الْجِمَاعَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، بِخِلاَفِ النِّفَاسِ الَّذِي يُسْقِطُ الصَّلاَةَ وَيُحَرِّمُ الصَّوْمَ وَالْوَطْءَ. (٢)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّ
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، مادتي: (حول وحبل) وابن عابدين ٢ / ٦٠٩، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ٤٨١.
(٢) فتح القدير ١ / ١٦٥، ١٦٧، والبدائع ١ / ١٧٦، ٤ / ٦٥، والدسوقي ١ / ١٦٩، ١٧٠، والمجموع ٢ / ٣٨٤، ٣٨٦، والمغني ١ / ٣٣٩، ٣٥٠، ٣٦١ - ٣٦٢.
الدَّمَ النَّازِل مِنَ الْحَامِل يُعْتَبَرُ حَيْضًا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ وَالْوَطْءَ، لَكِنَّهُ لاَ يُحْسَبُ مِنْ أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ. (١)
أَمَّا الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِل بَيْنَ الْوِلاَدَتَيْنِ فِي أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَفِيهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ رَأْيَانِ: الأَْوَّل: أَنَّهُ دَمُ نِفَاسٍ يَمْنَعُ الصَّوْمَ، وَالصَّلاَةَ، وَالْوَطْءَ؛ لأَِنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ عَقِيبَ الْوِلاَدَةِ. وَهَذَا رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ لاَ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْجِمَاعِ؛ لأَِنَّ النِّفَاسَ يَتَعَلَّقُ بِوَضْعِ مَا فِي الْبَطْنِ وَهِيَ لاَ تَزَال حُبْلَى، وَهَذَا رَأْيُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ يَكُونُ بِوِلاَدَةِ الثَّانِي؛ لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِفَرَاغِ الرَّحِمِ وَلَمْ يَحْصُل بِوِلاَدَةِ الأَْوَّل. (٢) وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِحَاضَةٌ ف ٢٢ - ٢٥) وَتَوْأَمٌ (ج ١٤ ١٠٣) وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ: (حَيْضٌ، نِفَاسٌ) .
إِفْطَارُ الْحَامِل فِي رَمَضَانَ:
٤ - يَجُوزُ لِلْحَامِل أَنْ تُفْطِرَ إِنْ خَافَتْ ضَرَرًا بِغَلَبَةِ
_________
(١) الدسوقي ١ / ١٧٠، والمجموع ٢ / ٣٨٤ - ٣٨٦.
(٢) المراجع السابقة.
الظَّنِّ عَلَى نَفْسِهَا وَوَلَدِهَا، وَيَجِبُ ذَلِكَ إِذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا هَلاَكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ بِلاَ فِدْيَةٍ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ إِذَا أَفْطَرَتِ الْحَامِل خَوْفًا عَلَى نَفْسِهَا؛ لأَِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ. (١)
وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْفِدْيَةُ كَذَلِكَ إِذَا أَفْطَرَتْ خَوْفًا عَلَى وَلَدِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْحَمْل مُتَّصِلٌ بِالْحَامِل، فَالْخَوْفُ عَلَيْهِ كَالْخَوْفِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا، وَلأَِنَّ الْفِدْيَةَ ثَبَتَتْ عَلَى الشَّيْخِ الْفَانِي بِخِلاَفِ الْقِيَاسِ؛ لأَِنَّهُ لاَ مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِدْيَةِ، وَالْفِطْرُ بِسَبَبِ الْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ. (٢)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ: إِذَا أَفْطَرَتِ الْحَامِل خَوْفًا عَلَى وَلَدِهَا فَعَلَيْهَا مَعَ الْقَضَاءِ الْفِدْيَةُ (طَعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُل يَوْمٍ)؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣) أَنَّهُ نُسِخَ حُكْمُهُ إِلاَّ فِي حَقِّ الْحَامِل وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلاَدِهِمَا. (٤)
_________
(١) الاختيار ١ / ١٣٥، وجواهر الإكليل ١ / ١٣٥، وتحفة المحتاج ٣ / ٤٢٩، ٤٣٠، والمغني لابن قدامة ٣ / ١٣٩.
(٢) ابن عابدين ٢ / ١١٦، ١١٧، وفتح القدير ٢ / ٢٧٦، والدسوقي ١ / ٥٣٦.
(٣) سورة البقرة / ١٨٤.
(٤) تحفة المحتاج ٣ / ٤٤٢، وأسنى المطالب ١ / ٤٢٨، ٤٢٩، والمغني ٣ / ١٣٩، ١٤٠.
نِكَاحُ الْحَامِل:
٥ - الْحَامِل مِنْ غَيْرِ الزِّنَى، أَيْ مَنْ كَانَ حَمْلُهَا ثَابِتَ النَّسَبِ لاَ يَصِحُّ نِكَاحُهَا لِغَيْرِ مَنْ ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ قَبْل وَضْعِ الْحَمْل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ الْحَمْل إِذَا كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنَ الْغَيْرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَمْ فَاسِدٍ أَمْ وَطْءِ شُبْهَةٍ لَزِمَ حِفْظُ حُرْمَةِ مَائِهِ بِالْمَنْعِ مِنَ النِّكَاحِ، وَلأَِنَّ عِدَّةَ الْحَامِل لاَ تَنْتَهِي إِلاَّ بِوَضْعِ الْحَمْل، وَلاَ يَجُوزُ نِكَاحُ مُعْتَدَّةِ الْغَيْرِ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (١) أَيْ مَا كُتِبَ عَلَيْهَا مِنَ التَّرَبُّصِ. (٢)
وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْحَامِل الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ بَيْنُونَةً صُغْرَى لِمَنْ لَهُ الْحَمْل أَيِ الزَّوْجِ السَّابِقِ؛ لأَِنَّ الْعِدَّةَ حَقُّ الزَّوْجِ فَلاَ يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّهِ.
أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ ثَلاَثًا (الْبَائِنُ بَيْنُونَةً كُبْرَى) فَلاَ يَجُوزُ نِكَاحُهَا إِلاَّ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْل اتِّفَاقًا. (٣)
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ نِكَاحِ الْحَامِل مِنْ زِنًى: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ نِكَاحُهَا قَبْل وَضْعِ الْحَمْل، لاَ مِنَ الزَّانِي نَفْسِهِ وَلاَ مِنْ غَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٣٥.
(٢) البدائع ٢ / ٢٦٩، وابن عابدين ٢ / ٢٩١، ٢٦٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢١٨، والجمل ٤ / ٤٥٥، ٤٧١، ٤٧٢، والمغني ٦ / ٦٠١.
(٣) المراجع السابقة.
: لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ (١) .
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمَّا أَصَابَهَا وَجَدَهَا حُبْلَى فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُ الْحَامِل مِنَ الزِّنَى؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْ نِكَاحِ الْحَامِل حَمْلًا ثَابِتَ النَّسَبِ لِحُرْمَةِ مَاءِ الْوَطْءِ، وَلاَ حُرْمَةَ لِمَاءِ الزِّنَى بِدَلِيل أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ (٣) . وَلاَ تُشْتَرَطُ التَّوْبَةُ لِصِحَّةِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ رَجُلًا وَامْرَأَةً فِي الزِّنَى وَحَرَصَ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا. (٤)
_________
(١) حديث: " لا توطأ حامل حتى تضع " أخرجه أبو داود (٢ / ٦١٤ - ط عزت عبيد الدعاس) . والبيهقي (٧ / ٤٤٩ - ط دار المعرفة) والحاكم (٢ / ١٩٥ - ط دار الكتاب العربي) من حديث أبي سعيد الخدري. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٢٩١، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧٦، وكشاف القناع ٥ / ٨٢، ٨٣، وحديث: " أن رجلا تزوج امرأة فلما أصابها. . . " أخرجه سعيد بن منصور (١ / ١٧٦ - ١٧٧ - ط علمي بريس) مرسلا عن سعيد بن المسيب. والبيهقي (٧ / ١٥٧ - ط دار المعرفة) مرسلا وموصولا عن رجل من الأنصار. وفيه ابن جريج وقد عنعن.
(٣) حديث: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٣٢ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠٨٠ - ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة.
(٤) البدائع ٢ / ٢٦٩، وابن عابدين ٢ / ٢٩١، ٢٩٢، والجمل ٤ / ٤٥٥، ٤٥٦، ٤٧١، ٤٧٢.
وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ التَّوْبَةَ لِجَوَازِ نِكَاحِ الْحَامِل مِنَ الزِّنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ﴾ . . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وَهِيَ قَبْل التَّوْبَةِ فِي حُكْمِ الزِّنَى، فَإِذَا تَابَتْ زَال ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ (٢) .
وَمَعَ الْقَوْل بِجَوَازِ نِكَاحِ الْحَامِل مِنَ الزِّنَى فَلاَ فَرْقَ فِي حِل نِكَاحِهَا لِلزَّانِي وَغَيْرِهِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَامِل إِذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ مَنْ زَنَى بِهَا لاَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَضَعَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ (٣) " وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (عِدَّةٌ، نِكَاحٌ، زِنًى) .
وَإِذَا تَزَوَّجَهَا مَنْ لَهُ الْحَمْل جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُونَ نِكَاحَهَا (٤) .
_________
(١) سورة النور / ٣.
(٢) المغني ٦ / ٦٠١ - ٦٠٣، وكشاف القناع ٥ / ٨٢، ٨٣. وحديث: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٤١٩ - ١٤٢٠ - ط عيسى الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود. وأخرجه البيهقي (١٠ / ١٥٤ - ط دار المعرفة) . من حديث أبي عتبة الخولاني.
(٣) حديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٦١٥ - ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (٣ / ٤٣٧ - ط مصطفى الحلبي) من حديث رافع بن ثابت. وقال: حديث حسن.
(٤) المراجع السابقة
طَلاَقُ الْحَامِل:
٦ - يَصِحُّ طَلاَقُ الْحَامِل رَجْعِيًّا وَبَائِنًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَيُعْتَبَرُ طَلاَقُهَا طَلاَقَ السُّنَّةِ إِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً عَنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ ثَلاَثًا يَفْصِل بَيْنَ كُل تَطْلِيقَتَيْنِ بِشَهْرٍ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَانْظُرْ (طَلاَقٌ) .
فَإِذَا طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا صَحَّ رُجُوعُ الزَّوْجِ إِلَيْهَا أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ. وَيَصِحُّ لَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ إِذَا طَلَّقَهَا بَائِنًا بِطَلْقَةٍ أَوْ طَلْقَتَيْنِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا طَلَّقَهَا ثَلاَثًا حَيْثُ لاَ يَجُوزُ نِكَاحُهَا مُطْلَقًا إِلاَّ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْل، وَلاَ تَحِل لِمُطَلِّقِهَا ثَلاَثًا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. (١)
وَإِذَا عَلَّقَ الطَّلاَقَ بِحَمْلٍ كَأَنْ قَال: إِنْ كُنْتِ حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ بِهَا حَمْلٌ ظَاهِرٌ وَقَعَ الطَّلاَقُ فِي الْحَال عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِلاَّ فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقَعَ مِنْ حِينِ التَّعْلِيقِ؛ لِثُبُوتِ الْحَمْل؛ إِذْ أَقَل مُدَّتِهِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. (٢)
أَمَّا إِذَا وَلَدَتْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي بَحْثِ: (طَلاَقٌ) .
عِدَّةُ الْحَامِل:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحَامِل
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٤١٩، والاختيار ٣ / ١٢٢، وحاشية القليوبي ٣ / ٣٤٨، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٤ / ٣٥٩، و٣٦٠، والمدونة الكبرى ٢ / ٤٢٠، والمغني ٧ / ١٠٥ - ١٠٧، وكشاف القناع ٥ / ٢٤٢.
(٢) المراجع السابقة، والقليوبي ٣ / ٣٥٤.
وَضْعُ الْحَمْل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاَتُ الأَْحْمَال أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) . وَلأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْعِدَّةِ تَعَرُّفُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِوَضْعِ الْحَمْل. (٢) وَفِي بَعْضِ صُوَرِ الْعِدَّةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (عِدَّةٌ) .
نَفَقَةُ الْحَامِل:
٨ - تَجِبُ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْحَامِل الْمُطَلَّقَةِ طَلاَقًا رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤) .
٩ - وَفِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْحَامِل النَّاشِزِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ:
قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْحَامِل النَّاشِزِ؛ لأَِنَّ النَّفَقَةَ حَيْثُ لَمْ تَحْمِل خَاصَّةٌ لَهَا فَتَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ، وَمَعَ حَمْلِهَا تَجِبُ النَّفَقَةُ لَهَا وَلِلْحَمْل. وَعَدَمُ سُقُوطِ النَّفَقَةِ بِنُشُوزِ الْحَامِل إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا
_________
(١) سورة الطلاق / ٤.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٦٠٣، ٦٠٤، وجواهر الإكليل ١ / ٣٦٤، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٤، وحاشية الجمل ٤ / ٤٤٥، ٤٤٦، والمغني ٧ / ٤٧٤، ٤٧٥.
(٣) ابن عابدين ٢ / ٦٦٩، وجواهر الإكليل ١ / ٦٠٤، والقليوبي ٤ / ٨١، والمغني ٧ / ٦٠٦ - ٦٠٨.
(٤) سورة الطلاق / ٦.
بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْل نَفْسِهِ، وَالْحَامِل طَرِيقُ وُصُول النَّفَقَةِ إِلَيْهِ لأَِنَّهُ يَتَغَذَّى بِغِذَاءِ أُمِّهِ. (١)
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ نَفَقَةَ الْحَامِل تَسْقُطُ بِنُشُوزِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لَهَا لاَ لِلْحَمْل؛ لأَِنَّهَا لَوْ كَانَتْ لَهُ لَتَقَدَّرَتْ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ، وَلأَِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ لَمَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَإِذَا كَانَ أَصْل النَّفَقَةِ لَهَا لاَ لِلْحَمْل فَتَسْقُطُ بِنُشُوزِهَا. (٢)
وَعَلَى هَذَا الْخِلاَفِ بَنَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ حُكْمَ الْحَامِل مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، فَإِذَا قِيل: إِنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْل فَعَلَى الزَّوْجِ أَوِ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ النَّفَقَةُ؛ لأَِنَّهُ وَلَدُهُ فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ، كَمَا بَعْدَ الْوَضْعِ، وَإِنْ قِيل لِلْحَامِل: لاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ وَلاَ عَلَى الزَّوْجِ مُدَّةَ عِدَّةِ الشُّبْهَةِ. (٣)
١٠ - أَمَّا الْحَامِل الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِمَوْتِ الزَّوْجِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) لِحَدِيثِ: لَيْسَ لِلْحَامِل الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٤٠٤، والزرقاني ٤ / ٢٥١، وحاشية الجمل ٤ / ٥٠٤، والمغني ٧ / ٦٠٨، ٦٠٩.
(٢) حاشية القليوبي ٤ / ٨٠، ٨١، وحاشية الجمل ٤ / ٥٠٤، ٥٠٥، والمغني ٧ / ٦٠٨، و٦٠٩.
(٣) المراجع السابقة وشرح المنهج بحاشية الجمل ٤ / ٥٠٤.